قوله تعالى: (إِلّاَ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شيْئاً)
قاله هنا: وقال في الفرقان " وعمل عملاً صالحاً " لأنه تعالى أوجز هنا في ذكر المعاصي، فأوجز في التوبة،
وأطال ثَم فأطال.
قوله تعالى: (لَقَدْ أحْصَاهُمْ وَعَذَهُمْ عَداً) .
إن قلت: ما فائدة ذكر العدِّ بعد الِإحصاء، مع أن الاحصاء هو العدُّ أو الحصرُ، والحصرُ لا يكون إلا بعد معرفة العدد؟
قلت: له معنى ثالث، وهو العلمُ كقوله تعالى " وأحصى كل شيءٍ عدداً " أي علم عدد كل شيء، فالمعنى هنا: لقد علمهم، وعدهم عدّاً.
قوله تعالى: (وَهَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكثُوا. .) الآية.
إن قلتَ: كيف حكى الله تعالى قول موسى عليه السلام لأهله، عند رؤية النَّار هنا، وفي النمل، والقَصَص بعباراتٍ مختلفة، وهذه القصة لم تقع إلاَّ مرَّة واحدة، فكيف اختلفت عبارة موسى فيها؟!
قلتُ: قد مرَّ في الأعراف في قصة موسى عليه السلام، مثلَ هذا السؤال، مع جوابه، وجوابُه ثَمَّ يأتي هنا.
قوله تعالى: (فَلَمَّا أتَاهَا نُودِيَ يا مُوسَى إِنِّي أنَا رَبُّكَ. .) الآية.
قاله هنا وفي القَصَص بلفظ " أتى " وفي النمل بلفظ " جاء " لأنهما وإن كانا بمعنى واحد، غاير بينهما لفظاً، توسعةً في التعبير عن الشيء بمتساويين.
وخُصَّ " أتى " بهذه السورة لكثرة التعبير بالِإتيان فيها، و " جاء " بالنمل لكثرة التعبير بالمجيء فيها، وأُلحق ما في القصص بما في " طه " لفور ما بينهما، أي من حيثُ قوله هنا " يا موسى إني أنا ربُّك " وقوله في القصص " يا موسى إني أنا اللَّهُ " وإن اختلف محلهما، بخلاف ذلك في النمل..
قوله تعالى: (فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) .
ضميرُ " عنها " و " بها " للساعة، والمنهيُّ ظاهراً من لا يؤمن بها، وحقيقةً موسى عليه السلام، إذ المقصودُ نهيُ موسى عن التكذيب بالسَّاعة.
قوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) ؟
إن قلتَ: ما فائدةُ سؤالهِ تعالى لموسى، مع أنه أعلمُ بما في يده؟!
قلتُ: فائدتُه تأنيسُه، وتخفيفُ ما حصل عنده من دهشةِ الخطاب، وهيبة الِإجلال، وقت التكلم معه، أو اعترافه بكونها عَصَا، وازدياد علمه بذلك، فلا يعترضه شكّ إذا قلبها الله ثعباناً، أنها كانت عصى ثم انقلبت ثعباناً بقدرة الله تعالى.
قوله تعالى: (قَالَ هِيَ عَصَايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْهَا
وَأَهُشّ بِهَا عَلَى غَنَمِي. .) الآية. هو جواب موسى - عليه السلام -
فإن قلتَ: لمَ زاد عليه " أتوكأ عليها وأهشُّ بها
على غنمي ولي فيها مآربُ أخرى "؟.
قلتُ: قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنه سُئل سؤالاً ثانياً: ما تصنعُ بها؟ فأجاب بذلك.
أو ذكرَ ذلك خوفاً من أنْ يُؤمرَ بإِلقائها، كما أُمِرَ بإِلقاءِ النَّعلين، أو لئلا يُنسبَ إلى التَّعب في حملها، مع المقام مقامُ البسطِ، للتلذُّذِ بالكلام مع الربِّ تعالى، ولهذا بَسَط في نفس الجواب، إذ كان يكفي فيه أن يقول: عصا.
قوله تعالى: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيةً أُخْرَى) .
جعل هنا الجناح مضموماً إليه، وفي القصص مضموماً في قوله: (واضمُمْ إليك جناحَك) لأن المراد به هنا، ما بين العضد إلى الِإبط من اليد اليُسرى، وبه
ثَمَّ ذلك من اليد اليمنى، فلا تنافي.
قوله تعالى: (إِذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) .
قال ذلك هنا، وقال في الشعراء (وإذْ نَادَى ربُّكَ مُوسَى أَنِ ائتِ القَوْمَ الظَّالمين. قومَ فِرْعَوْنَ) وفي القصص (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلِإهِ) . اقتصر في " طه " على فرعون، لأنَّه الأصلُ بالنسبة
إلى قومه، مع سبقِ طه.
واكتفى في " الشعراء " بذكره في الإِضافة، عن ذكره مفرداً.
وجمع بينهما: في " القصص " ليوافق قولَه: " فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ " في التَّعدد