* تناسب فواتح الأعراف مع خواتيم الأنعام *
قال تعالى فى أواخر الأنعام (وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ .. (١٥٥)) وفي أول الأعراف (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء .. (۳)) .
في خاتمة الأنعام قال (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ .. (١٦٥)) وفي بداية الأعراف (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا .. (٤)) هو الذي جعلكم خلائف بعد من مضى من قبلكم وكم من قرية أهلكناها وجعلناكم بعدها خلائف.
قال في خاتمة الأنعام (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ) وفي بداية الأعراف (فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا) هذه عقوبة.
آية (١٤٢) : (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
* قال تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ) وصفهم بأنهم من الناس ولم يكتف بـ (سيقول السفهاء) مع كون ذلك معلوماً للمبالغة في وسمهم بهذه السمة وللتنبيه على بلوغهم الحد الأقصى من السفاهة بحيث لا يوجد في الناس سفهاء غيرهم وإذا قُُسِّم الناس أقساماً يكون هؤلاء قسم السفهاء ، السفهاء جمع سفيه وهو صفة مشبّهة تدل على أن السفه غدا سجيّة من سجايا الموصوف وهذه الصفة لا تُطلق إلا على الإنسان .
آية (١٦) : (مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ)
* قال تعالى هنا (وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) وفى الجاثية: (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) بزيادة (هُوَ) وسقوط واو العطف:
فى سورة الأنعام لما تقدم قوله تعالى (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ) أي من يصرف عنه العذاب فى الآخرة والفاء في (فَقَدْ رَحِمَهُ) جواب الشرط والفوز مسبب عن الرحمة فذكرا معًا (فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ) وكأن الكلام فقد رحم وفاز، ولم يتقدم من أول السورة ما يتوهمه العاقل فوزًا فيحترز منه فلم يأت بالضمير(هو) هنا.
في آية الجاثية ورد قبلها قوله تعالى مخبرًا عن قول منكرى البعث: (مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) أي أن هذه هي الحياة ولا حياة وراءها فمن تنعم فيها فذاك فوزه، فأخبرهم تعالى أن الأمر ليس كما ظنوه وذكر أمر الساعة وتفصيل الأحوال فيها وقال (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ) ذلك الفوز لا الحياة التى هى لهو ولعب، فجاء بالضمير للحصر، ولم يتقدم فى آية الأنعام ما يستدعيه كما لم يتقدم فى آية الجاثية ما يستدعى العطف.
آية (١٤٣) : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)
* صُدِّرت الآية باسم الإشارة (وكذلك) ولم تأت (وجعلناكم أمة وسطاً) دلالة على البُعد للتنويه إلى تعظيم المقصودين وهم المسلمون .
* وسطاً معناها خياراً أو عدولاً بين الإفراط والتفريط ، لما تقول هو من أوسطهم أي من خيارهم .
* كلمة وسطاً في (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) لم تتبع الموصوف من حيث التذكير والتأنيث لأن كلمة وسط في الأصل هي إسم جامد يعني ليس مشتقاً ، وصِف به فيبقى على حاله ولا يطابق كما لو وصفنا بالمصدر نقول رجل صوم وامرأة صوم لا يقال أمة وسطة ، وليس في الأصل وصف مشتق حتى يُذَكّر مثل طويل وطويلة .
* دلالة التوكيد بـ (إنّ) واللام في الآية (وَإِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) وعدم التوكيد فى سورة النور(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) :
التوكيد بحسب ما يحتاجه المقام ، في الآية الأولى (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) لما تحولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة تساءل الصحابة عن صلاتهم السابقة وعن الذين ماتوا هل ضاعت صلاتهم؟ سألوا عن طاعة كانوا يعملون بها فأكدّ الله تعالى (إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) ، أما في الآية الثانية فهم في معصية (يحبون أن تشيع الفاحشة) فلا يحتاج إلى توكيد ، لما هم في طاعة يؤكد ولما يكون في معصية لا يؤكد .
آية (١٤٤) : (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ)
* دلالة إستخدام (قد) في قوله تعالى (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء) : (قد) إذا دخلت على الماضي تفيد التحقيق وإذا دخلت على المضارع لها أكثر من معنى منها التقليل (قد يصدق الكذوب) تقليل وقد تأتي للتكثير والتحقيق .
