آية (١٧٩) : (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
* كلمة القِصاص مأخوذة من فعل قصّ يقصّ والقص تتبّع الأثر تحديداً الذي قد يكون خطاً ومنه قصّ الثياب لأنها لم تكن تُقصّ إلا بعد أن يوضع عليها خط أين يقص . الذي يقص بالمقص هو يتتبع أثراً . لما تقول قصاص أي أنت تتتبّع الذي فعله المخالِف تقصّ فعله حتى تعاقبه بمثل فعله ، اختصرت بكلمة قصاص .
* تأخرت كلمة (حياة) لأنها جاءت نكِرة فأخّرها على سُنّة العرب في كلامها .
* نُكِّرت كلمة (حياة) فلم يقل الحياة إشعاراً أن في هذا القصاص نوع من الحياة عظيماً لا يبلغه وصف من أوصاف الخير.
* كيف يكون القصاص حياة وهو قتلٌ للقاتل؟ القصاص فيه حياة للمجتمع فإذا علِم القاتل أنه سيُقتل فلا شك أنه سيمتنع عن القتل وهذا يصون النفس من القتل ويحمي القاتل فكان القصاص حياة للنفسين وهذا يؤدي إلى إحياء البشرية بأسرها .
آية (٤٢) : (وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ)
*الفرق بينها وبين آية (٩٤) الأعراف (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) :
من حيث اللغة:
بناء الفعل (يتفعّل) في (يتضرّعون) أطول وفيه تضعيف واحد في الراء، وهي للتدرج والحدوث شيئاً فشيئاً مثل تخطّى تمشّى تدرّج تجسّس فرق بين مشى وتمشى، ثم يقال يأتي للتكلف مثل بذل الجهد مثل تصبّر تحمّّل، أما (يفّعّل يضّرّع) أقصر وفيها تضعيفان (بالضاد وبالراء) وفيها مبالغة وتكثير (قطّع وكسّر).
من حيث البيان:
- قال في الأنعام (وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ) أمم أكثر من قرية (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ) في الأعراف فجاء بالبناء الأطول مع الأمم.
- قال في الأنعام (وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ) الإرسال إلى يقتضي التبليغ ولكن لا يقتضي المكث أرسلته إليه إرسالاً، في الأعراف (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ) ظرفية وصار فيها تبليغ ومكث، أيُّ الأدعى إلى كثرة التضرع الماكث أو المبلّغ؟ الماكث أدعى لكثرة التضرع فقال (يَضَّرَّعُونَ) بكثرة المبالغة لأن فيها مكث.
آية (٤٤) : (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ)
* في كلمة فتحنا قراءتان: فتحنا و فتّحنا التشديد للمبالغة في الفتح فالتشديد يدل على المضاعفة في العمل.
* جمع الله (أَبْوَابَ) ولم يقل باب كل شيء ليصور لك كثرة الخيرات وأنواعها التي عمّت حياتهم.
آية (۲٧) : (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ)
* ربنا ناداهم ببني آدم هنا ليذكِّرهم عداوة الشيطان وكيف أخرج أباهم من الجنة فحذّرهم من طاعته كما تحذر شخصاً من آخر أوقع بأبيه مصيبة فادحة جداً فتذكّره فيقول يا ابن فلان، ولذلك ربنا سبحانه لا يستعمل بني آدم إلا في موطن التذكير بأبيهم مع إبليس مثل (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) وفي مقام التكريم (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) كما أسجد لهم ملائكته.
آية (۲٩) : (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)
* إقامة الوجوه تمثيلاً لكمال الإقبال على الله في موضع عبادته، كحال المتهيء لمشاهدة أمر عظيم حين يوجه وجهه صوبه لا يلتفت يمنة ولا يسرة فذلك التوجه المحض يطلق عليه إقامة لأنه جعل الوجه قائماً لا متغاض ولا متوان في التوجّه.
آية (۳٠) : (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ)
* دلالة تذكير كلمة الضلالة في القرآن الكريم:
إذا قصدنا باللفظ االمؤنّث معنى المذكّر جاز تذكيره وهو ما يُعرف بالحمل على المعنى. ونرى أنه في كل مرة يذكر فيها الضلالة بالتذكير تكون بمعنى العذاب لأن الكلام في الآخرة (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) وليس في الآخرة ضلالة بمعناها لأن الأمور كلها تنكشف، وعندما تكون الضلالة بالتأنيث بمعناها هي يؤنّث الفعل ويكون الكلام في الدنيا (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا .. فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (۳٦) النحل).
آية (٤٦) : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ)
* الفرق بين نصرّف ونفصّل ونبيّن (انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦)) و (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)) و (انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) المائدة) :
التصريف هو التغيير للمسألة الواحدة وذكرها بصور شتى حتى يوصلها لك ويثبتها كأن يستدل بخلق الإنسان على الحياة الآخرة (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً.. (٣٨)..(٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠) القيامة).
التفصيل هو التبيين بصورة واسعة في موضوع واحد كموضوع الحياة بعد الموت، أو الفصل بين شيئين كأن يأتي بأمور متعددة مختلفة وليست موضوع واحد كأن يذكر صفة أهل الطاعة وأهل الإجرام ، يذكر التوابين والمجرمين، ينتقل من الحب والنوى إلى الإصباح ثم الشمس والقمر ثم النجوم، ثم ينتقل إلى مواضيع أخرى هذه تفصيل قطعاً قطعاً (قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ).
التبيين هو توضيح أمر واحد كما تبين الكلمة أو المسألة الواحدة، مثال (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ .. (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ .. (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ .. (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ ..انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) المائدة)، نفس القضية فاستعمل نبيّن أي نوضح.
* الفرق بين يصدفون ويعرضون :
الصدَف في الأصل هو الجانب والناحية والبناء المرتفع (حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ)، وصدف عن الشيء أي مال وأعرض إعراضاً شديداً وتركه وذهب في ناحية أي يُعرض ويتركه ويمشي، أما الإعراض قد يكون خفيفاً تسمع شيئاً ثم تعرض عنه والإعراض قد يكون في القليل، لكن الصدف مخصص لما هو أشد، فهو أكبر من الإعراض.