آية (٩٩) : (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ)
* في الآية (٩٧) قال تعالى (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) وهنا قال (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) :
الآية الأولى (قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ) اليهود كأنهم صاروا يشتمون جبريل وأعلنوا عداءهم له فكأنه يقول لهم: جبريل لم يصنع شيئاً من عند نفسه وإنما نزّل هذا القرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بأمر من الله تعالى (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ) نزّله هنا على وزن فعّل تأتي للتكثير والتدريج فعندما تقول علّمه معناه درّجه في العلم ، فنزّله على قلبك هو هذا التدرج الذي نزل به.
في الآية الأخرى (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) ذكر جبريل نعم لكن في حال نزول القرآن لكن لم تشر إلى جبريل وإنما أشارت إلى المصدر الأول وهو الله سبحانه وتعالى ، لكن لما ذكر السياق الله سبحانه وتعالى (فإن الله عدو للكافرين) قال (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) الباري عز وجل يتحدث عن نفسه فهذا الإنزال بمعنى الإيصال أنه أوصلنا إليك هذه الآيات لتبلّغها للناس .
آية (١٠٠) : (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)
* عبّر الله تعالى عن نقض اليهود للعهد والميثاق بالنبذ والنبذ هو الطرح والإلقاء فما علاقة الطرح بنقض الميثاق؟ لقد جعل الله تعالى العهد والميثاق الذي أقرّ به اليهود كتاباً أحكموا قبضته بيدهم حتى لا يقع ولكنهم سرعان ما تخلوا عن عهدهم وألقوا هذا الكتاب وطرحوه أرضاً إشارة إلى نقضهم للميثاق .
آية (١٠١) : (وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)
* القرآن الكريم يستعمل أوتوا الكتاب في مقام الذم ويستعمل آتيناهم الكتاب في مقام المدح، في الآية هنا هذا ذم ، بينما آتيناهم الكتاب تأتي مع المدح (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ (١٢١)) مدح، القرآن الكريم له خصوصية خاصة في استخدام المفردات وإن لم تجري في سنن العربية، ورب العالمين يسند التفضل والخير لنفسه (آتيناهم الكتاب) لما كان فيه ثناء وخير نسب الإيتاء إلى نفسه بينما أوتوا فيها ذم فنسبه للمجهول .
* قوله تعالى (وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ) أي جعلوه وراءهم حتى ينسوه تماماً ولا يلتفتوا إليه، فالنبذ إذا كان أمامك فأنت تراه دائماً وربما يغريك بالإقبال عليه .
* كلمة نبذ يمكن أن يأتي مقابلها فنقول نبذ كذا واتبع كذا، وهم نبذوا كتاب الله ولكن ماذا اتبعوا؟ ما تتلو الشياطين .
آية (١٠٢) : (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)
* كان المنطق يقتضي أن يخص الله سبحانه وتعالى حكاية الشياطين قبل أن يبرئ سليمان من الكفر الذي أرادوا أن ينشروه ، ولكن الله أراد أن ينفي تهمة الكفر عن سليمان ويثبتها لكل من اتبع الشياطين فقال جل جلاله (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ) .
* نسب الله تعالى تعليم السحر لليهود لأنهم اشتُهروا في هذا المجال وعُرِفوا به وعُرف بهم حتى غدا سمة من سماتهم وقد اعتقد المسلمون في المدينة أن اليهود سحروهم فلا يولد لهم ولذلك استبشروا لما وُلِد أول ولد للمهاجرين في المدينة وهو عبد الله بن الزبير .
* دلالة استخدام صيغة الفعل المضارع (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ) وهما علّما الناس وانتهى الأمر لأن الفعل المضارع قد يستخدم ليعبّر به عن الماضي في ما نسميه حكاية الحال وهو أن يُعبّر عن الحال الماضية بالفعل المضارع للشيء المهم كأن يجعله حاضراً أمام السامع واستحضار الصورة في القرآن كثير وفي غير القرآن .
آية (١٠٣) : (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ)
* الفرق اللغوي بين الأجر والثواب والمثوبة :
الأجر هو جزاء العمل لكن يقال في الغالب لما فيه عقد أو شبيه بعقد يجري مجرى العقد (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (٢٧)القصص) ، فالأجر فيه نفع لأنك تتعاقد مع أحد على شيء ، والأجر في الغالب يكون في الأعمال البدنية في الطاعات .
الثواب في اللغة يقال في الخير والشر لكن القرآن لم يستعملها إلا في الخير والثواب وهو جزاء على العمل .
المثوبة من الثواب ولكن القرآن استعملها في الخير والشر (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ (١٠٣)البقرة) (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ (٦٠)المائدة) ، أثاب يستعملها في الحزن (فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ (١٥٣)آل عمران) .
