آية (٨٨) : (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ)
* الله سبحانه وتعالى يذكر لنا كيف برر بنو إسرائيل عدم إيمانهم وقتلهم الأنبياء وكل ما حدث منهم فقد قالوا (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) والغلف مأخوذ من الغلاف والتغليف ، وهناك غلْف بسكون اللام وغلُف بضم اللام ، مثل كتاب وكتب فهي تحتمل غلُف أي فيها من العلم ما يكفيها ويزيد فكأنهم يقولون إننا لسنا في حاجة إلى كلام الرسل ، أو غُلْفٌ أي مغلفة ومطبوع عليها أي أن الله طبع على قلوبهم وختم عليها حتى لا ينفذ إليها شعاع من الهداية ولا يخرج منها شعاع من الكفر .
* (بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ) لفظ " بل " يؤكد لنا أن كلامهم غير صحيح ، فإذا كان الله سبحانه وتعالى قد طبع على قلوبكم ألم تسألوا أنفسكم لماذا؟ فالحق تبارك وتعالى يرد عليهم فهم ليس عندهم كفاية من العلم بحيث لا يحتاجون إلى منهج الرسل ولكنهم ملعونون ومطرودون من رحمة الله فلا تنفذ إشعاعات النور ولا الهداية إلى قلوبهم ولكن ذلك ليس لأن ختم عليها بلا سبب ولكنه جزاء على أنهم جاءهم النور والهدى فصدوه بالكفر أولاً ، ولذلك فإنهم أصبحوا مطرودين من رحمة الله لأن من يصد الإيمان بالكفر يطرد من رحمة الله ، ولا ينفذ إلى قلبه شعاع من أشعة الإيمان .
آية (٨٩) : (وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ)
* (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ (٨٩)) (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ (٩١)) (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ (١٠١)) متى ترفع كلمة مصدق ومتى تنصب ولماذا؟
قاعدة : الجُمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال ، لما نقول رأيت رجلاً يركض جملة يركض صفة لرجل لأن رجل نكرة والنكرة تحتاج إلى وصف حتى تتبين لكن لو قلنا رأيت الرجل يركض ستكون لبيان حاله لأنها معرفة .
الآية الأولى لما قال الله عز وجل (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ (٨٩) (كتاب) نكرة قال بعدها (مصدقٌ لما معهم) فجاء به وصفاً لكتاب وكتاب مرفوع فتكون الصفة (مصدقٌ) مرفوعة .
الآية الأخرى في السورة نفسها (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ (٩١))، (وهو الحق) معرفة يعني هو الحق لا ريب فيه كأن الحق مجسماً بهذا القرآن الكريم فجاء بالحال فقال مصدقاً يعني في حال تصديقٍ لما معكم كأن الذي معهم التوراة هم متلبسون به ، إذن هذا القرآن يصدق الأوصاف لهذا الرسول أو مصدق لما معكم من التشريعات التي لم تُنسخ أو التي لم تُحرّف فهو في بيان حال .
والآية الأخرى (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ (١٠١) البقرة) (رسول) نكرة فقال (مصدقٌ) تكلفوا أن يظهروا بهذا المظهر كأنهم لا يعلمون أن هذا هو تصديقٌ لما عندهم .
(إِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)
* لا دعاء مفروض على المسلم قوله غير هذا عدة مرات في اليوم وهذا يدل على أهميته لأن له أثره في الدنيا والآخرة فالإنسان لا يمكن أن يهتدي للصراط المستقيم بنفسه إلا إذا هداه الله لذلك، فإذا تُرك الناس لأنفسهم لذهب كل إلى مذهبه.
* لم يقل تعالى اهدنا إلى الصراط المستقيم أو اهدنا للصراط المستقيم:
الهداية هي الإلهام والدلالة. وفعل الهداية هدى يهدي في العربية قد يتعدى بنفسه دون حرف جر وقد يتعدى بإلى أو باللام .
ذكر أهل اللغة ان الفرق بين التعدية بالحرف والتعدية بالفعل نفسه:
-- التعدية بالفعل نفسه تقال لمن يكون في الطريق فنعرفه به كما قال تعالى مخاطباً رسوله (وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) ، ولمن لا يكون في الطريق فنوصله إليه كقول سيدنا ابراهيم لأبيه (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا).