* (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) عبّر تعالى عن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته للكعبة بكلمة (ترضاها) دون تحبها أو تهواها للدلالة على أن ميله إلى الكعبة ميل لقصد الخير بناء على أن الكعبة أجدر بيوت الله بأن يدل على التوحيد ولما كان الرضا مشعراً بالمحبة الناتجة عن التعقل اختار كلمة (ترضاها) دون تهواها أو تحبها فالنبي يربو أن يتعلق ميله بما ليس فيه مصلحة راجحة للدين والأمة .
آية (١٤٥) : (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ)
*ما الفرق بين الآيتين (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) و (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (١٢٠)) :
أولاً : مجيء من في إحداهما وعدم مجيئها في الأخرى:
حرف الجر في اللغة يؤدي إلى تغيير الدلالة ، (من بعد) (من) هي لابتداء الغاية ، ابتداء المكان بداية الشيء من كذا إلى كذا ، ولذلك هناك فرق بين (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا) مباشرة ليس هنالك فاصل ، (فوقها) تحتمل القريب والبعيد (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ) .
(مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ) السياق في تحويل القبلة فعندما تنزل الآية ينبغي أن يتحول المسلم إلى القبلة مباشرة ، من سمع بها نفّذها ، الذي كان في الصلاة وسمع هذه الآية إتجه مباشرة إذن هذه ابتداء الغاية لا تحتمل أي تغيير .
ثانياً : اختيار الذي وما:
(الذي) إسم موصول مختص و(ما) مشترك والمختص أعرف من المشترك عموماً ، فمعناها أن (الذي) أعرف من (ما) لأن (ما) تكون للمفرد والمذكر والمؤنث والمثنى والجمع أما الذي فهي خاصة بالمفرد المذكر .
السياق في الآية (١٢٠) (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ (١٢١) يتلون الكتاب أي العلم الذي جاء به إذن صار أخص لأن الكلام كان محدداً في القرآن ، أما في الآية (١٤٥) هذا مطلق لم يحدد بشيء فاستعمل (ما) في المطلق واستعمل (الذي) في المقيَّد .
آية (۳) : (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)
* دلالة البناء للمجهول (مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) :
السياق حسب الحاجة وحسب ما يريد المتكلم أن يتحدث عنه، هل الكلام عن الفاعل أو عن نائب الفاعل، هنا الكلام عن الكتاب ( كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ .. (۲)) لكن يذكر من المنزِل فيما بعد لتعظيم الكتاب، (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (۲) الزمر) الكلام عن الله وليس عن الكتاب.
* (تَتَذَكَّرُونَ) لما تأتي تكون مساحة التأمل أوسع ففي الآية (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) الأنعام) كان الكلام قبلها عن النظر في آيات الله في الكون وهذا ربي ثم هذا ربي ثم هذا ربي أمور تحتاج إلى طول زمن.
- تذكّرون مثل (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) المسألة منحصرة في أوامر من الله عز وجل يأمرهم بتنفيذها لا تحتاج إلى طول الوقت الذي احتاجته التأملات في قصة إبراهيم عليه السلام.
- يذّكّرون بالتشديد على الذال فهو للتأكيد.
آية (٤) : (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ)
* ذكر هلاك القرية دون ذكر أهلها لقصد الإحاطة والشمول، تخيل مشهد القرية وهي تتدمر بأكلمها، وإذا كان هذا ما حل بالقرية وهي ثابتة مستقرة فكيف بأهلها؟ وستزداد دهشة إذا علمت أن ساعة الهلاك هي ساعة نومهم (بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ).
* أتى البأس بعد الإهلاك فالفاء تأتي للترتيب الذِكري ولا تنحصر بالترتيب والتعقيب. وهي تعني التفصيل بعد الإجمال . أولاً يأتي بالموت بشكل إجمالي ثم يفصّل الإهلاك.
آية (١۲) : (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)
* الفرق البياني بين المجيء بـ (لا) في (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) وحذفها في (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ) سورة ص:
في سورة ص (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)).
لغويًا: (لا) مزيدة لا تغيّر المعنى وهناك قاعدة أن (لا) يمكن أن تُزاد إذا أُمن اللبس، وسُمّيت حرف صلة وغرضها التوكيد وليس النفي، فالله تعالى يحاسب إبليس على عدم السجود ولو كانت (لا) نافية يكون المعنى أنه تعالى يحاسبه على السجود وهذا غير صحيح. (مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ) جاءت لتأكيد السجود في الأعراف.
