آية (١٢٤) : (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)
* (إِبْرَاهِيمَ) مفعول به تقدّم على الفاعل (رَبُّهُ) لتشريف سيدنا إبراهيم عليه السلام بإضافة إسم رب إلى الضمير العائد عليه .
* سمّى الله عز وجل إبراهيم إماماً وعدل عن تسميته رسولاً ليكون ذلك دالاً على أن رسالته تنفع الأمة المرسَل إليها بالتبليغ وغيرها من الأمم بطريق الامتداد لاسيما وأن إبراهيم عليه السلام قد طوّف بالآفاق .
* خصّ إبراهيم عليه السلام بالدعاء بعض ذريته (قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي) ولم يقل ذريتي لأنه يعلم أن حكمة الله تعالى تقتضي ألا يكون جميع أبناء الرجل ممن يصلحون لأن يُقتدى بهم ولذلك لم يسأل الله تعالى ما هو مستحيل عادة لأن ذلك ليس من آداب الدعاء ولم يجعل الدعاء عاماً شاملاً لكل الذرية بحيث يقول وذريتي .
* كلمة (ابراهيم) في القرآن الكريم وردت منقوطة بالياء في كل القرآن إلا في سورة البقرة :
قاعدة : خط المصحف لا يقاس عليه . وعلينا أن نعلم أنه حصل تطور في تاريخ الكتابة منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فبدأت الكتابة العربية تستقر وتأخذ أشكالاً أخرى ولذلك نرى أكثر من رسم للكلمة مثال كلمة لكيلا -لكي لا، كذلك كلمة إذن - (إذاً) وكلمة مئة ومائة وغيرها وكلا الكتابات جائز عند العرب . والمصحف كتبه عدد كبير من الكتبة والرسم الذي كتبوا به هو كتابتهم في أزمانهم فمرّة يرسم حرف العلة ومرة لا يرسم وأحياناً يكون الرسم لاختلاف القراءات فيوضع الرسم الذي يجمع القرآءات المتواترة ، وكلمة ابراهيم في سورة البقرة ورد فيها قراءتين متواترين أحداهما ابراهم بدون ياء والثانية ابراهيم بالياء فكتبت بالشكل الذي يحتمل القرآءتين و كلمة إبراهيم كلمة أعجمية وليست عربية وكل كلمة غير عربية في لسان العربي يتصرف بها يعني يلفظونها بطرائق مختلفة إبراهام أو إبراهيم .
آية (١٢٥) : (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)
* كل موطن ذُكر فيه اسحق ذُكر معه اسماعيل أو بعده بقليل ، وقد ذُكر اسماعيل مرتين في القرآن بدون أن يُذكر اسحق في سورة البقرة (١٢٥) (١٢٧) لأن اسحق ليس له علاقة بقصة رفع القواعد من البيت أصلاً .
آية (١٢٦) : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)
* الفرق بين قوله تعالى (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا) و (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا) في سورة إبراهيم :
في الآية الأولى )وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا) الإشارة (هذا) صارت المفعول الأول لفعل (إجعل) و(بلداً) المفعول الثاني و (آمنا) صفته ، أي صيّره بلداً فجاء بصيغة التنكير (بلداً) إذن لم تكن مكة بلداً ، إذن هو أشار إلى موضع المكان أو الوادي الذي وصفه في آية أخرى (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) فاجعل هذا بلداً ، ثم وصف البلد بأنه آمن ، هذا كان في أول السُكنى .
الآية الثانية هي دعاء سيدنا ابراهيم بعد أن أصبحت مكة بلداً معروفاً فجاء بصيغة التعريف في قوله (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا) البلد صارت بدلاً من (هذا) المفعول الأول و(آمناً) صارت المفعول الثاني ، المكان صار بلداً بل جاء إليه من القبائل أو الأعراب الذين سكنوا مع هاجر من يعبد الأصنام فلا يريد لذريته أن يتأثروا بهؤلاء فانصب الطلب على الأمن ودفع عبادة الأصنام (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) . معنى هذا أن سيدنا إبراهيم دعا لهذا البلد مرتين .