-- أما التعدية بالحرف (إلى) فتستعمل لمن لم يكن في الصراط فهداه الله فيصل بالهداية إليه (فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ) .
-- وتستعمل التعدية باللام هداه له بمعنى بينه له ، وتستعمل عند الغاية ، فلم تستعمل مع السبيل أو الصراط أبداً في القرآن لأن الصراط ليست غاية إنما وسيلة توصل للغاية. وقد اختص سبحانه الهداية باللام له وحده أو للقرآن لأنها خاتمة الهدايات كقوله (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) وقوله (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء).
-- والهداية على مراحل وليست هداية واحدة :
- إنسان بعيد يحتاج من يوصله إلى الطريق نستعمل الفعل المتعدي بإلى.
- إذا وصل ويحتاج من يعرفه بالطريق وأحواله نستعمل الفعل المتعدي بنفسه.
- إذا سلك الطريق ويحتاج إلى من يبلغه مراده نستعمل الفعل المتعدي باللام (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـذَا) وهذه خاتمة الهدايات.
* لم يقل سبحانه إيانا اهدي هذا المعنى لا يصح فالتقديم للاختصاص ولا يجوز أن نقول خصنا بالهداية ولا تهدي احداً غيرنا.
* قال اهدنا ولم يقل اهدني لأنه مناسب لسياق الآيات السابقة في الاستعانة والعبادة فاقتضى الجمع في الهداية أيضاً، وفيه إشاعة لروح الجماعة وقتل للأنانية من النفس بأن ندعو للآخرين بما ندعو به لأنفسنا وفيه شئ من التثبيت والاستئناس.
* لم يستخدم أرشد أو دلّ مكان الفعل هدى : فعل الهداية ليس هو مجرد الإرشاد ففي إستعمالات العرب كأنه يمس شيئاً داخلياً فيه ومنه الهدية لما تقدمها لإنسان في داخله نوع من المحبة والحميمية والود.
* الخط المستقيم هو أقصر بُعد بين نقطتين فكأن المسلم يدعو الله أن يجعله في أقرب الطرق الذي لا يكون متعباً أو معوجاً.
* اختار كلمة الصراط بدلاً من الطريق أو السبيل:
- البناء اللغوي للصراط هو على وزن فِعال وهو من الأوزان الدالة على الاشتمال كالحزام والشداد والخمار والغطاء والفراش، الصراط يدل على أنه واسع رحب يتسع لكل السالكين.
- كلمة الطريق لا تدل على نفس المعنى فهي على وزن فعيل بمعنى مطروق أي مسلوك.
- السبيل على وزن فعيل ونقول أسبلت الطريق إذا كثر السالكين فيها لكن ليس في صيغتها ما يدل على الاشتمال.
*كلمة الصراط وأخواتها في القرآن الكريم (إمام – صراط – طريق - سبيل – نهج – فج - جدد (جمع جادة) – نفق) :
إمام: هو الطريق العام السريع بين المدن أو الدول وليس له مثيل ويتميز بقدسية علامات المرور فيه ، وقد استعير هذا اللفظ في القرآن بمعنى الشرائع (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ (٧١) الإسراء) أي كل ما عندهم من شرائع وجاء أيضًا بمعنى كتاب (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) يس).
صراط: هو كل ممر بين نقطتين متناقضتين كضفتي نهر أو قمتي جبلين أو الحق والباطل أو الكفر والإيمان، والصراط واحد لا يتكرر في مكان ولا يثنى ولا يجمع. وقد استعير في القرآن الكريم للتوحيد فلا إله إلا الله تنقل من الكفر إلى الإيمان (مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٣٩)الأنعام) والصراط عموما هو التوحيد وهو العدل المطلق لله تعالى وما عداه فهو نسبي .
سبيل: طريق يأتي بعد الصراط وهو ممتد طويل سهل لكنه متعدد (سبل جمع سبيل) ولكن شرطها أن تبدأ من نقطة واحدة، والمذاهب في الإسلام من السبل وسبل السلام تأتي بعد الإيمان والتوحيد بعد عبور الصراط المستقيم ، واستخدمت كلمة السبيل في القرآن بمعنى حقوق في قوله (قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ (٧٥)آل عمران) ، وابن السبيل في القرآن هو من انقطع عن أهله انقطاعا بعيداً.
