*ورتل القرآن ترتيلاً:
(وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ (111)) ألا ترى كيف يكشف الله خفايا التفوس وما تنطوي عليها؟ فالنفس عالم خاص لا يطلع عليه إلا الله ولذلك عبر الله عن عدم إيمان المشركين بقوله (مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ) ولم يقل (لا يؤمنون) لأن عبارة (مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ) أشد في تقوية نفي إيمانهم مع رؤية المعجزات كلها لأنهم معاندون مكابرون غير طالبين للحق.
آية (112):
*(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ (112)) شياطين الجن هذا معنى نعرفه فهو عالم خفي عنا رؤية ولكنه معلوم عقيدة ونقداً ولكن كيف أضيفت كلمة شياطين إلى الإنس؟(ورتل القرآن ترتيلاً)
الشيطان أصله نوع من الموجودات المجردة الخفية وهو نوع من جنس الجن ويطلق الشيطان على المضلل الذي يفعل الخبائث من الناس مجازاً لأن الإنسان مشتق من التأنس والإلف ولأن البشر يألف البشر ويأنس به فإذا قام الإنسان بما يخالف تسميته ولجأ إلى المكر والخديعة فقد تقمص شخصية الشيطان الذي من بعض معانيه التباعد عن الآخرين ولذلك أضيفت كلمة شياطين إلى الإنس لأنهم صاروا يفعلون فعلهم.
* دلالة ذكر وحذف (يا) في قوله تعالى (ابْنَ أُمَّ) في سورة الأعراف و(يَبْنَؤمَّ) في سورة طه:
عندما يكون السياق في مقام البسط والتفصيل يذكر الحرف سواء كان ياء أو غيرها، وإذا كان المقام مقام إيجاز يوجز ويحذف الحرف إذا لم يؤدي ذلك إلى التباس في المعنى.
في سورة الآعراف حذف الحرف لأن الموقف جاء ذكره باختصار في هذه الآية.
في سورة طه الآيات جاءت مفصلة ومبسّطة وذُكرت فيها كل الجزئيات لذا اقتضى ذكر (يا) (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) ... إلى قوله (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩۲) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩۳) قَالَ يَبْنَؤمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)) .
آية (114):
*ورتل القرآن ترتيلاً:
(أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا (114)) تأمل هذا التنشيق المبدع في تأليف هذه العبارة القرآنية من تخير للفظ (حَكَمًا) إلى مظمها في ترتيب ونسق خاص يقف البيان أمامه عاجزاً. فانظر إلى قول الله (حَكَمًا) فقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون الله تعالى هو الحكم لا غيره وقال (حَكَمًا) ولم يقل حاكماً لأن حكماً هو الحاكم المتخصص بالحكم الذي لا يُنقض حكمه فهو أخص من الحاكم ولذلك كان من أسمائه تعالى الحكم ولم يكن منها الحاكم.
آية (119):
*قال تعالى (وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)) ختام الآية من حيث الظاهر أنه هو يكون أعلم بالضالين فلِمَ سماهم بالمعتدين فقال (هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)؟ ولم يقل هو أعلم بالضالين؟(ورتل القرآن ترتيلاً)
(لَّيُضِلُّونَ) قرأها نافع وابن كثير وابو عمرو وابن عامر ويعقوب (لَيَضِّلون) على أنهم ضالون بأنفسهم وقرأها عاصم وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء (لَّيُضِلُّونَ) على معنى أنهم يُضلون الناس ولو تأملت المعنيي لرأيت أن دلالتهما واضحة فالضال من شأنه أن يُضل غيره والمضل لا يكون في الغالب إلا ضالاً والمقصود التحذير منهم وذلك حاصل في القراءتين. وقد سمى الله فعلهم ضلالاً فقال (لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم) فكان ختام الآية من حيث الظاهر أنه هو يكون أعلم بالضالين فلِمَ سماهم بالمعتدين فقال (هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ)؟ ولم يقل هو أعلم بالضالين؟ سماهم الله معتدين لأن الاعتداء هو الظلم وهم عندما تقلدوا الضلال دون حجة ولا نظر كانوا معتدين على أنفسهم ومعتدين على كل من دعوه إلى موافقتهم وفي هذا إشارة لكل من تكلم في الدين بما لا يعلمه أو دعا الناس إلى شيء لا يعلم أنه حق أو باطل فهو معتدٍ ظالمٌ لنفسه وللناس.
