عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿٥٠﴾    [البقرة   آية:٥٠]
آية (٥٠) : (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) * كلمة اليمّ كما يقول أهل اللغة المحدثون أنها عبرانية وسريانية وأكادية وهي في العبرانية (يمّا) وفي الأكادية (يمو) اليمّ وردت كلها في قصة موسى ولم ترد في موطن آخر ومن التناسب اللطيف أن ترد في قصة العبرانيين وهي كلمة عبرانية. * القرآن الكريم يستعمل اليم والبحر في قصة موسى لكن الملاحظ أنه لم يستعمل اليم إلا في مقام الخوف والعقوبة ولم يستعمله في مقام النجاة (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ (٧) القصص) هذا خوف ، (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (١٣٦) الأعراف) (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) طه) هذه عقوبة ، أما البحر فعامة قد يستعمله في مقام النجاة أو العقوبة والإغراق (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) . * اللغة تفرق بين البحر والنهر واليم: النهر أصغر من البحر والقرآن أطلق اليم على الماء الكثير ويشتق من اليم ما لم يشتقه من البحر (ميموم) أي غريق لذلك تناسب الغرق. العرب لا تجمع كلمة يم فهي مفردة وقالوا لم يسمع لها جمع ولا يقاس لها جمع وإنما جمعت كلمة بحر (أبحر وبحار) وهذا من خصوصية القرآن في الاستعمال كونها خاصة بالخوف والعقوبة . * في هذه الآية لم يتحدث الحق جل جلاله عن فرعون وإنما عن إغراق آل فرعون لأن آل فرعون هم الذين أعانوه على جبروته وبطشه وطغيانه ، هم الأداة التي استخدمها لتعذيب بني إسرائيل .
  • ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ﴿٥١﴾    [البقرة   آية:٥١]
آية (٥١) : (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) * الفرق بين قوله تعالى هنا (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) وقوله (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً .. (١٤٢)الأعراف) آية فيها إجمال وآية فيها تفصيل ، لماذا ؟ لو عدنا إلى سياق سورة البقرة نجد أنه ورد فيها هذه الآية فقط في هذا المجال بينما في المشهد نفسه في سورة الأعراف فيه تفصيل كبير من قوله تعالى (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ .. (١٤٢)) إلى قوله (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ .. (١٤٥)) الكلام طويل والقصة والأحداث في المواعدة مفصلة أكثر في الأعراف ولم تذكر في البقرة لأن المسألة في البقرة فيها إيجاز . * عندما يتكلم الدين عن الزمن يتكلم دائما بالليلة والسبب في ذلك أنك لا تستطيع أن تحدد الزمن بدقة بالنهار ، فإذا نظرت إلى قرص الشمس لا يمكن أن تحدد في أي وقت من الشهر نحن ، ولكن في الليل بمجرد أن تنظر إلى القمر تستطيع أن تحدد الزمن ، فهناك مقاييس دقيقة بالنسبة للقمر وقياس الزمن في عرف الناس فإذا كان القمر هلالا فنحن في أوائل الشهر وإذا كان بدرا فنحن في وسطه وهكذا . وفي منطق الدين الليلة هي ابتداء الزمن ، فهذه ليلة الأول من شهر رمضان نصلي فيها التراويح وليلة العيد لا تصلى فيها التراويح ، والزمن عند الله مدته اثنا عشر شهرا للعام الواحد .
  • ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿٥٣﴾    [البقرة   آية:٥٣]
آية (٥٣) : (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) * ما الفرق بين الكتاب والفرقان؟ وهل نبي الله موسى أُنزل عليه كتاب آخر؟ الكتاب هنا هو التوراة ، والفرقان تأتي بمعنى الكتاب لأنه يفرق بين الحق والباطل وتأتي بمعنى الآيات الدالة على صدقه أى المعجزات. لكن لما الآن جمع وقال (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) معناه أن الكتاب غير الفرقان لأنها معطوفة والأصل في العطف يقصد به المغايرة ، آتاه الكتاب وهو التوراة وآتاه الفرقان بمعنى المعجزات . * الكتاب هل هو التوراة أو القرآن أو الانجيل؟ الكتاب عام لا يختص بمدلول معين إلا في سياقه ، أهل الكتاب هم النصارى أو اليهود ، والقرآن سمي أيضاً كتاب (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ) يطلق عام . * قال تعالى هنا (وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ) و في القصص (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)) في الأولى الكتاب والفرقان وفي الثانية الكتاب فقط : السياق هو الذي يحدد ، الأولى جاءت في سياق الكلام عن بني إسرائيل (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ (٤٠) البقرة) من الذي شاهد الفرقان؟ شاهده بنو إسرائيل وفرعون الذين كانوا حاضرين ولذلك لما خاطبهم قال (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) كان الخطاب لهم هم الذين شاهدوا فلما تكلم مع بني إسرائيل خصوصاً قال الكتاب والفرقان . أما الثانية فقال (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ) الناس الآخرين لم يشاهدوا هذا الشيء فلما قال بصائر للناس لم يقل الفرقان لأنهم لم يشاهدوا المعجزات ، الفرقان ذهب وبقي الكتاب والكتاب بصائر للناس .
  • ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٥٤﴾    [البقرة   آية:٥٤]
آية (٥٤) : (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) * (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ (٥٤)) وفي آية أخرى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً (٦٧)) متى يأتي بـ (يا قوم) ومتى لا يأتي بها في حوار سيدنا موسى مع قومه؟ حسب الموقف والمقام ماذا يقتضي هو الذي يحدد ، إذا كان الموقف يتطلب إثارة حميّتهم (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ (٢١)المائدة) أو تليين قلوبهم (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ (٥) الصف) أو في موقف تذكيرهم بنعم الله عليهم (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (٢٠)المائدة) يقول يا قوم لأن ذكر (يا قوم) فيه تودد وتقرّب لهم . بينما إذا كان في موقف تقريع وذم أو في موطن الإذلال وتذكيرهم بما يسوؤهم لا يقول يا قوم وإنما يبلغهم مباشرة (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً (٦٧) البقرة) (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ (١٥٠)الأعراف) جاء يقرِّعهم فلم يقل يا قوم .
  • ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿٥٧﴾    [البقرة   آية:٥٧]
آية (٥٧) : (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) * تقدّم المفعول به وهو (أنفسهم) على الفعل وهو (يظلمون) لأن فيه تأكيد على أن حالهم كحال الجاهل الذي يفعل بنفسه ما يفعله العدو بعدوّه ، وفيه تنويه لك أيها المسلم أن الخروج من طاعة الله سبحانه فيه ظلمٌ لنفسك قبل ظلمك لغيرك.
  • ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٨﴾    [البقرة   آية:٥٨]