طريق: الطريق يكون داخل المدينة وقد سميت طرقا لأنها تطرق كثيرا بالذهاب والإياب المتكرر. والطريق هي العبادات التي نفعلها بشكل دائم كالصلاة والزكاة والصوم والحج والذكر (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (٣٠)الأحقاف).
نهج: عبارة عن ممرات خاصة لا يمر بها إلا مجموعة خاصة من الناس وهي كالعبادات التي يختص بها قوم دون قوم مثل نهج القائمين بالليل ونهج المجاهدين في سبيل الله ونهج المحسنين وعباد الرحمن فكل منهم يعبد الله تعالى بمنهج معين وعلى كل مسلم أن يتخذ لنفسه نهجاً معيناً خاصاً به يعرف به عند الله تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (٤٨)المائدة) وإذا لاحظنا وصفها في القرآن وجدنا لها ثلاثة صفات والإنفاق فيها صفة مشتركة:
نهج المستغفرين بالاسحار: (كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) الذاريات) .
نهج أهل التهجد: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (١٦)السجدة) .
نهج المحسنين: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ (١٣٤) آل عمران) .
فج: هو الطريق بين جبلين (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)الحج).
جادة: هي الطريق الذي يرسم في الصحراء أو الجبال من شدة الأثر ومن كثرة سلوكه، وتجمع على جدد كما وردت في القرآن الكريم (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ (٢٧)فاطر) .
نفق: وهو الطريق تحت الأرض (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ (٣٥)الأنعام) .
آية (٩١) : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
* ما دلالة صيغة الفعل المضارع فى (تقتلون) مع أن هذا الأمر قد مضى ؟
هذا يُسمّى حكاية الحال بمعنى إذا كان الحدث ماضياً وكان مهماً فإن العرب تأتي بصيغة المضارع حتى تجعل الحدث وكأنه شاخص ومُشاهد أمامك ، والمضارع يدل على الحال والاستقبال والإنسان يتفاعل عادة مع الحدث الذي يشاهده أكثر من الحدث الذي لم يره أو الذي وقع منذ زمن بعيد ، وفي الآية عبّر الله تعالى عن قتل اليهود لأنبيائه بالمضارع لتبقى مستحضراً لهذا الفعل الشنيع الذي ارتكبوه
آية (٩٣) : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ)
* الحق تبارك وتعالى يريد أن يصور لنا ماديتهم فالحب أمر معنوي ، وكان التعبير يقتضي أن يقال وأشربوا حب العجل ولكن الله يريد أن يعطينا الصورة الواضحة الكاملة في أنهم أشربوا العجل ذاته أي دخل العجل إلى قلوبهم والصورة تعرب عن تغلغل المادية في قلوب بني إسرائيل حتى كأن العجل دخل في قلوبهم وتغلغل كما يدخل الماء في الجسم .
* الإشراب هو أن تسقي غيرك وتجعله يشرب ، فكيف أُشربوا العجل؟
إن الشرب هو جريان الماء في عروق الإنسان وقد عبّر الله تعالى عن شدة شغف اليهود بالعجل وحبهم له وعدم قدرتهم على إخراج هذا الحب الذي خالطهم أشبه ما يكون بشرب الماء الذي لا غنى لأحد عنه لأن الماء أسرى في الأجسام من غيره وهو يسري في عروق الإنسان فيصبح جزءاً من جسم الإنسان وكذلك حُب بني إسرائيل للعجل خالط لحومهم ودماءهم حتى غدا جزءاً منهم .
* (بِكُفْرِهِمْ) كأن الكفر هو الذي أسقاهم العجل ، وبكفرهم دخل العجل إلى قلوبهم وختم عليها .
* (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ) قل هل إيمانكم يأمركم بهذا؟ هذا أسلوب استنكار وتهكم من القرآن الكريم عليهم .
آية (٩٥) : (وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ)
* تُعدّ هذه الآية بما فيها من تحدٍّ سافر لليهود إحدى معجزات القرآن وإحدى دلائل النبوة ، ألا ترى أنها نفت صدور تمني الموت مع حرصهم على أن يظهروا تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فكان تمنيهم الموت فيه تكذيب لهذه الآية ومن ثم تكذيب للنبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك لم يُنقل عن أحد منهم أنه تمنى الموت .
