قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كفْراَ لَنْ تقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ. .) .
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن المرتدَّ وإِن ازداد ارتداده مقبولُ التوبة؟
قلتُ: الآية نزلتْ في قومِ ارتدُّوا، ثم أظهروا التوبة بالقول، لسترِ أحوالهم، والكَفرُ في ضمائرهم.
قوله تعالى: (قُلْ يَا أهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً. .) .
قال ذلك هنا، وقال في الأعراف " من آمَنَ بِهِ وتبغونها عوجاً. . " بزيادة " بِهِ " و " الواو " جرياً هناك على الأصل، في ذكر " بهِ " لكونه معمولًا، وذكر " واو العطف " إذ مدخولها معطوفٌ على " توعِدُون " المعطوف عليه " تصدُّون " وجرياً هنا على موافقة " وَمَنْ كَفَرَ " في عدم ذكرِ " بِهِ ".
وإِنما لم يذكر الواو هنا، لأنَّ " تَبْغونَها " وقع حالًا، والواو لا تزاد مع الفعل إذا وقع حالًا، كما في قوله تعالى " ولاتَمْننْ تَسْتَكْثِر ".
قوله تعالى: (كنْتُمْ خَيْرَ أُمةٍ أخْرِجَتْ لِلناسِ. .) .
إن قلتَ: كيف قال ذلك، ولم يقل: أنتم خير أمةٍ؟
قلت: لأنَّ معناه: كنتم في سابق علم الله،
أو في يومِ أخذِ الميثاق على الذرية.
فاعلم بذلك أن كونهم خير أمّةٍ، صفةٌ أصليةٌ فيهم،
لا عارضةٌ متجدِّدة. أو معنى " كُنْتُمْ " وُجدتم، بجعل
" كان " تامَة.
قوله تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ. .) .
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن غير الِإيمان لا خير فيه، حتى يُقال إن الإِيمان خيرٌ منه؟
قلتُ: ليس " خير " هنا أفعل تفضيل، بل هو خيرٌ. أو هو أفعل تفضيل، وإِيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - مع إيمانهم بموسى وعيسى، خيرٌ من إيمانهم بموسى وعيسى فقط.
قوله تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا. .) .
وصف الحسنة بالمسِّ، و " السيِّئةَ " بالِإصابة، توسعةً في العبارة، وإِلاَّ فهما بمعنى واحد في الأمرين، قال تعالى " إنْ تُصبْك
حسنةٌ تسُؤْهم وإِنْ تُصبْك مُصيبةٌ يقولُوا قَدْ أَخَذْنَا أمرَنا مِنْ قَبلُ ".
وقال تعالى: " ما أصابَكَ من حسنةٍ فمنَ اللَّهِ وما أصابك من سيئةٍ فمن نفسك ".
وقال تعالى: " إذا مسَّه الشرُّ جَزُوعاً. وإِذَا مسَّه الخيرُ مَنُوعاً ".
قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلّاَ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ. .) . هذه تخالف آية الأنفال في ثلاثة أمور:
أ - لأنه ذكر في هذه " لكم " لتمام القصة قبلها، وتركها ثَمَّ إيجازاً أو اكتفاءً بذكرهِ له قبل في قوله " فاستجاب لكم ".
ب - وقدَّم " قلوبكم " على " بِهِ " هنا، وعكس في
الأنفال ليزاوج بين الخطابيْن هنا في " لكمْ " و " قلوبكم ".
ب - وذكر هنا وصفيْ " العزيز " و " الحكيم " تابعَيْن بقوله " العزيز الحكيم " وثَمَّ ذكرهما في جملة مستأنفة بقوله " إِنَ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ " لأنه لمَّا خاطبهم هنا، حسُن تعجيلُ بشارتهم بأنَّ ناصرهم عزيزٌ حكيمٌ. ولأنَّ ما هناك قصة " بدرٍ " وهي سابقة على ما هنا، فإِنها في قصة " أحد " فأخبر هناك بأنه " عزيزٌ حكيمٌ " وجعل ذلك هنا صفةً لأن الخبر قد سبق.
قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبكُمْ. .) .
أي إلى أسبابها كا لتوبة (1) .
إن قلتَ: كيف قال ذلك وقد رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " العجلةُ من الشيطان، والتأني من الرحمن "؟!
قلتُ: استُثْني منه - بتقدير صحته - التوبةُ، وقضاءُ الدَيْن الحالِّ، وتزويج البكر البالغِ، ودفن الميت، وإِكرام الضيف.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ. .) .
صرَّح بذكر الفاحشة مع دخولها في ظلم النفس، لأنَّ المراد بها نوعٌ من أنواع ظلم النفس، وهو الزنى، أو كلُّ كبيرة، وخصَّ بهذا الاسم تنبيهاً على زيادة قبحه.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ. .) . أي يسترها.
فإِن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنه قال: " وَإِذَا ما غضِبُوا همْ يَغْفِرون "؟ وقال: " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيامَ اللَّهِ "؟
قلتُ: معناه: ومن يغفر الذنوب من جميع الوجوه إلا الله؟ وهذا لا يوجد من غيره.