عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴿١﴾    [الأنعام   آية:١]
آية (١) : (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) * الفرق بين جعل وخلق: - في ١٤ موضعاً إجتمعت جعل وخلق وتقدمت خلق لأن الخلق هو الإيجاد والجعل هو تصرّفٌ بعد الخلق. - أصل الخلق هو التقدير، يقال: خلق الخيّاط الثوب بمعنى قدّر أبعاده قبل أن يقطعه. خلق الله الخلق أي قدّرهم على تقدير أوجبته حكمته سبحانه، لكن لما تُستعمل وحدها تكون بمعنى الإيجاد على شيء قدّره سبحانه بحكمته ليس على مثال سابق. أما جعل لفظ عام يحمل معاني كثيرة منها: جعل بعضه فوق بعض أي ألقاه، جعل القبيح حسناً أي حوّله، جعل البصرة بغداد أي ظنّها، جعل له كذا على كذا أي شارطه، جعل يفعل كذا أي أقبل وأخذ، جعل بمعنى سمّى (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً)، جعل بمعنى الإعتقاد (وَيَجْعَلُونَ لِلَّه الْبَنَاتِ). * خص الله بالذكر عرضين عظيمين من أعراض السموات والأرض وهما الظلمات والنور وذاك لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما، وفي الاقتصار عليهما تعريض بحاليّ المخاطبين في الآية فالظلمات تماثل الكفر لأنه اغماس في الجهالة والحيرة، أما الإيمان فيشبه النور لأنه استبانة الهدى والحق.
  • ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴿١٣٦﴾    [البقرة   آية:١٣٦]
آية (١٣٦) : (قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) * فى آل عمران (قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(٨٤)) * في البقرة (أُنْزِلَ إِلَيْنَا) وفي آل عمران (أُنْزِلَ عَلَيْنَا) : لما تأتي (إلى) معناها غاية الوصول ولما تأتي (على) فيها معنى الإستعلاء ، عندما تقول دخل زيد إلى القوم يعني مشى ودخل إليهم كأنه في مستواهم ، لكن لما تقول دخل عليهم فيه نوع من التعالي كأنه مرتفع عنهم مثل (فخرج على قومه في زينته) . في بداية آية البقرة نوع من مباشرة الدعوة من المسلمين لغير المسلمين أن يأتوا إلى دينهم (قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) فهو حديث بشري بين البشر قالوا نحن وصل إلينا ما هو خير مما عندكم فلا نحتاج إلى ما عندكم والعطف عادة يكون مثل المعطوف عليه . كما أن الآية تتحدث عن تصديق الرسالة والنبوة أي نحن نصدق بأن هؤلاء مرسلون من الله وهم صادقون . بينما في آية آل عمران الكلام عن ميثاق أُخِذ على الأنبياء أن يوصوا أتباعهم باتّباع النبي الجديد الذي سيأتي فهي ميثاق من الله عز وجل وفيه ذكر للسماء ففيه علو ، والوحي من أين يأتي؟ من الله عز وجل الذي هو أعلى فناسب أن يقول (أُنزل علينا) . * في آية البقرة قال (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) أعاد كلمة (أُوتي) وفي آل عمران قال (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) لأن إيتاء النبيين ورد في آل عمران قبل قليل (لَمَا آَتَيْتُكُمْ) فلم يكررها بينما هنا لم يذكرها . * ما الفرق بين أنزل وأوتي ؟ هذه الآية فيها إنزال وإيتاء ، الإنزال يأتي من السماء ويستعمل للكتب ، أما الإيتاء فهو يستعمل للكتب وغيرها مثل المعجزات . -- نسأل سؤالاً : مَنْ من الأنبياء المذكورين ذُكرت له معجزة تحدّى بها المدعوين؟ موسى وعيسى عليهما السلام ولم يذكرمعجزات للمذكورين الباقين ، هل هذه المعجزة العصى وغيرها إنزال أو إيتاء؟ هي إيتاء وليست إنزالاً ولذلك فرّق بين من أوتي المعجزة التي كان بها البرهان على إقامة نبوّته بالإيتاء وبين الإنزال، هذا أمر. -- كلمة (أوتي) عامة تشمل الإنزال والإيتاء ، الكُتب إيتاء لما يُنزل ربنا تبارك وتعالى الكتب من السماء هي إيتاء فالإيتاء أعمّ من الإنزال لأن الإنزال كما قلنا يشمل الكتب فقط ، أنزل يعني أنزل من السماء ، وآتى أعطاه قد يكون الإعطاء من فوق أو من أمامه بيده ، لذلك لما ذكر عيسى وموسى عليهما السلام ذكر الإيتاء لم يذكر الإنزال ثم قال (وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ) دخل فيها كل النبييبن لأنه ما أوتوا من وحي هو إيتاء ، (وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) قد يكون إنزالاً ويكون إيتاء لكن ما أوتي موسى وعيسى عليهما السلام في هذه الآية هذا إيتاء وليس إنزالاً لأنه يتحدث عن معجزة ولأنهما الوحيدان بين المذكورين اللذين أوتيا معجزة ونجد أن حجج موسى لم تكن في الكتاب وإنما جاءه الكتاب بعدما أوتي المعجزات. وللعلم فإنه لم يرد في القرآن كلمة (أنزل) مطلقاً لموسى في القرآن كله وإنما استعملت كلمة (أوتي) لموسى ، أما بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم فقد جاء في القرآن (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم) وجاء أيضاً (وما أُنزل إليك) .
  • ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٣٧﴾    [البقرة   آية:١٣٧]
آية (١٣٧) : (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) * اختص تعالى أداة الشرط إن هنا (فَإِنْ آمَنُواْ) وليس إذا لأن (إن) حرف شرط جازم يفيد الشك إيذاناً بأن إيمانهم ميؤوس منه .
  • ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴿١٣٩﴾    [البقرة   آية:١٣٩]
آية (١٣٩) : (قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) * في قوله تعالى (أَتُحَآجُّونَنَا) إستفهام ولكنه خرج عن دلالته الأصلية وهو الإستفهام عن شيء مجهول إلى التعجب والتوبيخ . * قدّم تعالى الجار والمجرور (لنا) على قوله (أعمالنا) للإختصاص أي لنا أعمالنا الخاصة بنا ولا قِبَل للآخرين بها فلا تحاجونا في أنكم أفضل منا .
  • ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿٥﴾    [الأنعام   آية:٥]
آية (٥) : (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) * انفردت الآية بزيادة (بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ) و (فَسَوْفَ) عن آية الشعراء (فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) : آية الأنعام لما ترتبت على إطناب وبسط آيات من حمده سبحانه وانفراده بخلق السماوات والأرض والظلمات والنور، ثم ذكر خلقهم من طين، فناسب الإطناب الإطناب. آية الشعراء قال تعالى قبلها (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) لتذكيرهم فقط، ثم اعترض بتسلية نبيه صلى الله عليه وسلم (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) فما جاء من تهديد ووعيد كان موجزًا فناسبه الإيجاز.
  • ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ ﴿٦﴾    [الأنعام   آية:٦]
آية (٦) : (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) * الفرق بين (أَوَلَمْ) و (أَلَمْ) : ألم كلمتان و(أَوَلَمْ) ثلاث كلمات. الهمزة حرف استفهام، (لم) حرف جزم ونفي وقلب، واو العطف وهو يأتي بعد الهمزة لا قبلها تقول أولم، أفلم، أَثُمَّ. (أَلَمْ يَرَوْاْ) جاءت في خمسة مواضع ليست في سياق عطف. (أَوَلَمْ يَرَوْاْ) بالعطف وردت في ١١ موضعاً في سياق عطف. الآية هنا لم يتقدم قبلها التنبيه والتهديد المتكرر الذي يستدعى التقريع والتوبيخ بمقتضى الهمزة الداخلة على واو العطف. * الفرق بين ألم يروا، ألم يهد لهم: (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا) يعني أولم يعلموا، ذكر هذا التعبير في يس (٣١) وفي الأنعام (٦)، ويستعمل فعل الرؤية في سياق ذكر العقوبات الدنيوية، التي حدثت في الدنيا باعتبار أن هذه ممكن أن تُرى آثارها، (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ...فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)) (وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (١٠) قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١) الأنعام) هذه كلها عقوبات في الدنيا آثارها موجودة تُرى. (أولم - أفلم يهد لهم كَمْ أَهْلَكْنَا) يعني ألم يتبين لهم، وتأتي في سياق عقوبات وأحوال الآخرة لأنها من باب التبصر الذهني وليست من باب الرؤية، كما في السجدة (٢٦) وفي سورة طه (١٢٨). * (مِن قَبْلِهِم) (من) تفيد ابتداء الغاية فيها التصاق أي الذين يسبقونهم مباشرة، وإهلاك القريب فيه تهديد وتوعد أكبر، يكون قريباً منك وشوهد وهو أردع وأدل على العبرة من إهلاك البعيد في الزمن السحيق.
  • ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴿١٠﴾    [الأنعام   آية:١٠]
آية (١٠) : (وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ) * الفرق بين الاستهزاء و السخرية ودلالة الجمع بينهما: الاستهزاء أعم من السخرية ، فالاستهزاء عام بالأشخاص وبغير الأشخاص ويقال هو المزح في خفية. السخرية لم ترد في القرآن إلا في الأشخاص تحديداً (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ (٣٨)هود). فلما قال (وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ) هذه على سبيل العموم سواء فعلوا أو لم يفعلوا أما (فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم) مقصود به الفعل. إذن لما ذكر الاثنين جمع الدلالتين لو قال سخروا فقط لن يشمل الاستهزاء بالآيات وما إلى ذلك ولو قال استهزأوا فقط لن يشمل الأفعال وما إلى ذلك. * خص الله إصابتهم بالفعل حاق دون أصابهم لأنه يعبر عن الإحاطة بمعنى أحاط به وأصابه وهذا يصور تمكّن العذاب منهم فهو محيط بهم إحاطة السوار بالمعصم حيث لا يقدر أحد على الإفلات منه.
  • ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿١١﴾    [الأنعام   آية:١١]
آية (١١) : (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) * اللمسة البيانية في تذكير كلمة عاقبة وتأنيثها في القرآن الكريم: إذا قصدنا باللفظ االمؤنّث معنى المذكّر جاز تذكيره وهو ما يُعرف بالحمل على المعنى. والعاقبة عندما تأتي بالتذكير تكون بمعنى العذاب كما في ١٢ موضع في القرآن، وعندما تأتي بالتأنيث لا تكون إلا بمعنى الجنّة كما في الآية (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)). * تشابهت بداية الآية مع آيات أخرى ولكن اختلف التعقيب من التكذيب والاجرام والاشراك ومن التعامى عن النظر فى البدأة والنشأة الآخرة؛ ففى سورة النمل (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ(٦٩)) وفي العنكبوت (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(٢٠)) وفى الروم (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ(٤۲)) : آية الأنعام: تقدمها قوله تعالى (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ) والإشارة إلى أصناف المكذبين من المخاطبين ثم (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ) وهؤلاء إنما أهلكوا بإعراضهم وتعاميهم وتكذيبهم؛ ناسب ذلك وصفهم بالمكذبين. آية النمل: سبقها قوله تعالى (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ) وإنكارهم العودة بقولهم (..أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وذلك بعد ما ذكر وبسط لهم من واضح الدلالات والشواهد البينة - ما لم يبسط قبل آية الأنعام - أن آلهتهم لا تفعل ذلك (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ...) فكان مرتكبهم بعد هذا إجرامًا وتعاميًا عن الاعتبار بما ذكروا به فقيل لهم: سيروا فى الأرض فانظروا عواقب أمثالكم من المتعامين عن النظر، فورد التعقيب بوسمهم بالإجرام مناسبًا لما تقدم من اجترامهم مع الوضوح ومتابعة التذكير. آية العنكبوت: فإن الله سبحانه لما قدم ذكر الآخرة فى أربعة مواضع من السورة (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ..) و (..وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) و (..وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) و (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) فناسبه تذكيرهم بالاستدلال بالبدأة على العودة فقال تعالى (فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ). آية الروم: تقدم قبلها قوله تعالى (..وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) و (..إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) و (أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) و (..هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) فلما تقدم ذكر من امتحن بالشرك وسوء عاقبتهم ناسبه ما أعقب به من قوله (فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ). * اختلاف حرف العطف: وأما ورود العطف بالفاء فيما سبق سوى آية الأنعام فذلك بين لأنهم أمروا أن يعقبوا سيرهم بالتدبر والاعتبار ولم تقع إشارة إلى اعتبارهم بغير ذلك. أما آية الأنعام فإنها افتتحت بذكر خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وإنما ذكر هذا من الخلق الأكبر ليعتبر بذلك فإنه أعظم معتبر وأوسعه فاعتبروا لخالقها ، ثم انظروا عاقبة من كذب ونبه فلم يعتبر فعطف هذا بثم المقتضية مهلة الزمان لتفخيم الأمر، فليس موضع تعقيب بالفاء إذا لم يرد أن يكون سيرهم لمجرد الاعتبار .. والله أعلم.
  • ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٢﴾    [الأنعام   آية:١٢]
آية (١٢) : (قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) * في الآية (كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) بينما في الآية (٥٤) (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) : كتب بمعنى قضى، في الآية (١٢) ذكره قبله (قل لله). الآية الأخرى (وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ .. (٥٤)) لم يذكر الفاعل من الذي يكتب؟ لا بد أن يذكره هنا لأنه لم يمر له ذكر.
  • ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٥﴾    [الأنعام   آية:١٥]
آية (١٥) : (قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) * أضاف الله العذاب إلى يوم عظيم ولمْ يقل إني أخاف عذاباً عظيماً لما لهذا الاسم من الدلالة عند العرب فهو يثير عندهم من الخيال مخاوف مألوفة ويبث الهول في جوانحهم لأنهم اعتادوا أن يطلقوا (اليوم) على يوم المعركة الذي ينتهي بنصر فريقٍ وانهزام آخر فيكون هذا اليوم نكالاً على المنهزمين لأنه يكثر فيهم القتل ويُسام المغلوب سوء العذاب، وزاد هذا الهول بوصف اليوم والعذاب بالعظيم.
إظهار النتائج من 2261 إلى 2270 من إجمالي 12325 نتيجة.