آية:٤٩
*أربعة مدلولات لفظية تنزّه الله تعالى وتثبت صفاته وتنفي ألوهية عيسى عليه السلام كما يدّعيها البعض:( الشيخ خالد الجندي)
قال تعالى في سورة آل عمران (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)) هذه الآية حملت تنزيهاً كاملاً لله تعالى وإثباتاً لصفاته ونفياً أن تكون هذه الأفعال لعيسى بأربعة مدلولات لفظية هي:
اولاً: قوله (ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم) كونه رسول يقتضي مرسِلاً فعيسى هو مرسَل وليس مرسِل فإذا كان مرسَلاً فلا بد أن يكون هناك من أرسله وهو الله تعالى. إذن كل الأفعال التي تؤيد صدق الرسالة لا بد أن تكون ممن أرسله لا من الرسول نفسه والمعجزات التي صاحبت عيسى هي من قِبل الله تعالى وليس من نفسه.
ثانياً: قوله تعالى (أني قد جئتكم بآية من ربكم) الآية هي المعجزة والعلامة والبرهان فالذي جاء به عيسى هو آية من الله تعالى لذا قال (من ربكم) واختيار لفظ من ربكم ليستثير الإيمان فيهم ونوازع اليقين ونلاحظ الفرق بين استعمال كلمة ربكم في هذه القصة واستعمال كلمة (الله) في قصة موسى مع بني اسرائيل (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) وهذا لأن بني اسرائيل يميلون الى التكذيب والاعتراض لذا جاءت الآيات كلها تشير إلى أن الأمر من الله تعالى (إن الله يأمركم، إنه يقول).
ثالثاً: قوله (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ) قوله (بإذن الله) نقلت الفعل من دائرة الامكان بالنسبة لعيسى إلى دائرة القدرة والاستطاعة لله تعالى.
رابعاً: قوله تعالى (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) تكرير قوله (بإذن الله) تنسب الفعل إلى الله تعالى وهذا يدل على أن المعجزات كانت من قبل الله تعالى وليس من قِبل عيسى .
*ما الفرق بين المعجزة والكرامة والخارقة؟ (الشيخ خالد الجندي)
المعجزة: هي أمر خارق للعادة يجريه الله تعالى على أيدي الأنبياء إذا أرسلهم لأحد من خلقه وشرحها علماء التوحيد بأنها أمر خارق للعادة يقترن بدعوى النبو ة . وللمعجزة شروط هي :
1. أنها قد تتكرر وتكون مصاحبة لدعوة النبوة .
2. ومن شروطها أن يبيّن النبي من فعل هذه المعجزة وينسبها لله تعالى وكل الأنبياء في القصص القرآني نسبوا المعجزات إلى الله تعالة (ناقة الله وسقياها) (رحمة من ربي) (وما فعلته عن أمري) (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) وفي قصة الاسراء والمعراج قال تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً).
3. والشرط الأخير أن تكون المعجزة من جنس ما برع به القوم في زمن النبي الذي تجري المعجزة على يديه (بنو اسرائيل اشتهروا بالسحر في زمن موسى ، وفي زمن عيسى اشتهروا بالطب وفي زمن محمد اشتهر العرب باللغة وبرعوا فيها فكانت معجزات الأنبياء من جنس ما برع به القوم.
الكرامة: هي أمر خارق للعادة يجريه الله تعالى على أيدي الأولياء لكن لها مواصفات:
*وهي أن الوليّ لا يستطيع تكرار هذه الكرامة لأنها لا تقترن بدعوة نبوة.
*ثم إن الكرامة تثبيت للولي وليس للناس كما في حال المعجزة .
*والوليّ يستحي من إظهار الكرامة وإذا ظهرت نبّه الناس إلى فاعلها الحقيقي وهو الله تعالى.
* ثم إن الولاية تترتب على الايمان الذي هو في القلب ولا يعلمه إلا الله تعالى فالكرامة تُمنح ولا تُطلب.
الخارقة: أمر خارق للعادة يجريه الشيطان على أيدي أوليائه (المعالجة بالإيحاء) كما قال تعالى في قصة موسى مع فرعون (يخيّل إليه من سحرهم أنها تسعى) وهذه الخارقة أو المعالجة بالإيحاء يستخدمها الأطباء في هذا العصر من باب الطب الحديث لشفاء المرضى يحبث يستثيرون قوة المناعة في الجسد. ولعل من أمثلة هذه الخوارق ما نراه في الهند من الذين يعبدون البقر ويمشون على النار أو على الماء فهذا مما يجريه الشيطان على أيدي أوليائه.