آية (120):
*ورتل القرآن ترتيلاً :
(إِِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (120)) قال (يَكْسِبُونَ الإِثْمَ) ولم يكتف بـ (يكسبون) لأن الكسب يعم الخير والشر بخلاف قوله يقترفون وفي آية أخرى قال (وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113) الأنعام) فلم يحدد المفعول به بأن قال (وليقترفوا الآثام) لأن الاقتراف من قَرَف إذا كسب سيئة وهذا الفعل يؤذِن بأمر ذميم. وانظر إلى اختيار هذا اللفظ (يَقْتَرِفُونَ) دون غيره مثل يجترحون أو يكسبون مثلاً ففي إيقاع على الأذن وصوت يُشعِر بأمر كريه إلى النفس بخلاف غيره.
آية (122):
*ما الفرق بين قوله تعالى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (30) الزمر)و (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ (122) الأنعام)؟
ميْت وميّت بالسكون أو الشدة. ميْتاً هذا الميت الحقيقي الذي مات ووضِع نحن خطأ أن نقول فلان ميّت. نحن كلنا سنموت يوماً ونحن من أصحاب القابلية للموت نحن ميّتون في المستقبل فالميت الحالي يقال له ميْت وللأسف الناس يقولون ميّت. الشاعر دقيق فقال:
ليس من مات فاستراح بميْت إنما الميْت ميّت الأحياء
الميْت مستريح لكن الذي هو حيّ الآن هو كالميت من حيث لا قيمة له.
(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)
* لم يقل (وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) مثل الآية (١٥٥) لأنه لم يذكر ذنبًا فعقّب بالرحمة، بينما لما يذكر ذنبًا يعقب بالمغفرة.
* وردت في القرآن ( يسألونك) و (ويسألونك) فما دلالة إضافة الواو وحذفها؟
*
الواو تكون عاطفة لكن نجد الآيات (يسألونك) في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)) هنا الكلام إنتهى عند (غفور رحيم) فلما يبدأ موضوعاً جديداً لا يبدأ بالواو وإنما يبدأ بـ (يسألونك) لأنه لا يريد أن يستكمل كلاماً سابقاً فقال (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) هذه الآية نفسها فيها يسألونك وويسألونك، لما بدأ بها بعد كلمة (والله غفور رحيم) بدأ بها غير معطوفة على ما قبلها بدأ (يسألونك) ثم في الآية نفسها قال (ويسألونك) معطوفة على يسألونك الأولى التي هي غير معطوفة على شيء فلا يقول (ويسألونك).
أحصيت المرات التي وردت فيها (يسألونك) من غير واو في تسعة مواضع هي في جميعها تكون في بداية كلام جديد: (يسألونك عن الخمر والميسر (219) البقرة)، (يسألونك عن الأهِلّة (189) البقرة)، (يسألونك ماذا ينفقون (215) البقرة)، (يسألونك عن الشهر الحرام (217) البقرة)، (يسألونك ماذا أُحل لهم (4) المائدة)، (يسألونك عن الساعة (187) الأعراف) (يسألونك كأنك حفي عنها (187) الأعراف)، (يسألونك عن الأنفال (1) الأنفال)، (يسألونك عن الساعة (42) النازعات)
ووردت (ويسألونك) في ستة مواضع كلها فيها عطف منها (ويسألونك ماذا ينفقون (219) البقرة)، (ويسألونك عن اليتامى (220) البقرة)، (ويسألونك عن المحيض (222) البقرة)، (ويسألونك عن الروح (85) الإسراء)، (ويسألونك عن ذي القرنين (83) الكهف)، و(ويسألونك عن الجبال (105) طه).
*في الأتعام قال (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) وفي الحديد قال (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) ولم يقل في الناس لماذا؟
آية الحديد عامة بينما الكلام في الأنعام اكتنفه الكلام عن الناس أصلاً، الكلام في الأنعام عن الدنيا وذكر معاملاتهم وافتراءاتهم وضلالاتهم بخلاف سورة الحديد. (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (120) وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122)) الكلام عل الناس في سورة الأنعام قبلها وبعدها أما في الحديد فلم يذكر معاملات الناس وأحوالهم وإنما ذكر بشكل عام ربنا قال (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) لم يقل في الناس لأنه في الآخرة ليس المشي في الناس وإنما يمشي به وحده والنور له وحده لا يشاركه به أحد (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ (13) الحديد) في الآخرة ليس المشي في الناس وإنما النور له وحده وليس في الناس وليس يمشون به في الناس بينما في الأنعام هذه في الناس ومعاملاتهم وأحوالهم في الدنيا لذا قال (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) أما تلك فهي عامة في الآخرة لكن لا يمشي به في الناس. (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) في الدنيا والآخرة ولو قال في الناس لكان في الدنيا فقط كما قال في الأنعام قال (في الناس) والكلام على الدنيا.