قوله تعالى: (وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأَمْرِهِ. .)
قال ذلك هنا، وقال في الجاثية بزيادة " فيه "، لأنَّ ما هنا لم يتقدّمه مرجعُ الضميرِ، وثَمَّ تقدَّم له مرجعٌ وهو البحر، حيث قال (الله الذي سخَّر لكم البحْرَ) .
قوله تعالى: (الله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الضَّعْفَ صفةٌ، والمخاطبون لم يخلقوا من صفةٍ بل من عينٍ، وهي الماءُ أو الترابُ؟
قلتُ: المرادُ بالضعفِ " الضعيفُ "، من إطلاقِ المصدر على اسم الفاعل، كقولهم: رجلٌ عدْلٌ أي:
عادل، فمعناه من ضعيف وهو النطفة.
قوله تعالى: (وَقَالَ آلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالِإيمَانَ لَقَدْ لَبَثْتُمْ فِي كِتَابِ الله. .) ، أي لبثتم في قبوركم في علم كتاب الله، أو في خبره، أو في قضاء الله.
قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) ، أي لا يُطلب منهم الِإعتاب أي الرجوع إلى الله تعالى.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع قوله في فصّلت: (وإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ المُعْتَبِين) حيث جعلهم مطلوباً منهم الِإعتابُ، وثَمَّ طالبينَ له؟!
قلت: معنى قوله (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتبونَ) أي ولا هم يُقالون عثَراتِهم، بالردِّ إلى الدنيا، ومعنى قوله " وإِن يَسْتعتِبُوا فَمَا هم من المُعْتَبينَ " أي إن يستقيلوا فما هم من المُقَالين، فلا تنافي.
قوله تعالى: (وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً. .) .
قال هنا بزيادة " كأنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً " وفي الجاثية بحذفه، مع أنهما نزلا في " النضرِ بن الحارث " حيث كان يعدل عن سماع القرآن، إلى اللهو وسماعِ الغناء، لأنه تعالى بالغ في ذمِّه هنا، فناسبَ زيادةُ ذلك، بخلاف ما في الجاثية.
قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الِإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ. .) الآيتين.
إن قلتَ: كيف وقعت الآيتان في أثناء وصية لقمان لابنه؟
قلتُ: هما من الجُمَل الاعتراضية، التي لا محلٍ لها من الِإعراب، اعتُرِض بها بين كلامين متَّصليْنِ معنى، تأكيداً لما في وصية لقمان لابنه من النهي عن الشرك.
فإِن قلتَ: لمَ فَصَل بين الوصية ومفعولها بقوله " حملتْهُ أً مُّهُ وهناً على وَهنٍ وفِصَالُهُ في عامينِ "؟
قلتُ: تخصيصاً للأم بزيادة التأكيد في الوصية، لما تكابده من المشاقَ.
قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الَأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ..) .
إن قلتَ: المطابقُ لأولها أن يُقال: وما في الأبحر من ماءٍ مدادٌ، فلمَ عَدَل عنه إلى قوله " والبحرُ يمدُّه منْ بَعْدِهِ سَبْعَة أَبْحُرٍ "؟
قلتُ: استغنى عن المداد بقوله " يَمدُّه " من مدَّ الدواة وأمدَّها أي زادها مداداً، فجعل البحر المحيط بمنزلة الدَّواة، والأبحر السبعة مملوءة مداداً أبداً لا تنقطع، فصار نظيرَ ما قلتم،
ونظيرَ قوله تعالى: " قُلْ لَوْ كَانَ البحرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي " الآية، وأشار بـ " لو " إلى أن البحارَ غير موجودة، أي لو مُدَّت البحارُ الموجودة سبعة أبحرٍ أُخرى، وذكرُ السبعة ليس للحصر بل للمبالغة، وإِنما خُصَّت بالذّكر لكثرة ما يُعدُّ بها، كالكواكب السيارة، والسموات والأرضينَ وغيرها، ولأنها عددٌ تنحصر فيه المعدودات الكثيرة، إذْ كُلُّ أحدٍ يحتاج في حاجته إلى زمانٍ ومكان، والزمانُ منحصرٌ في سبعة أيام، والمكان في سبعة أقاليم.
فإِن قلتَ: المقصود هنا التفخيمُ والتعظيمُ، فكيف أتى بجمع القلة في قوله " كلماتُ الله "؟
قلتُ: جمعُ القلَّة هنا أبلغ في المقصود، لأن جمع القلَّة إذا لم ينفد بما ذُكر من الأقلام والمداد، فكيف ينفد به جمعُ الكثرة؟!
قوله تعالى: (كلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى. .) الآية.
قاله هنا بلفظ " إلى " وفي فاطر، والزمر بلفظ اللام،
لأن ما هنا وقع بين اثنتيْنِ دالَّتيْنِ على غاية ما ينتهي إليه الخلقُ، وهما قوله تعالى: " ما خَلْقُكُمْ ولا بعثُكُمْ إِلّاَ
كنفْسٍ واحدةٍ " وقوله: " يا أيها الناسُ اتقوا ربكم واخشَوْا يوماً " الآية، فناسب ذكر " إلى " الدالة على الانتهاء، والمعنى لا يزال كلٌّ من الشمس والقمر جارياً، حتى ينتهي إلى آخر وقت جريه المسمى له، وما في فاطر والزمر خالٍ عن ذلك، إذْ ما في فاطر لم يُذكر مع ابتداء خلقٍ ولا انتهاءٍ به، وما في الزمر ذُكر مع ابتداء به فناسب ذكر اللام المعدّية، والمعنى: يجري كل مما ذُكر لبلوغ أجلٍ.