* قال (فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ) بضمير المفرد وفي لقمان بالجمع (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ) :
من ناحية السياق في سورة البقرة قال قبلها (أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ) نسب تعالى البيت إلى نفسه وصاحب البيت يتولى الأمر فقال (وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً) كما أن الآية تتحدث عن مكة ، أما في لقمان كلاماً عاماً وليس في بلد معين ولا أناس معينين أيها الأكثر؟ في لقمان ، فجاء بضمير الكثرة وتسمى الكثرة النسبية يعني يُعبَّر عن الأكثر بالضمير الذي يدل على الكثرة والجمع ويعبر عن الأقل بالمفرد .
* قال هنا (وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً) وفي لقمان قال (وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) :
السياق مختلف تماماً ففي سورة البقرة إبراهيم سأل ربه (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) وطلب الرزق فيه تمتيع فالجواب يكون فأمتعه قليلاً ، أما آية لقمان ففي التبليغ .
* أيها الأشد أن تقول إلى عذاب غليظ أو إلى عذاب النار وبئس المصير؟ عذاب النار . عندما تقول سأعذبه عذاباً غليظاً هل معناه أنك ستحرقه؟ كلا لأنك لم تصرح أنه بالنار ، عذاب غليظ لا يشترط أن يكون بالنار قد يكون بعصا غليظة ، أما عذاب النار فيها حرق فأيها الأشد؟ عذاب النار . السياق في أهل مكة وإبراهيم يطلب البلد الآمن والرزق ، والسيئة في مكة تتضاعف أكثر من أي مكان آخر وكذلك الحسنة ، فمن أساء في بلد الله الحرام ليس كمن أساء في غيرها ولذلك شدّد العذاب فقال (عذاب النار وبئس المصير) .
آية (١٢٧) : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
* ما فائدة الضمير فى قوله تعالى(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ؟
جاء الخبر (السميع العليم) معرفة ووقع بين (إن) والخبر (السميع) ضمير الفصل (أنت) بقصد المبالغة في كمال الوصفين السميع والعليم له سبحانه وتعالى ولينزَل سمع وعلم غيره منزلة العدم ، ألا ترى أنك لو قلت لرجل أنت سامع إذا أردت أنه أحد السامعين أما إذا عرّفت فقلت أنت السامع فهذا يعني أنه السامع لا غيره .
* جاءت (يَرْفَعُ) بالمضارع مع أنه رفع وانتهى لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يستحضر حالة إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت ، فرغم المشقة التي تحملها الاثنان فهما سعيدان وكل ما يطلبانه من الله هو أن يتقبل منهما .
*هل يُضمر القول في القرآن الكريم ؟
أحوال القول والمقول يمكن أن نجمل أهم أحكامها في عبارات صغيرة :
١- الأصل أن يذكر القول والمقول وهذا هو الكثير مثل (وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)) القول هو الفعل و المقول هو (سمعنا وأطعنا) .
٢- يمكن أن يحذف فعل القول ويذكر المقول لا يقول قال أو يقول لكنه مفهوم وهذا كثير أيضاً مثل (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)) هذا مقول القول ما قال يقولون ، حذف الفعل وأبقى المقول .
٣- أحياناً يذكر فعل القول لكن يحذف المقول ولكنه ظاهر في السياق عكس الحالة السابقة مثل (قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) يونس) ما هو القول؟ هم لم يقولوا أسحر هذا ولا يفلح الساحرون وإنما هم قالوا هذا سحر، قول (أسحر هذا) هذا قول موسى وأضمر مقولهم هم ولكنه مفهوم من السياق .