آية (١٠٤) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
* ما مناسبة نزول هذه الآية عقب آيات السحر؟
نُهيَ المؤمنون عن التلفظ بكلمة راعنا لأنها تعني المسبّة في العبرانية ، وكشف الله عمل اليهود والمنافقين ، ولو رجعنا إلى أصل السحر لرأيناه يرجع إلى التمويه وأن من ضروب السحر ما هو تمويه الألفاظ بأذى الشخص بقول أو فعل لا يُعلم مغزاهما .
آية (١٠٥) : (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)
* وُصِف الفضل بالعظيم في ثماني آيات في القرآن وإذا كان الوصف بلفظ العظيم يكون متصل الإسناد مباشرة باسم الجلالة (الله) ويكون الوصف متعدداً واسعاً ، بينما وصف الفضل بالكبير في ثلاث آيات وذلك عندما تكون الاشارة إلى فضل من الله تعالى بغير إسناد مباشر للفظ الجلالة (الله) ويكون الوصف منحصراً ، وجاء وصف الفضل بالمبين في آية واحدة لأن الأمر دنيوي مباشر ظاهر ملموس .
* عطف الله تعالى قوله (وَلاَ الْمُشْرِكِينَ) على (الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) مع أن المشركين كافرون لئلا يقع في الظن أن الحسد يقع من أهل الكتاب وحدهم دون غيرهم فالكفر سبب البُغض والحسد أينما كان وفي أي زمن كان.
آية (١٠٦) : (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
* هناك قراءتان لكلمة (ننسها) ما الفرق بينهما؟
قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وأبو جعفر وخَلَف (نُنسها) من النسيان أي نُنسي الناس إياها وذلك بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بترك قراءتها حتى ينساها المسلمون ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ننسأها) بمعنى نؤخرها أي نؤخر تلاوتها أو نؤخر العمل بها مما يؤدي إلى إبطال العمل بقراءتها أو بحكمها .
* قال تعالى (نأت بخير منها) ولم يبين بأي شيء هي أفضل وخير من الآية المنسوخة لأن (نأت بخير منها) أُجمِلت جهة الخيرية ولم يُذكر وجه الخير لتذهب نفسك كل مذهب ممكن فقد ترى أن الخيرية في الاشتمال على ما يناسب مصلحة الناس ويرى غيرك ما فيه رفق بالمكلفين ورحمة بهم في مواضع الشدة وهكذا.
آية (١٠٧) : (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ)
* قدم له للحصر أي ملك السموات والأرض لله سبحانه وتعالى .
* ما الفرق بين الملك والملكوت ؟
الكلمتان اشتقاق من ملك وزيادة المبنى تؤدي إلى زيادة المعنى ، وكلمة الملكوت هي أوسع من كلمة الملك والملك داخل في الملكوت ، والملك والملكوت كله لله سبحانه وتعالى ، وملك الله عز وجل ما في السموات وما في الأرض ، أما الملكوت العز والسلطان ، وهو ملك الله خاصة لا يعطي منه لأحد وهو هذا الملك الواسع بكل ما يمكن أن يتخيله الإنسان .
وعندما ننظر لاستعمال الملك والملكوت في القرآن الكريم نجد أن الملك يمكن أن يوجه إلى عبيد الله سبحانه وتعالى أي البشر فيمكن أن يعطي من ملكه جلت قدرته لعبيده يتصرفون فيه من سلطان أو مال وهو لا يخرج من ملكيته بل هو باقٍ ويستعمله عبيده ، لكن الملكوت لم يرد في القرآن أنه أعطي من الملكوت للبشر (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) فالله عز وجل لم يقل يؤتي الملكوت من يشاء بل يؤتي الملك .
وقد وردت كلمة ملكوت أربع مرات وليس فيها إشارة إلى إعطائها لأحد وهي كلمة عربية وهذه الزيادة فعلوت مثل رهبوت عندنا الرهبة والرهبوت وتعني الرهبة العظيمة .
آية (١٠٩) : (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
* قال تعالى (من عند أنفسهم) ولم يقل منهم تأكيداً على تأصيل هذا الحسد فيهم وصدوره من أنفسهم أكثر من قوله منهم .
* (فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ) ما الفرق بين يغفر ويعفو ويتوب ويصفح ويسامح التي هي متقاربة فيما يبدو ؟
العفو ترك عقوبة المذنب ، يقال عفت الريح الأثر أي مسحته وأزالته ، فالعفو أن تمحو من نفسك أثر أي إساءة وكأنها لم تحدث .
الصفح هو الجانب لصفحة الوجه وهو ترك اللوم والتثريب وهو أبلغ من العفو لأنك قد تعفو عن ذنب امرئ لكنك تبقى له لائماً .
المغفرة ستر الذنب من غفر الشي أي ستره .
التوبة ترك الذنب والإقلاع عنه مع الندم والعزم على عدم العودة .
السماح المسامحة هي المساهلة في اللغة .