عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴿١٢٤﴾    [الأنعام   آية:١٢٤]
آية (124): *(وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (124) الأنعام) ما دلالة تتابع لفظ الجلالة في هذه الآية فقط في القرآن؟ واحدة كلامهم (قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّه) ثم رد الله سبحانه وتعالى عليهم (اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
  • ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٢٥﴾    [الأنعام   آية:١٢٥]
آية (125): * ما معنى قوله تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ (125) الأنعام)؟ وكيف ينشرح الصدر؟ شرح الصدر هو نوع من الإستعمال المجازي. هو ليس شقاً للصدر على الحقيقة لكن شرح الصدر معناه أنه يهيئ لقبول الحق أن الله سبحانه وتعالى يجعل من هذا الإنسان مهياً لأن يقبل الحق. في قوله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) هذا القفل الذي على القلب الله سبحانه وتعالى يأذن برفعه ويكون الإنسان مستعداً مهيأ لقبول شرع الله تعالى وهذا من فضل الله. (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) لأن الله تعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون يجعل صدره ضيّقاً حرجاً. ضيق الصدر وعدم تقبل شيء أحياناً الإنسان في الحوار معك يكون منشرح الصدر فيقبل كلامك وأحياناً يكون ضيّق الصدر بحيث هو غير مستعد ليقبل منك شيئاً ويرفع شعار لا أقتنع ولو أقنعتني وهناك بعض الناس هكذا. (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) هذه الصورة بالمناسبة العربي كان يفهمها على عمومها أن الإنسان إذا صعد ‘لى السماء يضيق صدره لكن واقع الحال هو لا يعلم ذلك على وجه الدقة إلى أن جاء العلم الحديث فتكلم عن الطائرات والطائرات التي ترتفع مسافات عالية ويخف الضغط الجوي ويضيق الصدر. وهذه من الآيات التي تشير إلى جانب علمي. هي لا شك في القرآن كثير من الأمور مع مراعاة أن القرآن الكريم منهج حياة يعني هذا هو الأصل فيه أنه منهج حياة للناس ينظم شؤون حياتهم لكن ترد فيه من حين لآخر لبيان عظمة خلق الله وضرب الأمثال ترد فيه حقائق علمية تتحقق لاحقاً. عندما سمعوها فهموها بقدر فهمهم. فلما يقول (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) ثم يثبت ذلك فهذا من الإعجاز المستقبلي. كيف يكون شرح الصدر؟ شرح الصدر هو فتح الصدر. أصل الشرح في اللغة هو الفتح أو الشقّ والمراد هنا ليس شق الصدر ولكنه نوع من أنواع المجاز إذا قيل شرح الله صدره بمعنى يسّر الله أمره أو أراحه أو جعله يقتنع بهذا الأمر. هناك في اللغة أمور كثيرة لا يراد فيها معاني الألفاظ كما هي على وجه الحصر وإنما ما يؤدي إليه اللفظ من معنى. وهذا ما سماه علماؤنا معنى المعنى. الشرح معلوم والصدر معلوم لكن لا يُراد به شق الصدر وإنما إنشرح صدره كأنه إطمأن إلى هذا الأمر والآن نستعملها (إطمأن قلبي إلى ذلك). ويضيق الصدر بمعنى لا يطمئن قلبه إلى هذا الأمر ويبقى قلقاً.
  • ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٨٩﴾    [البقرة   آية:١٨٩]
يسألونك و(ويسألونك) له مواضع في القرآن. أحياناً تقع الأسئلة في وقت واحد، عدة أسئلة في موضع واحد في وقت واحد فالسؤال الأول (يسألونك) وفي الأسئلة الأخرى يقول (ويسألونك)، مثال (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ (219) البقرة) هذا ابتداء هذا أول سؤال وبعدها يأتي (ويسألونك) (وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ (219) البقرة) عطف على السؤال الأول (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى (220) البقرة) وبعدها (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ (222) البقرة) هذا سؤال آخر إذن السؤال الأول بدون واو (يسألونك) هذا ابتداء والآخر عطف على السؤال الأول فتأتي بالواو، هذه قد تكون من المواطن. هذا أمر أو يقع ضمن متعاطفات يعني السياق فيه متعاطفات فيقع السؤال ضمن المتعاطفات، مثلاً (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ (79) الإسراء) (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ (80) الإسراء) (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ (81) الإسراء) عطف كلها نفس السياق (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (82) الإسراء) (وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ (83) الإسراء) (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ (85) الإسراء) وبعدها (وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ (86) الإسراء) وبعدها (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ (89) الإسراء) لاحظ كلها في سياق المتعاطفات ابتداء إذن (ويسألونك) عطف على المتعاطفات الكثيرة وهذا هو السياق أصلاً. أو واقع ضمن مشهد يحسن السؤال أو يتناسب السؤال مثل (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) طه) هذه واقعة ضمن مشاهد القيامة قبلها قال (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107 طه) السياق هو هكذا (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) طه) هي وقعت في أمر يتناسب فيه السؤال. إذن إما أن تكون ضمن أسئلة متعددة فيبدأ بالأول بلا واو والأخرى عاطفة أو هو ضمن متعاطفات كما ذكرنا أو الموقف يحسُن فيه السؤال.
  • ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٢٥﴾    [الأنعام   آية:١٢٥]
* ما الفرق السماء والسموات؟ السماء في اللغة وفي المدلول القرآني لها معنيان: 1ـ واحدة السموات السبع: كقوله تعالى (ولقد زَيّنا السّماءَ الدنيا بِمَصابيح )الملك. 2ـ كل ما علا وارتفع عن الأرض: * فسقف البيت في اللغة يسمى سماء، قال تعالى: (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ(15)الحج)يقول المفسرون : أي ليمد حبلا إلى سقف بيته ثم ليخنق نفسه. * وقد تكون بمعنى السحاب: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا (17)الرعد). *وقد تكون بمعنى المطر : ((ينزل السماء عليكم مدرارا")نوح). *وقد تكون بمعنى الفضاء والجو : (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ (79)النحل). و ذكر هذا الارتفاع العالي (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ(125) الأنعام. فالسماء كلمة واسعة جدا قد تكون بمعنى السحاب أو المطر أو الفضاء أو السقف وهى أعم وأشمل من السماوات.
  • ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٢٥﴾    [الأنعام   آية:١٢٥]
*ورتل القرآن ترتيلاً : (فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء (125)) كلما ارتقت البشرية في علومها الكونية تكشف لها من آيات الله الباهرة التي تفحم العقول وتبهرها. والقرآن هو معجزة على مدار الأيام وكلما تقدم العلم كشف عن جانب من جوانب إعجازه ومن تلك تلك الكشوفات الآية التي بين أيدينا فهذه الآية تشبه حالة المعرضين عن هدي الله بحالة الصاعد في السماء. ووجه الشبه بينهما ضيق الصدر فالكافر يضيق ذرعاً من النور الذي يكشف ظلمته والصاعد في السماء يضيق صدراً من نقص الأكسجين فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الإنسان إذا ارتفع فوق سطح البحر ما بين عشرة آلآف قدم وستة عشر ألف قدم فإنه يرتفع ضغطه لتوفر أجهزة الجسم حاجة الجسم من الأكسجين أما إن تجاوز الإنسان هذه المسافة فإن أجهزة الجسم لا تفي بغرضها في هذا الإرتفاع المفاجيء فما الذي يحصل؟ تظهر أعراض في مقدمتها ضيق الصدر الذي وصفته الآية وحتى يصف الله هذه الحالة فقد قال (ضيقاً) ولم يقل ضائقاً للمبالغة في وصف ضيق الصدر ولم يكتف السياق بوصفه (ضيقا) بل اتبعه بـ (حرجا) التي تعني ضاق ضيقاً شديداً ليؤكد لنا معنى الضيق ففي الحرج معنى شدة الضيق ما لا يفيده لفظ ضيق وحتى نتصور هذه الهيئة وهذا الألم الذي يعانيه المرتقي عبّر لك عنه بقوله (يَصَّعَّدُ) ولم يقل يصعد لنلمس هذا التكلف في الصعود وأنه ليس بالسهل بل فيه كد ومشقة وكذلك قبول تكاليف الإيمان لمن أضله الله فيها كدٌ ومشقة لا تُحتمل له.
  • ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴿٩﴾    [هود   آية:٩]
آية (9) : * (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9)) ما معنى الذوق؟ هل هو محمود أم مكروه؟ كثير أم قليل؟ ذاق الشيء يعني خبره وجرّبه ويكون بالفم وغير الفمّ، الذوق ليس مخصوصاً بالفم أو بغير الفم ويكون في المحمود والمكروه ويكون في القليل والكثير، عامّ. ربنا قال (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ (22) الأعراف) (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ (21) السجدة) (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ (56) النساء) هذا دائم مستمر. (كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) الحج) هذا دائم (وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) القمر) مستقر، إذن الذوق هذا مستمر ثابت. (وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19) الفرقان) كبير وصفه بالكِبر، (ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (70) يونس) إذن هو يصلح للقليل والكثير. * (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) ما معنى يؤوس كفور؟ كلاهما من صيغ المبالغة على وزن فعول. يؤوس يعني شديد اليأس من أن تعود إليه النعمة التي سلبت منه والكفور شديد لكفران يئس من العودة عظيم الكفران لما سلف من النعم، لم يشكر النعمة ويئس من عودتها فقال يؤوس كفور أمران. يؤوس من أن تعود إليه النعمة وكفور لم يشكر تلك النعمة، يؤوس كفور. * (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً) ربنا تبارك وتعالى قدّم الجار والمجرور على الرحمة مع أنه في آية أخرى في فصلت قال (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا (50)) أخّر (منا) وقدّم) الرحمة فلم اختلف الترتيب؟ هذه الآية من سورة هود قال (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ). آية فصلت (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى (50) فصلت). في آية هود التي نحن بصددها التي هي (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) هذا التعقيب (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُور) على الرحمة أو على نزع الرحمة؟ على نزع الرحمة وليس على الرحمة. في آية فصلت (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى) هذا من أثر الرحمة أو من أثر نزع الرحمة؟ من أثر الرحمة (لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي) من أثر الرحمة. إذن في هود أثر نزع الرحمة وفي فصلت أثر الرحمة فلما كان الكلام في نزع الرحمة أخّر الرحمة (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً) ولما كان الكلام على الرحمة قدّم الرحمة في فصلت (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ). * إذن المعيار هو السياق والمراد من هذه الآية ليس مجرد رصف المباني هكذا؟ السياق والاهتمام. الاهتمام هو في نزع الرحمة في آية هود والاهتمام بالرحمة وأثرها على الإنسان في فصلت. * اللافت للنظر في هذه الآية الكريمة أنه في ختامها قال (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) وأن الله سبحانه وتعالى قال في فصلت (لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ (49)) فلماذا اختلفت النهايات؟ وما اللمسة البيانية في الكل؟ في آية هود قال (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ) ذكر أمرين الإتيان والنزع فقال (إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) بالنسبة للرحمة التي أوتيها لم يشكرها هذا كفور ويؤوس من العودة إلى الخير وما إلى ذلك يائس من رحمة الله. الآية التي ذكرتها في فصلت (لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ). في آية هود ذكر أمرين (أذقنا الإنسان منا رحمة، نزعناها) وهنا قال (لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ) إذن لم يذكر حالة معينة، ماذا كان في حالة الدعاء؟ هل كان في نعمة أو في ضر؟ لم يذكر شيئاً. ثم قال بعدها (وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ) إذن ذكر مسألة واحدة وهي مسّ الشر، هذه الحالة ليست معروفة ما هي؟ دعاء الخير هي حالة عامة لا نعلم إن كان فيها رحمة يحتمل حالة واحدة، إذن ذكر في هذه الآية أمر واحد (وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ). * مس الشر فقط وفي هود (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ) فصار يؤوس كفور لأنه ذكر حالتين، حالة إذاقة الرحمة المفروض أن يشكرها ولكنه صار كفوراً ونزع الرحمة، صار أمرين. الله سبحانه وتعالى ذكر فقط حالة واحدة. لم يذكر نعمة وإنما قال (وإن مسه الشر) إذن هي حالة واحدة. (يَؤُوسٌ قَنُوطٌ) من رحمة الله. * ما معنى القنوط؟ أكثر حالات اليأس، القنوط هو أشد حالات اليأس، شدة اليأس من الخير، القُنوط شدة اليأس من الخير. إذن حالة يؤوس هي أشد الحالات يؤوس بلغ إلى درجة القنوط وهو شدة اليأس حالة واحدة بينما هناك ذكر أمرين. * هي قَنوط أو قُنوط؟ القُنوط مصدر والقَنوط صيغة مبالغة، وأصل الفعل قنط يقنَط (وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ (56) الحجر) (لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ) قَنوط صيغة مبالغة مثل يؤوس، كفور، فَعول. يؤوس قنوط يعني بالغ شدة اليأس ، وكفور يكفر نعمة الله سبحانه وتعالى. إذن أصبح كل واحدة هي في سياقها. هناك ذكر أمرين إعطاء رحمة ونزعها صار يؤوس كفور، وهنا مسّه الشر فقط. * لكن هناك قنوت بالتاء وقنوط بالطاء؟ قنت يعني خضع لله (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا (9) الزمر) هذه غير.
  • ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴿١٢٦﴾    [الأنعام   آية:١٢٦]
آية (126): *ورتل القرآن ترتيلاً : (وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126)) انظر إلى هذا التناسق في أساليب العرض الذي في القرآن. فصور القرآن ألفاظه تأخذ بيدك لتضعك أمام المشهد وكأنك تشاهد عرضاً. ألا ترى كيف ناسق الله بين عبارتي (الصراط المستقيم) و (الآيات)؟ لاحظ ذلك في الاية السابقة (وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ) فالصراط هو الطريق المستقيم ووصفه بقوله مستقيماً ليبين لك أنه خالٍ من العِوَج والكلمتان مستعارتان للعمل الموصل إلى رضى الله ثم أتبعهما بقوله (آيات) أي آيات القرآن ولكن موقعها مع لفظ الصراط المستقيم فيه رشاقة لأن فيه تورية لمعنى الآيات اللغوي وهو العلامة التي يهتدي بها السائل وترشد الضال في مسلكه وطريقه. فكانت آيات القرآن ترشد الضال والتائه كما ترشد العلامة الضالّ في الطريق.
  • ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٨٩﴾    [البقرة   آية:١٨٩]
*قال تعالى (وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى (189) البقرة) البِر مصدر ومن اتقى شخص، كيف البر هو الذي اتقى؟ البارّ هو الذي يتقي وليس البِرّ، البارّ من اتقى وليس البر، البِرّ عمل وهو فعل الخير، لو تحول البر إلى شخص لكان شخصاً متقياً. فهم القرآن وأسراره هذا اختصاص والآخرين غير مكلفين بهذا وبوابة الدخول لفهم القرآن معرفة اللغة العربية والقدامى اشترطوا فيمن من ينظر في القرآن يريد أن يفسِّره قالوا التبحر في علم اللغة والبلاغة والتصريف والاشتقاق ولم يقولوا معرفة اللغة.
  • ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿١٢٨﴾    [الأنعام   آية:١٢٨]
  • ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴿٦﴾    [يوسف   آية:٦]
آية (128): *(إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ (128) الأنعام) في سورة هود وفي يوسف (إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)) فما الفرق بينهما؟ إذا كان السياق في العلم وما يقتضي العلم يقدم العلم وإلا يقدم الحكمة، إذا كان الأمر في التشريع أو في الجزاء يقدم الحكمة وإذا كان في العلم يقدم العلم. حتى تتوضح المسألة (قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) البقرة) السياق في العلم فقدّم العلم، (يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) النساء) هذا تبيين معناه هذا علم، (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) يوسف) فيها علم فقدم عليم. قال في المنافقين (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) الأنفال) هذه أمور قلبية، (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) التوبة) من الذي يطلع على القلوب؟ الله، فقدم العليم. نأتي للجزاء، الجزاء حكمة وحكم يعني من الذي يجازي ويعاقب؟ هو الحاكم، تقدير الجزاء حكمة (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ (128) الأنعام) هذا جزاء، هذا حاكم يحكم تقدير الجزاء والحكم قدم الحكمة، وليس بالضرورة أن يكون العالم حاكماً ليس كل عالم حاكم. (وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ (139) الأنعام) هذا تشريع والتشريع حاكم فمن الذي يشرع ويجازي؟ الله تعالى هو الذي يجازي وهو الذي يشرع (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) الزخرف) لما يكون السياق في العلم يقدّم العلم ولما لا يكون السياق في العلم يقدّم الحكمة.
  • ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴿١٥٤﴾    [الأعراف   آية:١٥٤]
* اللام في قوله (لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ) هذه لام المقوية يمكن أن تدخل على المفعول به و يتقدم المفعول به على فعله، والمقصود يرهبون ربهم، والغرض منها تقوية الحدث فيؤتى باللام الزائدة المؤكِدة زيادة في التوكيد.
إظهار النتائج من 4451 إلى 4460 من إجمالي 12325 نتيجة.