* عبّر الله تعالى عن الذنوب والمعاصي التي ارتكبها بنو إسرائيل بقوله (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) فلِمَ خصّ اليد بالذنب دون غيرها مع أنهم أساءوا لعيسى عليه السلام بلسانهم وكذبهم عليه؟ إذا رجعت إلى فظائعهم وجدت أفظعها باليد فأكثر ما صنعوه هو تحريف التوراة ووسيلته اليد وأفظع ما اقترفوه قتل الأنبياء وآلته اليد .
(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)
* جاءت كلمة الصراط مفردة ومعرفة بتعريفين: بالألف واللام وبالإضافة وموصوفاً بالاستقامة ليدل على أنه صراط واحد ، وأي طريق آخر غير هذا الصراط المستقيم لا يوصل إلى الله تعالى ومرضاته .
لم ترد كلمة الصراط في القرآن مجتمعة أبداً بخلاف السبيل فقد وردت مفردة ووردت جمعاً (سبل) لأن الصراط هو الأوسع وهو الذي تفضي إليه كل السبل (وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) وهو طريق الإسلام الرحب الواسع.
ثم زاد هذا الصراط توضيحاً وبياناً تعريفه بالإضافة (صِرَاطَ الَّذِينَ) وجمعت هذه الآية كل أصناف الخلق المكلفين ولم تستثني منهم أحداً ولا يخرج المكلفون عن هذه الاصناف الثلاثة :
١- الذين أنعم الله عليهم هم الذين سلكوا الصراط المستقيم وعرفوا الحق وعملوا بمقتضاه.
٢- الذين عرفوا الحق وخالفوه (المَغضُوبِ عَلَيهِمْ) ويقول قسم من المفسرين أنهم العصاة.
٣- الذين لم يعرفوا الحق وهم (الضَّالِّينَ) الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً هم من الأخسرين.
* قال تعالى (أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) ولم يقل تنعم عليهم فاختار الفعل الماضي على المضارع: لأنها أوسع وأشمل وأعم لأنه :
-- إذا قال تنعم عليهم لأغفل كل من أنعم عليهم سابقاً من الرسل والصالحين ولم يدل في النص على أنه سبحانه أنعم على أحد.
-- إذا قال تنعم عليهم لاحتمل أن يكون صراط الأولين غير الآخرين ولا يفيد التواصل بين زمر المؤمنين من آدم عليه السلام إلى ان تقوم الساعة. مثال: اذا قلنا أعطني ما أعطيت امثالي فمعناه أعطني مثل ما أعطيت سابقا، ولو قلنا أعطني ما تعطي أمثالي فهي لا تدل على أنه أعطى أحدا قبلي.
-- ولو قال تنعم عليهم لكان صراط هؤلاء أقل شأناً من صراط الذين أنعم عليهم فصراط الذين أنعم عليهم من أولي العزم من الرسل والأنبياء والصديقين أما الذين تنعم عليهم لا تشمل هؤلاء.
-- الإتيان بالفعل الماضي يدل على أنه بمرور الزمن يكثر عدد الذين أنعم الله عليهم فمن ينعم عليهم الآن يلتحق بالسابقين من الذين أنعم الله عليهم من أولي العزم والرسل وأتباعهم والصديقين وغيرهم وهكذا تتسع دائرة المنعم عليهم أما الذين تنعم عليهم تختص بوقت دون وقت ويكون عدد المنعم عليهم قليل.
* عبر عن المنعَم عليهم باستخدام الفعل و(المَغضُوبِ عَلَيهِمْ) و(الضآلين) بالاسم :
- الفعل يدل على التجدد والحدوث والاسم يدل على الشمول والثبوت فوصفه أنهم مغضوب عليهم وضالون يدل على الثبوت والدوام.
- لو قال صراط المنعَم عليهم بالاسم لم يتبين من الذي أنعم فبيَّن المنعِم (أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) لأن النعم تقدر بمقدار المنعِم.
- من عادة القرآن أن ينسب الخير والنعم إليه سبحانه وينزه نسبة السوء إليه (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)الجن) وقد يقول (زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)النمل) لكن لا يقول زينا لهم سوء أعمالهم.
* ذكرت المغضوب عليهم بصيغة إسم المفعول والضالين بصيغة إسم الفاعل:
- أولاً جيء بكل منهما إسماً ولم يقل صراط الذين غضب عليهم وضلوا للدلالة على الثبوت فالغضب عليهم ثابت والضلال فيهم ثابت لا يرجى فيهم خير ولا هدى.