آية (٥٨) : (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) * بين الآية هنا في سورة البقرة والآية في الأعراف (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)) ما دلالة الاختلاف بينهما؟ الخطاب في الآيتين من الله تعالى إلى بني إسرائيل والأمر بالدخول للقرية والأكل واحد لكن التكريم والتقريع مختلف والسياق مختلف ، يجب أن توضع الآية في سياقها لتتضح الأمور والمعنى والمقصود : سورة البقرة سورة الأعراف ١- آية البقرة في مقام تكريم بني إسرائيل ليذكرهم بالنعم ، بدأ الكلام معهم بقوله سبحانه (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)) العالمين هنا أي قومهم في زمانهم وليس كل العالمين في الأعراف في مقام التقريع والتأنيب فالسياق اختلف هم خرجوا من البحر ورأوا أصناماً فقالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً وعبدوا العجل وانتهكوا حرمة السبت فذكر جملة من معاصيهم وهذا لم يذكره في البقرة ٢- (وإذ قلنا) بإسناد القول إلى نفسه سبحانه وهذا يكون في مقام التكريم (قُلْنَا) هذا في زمن سيدنا موسى عندما قال الله ذلك (وإذ قيل لهم) بالبناء للمجهول للتقريع (وإذ قيل لهم) مثل آتيناهم الكتاب وأوتوا الكتاب في مقام الذم (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ) عن طريق أنبيائهم بعد سيدنا موسى يقولون ألم يقل لكم ربكم ادخلوا ؟ ٣- (ادخلوا هذه القرية) في البداية أمركم أن تدخلوا هذه القرية (اسكنوا هذه القرية) يعني بعد أن تدخلوا لا تفكروا بالخروج منها وإنما اسكنوا بها بشكل نهائي ٤- (فكلوا) بالفاء ، لما تاهوا وشكوا من الجوع وقالوا (يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ﴿٦١﴾) الفاء تفيد الترتيب والتعقيب يعني الأكل موجود مهيأ بمجرد الدخول ادخلوا فكلوا لأنهم جائعون في البقرة الأكل مهيأ بعد الدخول والأكرم أن يقول ادخلوا فكلوا (وكلوا) بالواو الواو تفيد مطلق الجمع ، الأكل ليس بعد الدخول وإنما بعد السكن، ولم يأت بالفاء بعد السكن (وكلوا) في الأعراف الأكل بعد السكن ولا يدرى متى يكون كلما جاعوا يأكلون ٥- (رغداً) تتناسب مع التكريم ، رغداً تستعمل للعيش يعني لين العيش ورخاؤه لم يذكر رغداً لأنها في مقام تقريع لأنهم لا يستحقون رغد العيش مع ذكر معاصيهم. ٦- (وادخلوا الباب سجّداً وقولوا حطة) أي حُطّ عنا ذنوبنا قدّم السجود على القول ، أولاً السجود أفضل الحالات، فالسجود أفضل من القول لأن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فقدّم ما هو أفضل . إضافة إلى أن السياق في الصلاة والسجود قال قبلها (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)) والسجود من أركان الصلاة وقال بعدها أيضاً (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)) فتقديم السجود هو المناسب للسياق (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً) قدم القول على الدخول وجاء بالسجود بعد القول ٧- (نغفر لكم خطاياكم) وهو جمع كثرة ، نغفر لكم خطاياكم وإن كثرت أي يغفر كل الخطايا (نغفر لكم خطيئاتكم) جمع قلة ، خطيئاتكم قليلة وهنا لم تحدد أن خطاياهم قليلة لكن يغفر قسماً منها ، ما غُفر منها قليل إذا ما قورن بآية البقرة ، أيها الأكرم؟ ٨- (وسنزيد المحسنين) جاء بالواو الدالة على الاهتمام والتنويه آية البقرة فيها قوة (وَإِذْ قُلْنَا) لما كان المخاطِب رب العالمين يكون عطاؤه أكثر وأعظم (سنزيد المحسنين) بدون الواو بينما عندما يرسل شخص يبلغك (قِيلَ لَهُمُ) يكون العطاء أقل * في الآية (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم) جمع مكانين القرية وحيث شئتم ثم جاء بـ (رغداً) بعد ذلك ، المعنى هنا ليس فيه إستثناء وإلا كان يقدّم ، وإنما قال (وادخلوا الباب سجداً) إنتقل لموضوع آخر ، هذه القرية مفتوح أمامكم جميع نواحيها للأكل الرغد الهنيء ، ولو قال رغداً حيث شئتم كأنه سيكون فاصل بين المكانين من دون داعي . * اللمسة البيانية التي تضفيها كلمة رغداً بعد (حيث شئتم) : بيان أن هذه القرية كانت مليئة بالثمار والأشجار ترتاحون فيها من غير أن تبذلوا أي جهد إكراماً لهؤلاء من الله سبحانه وتعالى لكن مع ذلك لا هم سجدوا ولا قالوا حطة وإنما دخلوا القرية يزحفون على أعقابهم وبدلوا بقولهم حنطة (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) مع أن ما أمرهم الله به أقل مشقة مما فعلوه ، ولكن المسألة ليست عدم قدرة على الطاعة ولكن رغبة في المخالفة .
  • ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٦٠﴾    [البقرة   آية:٦٠]
آية (٦٠) : (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) * قال تعالى (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ) ولم يقل وإذ استسقى موسى ربّه ، أليس موسى أحد أفراد القوم؟ في هذا دلالة على عناية الله تعالى بعباده الصالحين فهذا يدلك على أن موسى عليه السلام لم يصبه العطش لأن الله تعالى وقاه الجوع والظمأ كما قال صلى الله عليه وسلم "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" ، وانظر كيف كان الاستسقاء لموسى وحده دون قومه فلم يقل ربنا سبحانه وتعالى وإذا استسقى موسى وقومه ربهم وذلك ليظهر لنا ربنا كرامة موسىِ عليه السلام وحده ولئلا يظن القوم أن الله تعالى أجاب دعاءهم . * جاء في سورة البقرة (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً .. (٦٠)) وجاء في سورة الأعراف (‏ .. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)) ماذا حدث فعلاً هل انفجرت أو انبجست؟ هل خروج الماء كان كثيراً أو قليلاً ؟ - الجواب كلاهما خروج الماء كان كثيراً في البداية لكنه قلّ بسبب معاصيهم ، ليس هذا تعارض كما يظن البعض لكن ذكر الحالة بحسب الموقف الذي هم فيه لما كان فيهم صلاح قال انفجرت ولما كثرت معاصيهم قال انبجست . - من ناحية اللغة (فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ) لكنه لم يقل فضرب موسى الحجر ، إذن هنالك اختزال فالكلام محذوف ولكنه مفهوم ، هناك قال انفجرت ثم عصوا ربهم فانبجست وهذا الأمر في القرآن كثير . - نلاحظ مرة موسى هو الذي استسقى قال (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ (٦٠) البقرة) ومرة قال (إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ (١٦٠) الأعراف) طلبوا منه السقيا ، أيها الإجابة أكثر أن يستقي النبي أو القوم يستسقون؟ لما يستسقي النبي ، إذن لما قال استسقى موسى قال انفجرت ولما قال استسقاه قومه قال انبجست. هي كلها صحيحة وهي خروج اثنتا عشرة عيناً . - قال (كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ (٦٠) البقرة) مع الأكل والشرب قال انفجرت لأنه يحتاج إلى ماء كثير ولما لم يذكر الشرب وإنما قال فقط كلوا (كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (١٦٠) الأعراف) قال انبجست . - وفي سياق الآيات في سورة البقرة الذي يذكر الثناء والمدح والتفضّل على بني إسرائيل جاء بالكلمة التي تدل على الكثير (انفجرت) أما في سورة الأعراف فالسياق في ذمّ بني إسرائيل فذكر معها الإنبجاس وهو أقلّ ، وهذا أمرٌ مشاهد فالعيون والآبار قد تجفّ ، فذكر المشهدين وكلاهما حصل بالفعل . * إذا لاحظنا سياق الآيات في كل من السورتين يمكن ملاحظة اختلافات كثيرة في اختيار ألفاظ معينة : في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (٥٩) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)) . في سورة الأعراف (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)) . ونلخّص هذا فيما يأتي : سورة البقرة سورة الأعراف سياق الآيات في تكريم بني إسرائيل فذكر أموراً كثيرة في مقام التفضيل والتكرّم والتفضّل (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)) (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ .. (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (٥٠)) السياق في ذكر ذنوبهم ومعاصيهم والمقام مقام تقريع وتأنيب لبني إسرائيل (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)) والفاء هنا تفيد المباشرة أي بمجرد أن أنجاهم الله تعالى من الغرق أتوا على قوم يعبدون الأصنام فسألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً مثل هؤلاء القوم موسى هو الذي استسقى لقومه فأوحى إليه ربه بضرب الحجر (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ) وفيها تكريم