عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٣٢﴾    [الأعراف   آية:٣٢]
آية (۳۲) : (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) * الاستفهام في الآية خرج من معناه الحقيقي إلى الإنكار بغرض التهكم.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٨٣﴾    [البقرة   آية:١٨٣]
* اللمسات البيانية في آيات الصيام : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)) . * موقع آيات الصيام كما جاءت في سياقها في القرآن الكريم * آيات الصوم وقعت بين آيات الشدة وذكر الصبر وما يقتضي الصبر : قبلها قال (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)) والصوم نصف الصبر كما في الحديث والصبر نصف الإيمان وتقدّمها أيضاً (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى (١٧٨)) هذه شدة وتحتاج إلى صبر وقبلها (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)) هذه شدة وتحتاج إلى الصبر . وبعدها آيات القتال (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ (١٩٠)) (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ (١٩١)) (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ (١٩٣)) الصوم من المشاق والقتال من المشاق والقتال يقتضي الصبر والصوم نصف الصبر . بعدها ذكر آيات الحج لأن الحج يقع بعد الصيام بعد شهر رمضان تبدأ أشهر الحج فذكر (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ .. (١٩٧)) ثم ذكر المريض في الحج كما ذكر المريض في الصوم وذكر الفدية في الحج ومن الفدية الصيام (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ (١٩٦)) إذن موقع آيات الصيام تقع بين آيات الصبر وما يقتضي الصبر وعموم المشقة . (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) * بناء الفعل (كُتِب) للمجهول ولم يقل كتبنا لأن فيها مشقة وشدة لأن الله تعالى يظهر نفسه في الأمور التي فيها خير (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (١٢) الأنعام) (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الأعراف) ، أما في الأمور المستكرهة وفي مقام الذم أحياناً يبني للمجهول مثل آتيناهم الكتاب في مقام الخير وأوتوا الكتاب في مقام الذم. في الأمور التي فيها خير ظاهر يظهر نفسه . * نلاحظ ربنا تعالى قال (يا ايها الذين آمنوا) ولم يقل (قل يا أيها الذين آمنوا) فلم يخاطب الرسول وإنما ناداهم مباشرة بنفسه لأهمية ما ناداهم إليه لأن الصيام عبادة عظيمة قديمة كتبها تعالى على من سبقنا . * جاء الفعل (كُتِب) مع (عليكم) مع أنه ورد في القرآن مع (لكم) : استعمال كُتب عليكم يكون في أمر فيه شدة ومشقة وإلزام وفي أمور مستثقلة والصوم مشقة يترك الطعام والشراب والمفطرات من الفجر إلى الليل ومن معاني كتب ألزم ووجب وفرض ، أما (كُتب له) فهو في الخير (وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ (١٨٧)) . * دلالة استخدام الصيام لا الصوم : هذا من خصائص التعبير القرآني لم يستعمل الصوم في العبادة وإنما استعملها في الصمت فقط (إني نذرت للرحمن صوماً) وهما متقاربان في اللفظ والوزن (الصوم والصمت) الصوم هو الإمساك والفعل صام يصوم صوماً وصياماً كلاهما مصدر ، واستعمل الصيام للعبادة لأن المدة أطول (صيام أطول من صوم) والمتعلقات أكثر من طعام وشراب ومفطرات. *ختمت الآية (لعلكم تتقون) : هذا يدل على : - علو هذه العبادة وعظمتها وربنا سبحانه وتعالى كتب هذه العبادة على الأمم التي سبقتنا معناها هذه العبادة عظيمة . - الترغيب في هذه العبادة لأهميتها . - تهوينها لأن الأمور إذا عمّت هانت والصيام ليس بِدعاً لكم وإنما كما كتبت عليكم كتبت على الذين من قبلكم . * كلمة (تتقون) أطلقها ولم يقل تتقون كذا كما جاء اتقوا النار أو اتقوا ربكم لتكون هناك احتمالات عديدة وهي كلها مُرادة : تحتمل تتقون المحرمات وتحذرون من المعاصي لأن الصوم يكسر الشهوة ويهذبها ويحُدّها ، وتحتمل تتقون المفطرات والإخلال بأدائها بأشياء تؤدي إلى ذهاب الصوم ، وتحتمل أيضاً تصلون إلى منزلة التقوى وتكونوا من المتقين . * في هذا السياق تكرر ذكر التقوى والمتقين قال : - (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)) . - (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)) . - (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)) . - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)) . - (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ ... كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)) . - (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ... وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)) . وهي مناسبة لما في أول السورة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (٢)) ، في عموم السورة إطلاق التقوى ، وسورة البقرة تردد فيها التقوى ومشتقاتها ٣٦ مرة . التقوى فِعلها وقى وقى نفسه أي حفظ نفسه وحذر، المتقون أي حفظوا أنفسهم من الأشياء التي ينبغي أن يبتعدوا عنها . (لعلكم تتقون) يعني تتقون أي شيء عموماً.
  • ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ﴿٤٧﴾    [الأنعام   آية:٤٧]
آية (٤٧) : (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) * (أَرَأَيْتَكُمْ) الإتيان بأداة الخطاب بعد الضمير التنبيه وللتأكيد فى إيقاظ السامعين الغافلين الذين وصفهم قبلها بقوله تعالى (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ)، ثم لما قال (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ) قال بعدها (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً) لأنه لما أخذ السمع والبصر يحتاج إلى تنبيه، ماذا بقي عنده؟ لا شيء. فينبه. * في مريم (عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) وفي الأنعام (عَذَابُ اللّهِ) : سورة مريم: - الجو التعبيري للسورة يفيض بالرحمة لا تدانيها أية سورة في إشاعة جو الرحمة وهي أكثر سورة في القرآن تردد فيها لفظ الرحمن ١٦ مرة (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)). - قال (يَمَسَّكَ) والمس خفيف مناسب للرحمة أيضًا. - (مِنَ الرَّحْمَنِ) (من) للإبتداء. - (عَذَابٌ) نكرة يعني شيء من العذاب من الرحمن. - الرحمة لا تنافي العقوبة إذا أساء أحدهم فعاقبته قد يكون من الرحمة، فالرحمن ليس معناه أنه لا يعاقب. سورة الأنعام: - قال (أَتَاكُمْ) وليس المسّ. - ثم (عَذَابُ اللّهِ) بالإضافة أقوى في التعبير. - ثم قال (بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) كلها فيها قوة وشدة. - إضافة أنه لم يرد لفظ الرحمن في الأنعام. - لم يرد في القرآن مطلقاً يمسك عذاب الله أو عذاب من الله، فمع عذاب الله ليس هناك مسّ وإنما إتيان. إذن هناك توأمة بين المسّ والرحمن هذه فيها رقة ورحمة والتنكير و(يَا أَبَتِ).
  • ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١٨٤﴾    [البقرة   آية:١٨٤]
(أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) * (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) وليست معدودة : - من حيث اللغة في غير العاقل : الجمع بصيغة الجمع (معدودات) يدل على القلة (حتى العشرة) ، و بصيغة المفرد (معدودة) يدل على الكثرة (أكثر من عشرة) ، (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) جمع قلة والشهر ثلاثون يوماً وجمع القلة حتى العشرة ولكن يجوز من باب البلاغة للتكثير وضع أحدهما مكان الآخر كما يستعمل القريب للبعيد والبعيد للقريب. وفيها أمران : - قد يكون تقليلاً لهن تهويناً للصائم. - قسم يقول أنها في أول فرض العبادة كانت ثلاثة أيام في كل شهر فقط ثم نُسِخ وجاء شهر رمضان فصارت معدودات. * (عَلَى سَفَرٍ) وليس في سفر لأن على سفر لا تعني أنه سافر بالفعل ، وكثير من الفقهاء قالوا على سفر أي أباح للمتهيء للسفر وإن لم يكن مسافراً أن يفطر إذا اشتغل بالسفر قبل الفجر. * (طَعَامُ مِسْكِينٍ) بدل للإيضاح والتبيين طعام مسكين إيضاح للفدية. * قال الحق بعد الحديث عن الفدية ( فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ) : فعندما كان الصوم اختيارياً كان لابد أيضاً من فتح باب الخير والاجتهاد فيه، فمَنْ صام وأطعم مسكيناً فهذا أمر مقبول منه، ومن صام وأطعم مسكينين وجمع بين الصيام والفدية فذاك أمر أكثر قبولا. ومَنْ يدخل مع الله من غير حساب يؤتيه الله من غير حساب. * التفت من ضمير الغائب (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) إلى المخاطب (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ) ولم يقل وأن يصوموا لئلا يخص المرضى والمسافرين وتتداخل مع قوله (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ) لكن هذه أعم ليشمل الجميع المرخّص لهم وغيرهم. * جاء أسلوب الشرط مستخدماً (إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) التي تفيد التشكيك والتقليل ولم يستخدم (إذا) التي تفيد الجزم والتحقيق وفي ذلك إشارة إلى أن علمك أيها المؤمن بفوائد الصيام في الدنيا والآخرة عِلمٌ غير محقق لأن فوائده خفية وأسراره قد لا تتوصل إلى معرفتها ولذلك يرغّبك في هذه العبادة حتى لو لم تدرك فوائدها إدراكاً كاملاً.
  • ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴿٣٤﴾    [الأعراف   آية:٣٤]
آية (۳٤) : (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) * لم يذكر عز وجل العذاب أو الاستئصال ولكن ذكر الأجل (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) وما ذاك إلا إيقاظاً لعقولهم من أن يغرهم الإمهال فيحسبوا أن الله غير مؤاخذهم على تكذيبهم كما أنه ذكر عموم الأمم في هذا الوعيد مع أن المقصود هم المشركون من العرب الذين لم يؤمنوا إنما هي مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل لغيرهم من الأمم. * (لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً) بينما في يونس (إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) بزيادة الفاء: الفاء قد تأتي للدلالة على التوكيد ولما هو آكد. آية يونس آكد على عدم الاستئخار، والكلام في الآجال (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(٤٨) .. لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)). آية الأعراف ليس الكلام فيها في الآجال ولذلك لم يأت بالفاء. * منتظر الوعيد يسأل التأخير لا التقديم ولكن جاءت (وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) لتشبيه حالة من لا يستطيع التخلص من وعيد بمن احتبس بمكان لا يستطيع تجاوزه إلى الأمام ولا إلى الوراء.
  • ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴿٤٩﴾    [الأنعام   آية:٤٩]
آية (٤٩) : (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) * ختمت الآية بقوله (بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) ولم يقل بما فسقوا بالماضي، فالفعل المضارع (يَفْسُقُونَ) يدل على التجدد والاستمرار فالعذاب نزل بهم لإصرارهم على الفسق.
  • ﴿قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴿٥٠﴾    [الأنعام   آية:٥٠]
آية (٥٠) : (قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) * دلالة ذكر (لَكُمْ) هنا وعدم ذكرها في سورة هود (وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ) : الكلام في سورة الأنعام أشدّ وفيه تحذير شديد من الآية (٤٠) إلى (٤٧) بينما في سورة هود سياق الآيات فيه تلطّف، وفي التلطّف عادة لا نواجه الشخص فنقول له (قلنا لك).
  • ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٨٥﴾    [البقرة   آية:١٨٥]
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) * الملاحظ أنه ذكر الفريضة أولاً (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) لم يحدد وقتاً ولا مدة ، ثم بعدها ذكر الأيام مبهمة قال (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ) لم يُحّددها، ثم بيّن بقوله (شَهْرُ رَمَضَانَ) فيما بعد، الآن تعيّن الوقت للصيام وحدّد إذن أصبح الفريضة هي صيام شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن أي الذي ابتدأ فيه نزول القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل منجماً فيما بعد على مدى ثلاث وعشرون سنة. * (أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) فيها دلالتان إما ابتداء إنزال القرآن فيه أو أنزل في شأنه القرآن أي في تعظيمه. * (أُنزل فيه القرآن) بني الفعل للمجهول ولم يقل أنزلنا فيه القرآن فالفاعل مُضمر محذوف لأن سياق الكلام عن شهر رمضان تعظيماً له ولو قال أنزلنا يعود ضمير المتكلم على مُنزِل القرآن وهو الله سبحانه وتعالى. * جاءت (هُدًى) منصوبة : فيها احتمالان أن تكون حال أي (هادياً للناس) أو مفعول لأجله أي لأجل هداية الناس. الهداية غير موجودة لولا القرآن، فإذن هي ابتغاء علة لم تكن حاصلة إلا بالقرآن ، بهذه الطريقة يجمع معنيين. * في أول السورة قال (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) وهنا قال (هُدًى لِّلنَّاسِ) فإذن القرآن فيه هداية عامة وفيه هداية خاصة ، هداية عامة (هُدًى لِّلنَّاسِ) فيه آيات بينات تستدل منها على أن هذا القرآن قطعاً من فوق سبع سموات ، (وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى) فيه دلائل آيات واضحة تحتج بها على أن هذا القرآن هو من عند الله وفيه آيات أحكام هادية للناس في معاملاتهم تفرق بين الحق والباطل ، واستخدم الكلمتين بالمعنيين هنا، (هُدًى لِّلنَّاسِ) هدى عام (وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى) هدى خاص . *( فَمَن شَهِدَ) أي من كان حاضراً مقيماً وليس مسافراً ، شهد الشهر ليس بمعنى شاهد الهلال. تقول أشهِدت معنا؟ أي هل كنت حاضراً معنا؟. لأنه ذكر المسافر فيما بعد. * في الآية الأولى قال (فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا) بينما هنا لم يذكر (مِنكُم) قال (وَمَن كَانَ مَرِيضًا) لأن الآية الأولى تقدمها قوله (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) فلو لم يقل منكم كان يُظن أن هذا حكم الأولين وليس للمسلمين فكان لا بد أن يذكر (منكم) لئلا ينصرف المعنى للذين من قبلكم. بينما في الآية الأخرى بدأها بقوله (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ) فذكر (مِنْكُمُ) لأن الخطاب للمسلمين فلا داعي لتكرارها. * لم يأت في هذه الآية بقوله (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ) : - لأن المسألة قد انتقلت من الاختيار إلى الفرض . - لأنه في الآية نفسها (وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ َ) قال يريد بكم اليسر فكيف يقول أن تصوموا خير لكم؟ وهذا من تمام رأفته ورحمته بنا سبحانه وتعالى. * قول الله عز وجل ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) تعقيب على أنه أعفى المريض والمسافر من الصيام ، فكأنك لو خالفت ذلك لأردت الله معسراً لا ميسراً والله لا يمكن أن يكون كذلك ، بل أنت الذي تكون معسراً على نفسك ، فإن كان الصوم له قداسة عندك، ولا تريد أن تكون أسوة سيئة فلا تفطر أمام الناس ، والتزم بقول الله (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) لأنك لو جنحت إلى ذلك لجعلت الحكم في نطاق التعسير ، فهل أنت مع العبادة أم أنت مع المعبود؟ أنت مع المعبود بطبيعة الإيمان. * الفرق بين مشيئة الله وإرادة الله : أكثر المتكلمين يرون أن المشيئة والإرادة سوءا لكن قسم منهم يقول أن المشيئة تقتضي الوجود ولذلك قال (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) الإرادة لا تقتضي الوجود ربنا قد يريد شيئاً من الناس لكن الناس لا يفعلوه، ربنا يريد الناس أن يعبدوه ، (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) لكن الإنسان قد يريد لنفسه العسر. * (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ) هذه اللام فيها احتمالان: - احتمال أن تكون اللام زائدة في مفعول فعل الإرادة يعني يريد لتكملوا العدة والقصد منها التوكيد . - والآخر يحتمل أن يكون للتعليل والعطف على علّة مقدرة وهذا كثير في القرآن الكريم وفي لغة العرب. * (عَلَى مَا هَدَاكُمْ) (ما) تحتمل معنيين بمعنى الذي أي على الذي هداكم ، والمصدرية بمعنى الهداية أي على هدايته لكم ونرجح المعنيين فهما مرادان. * قال (وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ولم يقل تفلحون : ذلك أن الصيام قد يُظن لأول وهلة أنها عبادة شاقة علينا فإذا ما انتهينا منها أدركنا لطف الله سبحانه وتعالى ونشعر بفضل الله تعالى وكيف أعاننا على القيام بهذه الفريضة فندرك عظمتها ونستشعر آثارها في أرواحنا فنتوجه إلى الله تعالى بالشكر على هذه العبادة العظيمة وعلى عونه لنا على أدائها.
  • ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴿٣٧﴾    [الأعراف   آية:٣٧]
آية (۳٧) : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ) * ورد مطلع الآية في عدة مواضع في القرآن الكريم: في الأنعام (٢١) تقدمها قوله (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ .. (٥)) ثم (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (٧)) فناسب هذا ورود الآية (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)) على طريقة التعجب من جمعهم بين الافتراء والشرك والتكذيب مع وضوح الشواهد وكثرة الدلائل الواردة أثناء هذه الآي مما لا يتوقف فيه معتبر. في الأنعام (٩٣) ذكر قبلها الرسل عليهم السلام وأعقب ذكرهم بقوله (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) ثم قال (وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) فأعظم تعالى مرتكبهم فى هذا وفى تعاميهم عن التوراة وما تضمنته من الهدى والنور ثم أعقبه بقوله تنزيها للرسل عليهم السلام عن الافتراء على الله سبحانه وادعاء الوحى (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ ..) ولم يتقدم الآية (٢١) ذكر الأنبياء والوحى إليهم. في الأعراف تقدمها وعيد من كذب بآيات الرسل واستكبر عنها وأنهم أهل الخلود فى النار فناسب هذا قوله تعالى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ(٣٧)) . في يونس (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)) تقدم قبلها قوله تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ..) ولا أظلم ممن قال هذا مع علمهم بفصاحته واعترافهم بالعجز عنه فجمعوا بين إنكار ما علموا صدقه وبين طلبهم تبديله وهو أعظم إقدام وأوضح إجرام لأنه كفر على علم فلهذا أعقبت الأية بقوله (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ، ولم يقع قبل التى فى الأنعام أو الأعراف مثل هذا الاقدام على مثل هذه الجريمة فى القول وإنما تقدم عداوتهم وظلمهم أنفسهم فى مرتكباتهم وتعاميهم فناسبه قوله (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) .
  • ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴿١٨٦﴾    [البقرة   آية:١٨٦]
آية (١٨٦) : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) * ورود هذه الآية في هذا الموضع يدل على أن الصوم من دواعي الإجابة وإهابة بالصائم بأن يدعو ، فيحسن أن يُدعى الله. * الله سبحانه وتعالى هو الذي تكفل بالإجابة عن السؤال مباشرة دون تبيلغ ولم يقل (فقل لهم إني قريب) كما ورد في مواطن كثيرة ، ليجأر إليه عباده بالدعاء. * ربنا سبحانه وتعالى تكفل بالإجابة إذا دعا الداعي ولم يعلق ذلك بالمشيئة فلم يقل إن شئت (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) كما في موطن آخر (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء (٤١) الأنعام) يعني ربما يفعل سبحانه وتعالى وربما لا يفعل، وعدم وجود المشيئة يعني قطعاً الصائم تجاب دعوته إن لم تكن في الدنيا تُدّخر له في الآخرة أو يُدفع عنه سوء. * ما دلالة عدم ذكر المشيئة هنا وذكرها في آية سورة الأنعام؟ الدعاء هنا في طاعة هؤلاء طائعين وهم صيام ليس في قطيعة رحم بينما الآية الأخرى جاءت عندما وقعوا في الحرج (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) الأنعام). * قدم الإجابة الدالة على جواب الشرط فقال (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) لم يقل إذا دعاني أجيبه، فالأصل أن يأتي بأداة الشرط ثم جواب الشرط، ولكن قدم الجواب على الشرط للتأكيد على قوة الوعد وأن هذا حاصل. فالإجابة بفضل الله متحققة والله تعالى يريد من العباد أن يدعوا والدعاء شرط الإجابة. * قال (إِذَا دَعَانِ) ولم يقل إن دعان مع أن الاثنين أدوات شرط وفي هذا إشارة أن العبد مطلوب منه أن يكثر الدعاء. (إذا) آكد من (إن) التي تأتي في الأمور المشكوك فيها والنادرة والمستحيلة (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) الزخرف). بينما (إذا) للمقطوع بحصوله مثل آيات يوم القيامة (إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ) (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) أو الكثير الوقوع (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (٨٦) النساء) ، ذن هذا الخط العام في اللغة فلما يقول (إذا دعان) إذن المفروض أن يدعو وليس لما يقع في مصيبة. هذا نسق اللغة قال (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) إذن الدعاء شرط الإجابة وهو مطلوب لا تقول ربنا يعلم الحال وتسكت، الدعاء مخ العبادة. ربنا يغضب إذا لم يُدعى. * قال (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) ولم يقل أجيب الداعي ، فالتركيز على الدعوة ولو كان التركيز على الداعي لكان يجب أن يحسن الدعاء ولكن ماذا عن الأصم الذي يدعو بقلبه فلذلك يدخل في الدعوة. * قال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي) مرسومة بالياء ولم يقل "عبادِ" : عبادي أحرفها أكثر من عباد ، وفي القرآن كله إذا قال عبادي بالياء فالمجموعة أكثر، هذه من خصوصيات الإستعمال القرآني. مثال (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ (٥٣) الزمر) هؤلاء كثرة ، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) يجبهم كلهم بدون استثناء فجاء عبادي بالياء. من حيث الإعراب (عبادي وعبادِ) واحد، (عبادي) عباد مضاف وياء المتكلم مضاف إليه وفي (عبادِ) هذه تقديراً، مضاف ومضاف إليه مركب. * ما قال إذا سألك عبادي عني أجيب دعوتهم لأنه يقصد العموم والشمول. عندما قال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) ليس كل العباد يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله وإنما هو في زمن معين في جماعة معينة، لو قال أجيبهم سيكون الكلام على من سأله وهو لم يخصص وإنما وسّع الدائرة مرتين عندما جاء بياء المتكلم في عبادي وعندما أطلق (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) يجيب كل داعي. * الآية سُبقت بقوله تعالى (وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) هذا يدل على أن الدعاء يكون بعد الثناء على الله ، تُكبر وتثني على الله بما هو أهله ثم تدعو. * قال (فَإِنِّي قَرِيبٌ) ولم يقل "فأنا قريب" أكّد قربه بـ (إنّ) المشددة تفيد التوكيد ولم يقل (فأنا) لأنها غير مؤكدة. * لم يقل فقل لهم إني قريب وإنما تكفل تعالى بالإجابة. هو يُدعى سبحانه وتعالى بلا واسطة وهو يجيب مباشرة. (قل) هنا يحتاج إلى مدة وإن كانت قصيرة فهي لا تتناسب مع القرب في الإجابة. *وجاءت الفاء في الجواب (فإني) لتفيد السرعة التي تتناسب مع هذا العطاء الرباني العظيم.
إظهار النتائج من 2331 إلى 2340 من إجمالي 12325 نتيجة.