٤- قد يذكر مقولين لقائلين مختلفين ويحذف فعل القول منهما الإثنين ويتصلان كأنهما مقولان لقول واحد لكن المعنى واضح يجري عليه السياق مثل (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) النحل) هم قالوا (ما كنا نعمل من سوء) والرد (بلى إن الله عليم بما كنتم تعلمون) هذا ليس قائلاً واحداً وإنما هذا قائل آخر وحذف فعل القول لم يقل قالوا ما كنا نعمل من سوء ولم يقل قال بلى مفهوم من السياق فحذف فعل القول من الاثنين وأدمج المقولين لكنه مفهوم من السياق .
٥- أن يذكر فعل القول ومقوله ويدرج معه قول لقائل آخر فيبدو كأنهما مقولان لشخص واحد لكن في الحقيقة لا، مثل (قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)) ، ويوسف قال (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ(٥٣)) هذا كلام سيدنا يوسف يتحدث عن أنه لم يخن العزيز بالغيب ، (ذلك) أي الكلام الذي قالته امرأة العزيز .
٦- هنالك حالة أخرى أن يذكر فعل القول لكن لا يذكر المقول وإنما يذكر فحواه (قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ (٣١) إبراهيم) (قل) هذا فعل القول والمقول لم يذكره وإنما ذكر الفحوى (يقيموا الصلاة) هذا فحوى قوله تعالى هو لم يقل أقيموا الصلاة، (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (٥٣) الإسراء) هذا ليس هو نص القول وإنما فحواه .
فهذه أبرز أحوال القول في القرآن الكريم ، ولكل حالة من هذه الحالات دلالتها وسياقها الذي تروى فيه .
آية (١٢٩) : (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ)
* وردت في القرآن الكريم مثل هذه الآيات أربع مرات ثلاث منها عن الله تعالى ومرة على لسان ابراهيم عليه السلام وهي :
• (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)البقرة) .
• (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)آل عمران) .
• ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)الجمعة) .
• وعلى لسان ابراهيم : (١٢٩) البقرة.
التقديم والتأخير يعود إلى ترتيب الأولويات والأهمية في الخطابين ، فعندما دعا ابراهيم ربه أن يرسل رسولاً أخّر جانب تزكية الأخلاق إلى آخر مرحلة بعد تلاوة الآيات وتعليمهم الكتاب والحكمة ، أما في آية سورة الجمعة وسورة البقرة (١٥١) وسورة آل عمران فالخطاب من الله تعالى بأنه بعث في الأميين رسولاً يتلو عليهم آياته ويزكيهم قبل مرحلة يعلمهم الكتاب والحكمة لأن الجانب الخُلُقي يأتي قبل الجانب التعليمي ولأن الإنسان إذا كان غير مزكّى في خلقه لن يتلقى الكتاب والحكمة على مُراد الله تعالى والرسول من أهم صفاته أنه على خلق عظيم كما شهد له رب العزة .
من ناحية السياق فآية البقرة (١٢٩) قال بعدها (قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ (١٣٦)) فلما كان السياق عن الكتب قدّم الكتاب والحكمة (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) لأنه مناسب مع الإنزال الذي ذكره فيما بعد .
بينما آية البقرة الأخرى قال قبلها (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ... الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٤-١٤٦)) الكتاب والعلم لم ينفع هؤلاء ولم يغن عنهم شيئاً فهم محتاجون للتزكية فقدّمت وقد قال بعدها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (١٥٣)) فالصلاة تزكية تنهى عن المنكر .
آية (١٣١) : (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
* الفرق بين أسلم إلى وأسلم لـ في الدلالة :
أسلم بمعنى انقاد وخضع ومنها الإسلام الإنقياد .
أسلم إليه الشيء معناه دفعه إليه أو أعطاه إليه بانقياد أو فوّض أمره إليه ، من التوكل وهذا أشهر معنى . أسلم لله معناه انقاد له وجعل نفسه سالماً له أي خالصاً لله أخلص إليه ، لما قالت ملكة سبأ (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤) النمل) ووكذلك إبراهيم عليه السلام قال (أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) خضعت له وجعلت نفسي خالصة له .