- مغضوب عليهم إسم مفعول يعني وقع عليهم الغضب لم يذكر الجهة التي غضبت عليهم ليعم الغضب عليهم ولا يتخصص بغاضب معين غضب الله وغضب الغاضبين لله من الملائكة وغيرهم بل سيغضب عليهم أخلص أصدقائهم في الآخرة ويتبرأ بعضهم من بعض حتى جلودهم تتبرأ منهم ، فحذف جهة الغاضب فيه عموم وشمول ، أما الضالين فهم الذين ضلّوا.
* لو قال غير المغضوب عليهم والضالين وحذفت (لا) فقد يفهم أن الابتعاد هو للذين جمعوا الغضب والضلالة فقط كأنه فريق واحد بصفتين: مغضوب عليهم وضالين، ومن لم يجمعها (المغضوب عليهم) فقط أو (الضآلين) فقط فلا يدخل في الاستثناء، فإذا قلنا مثلاً لا تشرب الحليب واللبن الرائب أي لا تجمعهما أما إذا قلنا لا تشرب الحليب ولا تشرب اللبن الرائب كان النهي عن كليهما إن اجتمعا أو انفردا.
* لو قال (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) سيجعلهم بمنزلة سواء (غير وغير) لكن المغضوب عليهم هم الذين عرفوا الطريق ولم يتبعوه وانحرفوا وحساب هذا العارف بالطريق ولم يتبعه غير حساب الذي لم تبلغه الدعوة أو لم يعرف فالضالّ أقل جُرماً.
فاستعمل الإسم (غير) الذي هو أقوى من الحرف (لا) لهؤلاء الذين عرفوا وإنحرفوا، ثم إستعمل الحرف (لا) الذي هو أقل شأناً وفيه معنى التوكيد (ولا الضالين).
* قدم اذن المغضوب عليهم على الضآلين :
- المغضوب عليهم الذين عرفوا ربهم ثم انحرفوا عن الحق وهم أشد بعداً لأنه من علم ليس كمن جهل لذا بدأ بهم وفي الحديث الصحيح أن المغضوب عليهم هم اليهود والنصارى فهم الضالون. واليهود أسبق لذا بدأ بهم.
- صفة المغضوب عليهم هي أول معصية ظهرت في الوجود عندما أمر إبليس بالسجود لآدم وهو يعرف الحق ومع ذلك عصى الله تعالى وهي أول معصية ظهرت على الأرض أيضاً عندما قتل ابن آدم اخاه ولذا بدأ بها.
- جعل المغضوب عليهم بجانب المنعم عليهم فالمغضوب عليهم مناقض للمنعم عليهم والغضب مناقض للنعم.
* خاتمة سورة الفاتحة هي مناسبة لكل ما ورد فيها فمن لم يحمد الله تعالى ومن لم يؤمن بيوم الدين وأن الله سبحانه مالك يوم الدين وملكه ومن لم يخص الله تعالى بالعبادة والاستعانة ومن لم يهتد الى الصراط المستقيم فهم جميعاً مغضوب عليهم وضالون.
* أصل كلمة آمين :
آمين: إسم فعل أمر بمعنى اللهم إستجب وهي لم تستعمل إلا مع الله وحتى قبل نزول القرآن.
(آمين) آمين هي كلمة عربية شأنها شأن هيهات وشأن أف ، نسميها أسماء أفعال ألفاظ جامدة ، ثم بعد ذلك صاروا يشتقون منها (إني داعٍ فأمّنوا) اشتق منها فعل أي قولوا آمين اللهم إستجب، وهي لم ترد في المصحف لكن أُثبتت في السنة الصحيحة.
*********************************************************
جلُت حكمة الله سبحانه وتعالى وجل قوله العزيز.
فمن منا مهما بلغ من فصاحة وبلاغة وبيان يستطيع أن يأتي بكلام فيه هذا الإحكام وهذا الاستواء مع حسن النظم ودقة الانتقاء؟ فكل كلمة في موقعها جوهرة ثمينة منتقاة بعناية لتؤدي معاني غزيرة بكلمات يسيرة، كل واحدة واسطة عقد لا يجوز استبدالها ولا نقلها ولا تقديمها ولا تأخيرها وإلا لاختل المعنى أو ضعف أو فقد بعض معانيه .
