قوله تعالى: (فَأرْسَلْنَا إِلَيْها رُوحَنَا. .) أي جبريل.
فإن قلتَ: كيف قال ذلكَ، مع اتفاق العلماء على أن الوحي لم ينزل على امرأة، ولهذا قالوا في قوله " وأوحينا إلى أُمّ موسى " أنه وحيُ إلهام، وقيل: وحي منام. قلتُ: لا نسلِّم أن الوحي لم يُنزَّل على امرأة، فقد
قال مقاتل في قوله تعالى " وأوحينا إلى أمِّ موسى " أنه كان وحياً بواسطة جبريل، والمتَّفقُ عليه إنما هو وحي
الرسالة، لا مطلق الوحي، والوحيُ هنا إنما هو ببشارة الولد لا بالرسالة.
قوله تعالى: (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً) .
إن قلتَ: كيف قالت مريم ذلك، مع أنه إنما يُتعوَّذ من الفاسق لا من التقيِّ؟
قلتُ: معناه إن كنتَ ممن يتَّقي اللَّهَ، فأنتَ تنتهي عني بتعوذي باللَّهِ منك.
وقيل: ظنَّته رجلًا اسمُه " تقيٌّ " - وكان فاجراً - فتعوَّذتْ منه. (1)
قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكيّاَ) بتقدير إنما أنا رسولُ ربِّكِ، يقول لكِ: أرسلتُ رسولًا إليكِ لأهب لكِ، فيكون حكاية عن الله، لا من قوِل جبريل، وقُرِىء " لِيَهَبَ لَكِ " أي ليهب ربُّكِ لكِ غلاماَ، أو بإسناد الهبة إلى جبريل مجازاً، أي لأكون سبباً في هبة الولد، بواسطة نفخي في درعها، فهو من قول جبريل.
قوله تعالى: (وَلَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ وَلَمْ أكُ بَغِيّاً) . لم تقل: بغيَّةً، لما قاله ابن الأنباري من أنَّ " بغيّاً " غالب في النساء، وقلَّ ما يقول العرب: رجلٌ بغي، فتركوا التاء فيه إجراءً له مجرى حائض، وعاقر. أو هو: " فعيل " بمعنى فاعل، فتركوا التاء فيه كما في قوله تعالى: " إنَّ رحمةَ اللَّهِ قريب من المحسنينَ ". . أو لموافقة الفواصل.
قوله تعالى: (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيّاً) مرتَّبٌ على مقدَّرٍ بينه وبين الشرط تقديره: فإما ترينَّ من البشر أحداً، فيسألك الكلام، فقولي إني نذرتُ الآية، وبهذا سقط ما قيل من أن قولها " فلن أكَلَم اليومَ إنسيّاً " كلامٌ بعد النذر، إذ هو بهذا التقدير من تمام النذر لا بعده.
قوله تعالى: (وَأوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) .
إن قلتَ: كيف امر بذلك مع أنه كان طفلاً، وخطابُ التكليفِ إِنما يكون بعد البلوغ والتمييز؟
قلت: ذلك لا يدلُّ على أنه أوصاه بأداء ذلك في الحال، بل أوصاه في الحال بالأداء بعد البلوغ والتمييز، أو أن الله صيَّره عقب ولادته بالغاً مميِّزاً، بدليل قوله تعالى " إن مَثَلَ عيسى عند الله كمثلِ آدمَ " فكما أنه تعالى خلق آدم تاماً كاملاً دفعةً، فكذا القول في " عيسى " عليهما السلام، وهو أقرب إلى ظاهر قوله (مادمتُ حياً) ، فما أوصاه بذلك إلا بعد بلوغه وتمييزه.
فإن قلتَ: الزكاة إنما تجب على الأغنياء، وعيسى لم يزل فقيراً، لابساً كساءً مدة مكثه في الأرض، مع علمه تعالى بحاله، فكيف أوصاه بها؟!
قلتُ: المراد بالزكاة هنا تزكيةُ النفس وتطهيرها من المعاصي، لا زكاة المال.
قوله تعالى: (وإنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) .
قال ذلك هنا، وقال في الزخرف " وإنَّ اللَّهَ هوَ ربِّي وربُّكُمْ " بزيادة " هو " لأنه تعالى ذكر قصة عيسى عليه السلام هنا مستوفاة، فأغنى ذلك عن التأكيد، بخلافه ثَمَّ، ولذلك قال هنا: " فويلٌ للذينَ كفروا " وفي
الزخرف " فويلِّ للذين ظلموا " إِذِ الكفرُ أشدُّ قبحاً من الظلم، فكان وصفُ من ذُكر بالكفر، في المحلِّ الذي استوفى فيه قصة عيسى، أنسبَ بالمحلّ الذي أجمل فيه قصَّته.
وقال هنا: " أَسْمِعْ بهمْ وأَبْصِرْ " وعكَسَ في الكهف، لأن معناه هنا أنه تعالى ذكر قصص الأنبياء، فاسمعْها وتدبَّرْها، واستعملْ النظر فيها ببصيرتك، ومعناه في الكهف أنه تعالى له غيبُ السمواتِ والأرض، فاجعلْ بصيرتك في الفكر في مخلوقاته، وتدبَّرها بحيثُ تصلُ إلى معرفته، واسمِع لصفاته ووحِّدْهُ، فناسب تقديم السمع هنا، والبصرِ ثمَّ.
قوله تعالى: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) .
إن قلتَ: الاستغفارُ للكافر حرامٌ، فكيف وعد إبراهيم عليه السلام أباه، بالاستغفار له مع أنه كافرٌ؟
قلتُ: معناه سأسال اللَّهَ لك توبةً، تنال بها مغفرته يعني الِإسلامَ، والاستغفارُ للكافر بهذا الوجه جائزٌ، كأن يقول: اللهم وفِّقْه للِإسلام، أوتبْ عليه واهده. أو أنه
وعده ذلك قبل تحريم الاستغفار للكافر.
قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً) .
إن قلتَ: هارون كان أكبر من موسى، فما معنى هبته
له؟
قلتُ: معناه أن الله تعالى أنعم على موسى عليه السلام، بإجابتهِ دعوتَه فيه، حيثُ قال: " واجعلْ لي وَزِيراً منْ أهلي. هارونَ أخي " الآية، فمعنى هبته له، جعلَه عضداً له وناصراً ومعيناً.