عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾    [آل عمران   آية:٤٥]
آية:٤٥ * ما اللمسة البيانية في ذكر عيسى مرة والمسيح مرة وابن مريم مرة في القرآن الكريم؟ (د.فاضل السامرائى) لو عملنا مسحاً في القرآن الكريم كله عن عيسى نجد أنه يُذكر على إحدى هذه الصيغ:  المسيح: ويدخل فيها المسيح ، المسيح عيسى ابن مريم، المسيح ابن مريم (لقبه).  عيسى ويدخل فيها: عيسى ابن مريم وعيسى (إسمه).  ابن مريم (كُنيته). حيث ورد المسيح في كل السور سواء وحده أو المسيح عيسى ابن مريم أو المسيح ابن مريم لم يكن في سياق ذكر الرسالة وإيتاء البيّنات أبدأً ولم ترد في التكليف وإنما تأتي في مقام الثناء أو تصحيح العقيدة. (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) آل عمران) (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) النساء) (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) المائدة) وكذلك ابن مريم لم تأتي مطلقاً بالتكليف (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) المؤمنون) (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) الزخرف). أما عيسى في كل أشكالها فهذا لفظ عام يأتي للتكليف والنداء والثناء فهو عام (وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) المائدة) (ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مريم) ولا نجد في القرآن كله آتيناه البينات إلا مع لفظ (عيسى) (وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) الزخرف) ولم يأت أبداً مع ابن مريم ولا المسيح. إذن فالتكليف يأتي بلفظ عيسى أو الثناء أيضاً وكلمة عيسى عامة (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) المائدة) فالمسيح ليس اسماً ولكنه لقب وعيسى اسم أي يسوع وابن مريم كنيته واللقب في العربية يأتي للمدح أو الذم والمسيح معناها المبارك. والتكليف جاء باسمه (عيسى) وليس بلقبه ولا كُنيته.
  • ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴿٤٠﴾    [طه   آية:٤٠]
* ما الفرق بين فتنة وفتون (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا (40) طه)؟ (د.فاضل السامرائى) الفتون ذكروا فيها إحتمالين: قالوا هي إما مصدر (والفتنة أيضاً مصدر كالقعود والجلوس) مصدر فعل (فتن) وفَتَن أي اختبر ولها معاني كثيرة منها وضع الذهب في النار حتى تبين جودته وليختبره والفتنة التعذيب. وقسم ذهب إلى أنها جمع (فتون) (وفتناك فتونا) قالوا جمع فَتْن كالظنّ والظنون، (فَتْن) فتناً مصدر وفتنة مصدر. المصدر يُجمع إذا اختلفت أنواعه كالظنون (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) الأحزاب). فقالوا (وفتناك فتوناً) أي امتحناك واختبرناك عدة مرات. رجّح بعضهم على أنها جمع وليست مفرداً. فإذن الفتون تختلف عن الفتنة، الفتنة هي المصدر والفتون جمع. والفتنة مصدر وقد تكون للواحدة وقد تكون لغير الواحدة لأن أحياناً ما دامت على وزن فَعلة وفِعلة تحتمل، لأن المصدر إذا أردنا المرة جئنا به على وزن فَعلة (إسم المرة) إذا كان واحداً ركض ركضة، مشى مشية، الرحمة مشتركة لأنها على وزن فَعلة نأتي بها مرة واحدة نقول (رحمة واحدة) وإذا أردنا نأتي بها جمع نقول (رحمة). فتنة على وزن الهيئة لكنها مصدر (مشية، فعلة) ليست إسم هيئة إلا إذا أردنا الهيئة تحدد بشيء: فتنة المؤمن حتى يتضح أنه يراد بها الهيئة "وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبحة". فالفتون رجحوا أنها جمع فَتٍن وقسم قال جمع فتنة مثل بدر بدور وهناك أمثلة في اللغة. فِتَن جمع أيضاً ويبدو لي أن فتون جمع لأنه منّ عليه بأنه اختبره عدة اختبارات ونجّاه منها وليست مسألة واحدة وإنما عدة اختبارات ونجاه منها وأعدّه للرسالة فهي من باب المنّ عليه، يبو لي هذا والله أعلم.
  • ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٤٦﴾    [آل عمران   آية:٤٦]
آية (46) : * (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً (46) آل عمران) هل كهلاً يعني شيخاً؟ (د.فاضل السامرائي) هي دون الشيخ. الكهل هو قبل الشيخوخة بعد الشباب عند الأربعين أو قبيل الأربعين وسيدنا المسيح لم يبلغ الشيخوخة هو رُفع ولم يكن شيخاً وإنما هو كهل وقالوا كان في الثلاثة والثلاثين هذه بداية الكهولة. الشيخ أكبر يبدأ من الستين. الكهل الأشهر هو عند الأربعين وقبلها وبعدها كلها كهولة ما لم يبلغ درجة الشيخوخة. الكهولة بعدها مباشرة فترة الشيخوخة.
  • ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴿٤٢﴾    [طه   آية:٤٢]
* ما الفرق بين الآيتين (اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي (42) طه) وآية (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) طه)؟ (د.فاضل السامرائي) هذان موضعان مختلفان ومقامان مختلفان (اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي (42) طه) هذا الخطاب لموسى وحده عندما ذهب ورأى النار، (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) طه) هذا خطاب آخر لهما، هارون كان حاضراً هذا غير ذاك الموضع، في موضع آخر ربنا طلب من موسى أن يأتي بأخيه هارون. هذه ليس فيها إشكال، في السورة الواحدة يذكر عدة مواقف وعدة رسل وعدة أنبياء هذه ليس فيها إشكال. (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) طه) هذا مقام آخر ومكان آخر غير ذاك، حتى يقال ذهبا إلى الطور فخوطبا هناك موسى وهارون خوطبا معاً حتى يكون نبياً يجب أن يبلّغ وأن يوحى إليه * الله سبحانه وتعالى أمر سيدنا موسى وحده أم أمر سيدنا موسى مع سيدنا هارون؟ الإثنان، أول مرة عندما كان وحده قال (اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ) ، هذا أمر وهذا وقت آخر ليس نفس الوقت. تكرر وفي موقفين وبينهما زمن عندما رجع موسى إلى أهله والتقى بهارون وبلّغه، هذا وقت آخر.
  • ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿٤٦﴾    [طه   آية:٤٦]
*ما دلالة تقديم السمع على البصر؟(د.فاضل السامرائى) قدم السمع على البصر لأن من يسمعك أقرب إليك ممن يراك، أنت ترى النجوم والكواكب والشمس والقمر وترى رجلاً من بعيد ولا تسمع صوته (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) يشعر بالقرب والطمأنينة وفي مجال الدعوة والتبليغ السمع أهم من البصر.
  • ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٤٦﴾    [آل عمران   آية:٤٦]
آية:٤٦ * يقول الحق عن عيسى ابن مريم: { وَمِنَ الصَّالِحِينَ } ما حكايتها؟ (الشيخ محمد متولي الشعراوي) إن العجيبة التي قال عنها الله: إنه يكلم الناس في المهد لم تكن باختياره، وكلامه وهو كهل سيكون بالوحي، أي ليس له اختيار فيه أيضا، { وَمِنَ الصَّالِحِينَ } مقصود بها عمله، أي الحركة السلوكية.لماذا؟ لأنه لا يكفي أن يكون مبلغا، ولا يكفي أن يكون حامل آية، بل لا بد أن يؤدي السلوك الإيماني.
  • ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾    [الكهف   آية:٣٢]
  • ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ﴿٤٧﴾    [طه   آية:٤٧]
* (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) طه) والآية (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ (47) طه) ما دلالة ذكر وحذف (له) في الآيتين؟ هل الآية الأولى لفرعون والثانية عامة؟(د.فاضل السامرائي) قال سبحانه وتعالى (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا) الكلام لفرعون لأنه إذا لان لان ملؤه، إذا لان لان قومه. (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ)، الحوار لسيدنا موسى وأخيه هارون ، أول مرة قال له (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا) فإذا لان لان الآخرون. الآية الأخرى (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ) هذا تبليغ عام ليس له، ربنا قال إلى فرعون وملئه، للجميع، هذا تبليغ ولذلك ليس (له) خاصة. ذاك (له). *لكنه قال (فاتياه)! لكن القول للجميع (ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ (103) الأعراف) كثيراً ما يحضر الملأ. فإذن الأولى له لأن الغرض واضح يلين فيلين الآخرون. هو عام وليس له خاصة ولذلك قال (فقولا) ولذلك آمن رجل من ملأ فرعون (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ (28) غافر) إذن التبليغ عام والرسالة عامة، ولهذا لم يقل (له). *لكن إذا خارج القرآن (قيل له) هل نفهم أن الرسالة موجهة إلى فرعون وحده؟ لكن فيها تخصيص الآن إذا كان معه ملأ وأنت تريد أن تبلّغه الدعوة هل تبلغه وحده؟ للملأ لأن الآية (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) إذن (فقولا) *ما الملأ؟ أشراف القوم الذين يحيطون به، الحاشية والبطانة الذين حوله، كبار القوم وأشرافهم، الأشراف والحاشية والبطانة.
  • ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿٤٧﴾    [آل عمران   آية:٤٧]
آية:٤٧ * (الشيخ محمد متولي الشعراوي) : {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) } .. نريد أن نقف وقفة ذهنية تدبرية عند قولها: { قَالَتْ رَبِّ أَنَّىا يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } فلو أنها سكتت عند قولها: { أَنَّىا يَكُونُ لِي وَلَدٌ } لكان أمرا معقولا في تساؤلها، ولكن إضافتها { وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } تثير سؤالا، من أين أتت بهذا القول { وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ }؟ هل قال لها أحد: إنك ستلدين ولدا من غير أب؟ إن الملائكة لم تخبرها بذلك، لذلك انصرف ذهنها إلى مسألة المس. إنها فطرة وفطنة المهيأة والمعدة للتلقي عن الله، عندما قال لها: " المسيح عيسى ابن مريم ". قالت لنفسها: إن نسبته بأمر الله هي لي، فلا أب له، لقد قال الحق: إنه " ابن مريم " ولذلك جاء قولها: { وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } ذلك أنه لا يمكن أن ينسب الطفل للأم مع وجود الأب. هكذا نرى فطنة التلقي عن الله في مريم البتول. لقد مر بها خوف عندما عرفت أن عيسى منسوب إليها وقالت لنفسها، إن الحمل بعيسى لن يكون بوساطة أب، وكيف يكون الحمل دون أن يمسسني بشر. وقال الخالق الأكرم: { كَذَلِكِ } أي لن يمسك بشر، ولم يقل لها: لقد نسبناه لك لأنك منذورة لخدمة البيت، ولكن الحق قال: { كَذَلِكِ } تأكيدا لما فهمته عن إنجاب عيسى دون أن يمسسها بشر.
  • ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴿٤٧﴾    [آل عمران   آية:٤٧]
آية:٤٧ *في سورة آل عمران قال تعالى (كذلكِ الله يخلق ما يشاء) وقال في آية أخرى (كذلكَ الله يفعل ما يشاء) فلماذا جاءت (كذلكِ) الأولى بالكسر؟ (د.فاضل السامرائى ) كذلك هو في الأصل لمخاطبة المذكر وقد تستعمل عامة لكن الأصل أن يقال ذلكَ بفتح الكاف للمخاطب المذكر وذلكِ للمخاطبة وذلكما للمثنى وذلكنّ لجمع المؤنث وذلكم لجمع المذكر.قال الشاعر (قد ظفرت بذلكِ) يخاطب المرأة. ذا إسم الإشارة للمشار إليه والكاف للمخاطب، ذلكَ المخاطب رجل وذلكِ المخاطب أنثى وليس له علاقة بالمشار إليه نفسه. (فذلكن الذي لمتنني فيه) في سورة يوسف المخاطب جمع النسوة، ذا إسم الإشارة ليوسف و (لكنّ) لمجموعة النسوة، (فذانك برهانان من ربك). أسماء الإشارة هي التي تتغير أما الكاف فهي للمخاطب (أولئكَ رجال) المخاطب واحد. قد تستعمل الكاف المفتوحة للجمع لكن إذا أراد أن يخصص يستعمل الكاف المفتوحة للمخاطب المفرد وذلكِ للمخاطبة المفردة وليس لها علاقة بالمشار إليه. *(قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء (47) آل عمران) لِمَ عبّر الله تعالى عن تكوين عيسى  بالفعل (يخلق) بينما عبر عن تكوين يحيى عليه السلام بالفعل (يفعل) في قوله (كذلك الله يفعل ما يشاء)؟ (ورتل القرآن ترتيلاً) عبّر الله تعالى عن تكوين عيسى  بالفعل يخلق لأنه إيجاد كائن من غير الأسباب المعتادة ولو كان بالوسائل المعتادة لأورد الفعل يفعل أو يصنع كما في الآية السابقة في جواب الملائكة لزكريا (كذلك الله يفعل ما يشاء).
إظهار النتائج من 5131 إلى 5140 من إجمالي 12325 نتيجة.