لنبيّ الله موسى واستجابة الله لدعائه قوم موسى استسقوه (إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ) (كلوا واشربوا) والشرب يحتاج إلى ماء أكثر لذا انفجرت الماء من الحجر في السياق الذي يتطلب الماء الكثير (كلوا من طيبات ما رزقناكم) لم يذكر الشرب فجاء باللفظ الذي يدل على الماء الأقلّ (انبجست) جعل الأكل عقب الدخول وهذا من مقام النعمة والتكريم (ادخلوا هذه القرية فكلوا) لم يرد ذكر الأكل بعد دخول القرية مباشرة وإنما أمرهم بالسكن أولاً ثم الأكل (اسكنوا هذه القرية وكلوا) (رغداً) تذكير بالنعم وهم يستحقون رغد العيش كما يدلّ سياق الآيات لم يذكر رغداً لأنهم لا يستحقون رغد العيش مع ذكر معاصيهم (وادخلوا الباب سجّداً وقولوا حطة) بُديء به في مقام التكريم وتقديم السجود أمر مناسب للأمر بالصلاة الذي جاء في سياق السورة (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)) والسجود هو من أشرف العبادات (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً) لم يبدأ بالسجود هنا لأن السجود من أقرب ما يكون العبد لربه وهم في السياق هنا مبعدين عن ربهم لمعاصيهم (نغفر لكم خطاياكم) الخطايا هم جمع كثرة وإذا غفر الخطايا فقد غفر الخطيئات قطعاً وهذا يتناسب مع مقام التكريم الذي جاء في السورة (نغفر لكم خطيئاتكم) وخطيئات جمع قلّة وجاء هنا في مقام التأنيب وهو يتناسب مع مقام التأنيب والذّم في السورة (وسنزيد المحسنين) إضافة الواو هنا تدل على الإهتمام والتنويع ولذلك تأتي الواو في موطن التفضّل وذكر النعم (سنزيد المحسنين) لم ترد الواو هنا لأن المقام ليس فيه تكريم ونعم وتفضّل (فبدّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم) (الذين ظلموا منهم) بعض ممن جاء ذكرهم في أول الآيات (فأنزلنا على الذين ظلموا) (فأرسلنا ) أرسلنا في العقوبة أشدّ من أنزلنا ، وقد تردد الإرسال في السورة ٣٠ مرة أما في البقرة فتكرر ١٧ مرة (بما كانوا يفسقون) (بما كانوا يظلمون) والظلم أشدّ لأنه يتعلّق بالضير (فانفجرت) جاءت هنا في مقام التكريم والتفضّل وهي دلالة على أن الماء بدأ بالإنفجار بالماء الشديد فجاء بحالة الكثرة مع التنعيم (فانبجست) في مقام التقريع قلّ الماء بمعاصيهم فناسب ذكر حالة قلّة الماء مع تقريعهم
  • ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿٦١﴾    [البقرة   آية:٦١]
آية (٦١) : (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) * تكلم ربنا سبحانه وتعالى عن طعام اليهود فقال (وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٥٧)) وقال فيما بعد على لسانهم (لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ مع أن المنّ والسلوى طعامان؟ هو نهج واحد ، المن والسلوى يتكرر نفسه منّ وسلوى منّ وسلوى فيصير طعاماً واحداً ، وقسم قال أن المنّ كان شراباً يتحلون به أما السلوى فهو طعام واحد . * (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) لم يقل ربنا سبحانه أصابتهم الذلة والمسكنة فقد شبّه الله تعالى الذلة والمسكنة في هذه الآية بالقبة التي أحاطت أهلها من كل جانب وأظلتهم فلازموها ولم يغادروها فكانت بيتهم الذي لا يحولون عنه . * (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) في آن واحد بينما في آل عمران هناك تفريق في الزمن ضربت الذلة أولاً ثم بعد فترة طويلة ضربت المسكنة (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) : في سورة البقرة: ما من قوم آذوا نبيهم كما آذى بنو إسرائيل أنبياءهم بدءًا من موسى عليه السلام؛ فلما أنزل الله عليهم المن والسلوى قالوا نريد حشائش الأرض، ولما اتخذوا العجل إلهاً قال لهم الله تعالى اقتلوا أنفسكم ومع هذا لا يتوبون لشدة عنادهم، حينئذ انتقم الله منهم فقال (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) في آن واحد الذلة الهزائم في الحرب فما دخلوا حرباً مع العماليق إلا هزموا وسرق