بيانيًا: نلاحظ أن السياق والمقام مختلف في السورتين:
- المؤكّدات في سياق قصة آدم في سورة الأعراف أكثر منها في ص (لأقعدنّ، لآتينهم، لأملأن، إنك، وغيرها من المؤكّدات).
- الآيات التي سبقت هذه الآية في سورة الأعراف كانت توبيخية لإبليس ومبنية على الشدة والغضب والمحاسبة الشديدة.
- جو سورة الأعراف عموماً فيه سجود كثير فمشتقات السجود في الأعراف (٩ مرات) أكثر منها في ص (۳ مرات).
- القصة في سورة الأعراف أطول منها في ص.
- الأحرف المقطعة تطبع السورة بطابعها فسورة ص تطبع السورة بالصاد (مناص، اصبروا، صيحة، فصل، خصمان، وغيرها..). وسورة الأعراف تبدأ بـ (المص) وفي الآية (لا) اللام والألف ناسب ذكرها هنا.
آية (١۳) : (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)
* الفرق بين قوله تعالى (فَاهْبِطْ مِنْهَا) فى سورة الحجر (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ( ۳٤)) :
أمر الله آدم بالهبوط ولم يقصد من تعنيفه ما قصد بإبليس، وفى الأعراف لم يتقدم أن إبليس ليس من الملائكة كما تقدم فى الحجر بل ظاهر ما فى الأعراف أنه منهم فعبر بالهبوط، ولما تقدم في الحجر خلقه من نار السموم أشعر ذلك بشر المادة فناسبه قوله (فَاخْرُجْ مِنْهَا) وإتباع ذلك بما يلائمه من الوصف (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) ثم بما كتب عليه من اللعنة، ولم يرد فى الأعراف هكذا بل روعى فيه مناسبة ما تقدم، ولئلا يتنافر الكلام ويتنافر المعنى قال (فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ).
(١٧) : (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ)
* الفرق بين الضُرّ والضَر والضرر:
الآية ضُر هو ما يكون في البدن من مرض وغيره (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ).
الضَر هو المصدر بما يقابل النفع (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا).
الضرر الإسم عام أي النقصان يدخل في الشيء يقال دخل عليه ضرر (أُوْلِي الضَّرَرِ) أي الذين فيهم عِلّة.
* الفرق بين الآية وآية سورة يونس (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَّشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(١٠٧)) :
- قال فى الأنعام (وَإِن يَمْسَسْكَ) وفى يونس (وَإِن يُرِدْكَ) :
في يونس تقدم قبل الآية قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ...) إعلام منه سبحانه بجرى الخلائق على ما قدر لهم أزلا وسبق به حكمه ، ثم قال (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا) تأكيد أنه سبحانه يقدر للعباد ما شاءه فيهم وأن ذلك لا يرده راد ولا يعارضه معارض، بعدها قال (يُصِيبُ بِهِ مَن يَّشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) وهو المراد بقوله فى آية الأنعام (وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ) فاجتمع فى آية يونس الأمران معا وكأن قد قيل : وإن يمسسك بخير ويردك به فلا راد لما أصابك به وأراده لك.
آية الأنعام ليس فيها من التأكيد ما جاء في يونس فوقع الاكتفاء هنا بقوله (وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ) .
- رد جواب الشرط الثانى فى الأنعام (فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ) وفى يونس بقوله (فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ) :
آية الأنعام في سياق التعريف بوحدانيته تعالى وأنه سبحانه المنفرد بالخلق والمتصرف فى عباده بما يشاء والقدير على كل شئ ونفى هذه الصفات عمن سواه سبحانه من بداية السورة إلى الآية (١٧) .
آية يونس ذكر قبلها حال من ظن أن غيره تعالى يضر أو ينفع فقال تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤنَا عِندَ اللهِ) وقال تعالى (قُلْ مَن يَّرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَّمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ...) وغيرها من الآيات التي دارت على أنهم توهموا نفع ما اتخذوه معبودا من شركائهم، فقال جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام (وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ) ثم أتبعها بالآية (١٠٧) .