* سؤال يثار دائماً عن إحدى القراءات في القرآن الكريم في قوله تبارك وتعالى (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ (63) طه) فيها قراءة (إنّ هذان لساحران) هنالك إشكالية إعرابية تحدث وتثار هذه القضية كثيراً حتى على الفضائيات، فكيف نفهم قوله (إنّ هذان لساحران)؟ (د. فاضل السامرائي)
هذا السؤال يثار كثيراً. القراءة قراءة حفص المشهورة والمثبتة هي (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) إن المخففة من الثقيلة واللام الفارقة في (لساحران) فليس فيها أي إشكال أو سؤال.
*لا بد أن يأتي مع خبرها اللام الفارقة هذه؟
حتى تتميز بينها وبين (إن) النافية. لأن لو حذفت اللام ستكون نافية (إن هذان ساحران) صار ما هذان ساحران بمعنى نفي ما هذان ساحران. مثلاً إن أنت مسافر يعني لست مسافر، إن أنت لمسافر يعني إنك مسافر، (وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) الشعراء) أنت كاذب، وإن نظنك من الكاذبين لست كاذباً.
*تسمى اللام الفارقة؟
نعم لأنها تفرق بين النفي والإثبات، إن النافية وإن المخففة.
*هذه الآية باللام تثبت السحر لهما ؟
لو حذفنا اللام تنفي السحر عنها ليسا ساحران. هنالك قراءة أخرى صحيحة ومتواترة (إنّ هذان لساحران).
*هل يمكن توضيح الإشكالية التي تكمن في عمل (إنّ) في الجملة؟
لا شك أنها هي تنصب المبتدأ وترفع الخبر فتكون الآية خارج القرآن إنّ هذين لساحران، هذا جانب من اللغة. هناك تخريجات كثيرة صحيحة من جملتها أن (إنّ) بمعنى نعم في العربية، موجود في الشعر والنثر:
بَكَر العواذِلُ في الصباح يلمنني وألومهنّ *** ويقلن شيبٌ قد علاك وقد كبرت فقلتُ إنّ
فقلت إنّ يعني نعم. مثال آخر يتردد كثيراً في كتب اللغة والنحو أن واحداً قال لابن الزبير لعن الله ناقة حملتني إليك قال إنّ وراكبها، يعني نعم ولعن راكبها. هذا مما يقال فيها. فإذن الإشكال زال بموجب هذا التخريج. والتخريج الآخر أن هذا على لغة من يجعل المثنى بالألف. عندنا لغة مشهورة في الشعر والنثر:
يا ليت عيناها لنا وفاها *** أعرف منها الجيد والعينان
*ليس أعلم منها الجيد والعينين وإنما يلزمها النصب. المثنى ينصب بالياء؟
نعم وهذه لغة تجعلها بالألف.
*يعني هناك لغة من يلزمها الألف أيّاً كان موضعها في الجملة منصوب، مجرور، مرفوع؟
أيّاً كان. والقرآن يستعمل أحياناً بعض اللغات فهذه جاءت على تلك الللغة وهي موجودة في لغة العرب. هناك تخريج آخر أنها ضمير الشأن، (إنّ) أصلها إنها ذان لساحران مثلها ضمير الشأن في (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ (46) الحج)
*هذان أصلها الهاء للتنبيه وذا وذي وذو. ما معنى ذان؟
إسم إشارة.
(إنّ) من أقدم أدوات الإيجاب بمعنى نعم. في العبرية (هِنّ) وفي الآرامية (إنّ) فإنّ في الأصل هي عبرية، في العبرية موجودة بمعنى نعم، (هنّ) في العبرية بمعنى نعم وفي الآرامية (إنّ) بمعنى نعم، (هِنّ) بمعنى (إنّ). واستعملها فرعون على موسى (إنّ هذان لساحران) إستعملها كما استعملها العبريون القدامى لهذا المعنى، نعم هذان لساحران، هذه عبرية.
*وتكون (إنّ) هنا بمعنى نعم؟
بمعنى نعم هذان لساحران في العبرية القديمة وفي الآرامية واستعملها للعبرانيين كما كان يستعملها القدامى وهذا من أعجب التعبير
*والذي استخدمها فرعون وسيدنا موسى وهذه اللغة كانت موجودة عندهم، استخدمها بلغة عصره؟
بلغة عصره كما استعمل السيد بمعنى الزوج وكما استعمل الملك وفرعون وكما استعمل هامان والعزيز هذا مما يدل على الإعجاز
*لنا أن نسأل أن القرآن قال بلسان عربي مبين وهذه الكلمات بالعبرية؟
هي موجودة في اللغة العربية أيضاً ، هي قديمة ومشتركة باللغات السامية.
*اللغات السامية التي هي اللغة العبرية والعربية والفارسية؟
الفارسية لا، الآرامية والأكادية، البابلية، لغات قديمة، هذا من أعجب الاستعمال.