منهم التابوت، أما المسكنة بين الناس فاليهودي دائماً يبدي نفسه أمام الآخرين أنه مسكين ومظلوم إلى يوم القيامة. في آل عمران هذا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم قال (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) أولاً فقد انهزموا في كل الحروب التي خاضها اليهود ضد المسلمين خيبر وبني قريظة وبني المصطلق وبني قينقاع، فأذلهم الله عز وجل لشدة مكرهم وتآمرهم ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وعدهم أنهم سوف يصابون بالمسكنة في المستقبل وما إن انتهى العهد الراشدي إلى يومنا هذا وهم في العالم كله يشعرون بالمسكنة إضافة إلى الذلة. * الفرق من الناحية البيانية بين قوله (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) وقوله (وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) : قال تعالى في سورة البقرة (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (٦١)) وقال في سورة آل عمران (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)) و(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (١١٢)) . النبيين والأنبياء : من حيث اللغة الأنبياء أكثر من النبيين من حيث العدد ، الأنبياء جمع تكسير من جموع الكثرة ، والنبيين جمع مذكر سالم وهو من جموع القلة ، عندما يذكر معاصي بني إسرائيل يذكر الأنبياء . (بغير حق) و(بغير الحق) : استعمال كلمة (الحق) معرّفة تعني أي بغير الحق الذي يدعو إلى القتل فهناك أمور يستحق بها القتل ، أما استعمال (بغير حق) نكرة فهي تعني لا حق أصلاً يدعو إلى القتل ولا إلى غيره ، فإذا أراد تعالى أن يبيّن لنا العدوان يذكر (بغير حق) ، فعندما يقول يقتلون الأنبياء بغير حق هذا أعظم وأكبر جرماً من يقتلون النبيين بغير الحق لأن الأنبياء أعم وأشمل والنبيين أقل وحق نكرة أي من دون أي داعي ، هذا من حيث اللغة . لما ننظر في السياق لاحقاً نلاحظ مقام الذم والكلام على بني إسرائيل في قوله يقتلون الأنبياء بغير حق أكثر وأعظم من يقتلون النبيين بغير الحق في سياق تكريمهم في سورة البقرة .
  • وقفات سورة الفاتحة

    وقفات السورة: ٩٧٠ وقفات اسم السورة: ٢٠٠ وقفات الآيات: ٧٧٠
سورة الفاتحة : اشتملت على كل معاني وأهداف القرآن على قصرها حوت معاني القرآن العظيم واشتملت مقاصده الأساسية بالإجمال فهي تتناول أصول الدين وفروعه، العقيدة، العبادة، التشريع، الاعتقاد باليوم الآخر والإيمان بصفات الله الحسنى وإفراده بالعبادة والاستعانة والدعاء والتوجه إليه جلّ وعلا بطلب الهداية إلى الدين الحق والصراط المستقيم والتضرع إليه بالتثبيت على الإيمان ونهج سبيل الصالحين وتجنب طريق المغضوب عليهم والضآلين وفيها الإخبار عن قصص الأمم السابقين والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء وفيها التعبد بأمر الله سبحانه ونهيه وغير ذلك من مقاصد وأهداف فهي كالأم بالنسبة لباقي السور الكريمة ولهذا تسمى بأم الكتاب. * تضمنت سورة الفاتحة : الإيمان بالله (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . الإيمان باليوم الآخر (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) . الإيمان بالملائكة والرسل والكتب (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) لما تقتضيه من إرسال الرسل والكتب. جمعت السورة توحيد الربوبية (رَبِّ الْعَالَمِينَ) وتوحيد الالوهية (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ولذا فهي حقاً أم الكتاب. * محاور سورة الفاتحة : القرآن يدعو للاعتقاد بالله ثم عبادته ثم حدد المنهج في الحياة وهذه نفسها العقيدة: (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ * مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). العبادة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). مناهج الحياة: (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ). وكل ما يأتي في كل سور وآيات القرآن هو شرح لهذه المحاور الثلاث.  * تذكر سورة الفاتحة بأساسيات الدين ومنها : شكر نعم الله (الْحَمْدُ للّهِ) . الإخلاص لله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) . الصحبة الصالحة (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) . تذكر أسماء الله الحسنى وصفاته (الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ) . الاستقامة (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) . تذكر الآخرة (مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) ويوم الدين هو يوم الحساب . أهمية الدعاء . وحدة الأمة (نَعْبُدُ)، (نَسْتَعِينُ) ورد الدعاء بصيغة الجمع مما يدل على الوحدة ولم يرد بصيغة الإفراد . تعلمنا كيفية الدعاء فأولها ثناء عليه سبحانه (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وآخرها دعاء بالهداية (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) . * لطائف سورة الفاتحة : أنزل الله تعالى ١٠٤ كتب وجمع هذه الكتب كلها في ثلاثة كتب (الزبور، التوراة والانجيل) ثم جمع هذه الكتب الثلاثة في القرآن وجمع القرآن في الفاتحة وجمعت الفاتحة في الآية (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). هي مفتاح القرآن افتتح بها وتحوي كل كنوزه، وفيها مدخل لكل سورة من باقي السور بحيث أنه إذا وضعت قبل أي سورة من القرآن يبقى التسلسل بين السور والمعاني قائماً. بداية المصحف (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، يقابلها آخر سورة الناس (مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ) فهذا الكتاب فيه الهداية ليس للبشر وحدهم وإنما لكل مخلوقات الله تعالى. في خواتيمها ذكر أصناف الخلق المكلفين (الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) وفواتح البقرة تحدثت عن هذه الأصناف المتقين والكفار والمنافقين. آخرها (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) وجاءت سورة البقرة بعدها تتحدث عن المغضوب عليهم (بني إسرائيل) وكيف عصوا ربهم ورسولهم وجاءت سورة آل عمران لتتحدث عن الضآلين (النصارى) . آخرها الدعاء (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) جاء مرتبطاً ببداية سورة البقرة (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ). أحكام التجويد في سورة الفاتحة جاءت ميسرة وهذا والله أعلم لتيسير تلاوتها وحفظها من كل الناس عرباً كانوا أو عجماً. --------------------------------------------------------------- اللمسات البيانية في سورة الفاتحة * الاستعاذة (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) * الاستعاذة جاءت بلفظ الجلالة فهو يجمع كل الصفات لكن لما تقول القادر يخطر في بالك صفة القدرة فقط، الرحمن صفة الرحمة، الكريم صفة الكرم. * القرآن الكريم إستعمل كلمة الشيطان ما قال إبليس لأمرين: أولاً: إبليس هو اسم أبو الشياطين الذي أبى أن يسجد لآدم وأول من عصى ربه تعالى فليس شرطاً أن يكون هو الذي يأتي ليوسوس لك لأن له ذرية وكل إنسان وُكّل به شيطانه. ثانياً: كلمة إبليس فيها معنى الإنكسار والخذلان والحزن بينما الآية تريد أن تحذّر. * كلمة (الشَّيْطَانِ) من الشطن الذي هو الحبل الممتد يعني أن هذا الشيطان يمتد إليك فكن حذراً منه لكن حتى لا يغالي الإنسان في كثرة الخوف منه جاءت كلمة الرجيم. * (الرَّجِيمِ) ما قال الشيطان اللعين أو غيره وهذا الوصف هنا هو أنسب الأوصاف للشيطان حتى تتخيل صورته وهو يُرجم بالحجارة فكأنه منشغل بنفسه، فكلمة شيطان فيه حبل ممتد إليك حتى لا تتهاون في شأنه وكلمة رجيم حتى  لا يبلغ بك الخوف منه مبلغاً عظيماً فهو رجيم مرجوم. * الرجيم وليس المرجوم: فعندنا لغتان: فعيل ومفعول، فعيل نسميها صفة مشبهة رجيم كأن الرجم لازم له صفته اللاصقة به ، أما المرجوم فقد يكون مرجوماً الآن لكن قد لا يكون مرجوماً بعد ساعة.