إنه الإعجاز الإلهي الذي يتجلى في الكون كله، ويحف بالقرآن كله، مجموعه وجزئياته، كلماته وحروفه، معانيه وأسراره، ليكون النور الذي أراد الله أن يهدي ويسعد به كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
ðððððð
نظراً لكثرة الأسئلة التي يفيدنا د. فاضل السامرائي وغيره من العلماء الأفاضل بالرد عليها فقد ازداد حجم الملفات كثيراً ولاحظت عزوف الكثيرين عن قراءتها لهذا السبب ، ولهذا فقد يسّر الله تعالى لي اختصارها والإتيان بالفوائد المرجوّة من النصوص فقط دون ذكر الإجابات المفصّلة وهذا لتيسير للاستفادة منها، وللتوضيح فهي ليست مرجعًا لكلام العلماء الأفاضل، ولمن أراد النص المنقول للإجابات فعليه الرجوع إلى الملفات الأصلية غير المختصرة على ملتقى أهل التفسير وموقع إسلاميات.
أسأل الله تعالى أن يجد كل الأخوة مبتغاهم فيها دون عناء وأن ينفع بها خلقًا كثيرًا وأن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا وأن يستعملنا لخدمة دينه وكتابه .
بارك الله لكم وفيكم وجزاكم عن المسلمين خيرًا.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
آية (٩٦) : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ)
* (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) وليس يفعلون فالعمل أخصّ من الفعل فكل عمل فعل وليس كل فعل عمل ، والعمل فيه إمتداد زمن (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) أيّ حياة ، لأن العمل فيه مدة ، معاني الآيات التي فيها زمن يقول يعلمون وما ليس فيه إمتداد زمن وهو مفاجئ يقول يفعلون والله أعلم .
* جاءت كلمة حياة نكرة وهذه إشارة إلى أنهم يريدون أي حياة وإن كانت ذليلة أو مُهينة أو تافهة ودنيا وليست الحياة الكريمة ، لذا هم لا يتمنون الموت كما تحدّاهم به القرآن .
* (لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) ذكرت الألف لأنها هي نهاية ما كان العرب يعرفونه من الحساب ، ولذلك فإن الرجل الذي أسر أخت كسرى في الحرب فقالت كم تأخذ وتتركني؟ قال ألف درهم ، قالوا له لو طلبت أكثر من ألف لكانوا أعطوك ، قال والله لو عرفت شيئا فوق الألف لقلته ، ولذلك كانوا يقولون ألف ألف ولم يقولوا مليوناً .
آية (٩٧) : (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ)
* ما معنى اسم جبريل؟ (جبريل) إسم عبراني للملك المرسَل من الله تعالى بالوحي لرسله وهو مركّب من كلمتين: كلمة (جِبر) وكلمة (إيل) فأما كلمة جِبر فمعناها عبد أو القوة وكلمة إيل تعني إسماً من أسماء الله في العبرانية. وقد ورد إسم جبريل في القرآن في عدة صور منها: جِبريل وبها قرأ الجمهور ومنها جَبريل وبها قرأ ابن كثير ومنها جبرائيل وبها قرأ حمزة والكسائي وجَبرائيل وبها قرأ أبو بكر عن عاصم.
آية (٩٨) : (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ)
* دلالة ذكر الملائكة ثم ذكر جبريل وميكال في الآية :
هذا يسمى من باب عطف الخاص على العام لأهمية المذكور وأن له ميزة خاصة ليست كالعموم ، جبريل وميكال من رؤوساء الملائكة وليسا كعموم الملائكة لكنهما منهم فذكرهما لأهميتهما وهذا كثير في القرآن (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى) .
* دلالة ختام الآية (فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) هي إجابة عامة وليست للشرط فقط فلا يكون الجواب منحصراً بالشخص المذكور فلم يقل عدو لهم ، ولكن تأتي للعموم فأفاد أن هؤلاء كافرون والآية تشمل كل الكافرين ، وهؤلاء دخلوا في زمرة الكافرين ولا تختص عداوة الله تعالى لهؤلاء وإنما لعموم الكافرين فأفاد أمرين أن هؤلاء كافرين وأن عداوة الله لا تنحصر بهم ولكن بكل كافر، وهي أشمل .