قوله تعالى: (إنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) .
قدَّم الأرضَ على السماء هنا وفي موضع من " يونس " و " إبراهيم " و " طه " و " العنكبوت ". . عكْسَ الغالبِ في سائر الآيات، لأن المخاطبين في الخمس كائنون في الأرض فقط، بخلافهم في غيرها كذا قيّد.
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ. .) .
إن قلت: كيف قال ذلك و " مِنْ " للتبعيض، وقال في
هود " كِتَابٌ أُحْكِمتْ آيَاتُهُ " وهو يقتضي إحكام آياتِه كلّها؟
قلتُ: المرادُ بـ " المحكماتِ " هنا النَّاسخاتُ،
أو العقليَّاتُ، أو ما ظهر معناها.
كما أن المراد بـ " المتشابهات " المنسوخاتُ، أو الشرعيَّاتُ، أو ما كان في معناها غموضٌ ودقَّة. والمرادُ بقوله " أُحكِمتْ آياتُه " أن جميع القرآن صحيحٌ ثابت، مصونٌ عن الخَلَل والزَّلَل.
ولا تنافي بين " متشابهاتٍ " وقوله (كتاباً متشابهاً " إذِ المرادُ بـ " متشابهاتٍ " ما مرَّ. . وبـ " متشابهاً " أنه يشبه بعضُه بعضاً في الصِّحَّة، وعدم التناقضِ، وتأييد بعضِه لبعضٍ.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعَادَ) .
قاله بلفظ الغَيْبَة، وقال في آخر السورة " إنك لا تُخْلِفُ المِيعَادَ " بلفظ الخطاب. . لأن ما هنا متَّصلٌ بما قبْلَه وهو قوله تعالى " ربنا إنك جامعُ النَّاسِ ليومٍ لا ريبَ فيهِ " اتصالًا لفظياً فقط.
وما في آخرها متَصِلٌ بما قبْلَه وهو قوله " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك " اتّصالاً لفظياً ومعنوياً، لتقدم لفظ الوعد.
قوله تعالى: (كدَأبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا. .) .
قال هنا وفي موضعٍ من الأنفال " كذبُوا " وفي آخر
منها " كَفَرُوا " تفنُّناً، جرياً على عادة العرب في تفنُّنهم في الكلام.
قوله تعالى: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ. .) .
أي ترى الفئةُ الكافرةُ المسلمةَ بمثليْ عدد نفسها، أو بالعكس على الخلاف.
إن قلتَ: هذا ينافي قوله في الأنفال " وإذْ يريكموهُمْ إِذِ التقيتُم في أعينكُمْ قَليلاً وُيقلِّلُكُمْ في أعينِهمْ " إذ قضيَّتُه أن كلاً منهما ترى الأخرى قليلة؟
قلتُ: التقليلُ والتَّكثيرُ في حاليْنِ:
قلَّلَ اللهُ المشركين في نظر المؤمنين، وعكسه أولاً، حتى اجترأت كلٌّ منهما على قتال الأخرى.
ثمَّ كثر اللهُ المؤمنين في نظر المشركين لما التقتا، حتى جَبُنوا وفَشِلوا.
وكثر الله المشركين في نظر المؤمنين، وأراهم إيَّاهم على ما هم عليه - وكانوا في الحقيقة أكثر من المؤمنين - ليعلموا صدق وعد الله في قوله " فإن يكنْ منكم مائةٌ صابِرَةٌ يَغْلبوا مائتين " فإن المؤمنين غلبوهم في هذه الغَزَاةِ وهي " غَزَاةُ بدرٍ " مع أنهم كانوا أضعاف عدد المؤمنين.
قوله تعالى: (شهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلّاَ هًوَ
والمَلَائِكَةُ وَأُوْلُو العِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلّاَ هُوَ) .
كرر فيها " لَا إِلهَ إِلَّا هوَ " لأن الأول قولُ اللَّهِ، والثاني حكاية قول الملائكة وأولي العلم.
أو لأن الأول جرى مجرى الشهادة، والثاني مجرى الحكم بصحةِ ما شهدته الشّهودُ.
وقال جعفر الصادق: الأول وصفٌ، والثاني تعليمٌ
أي قولوا واشهدوا كما شهدت.
قوله تعالى: (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ) .
إنْ قلتُ: التولّي والِإعراضُ واحدٌ - كما مرَّ في البقرة - فلم جَمَع بينهما؟
قلتُ: لأن المعنى يتولون عن الدَّاعي، وُيعرضون عمَّا دعاهم إليه وهو كتاب الله. أو يتولون بإِيذائهم، وُيعرضون عن الحقِّ بقلوبهم.
أو كان الذي تولَّى علماؤهم، والذي أعرض أتباعهم.
قوله تعالى: (بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
خصَّ الخير بالذِّكر - وإن كان بيده الشُّر أيضاً - لأن الكلام إِنما ورد فيه، ردًّا على المشركين فيما أنكروه، ووعد اللَّهُ به نبيَّه - صلى الله عليه وسلم -، ووعد النبي - صلى الله عليه وسلم - به الصحابة رضي الله عنهم.
أو أراد الخير والشرَّ، واكتفى بأحدهما لدلالته على الآخر، كما في قوله تعالى " سَرَابيلَ تقيكم الحر. . "
وإنما خصَّ الخير بالذكر لأنه هو المرغوب فيه.