لذلك قال القدامى أسلم لله أعلى من أسلم إليه لأنه لم يجعل معه لأحد شيء كما أن أسلم إليه أي دفعه إليه قد يكون لم يصل لكن سلّم له اختصاص ، واللام للملك (أسلم لله) ملّك نفسه لله .
مختصر اللمسات البيانية في سورة الأنعام
* تناسب فواتح الأنعام مع خواتيم المائدة *
قال تعالى في خاتمة المائدة (لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)) وفي بداية الأنعام (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ (١))، له الملك وله الخلق خلَقَ السموات والأرض وملَكَها، فالمائدة أثبتت الملك لله والأنعام أثبتت الخلق لله.
ذكر في افتتاح الأنعام (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) أي يخرجون عن الطريق وينحرفون وليس من العدل بمعنى القسط، وذكر في خواتيم المائدة من عدل عن عبادته (أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ (١١٦)).
آية (١٣٣) : (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاًوَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)
* الفرق بين حضر وجاء في القرآن الكريم :
من الناحية اللغوية :
الحضور في اللغة يعني الوجود والشهود وليس بالضرورة معناه المجيء إلى الشيء (يقال كنت حاضراً إذ كلّمه فلان بمهنى شاهد وموجود وهو نقيض الغياب) ويقال كنت حاضراً مجلسهم ، وكنت حاضراً في السوق أي كنت موجوداً فيها.
أما المجيء فهو الإنتقال من مكان إلى مكان ، وفي القرآن يقول تعالى (فإذا جاء وعد ربي جعله دكّاء) سورة الكهف بمعنى لم يكن موجوداً وإنما جاء الأمر.
من الناحية البيانية :
القرآن الكريم له خصوصيات في التعبير وفي كلمة حضر وجاء لكل منها خصوصية أيضاً ، فحضور الموت يُستعمل في القرآن الكريم في الأحكام والوصايا كما في قوله تعالى (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي) وكأن الموت هو من جملة الشهود كأن الموت حاضر مع من هو جالس بجوار يعقوب وهذا الحضور ليس فيه موت كامل لأن يعقوب كان يوصي أبناءه فلم تُقبض روحه إذن هو لم يكن قد مات لكن الموت جالس عنده وشاهد على الوصية فكأنه إقترب منه الموت لكن لم ينفذ. فالقرآن هنا لا يتحدث عن الموت نفسه أو أحوال الناس في الموت وإنما وصية يعقوب لأبنائه بعبادة الله الواحد .
أما مجيء الموت في القرآن فيستعمل في الكلام عن الموت نفسه أو أحوال الناس في الموت كما في آية المؤمنون (حَتَّى إِذَاجَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)) يريد هذا الذي جاءه الموت أن يرجع ليعمل صالحاً في الدنيا فالكلام إذن يتعلق بالموت نفسه وأحوال الشخص الذي يموت ، كما يستعمل فعل جاء مع الأجل (فإذا جاء أجلهم) ومع سكرة الموت (وجاءت سكرة الموت) .
* (حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) جاء لفظ الموت فاعلاً في أحد عشر موضعاً في القرآن وجاء المفعول به يكون متقدماً دائماً كأنه إبعاد للفظ الموت وتقديم للمفعول به وذلك التقديم للعناية والإهتمام والتلهف لمعرفة الفاعل .
* إسحق ليس أبوهم ولكن الأجداد من الآباء لكن ليس من الوالدين ، فربنا سمى آدم (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ) .
آية (١٣٥) : (وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
*(قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) ما دلالة حنيفاً :
الحنف هو الميل عن الضلال إلى الإستقامة والحنف الميل في المشي عن الطريق المعتاد ، وسمي دين إبراهيم حنيفاً على سبيل المدح للمِلّة لأن الناس يوم ظهور ملّة إبراهيم كانوا في ضلالة عمياء فجاء دين إبراهيم مائلاً عنهم فلُقّب بالحنيف مدحاً .