*حينما قيلت هذه الاية (إنّ هذان لساحران) في عهد المصطفى عليه الصلاة والسلام ما ثبت أن كفار مكة اعترضوا وهم أهل بيان؟
هذه لغتهم، هذه لهجة عندهم. وفيها تخريجات (إنّ) بمعنى نعم عندهم فليس فيها إشكال بالنسبة لهم. لكن الغريب أنها تستعمل في هذا الموطن، تأتي هنا في قصة فرعون وموسى الذي يتحدث هذه اللغة..
*هذه لفتة تثبت وجهاً آخر من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم.
لا شك. ولم أن هذا المعترِض يعلم ما كان سأل. وإلا يكون مغرضاً أما الجاهل فيسأل.
*ما وجه الإعجاز؟ يقال ربما سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تعلّم هذه اللغة ونقلها؟
هذه لم تُعرّف إلا في الدراسات الحديثة .
*لم ينص عليها الأقدمون؟
لا، هذه في الدراسات الحديثة عُلِمت.
آية (50):
*ورتل القرآن ترتيلاً:
(وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ (50) آل عمران) في هذا الجزء من الآية تمثيل جميل لحاله المسبق فإنك تعلم أن معنى ما بين يدي أي ما تقدم قبلي ولكن الغريب في هذا الأمر أن الكلام يُفهم منه أنه ذو عهد قريب بنزول التوراة والمعلوم أن بينه أي بين عيسى ونزول التوراة أزمنة طويلة لكن استطاعت هذه الصورة أن تدل على إتصال العمل بأحكامها حتى مجيء عيسى فكأنها لم تسبقه بزمن طويل.
*إذا بُنيت الجملة للمجهول لا يُذكر الفاعل فهل ذكره فى الآية (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) طه؟ (د.حسام النعيمى)
قال تعالى:(يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) يُخيّل إليه سعيهاأنهاتسعى لأن (أن مع إسمها وخبرها) تمثل مصدراً مؤولاًوالمصدرالمؤول من أن وإسمهاوخبرهاالصريح فيه يستخرج من الخبرويضاف إلى الإسم وتحذ ف (أن)مثل:علمت أن زيداً ناجح،من ناجح نأخذ مصورالنجاح ونضيفه للإسم ونحذف(أن) فنقول:علمت نجاح زيد.
أنها تسعى أي سعيها هو نائب الفاعل وليس فاعلاً يعني خُيِّل إليه سعيها. وإليه ومن سحرهم متعلقان بالفعل (يُخيّل). ما عندنا فاعل وإنما نائب فاعل (يخيل إليه سعيها) فهو نائب فاعل وليس كما يظن السائل أنه فاعل. لا يستقيم لما العرب يبنون الفعل للمجهول يعني لا يريدون أن يذكروا الفاعل فكيف يُذكر في كتاب الله وهو أعلى نصٍ ورد في لغة العرب؟!.
(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (67)) انظر إلى قوله (في نفسه) فقد حدد ربنا موطن الخيفة التي ألمّت بموسى عليه السلام فهي خيفة تفكر داخلية في نفسه لم يظهر أثرها على ملامحه ولذلك أكّدها بقوله (في نفسه).
* ما دلالة تقديم في نفسه على موسى (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (67) طه)؟ (د.فاضل السامرائى)
أولاً أخّر موسى وجعله في آخر الآية وهذا ليس لفواصل الآيات في سورة طه وهي ليست لذلك فقط وهذا أمر حتى لو لم يكن فاصل آية تقتضيها الدلالة. أولاً أخّر موسى لأن السياق معلوم أنه في موسى حتى لو لم يذكر موسى في السياق المعلوم موسى (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى) لأنه قبلها قيل (قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65)) إذن هو الكلام في موسى. إذن لو تأخر أو حُذِف فهو معلوم، هذا أمر. تقديم (في نفسه) هذا مهم جداً. خارج القرآن نقول فأوجس موسى خيفة في نفسه، هو قدّم (في نفسه) هذا التقديم مهم جداً في مثل هذا الموقف لأن ظهور الخوف عليه يدل على عدم الثقة لو قال فأوجس خيفة ولم يقل في نفسه إيجاس الخوف قد يظهر على المرء. أوجس أي أحسّ لأن الخوف قد يظهر على الإنسان بدليل إبراهيم لما قال (فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً (28) الذاريات) لم يقل في نفسه قالوا (قَالُوا لَا تَخَفْ) ظهرت عليه علامة الخوف. الإحساس قد يظهر على المرء أنه خائف. لو لم يقل في نفسه نفهم أنه قد يكون ظهر عليه وفي ظهور الخوف عليه دلالة ضعف وعدم ثقة. إذن (في نفسه) مهمة جداً لأنه لم يبدو على موسى علامات الخوف مطلقاً وإن كان في نفسه خائفاً لذلك أهم شيء أن يذكر (في نفسه) حتى لا يظهر عليه. نلاحظ في سورة يوسف قال (فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ (77) يوسف) هو أسرّها بمعنى أخفاها لأن الإسرار في حد ذاته إخفاء. هذا أمر وهنالك أمر آخر لو قال فأوجس موسى خيفة في نفسه هذا يحتمل أنه ذمّ لموسى أنه ثمة خوف كامن في أعماق نفسه في الأصل ظهر الآن. هنالك خيفة كامنة في نفسه أحسّها كما تقول أظهر موسى خوفاً في نفسه إذن نفسه منطوية في الأصل على خوف أحس به. أظهرت ودّاً لمحمد الودّ موجود أظهره. فلو قال فأوجس موسى خيفة في نفسه لكان ذمّاً لموسى لأن معناه أنه في أعماق نفسه نفسه منطوية على خوف. يحتمل أمرين إما يكون في نفسه متعلق بأوجس وإما هي وصف للنفس (جار ومجرور صفة للخيفة) خيفة كامنة في نفسه هذه قاعدة (بعد النكرة صفات). (في نفسه) صفة متعلقة بخيفة وسيكون ذماً لموسى. وحتى لو لم تكن هناك فاصلة قرآنية المعنى لا يحتمل هذا التقديم والتأخير فالفاصلة جاءت مكمِّلة للحسن ومكمِّلة للبيان (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى).
*ما دلالة فصل (إنما) في آية سورة طه(وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) بينما جاءت موصولة في مواطن أخرى ؟ (د.فاضل السامرائى)
هذا السؤال عائد إلى خط المصحف (الخط العثماني) وليس عائداً لأمر نحوي، وحسب القاعدة : خطّان لا يُقاس عليهما خط المصحف وخط العَروض. وفي كتابتنا الحالية نفصل (إن) عن (ما) وحقُّها أن تُفصل.
ابتداءً يعود الأمر إلى خط المصحف سواء وصل أم فصل لكن المُلاحظ الغريب في هذه الآيات كأنما نحس أن للفصل والوصل غرض بياني. لو لاحظنا في آية سورة الأنعام فصل قال تعالى (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآَتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)) وقال في سورة طه(إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) .
فلو لاحظنا الآيات نجد أنه تعالى لم يذكر في سورة الأنعام شيء يتعلّق بالآخرة أو متصلاً بها وإنما تكلم بعد الآية موضع السؤال عن الدنيا (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136)) ففصل ما يوعدون عن واقع الآخرة. وفي سورة الذاريات وصل الأمر بأحداث الآخرة (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6)) والكلام في السورة جاء عن أحداث الآخرة فوصل (ما توعدون) بأحداث الآخرة وكذلك في سورة المرسلات دخل في أحداث الآخرة. فلمّا فصل الأحداث الآخرة عن ما يوعدون فصل (إن ما) ولمّا وصل الأحداث مع ما يوعدون وصل (إنما) وكذلك ما جاء في قوله تعالى في قصة موسى وفرعون فى سورة طه (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)) السحرة صنعوا وانتهى الأمرفوصل وتكلم عن شيء فعلوه. فكأنها ظاهرة غريبة وكأن الكاتب الذي كتب المصحف لحظ هذا وما في الفصل والوصل.هذا والله أعلم.
(فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (71)) نقول صلب على النخل فلِمَ قال فرعون في جذوع النخل ولم يقل على جذوع النخل؟ إنما عُدِّيَ (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ) بحرف (في) مع أن الصلب يكون فوق الجذع لا بداخله ليدل على أنه صلبٌ متمكن وأن المصلوب أُدخل في الجذع لا عليه.
(إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى (74)) انظر إلى قوله تعالى (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ) فقد جعل الباري جهنم للمجرمين مستحقة وكأنها لهم وهم صائرون إليها لا محالة وعذابهم فيها متجدد. ولذلك وُصِف المجرم بأنه لا ميّت ولا حيّ. وهذا في ظاهره يوحي بتناقض ولكن الله أراد أن يسلب عنهم خصائص الحياة الكريمة. فحياتهم مليئة بالكدر والعذاب والألم.
*ما دلالة استعمال التذكير والجمع في قوله تعالى((وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75))؟(د.حسام النعيمى)
غالباً لو نظرنا في آيات القرآن الكريم نجد أنه مع (من) إبتداءً يُراعي لفظها لفظ المفرد المذكر فيقول مثلاً (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75) طه) فأحياناً ينظر لمّا يكون الكلام عن المفرد يكون دائماً على الإفراد لكن لما يكون عن الجمع يبدأ بالإفراد مراعاة للفظ (من).