قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) .
قاله بلفظ " الِإمْرِ " لأنه للعجب، والعجب كما يكون في الخير، يكون في الشرِّ، وقاله بعد في قتل الغلام بلفظ " نُكْراً " لأنه لا يكون إلا في الشرّ، وقتلُ النفسِ أعظمُ من مجرَّد خرق السفينة، فناسب كلٌّ ما هو فيه، ولذلك قال في خرق السفينة " ألَمْ أقُلْ إنَّكَ " بحذف " لك " وفي قتل الغلام " ألمْ أقُلْ لكَ إنَّكَ " بذكره، ولأن في ذكره، قصدَ زيادة المواجهة، بالعتاب على تركِ الوصيَّةِ مرَّة ثانية.
قوله تعالى: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) .
جاء بالأول بالتاء " تَسْتَطِعْ " على الأصل، وفي الثاني " تَسْطِعْ " بحذفها تخفيفاً لأنه الفرعُ، وعَكَس ذلك في قوله " فَمَا اسْطَاعُوا أن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً " لأن مفعول الأول اشتمل على حرفٍ، وفعل وفاعل، ومفعول، فناسبه الحذف تخفيفاً، بخلاف مفعول الثاني فإنه اسم واحد، وهو قوله " نقباً " فناسبه البقاءُ على الأصل.
قوله تعالى: (أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكينَ
يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأَرَدْت أَن أَعِيبَها. .) .
قاله الخَضِرُ في خرقِ السفينة، وقال في قتل الغلام " فَأردْنَا أنْ يُبْدلَهُمَا ربًّهُما خَيْراً منْهُ " وفي إقامةِ جدارِ اليتيمينِ " فَأرَادَ ربًّكَ أنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا ".
لأنَّ الأول في الظاهر إفسادٌ محضٌ، فأسنده إلى نفسه.
وفي الثالث إنعامٌ محضٌ، فأسنده إلى ربه تعالى.
وفي الثاني إفسادٌ من حيثُ القتلُ، وإنعامٌ من حيثُ التبديلُ، فأسنده إلى ربِّه ونفسه، كذا قيل في الأخيرة.
والأوجهُ فيه ما قيل: إنه عبَّر عن نفسه فيه بلفظ
الجمع، تنبيهاً على أنه من العِظَام في علوم الحكمة، فلم يُقْدِم على القتل إلَّا لحكمة عالية.
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ. .) .
إن قلتَ: الشمس في السَّماءِ الرابعة (1) ، وهي بقدر كرة الأرض مائةً وستين، أو وخمسين، أو وعشرين مرَّة، فكيف تَسَعها عينٌ في الأرضِ تغرب فيها؟
قلتُ المرادُ وجدها في ظنّه، كما يرى راكبُ البحر، الشمسَ طالعةً وغاربةً فيه، " فذو القرنين " انتهى إلى آخر البُنيانِ في جهة الغَرْب، فوجد عيناً واسعة، فظنَّ أن الشمس تغربُ فيها.
فإن قلتَ: " ذو القرنين " كان نبياً، أو تقياً حكيماً، فكيف خفي عليه هذا حتى وقع في ظنِّ ما يستحيلُ وقوعُه؟
قلتُ: الأنبياء والحكماءُ لا يبعد أن يقع منهم مثل ذلك، ألا ترى إلى ظنِّ موسى فيما أنكره على الخضِر، وأيضاً فاللَّه قادرٌ على تصغير جُرْم الشمس، وتوسيع العينِ وكرة الأرضِ، بحيث تسع عينُ الماء
(1) عينَ الشمس، فلمَ لا يجوز ذلك، ولم يُعلم به لقصور عقولنا عن الِإحاطة بذلك!!
قوله تعالى: (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً) .
أي قَدْراً لحقارتهم، وليس المرادُ فلا ننصبُ لهم ميزاناً، لأن الميزانَ إنما يُنصبُ ليوزن به الحسناتُ، في مقابلته السيئات، والكافر لا حسنةَ له، وأما قوله تعالى (وأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) فهو فيمن غلبتْ سيئاتُه على حسناته من المؤمنين، فإنه يدخل النار لكنْ لا يُخلَّد فيها.
قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقوبَ. .) . أي يرث العلم والنبوة لا المال، لخبر " نحن معاشرَ الأنبياء لا نورثُ ما تركناه صدقة "..
وورث يتعدَّى بنفسه وب " مِنْ " وقد جُمع بينهما في الآية، وقيل: " مِنْ " للتبعيض لا للتعدية، لأن آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء، وعلى الأول المرادُ من " آل يعقوب " الأنبياء، لأنهم الذين لا يورِّثون إلَّا العلم والنبوَّة.
قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أنَّى يَكُونُ لِي غلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأتِي عَاقِراً.) الأية.
إن قلتَ: كيف استبعد زكريا ذلك وأنكره؟
قلتُ: لم يفعله إنكاراً، بل ليُجاب بما أجيب به عن
طلبه الولد، وهو قولُه تعالى: " يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّركَ بِغُلَام اسمُه يَحْىَ " فيزدادُ الموقنون إيقاناً، ويرتدع المبطلون. أو قاله: تعجُّبَ فرحٍ وسرورٍ، لا تعجُّبَ إنكارٍ واستبعاد، ويعقوب المذكور هو أبو " يوسف " وقيل: هو أخو زكريا، وقيل: هو أخو عمران أبي مريم عليه السلام.
قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لي آيةً. .) أي علامة.
فإن قلتَ: كيف طلب العلامة على وجود الولد، بعدما بشَّره اللَّهُ تعالى؟
قلتُ: ليبادر إلى الشكر، ويتعجل السرور، إذِ الحملُ لا يظهر في أول العلوق، فأراد معرفته أول وجوده، فجعل الله آية وجوده عجزَه عن كلام الناس.
قوله تعالى: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً) .
قال ذلك هنا، وقال بعده " ولم يجعلني جباراً شقياً " لأن الأول في حق " يحى " والثاني في حقّ "
عيسى " عليهما السلام.
قوله تعالى: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً)
قاله هنا: في قصَّة " يحى " منكَّراً، وقال بعدُ في قصة " عيسى ": (والسَّلَامُ عليَّ يومَ وُلدتُ) ومعرَّفاً، لأن الأول من الله، والقليلُ منه كثيرٌ، والثاني من عيسى و " أل " للاستغراق، أو للعهد كما في قوله تعالى: (كما أرسَلْنا إلى فرعَونَ رسُولَاَ. فَعَصى فرعونُ الرَّسولَ) أي ذلك السلامُ الموجَّه إلى يحى موجَّه إليَّ.