عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٦٤﴾    [البقرة   آية:١٦٤]
آية (١٦٤) : (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) * قال ربنا (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) فاستخدم كلمة تصريف للدلالة على أحوال الرياح ولم يستخدم كلمة أخرى كالهبوب مثلاً : ذلك لأن هذه الكلمة قد جمعت أحوال الرياح التي يحتاج إليها الإنسان وفي كل حالة من أحوالها آية من آيات وجود الخالق وعظيم قدرته سبحانه . فهبوب الريح مثلاً يحتاج إليه أهل موضع لتخفيف الحرّ عنهم وقد يحتاج أهل موضع آخر إلى إختلاف هبوبها لتجيء رياح رطبة بعد رياح يابسة أو تهب من جهة الساحل مسيّرةً السفن إلى البحر أو تهب إلى جهة الساحل ليرجع أهل السفن من أسفارهم . فكل تلك الأحوال التي أنعم الله تعالى بها على الناس وغيرها كثير اجتمعت في قوله تعالى (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) . * الفرق بين استعمال ريح ورياح في القرآن الكريم : كلمة ريح في القرآن الكريم تستعمل للشّر كما في قوله (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ (١٦) فصلت) . أما كلمة الرياح فهي تستعمل للخير كالرياح المبشّرات (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ) . * ما دلالة وصف السحاب في الآية بالمسخر؟ الآية في سياق تعداد نِعم الله سبحانه وتعالى فالله تعالى خلق السموات والأرض وتعاقب الليل والنهار لأجل الإنسان ، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس من رحمة الله سبحانه ليس أمراً سهلاً لكن ألِفناه ، وما أنزل الله من السماء من ماء وكل ما يتناوله الإنسان والنبات والحيوان وهذه الدواب التي على الأرض مما مصدره السحاب ، والسحاب يتحرك بالرياح ولذلك أكّده (والسحاب المسخر) يعني هو مهيأ ومُعدّ لكم . كل هذا (لآيات لقوم يعقلون) . كلمة سحاب هي إسم جنس جمعي لفظ مفرد معناه جمع وليس له واحد من لفظه ، والسحابة هي القطعة من السحاب وليست واحدة من السحاب والقطعة مجزّأة تماماً مثل كلمة ماء . السحاب يُذكّر ويؤنّث فالعرب تقول ظهر السحاب وظهرت السحاب ، لكن الإحالة عليه بالضمير بالمفرد المذكّر يعني تقول السحاب رأيته ولا تقول السحاب رأيتها ، فإذا جمعته على سُحُب تؤنّث تقول السحب رأيتها ولا تقول السحب رأيته .
  • ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿٣٣﴾    [الأنعام   آية:٣٣]
آية (٣٣) : (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ) * دلالة (قد) إذا دخلت على المضارع تفيد التقليل أوتأتي للتحقيق والتكثير وهذه اللغة الأعلى في التعبير وهذه لغة العرب. * الفرق بين الكفر والتكذيب: أن الكفر أعمّ من التكذيب لأن التكذيب حالة من حالات الكفر. التكذيب جزء من الكفر بآيات الله.
  • ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴿١٦٥﴾    [البقرة   آية:١٦٥]
آية (١٦٥) : (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً) * حذف جواب (لو) في الآية لأن حذفه ترك للخيال أن يذهب كل مذهب في تصور شدة الموقف وفظاعته .
  • ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَأِ الْمُرْسَلِينَ ﴿٣٤﴾    [الأنعام   آية:٣٤]
آية (٣٤) : (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) * الفرق بين (أَتَاهُمْ نَصْرُنَا) في الأنعام و(جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) في يوسف: فى قوله تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) يوسف) استيأس الرسل وصلوا لمرحلة الاستيئاس أشد من (فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا) في الأنعام، فعبر عن النصر فيها ب(جاء) التي تأتي مع ماهو أشد.
  • ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴿١٦٧﴾    [البقرة   آية:١٦٧]
آية (١٦٧) : (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) * الفرق بين الحسرة والندامة : الحسرة هي أشد الندم والتلهف على ما فات حتى ينقطع الإنسان من أن يفعل شيئاً . والحسير هو المنقطع في القرآن الكريم ، يقولون هو كالحسير من الدواب الذي لا منفعة فيه (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ) منقطعة ولا فائدة من الرجوع ثانية . الندم قد يندم على أمر وإن كان فواته ليس بذلك ، الندم له درجات والحسرة من الندم لكن أشد الندم يبلغ الندم مبلغاً .
  • ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴿٣٦﴾    [الأنعام   آية:٣٦]
آية (٣٦) : (إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) * وصف الله الفريق الأول بالسامعين ولم يسمّ الفريق الثاني بالصُمّ أو الذين لا يسمعون ولكن سماهم موتى لأن في هذا تعريض بأولئك المعاندين المعرضين بأنهم ولشدة إصرارهم على غيّهم ولرفضهم للحق أصبحوا كالأموات لا ترجى منهم استجابة. وهذا أشد من الأصم أو الذي لا يسمع فالأصم لا يسمع ولكنه قد يشعر ويعي ما يدور حوله أما الميت فقد فَقََدَ كل إدراك وشعور.
  • ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴿١٧٠﴾    [البقرة   آية:١٧٠]
آية (١٧٠) : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) * (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) مبنية للمجهول ليتضمن كل قول جاء على لسان أي رسول من الله من بدء الرسالات ، أي إذا قيل لهم من أي رسول اتبعوا ما أنزل الله قالوا (بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ) . * الفرق بين الآيات : في سورة البقرة (أَلْفَيْنَا) وفي لقمان (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)) وفي المائدة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ (١٠٤)) . - وجدنا وألفينا : في القرآن الكريم لم يرد الفعل ألفى إلا فيما هو مشاهد محسوس (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا (١٧٠)) (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ) ، أما (وجدنا) هي أشمل وتستعمل للأمور القلبية والأمور المشاهدة (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً) (وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ) (وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ) وجدهم يخلفون الميعاد . الذي لا يؤمن إلا بما هو مشاهد محسوس هو أقل علماً ومعرفة وإدراكاً ، ولذلك يستعمل (ألفينا) في الحالة الشديدة للذم أكثر من (وجدنا) . -- قولهم (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ) في ظاهرها أبلغ من قولهم (نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ) لكن كل من اللفظين مناسب للسياق الذي جاء فيه فـ (اتَّبِعُوا) يناسبها (نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا) وقوله (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ) يناسبها قولهم ( حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ) يعني كافينا ما عندنا ولا نريد شيئا غيره . --- (لاَ يَعْقِلُونَ) و(لاَ يَعْلَمُونَ) : في آية البقرة نفى عنهم العقل (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) ، وفي المائدة نفى عنهم العلم (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ) . نفي العقل أشد من نفي العلم فاستعمل ألفى في نفي العقل ، ونفي العقل يعني نفي العلم ، فالعاقل يمكن أن يعلم لكن غير العاقل لا يعلم . وفي آية لقمان (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) الشيطان يدعو العاقل لأن غير العاقل غير مكلف . رأي آخر: إن (يعقلون) تعني ما ينشأ عن فكرهم وتدبرهم للأمور، لكن هناك أناس لا يعرفون كيف يعقلون، ولذلك يأخذون القضايا مسلماً بها كعلم من غيرهم الذي عقل ، إذن فالذي يعلم أقل منزلة من الذي يعقل ، لأن الذي عقل هو إنسان قد استنبط ، وأما الذي علم فقد أخذ علم غيره ، إذن فنفي العلم عن شخص أبلغ من نفي التعقل لأن معنى (لا يعلم) أنه ليس لديه شيء من علم غيره أو علمه . وعندما يقول الحق سبحانه (لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً) فمعنى ذلك أنه من المحتمل أن يعلموا ، لكن عندما يقول (لاَ يَعْلَمُونَ) فمعناه أنهم لا يعقلون ولا يعلمون ، وهذا يناسب ردهم. فعندما قالوا (بَلْ نَتَّبِعُ) فكان وصفهم بـ (لاَ يَعْقِلُونَ) ، وعندما قالوا (حَسْبُنَا) وصفهم بأنهم (لاَ يَعْلَمُونَ) كالحيوانات تمامًا . ---- يختم الحق الآية في سورة البقرة وفي المائدة بقوله (وَلاَ يَهْتَدُونَ) لنعلم أن هدى السماء لا يختلف بين عقل وعلم ، بين من يعقلون ومن يعلمون .
  • ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿١٧١﴾    [البقرة   آية:١٧١]
آية (١٧١) : (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) * انظر في عظيم بلاغة القرآن فالآية تحمل صورتين في وصف حال المشركين : - صورة بلاغية مؤثرة للكفرة وهم لا يستمعون إلى صوت الحق أبداً فانهماكهم في التقليد والضلال فلا يلقون أذهانهم إلى ما يقال ولا يتأملون فيه ولا الأمر كأنه يعنيهم أصلاً كأنهم كالبهائم التي لا تفقه ولا تدرك من كلام من يناديها معنى ولا تنتبه إلى شيء ، فالكلام عندها أصوات مجرّدة عن المعاني ، والنعيق تتابع الصوت للزجر . -- والصورة الثانية صورة المشركين وهم يعدون آلهتهم كمن يدعو أغناماً لا تفقه شيئاً ولا تُجيب داعياً .
  • ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿١٦﴾    [الأعراف   آية:١٦]
  • ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴿١٧﴾    [الأعراف   آية:١٧]
آية (١٦ - ١٧) : (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) * ردّ إبليس اللوم إلى الله سبحانه وتعالى بأنه أغواه وهذا تنطع في الكلام، سبب الإغواء هو الابتلاء، نرجع للسبب، هو ابتلاه فاختبره فلم يسجد ورسب في الاختبار فكانت سبباً في إضلاله، فحذف هو السبب وجاء بالنتيجة فقال (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي). * الفرق بين رد إبليس هنا و(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(۳٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)الحجر) : فى الأعراف لما تقدم قوله تعالى (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) والإشارة إلى القرآن لأنه يوضح الطريق إليه وهو الصراط المستقيم الذى طمع اللعين فى الاستيلاء عليه وفتنة سالكه، عبر عن مرامه من ذلك فقال (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) لأستولين لهم عليه وآخذهم بكل الجهات لكي يكون له سلطان ولهذا قال عز وجل (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ). فى الحجر ورد منعه ومنع جنوده عن تعرف خبر السماء واستراق السمع فى قوله عز وجل (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَّزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلَّا مَنْ اسَتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ) فلما صد من هذه الجهة عدل إلى الأخرى فقال (لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) أى إن كنت ممنوعا عن إغوائهم من حيث خبر السماء وإبداء المقدرات رجعت إلى إغوائهم من جهة لم تمنعنى عنها لأزينن لهم فى الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا من عصمته منى ولم تجعل لى السبيل إليه وهم عبادك المخلصون، والله سبحانه أعلم بما أراد. * لم يذكر هنا من فوقهم ولا من تحتهم لأن رحمة الله سبحانه وتعالى تنزل منها، إذا رفع الإنسان يده إلى بالدعاء فليس لإبليس يدٌ في ذلك، وإذا وضع جبهته على الأرض ساجداً داعياً لله سبحانه وتعالى غُفر له فلم يذكر التحت. * ذكر (مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) و (وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ) ولم يقل (من أيمانهم) : (عن) تفيد المجاوزة والابتعاد، فيها بُعد. قالوا لأن في اليمين والشمال ملكين رقيب وعتيد فهو يحذر أن يأتي مباشرة فيأتي منحرفاً، منحرف يخشى الملكين عن اليمين وعن الشمال فيأتي منحرفاً. (مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) فيها مباشرة . * جاء النفي (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) ولم يقل (ولن تجد أكثرهم شاكرين) : هو بيّن كلامه على ظنّه أن أكثر بني آدم لا يشكرون الله سبحانه، فاستعمل لا النافية لأن (لن) فيها معنى التأكيد والتأبيد مثل (قَالَ لَنْ تَرَانِي) للأبد، (لن) كلمة متأكّد متثبت يجزم بوقوع الحادثة وهو لا يستطيع أن يقول هذا الكلام فإبليس لا يملك ذلك.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿١٧٢﴾    [البقرة   آية:١٧٢]
آية (١٧٢) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) * قال تعالى (واشكروا لله) ولم يقل واشكروني أو واشكروا لي باستخدام الضمير : في ذكر إسم الله تعالى ظاهراً إشعار بالألوهية التي قد لا يؤديها الضمير فكأنما يوميء أن الإله الحق الذي يخلق ويُنعِم هو المستحق للعبادة دون غيره وهو وحده سبحانه الذي يستحق الشكر على نعمائه . * دلالة تقديم المفعول به على فعله فى قوله تعالى (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) : هذا التقديم في الغالب يفيد الإختصاص لأن العبادة مختصة بالله تعالى ، فقولك (أنجدت خالداً) لا يفيد أنك خصصت خالداً بالنجاة بل يجوز أنك أنجدت غيره ، فإذا قلت خالداً أنجدت أفاد ذلك أنك خصصته بالنجدة وأنك لم تنجد أحداً آخر .
إظهار النتائج من 2301 إلى 2310 من إجمالي 12325 نتيجة.