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٢﴾    [البقرة   آية:٦٢]
آية (٦٢) : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) * عبّر تعالى هنا بالذين هادوا ولم يقل اليهود إشارة إلى أنهم الذين انتسبوا إلى اليهود وليسوا اليهود من سبط يهوذا . * وجه الإختلاف من الناحية البيانية بين آية ٦٢ في سورة البقرة وآية ٦٩ في المائدة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)) وآية ١٧ في الحج (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)) : من حيث الناحية الإعرابية : النصب في آية البقرة وآية الحج (وَالصَّابِئِينَ) معطوف على منصوب . الرفع في آية المائدة على محل إسم إنّ ، فالأصل إسم إنّ قبل أن تدخل عليه مرفوع فهذا مرفوع على المحل ، أو يجعلوه جملة معترضة (والصابئون كذلك) . لكن لماذا رفع؟ (إنّ) تفيد التوكيد ، (الصابئون) غير مؤكد والباقي مؤكد لماذا؟ لأنهم دونهم في المنزلة ، أبعد المذكورين ضلالاً والباقون أصحاب كتاب ، الذين هادوا عندهم التوراة والنصارى عندهم كتاب الإنجيل والذين آمنوا عندهم القرآن ، الصابئون ما عندهم كتاب خرجوا عن الديانات المشهورة ، صبأ في اللغة أي خرج عن الدين ، ولذلك هم دونهم في الديانة والاعتقاد ولذلك لم يجعلهم بمنزلة واحدة فرفع فكانوا أقل توكيداً ، وجاءت هذه الآية لتلفتنا أن هذه التصفية تشمل الصابئين أيضاً فقدمتها ورفعتها لتلفت إليها الآذان بقوة ، ولتقطع اليأس فالصابئون كذلك كلهم يغفر لهم إذا تابوا . من حيث التقديم والتأخير في الترتيب : آية البقرة (والنصارى والصابئين) لم يذم عقيدة النصارى وحشرهم على الجانب التاريخي فذكر اليهود ومن ورائهم بالترتيب التاريخي ووضع الصابئين في آخر المِلل ، والذين آمنوا (المؤمنون) مقدّمون على الجميع . في المائدة (والصابئون والنصارى) قدّم الصابئين لأنه ذمّ النصارى في المائدة ذماً فظيعاً على معتقداتهم ، تكلم على عقيدة التثليث جعلهم كأنهم لم يؤمنوا بالله وكأنهم صنف من المشركين (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ (٧٢)) (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ .. (٧٣)) فأخّر النصارى حتى تكون منزلتهم أقل لأنه ذمّ عقيدتهم . في الحج (وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى) الكلام على الفصل يوم القيامة ، تحدث عن مطلق الايمان والكفر والحساب يوم القيامة ، فلا بد أن تكون متلازمة ، فجمعهم وجعل العطف عطفاً طبيعياً . في آية البقرة (فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أما في المائدة (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) : المذكورين في الآيتين هم نفسهم (الذين آمنوا، الذين هادوا، النصارى، الصابئين) لكن : - في سورة المائدة السياق في ذمّ عقائد اليهود والنصارى ذمّاً كثيراً مسهب والكلام على اليهود أشدّ وما ذكرهم في المائدة إلا بمعاصيهم ، أما في البقرة فالسياق في الكلام عن اليهود فقط وليس النصارى ، حتى لما يذكر العقوبات يذكرها في المائدة (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ (٦٠)) أكثر من البقرة (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)) لذا اقتضى السياق التفضيل بزيادة الخير والرحمة في المكان الذي يكون الغضب فيه أقل (في سورة البقرة) . - جو الرحمة ومفردات الرحمة وتوزيعها في سورة البقرة أكثر من المائدة ، فقد وردت الرحمة ومشتقاتها في سورة البقرة ١٩ مرة بينما وردت في المائدة ٥ مرات ، ولم تُجمع القردة والخنازير إلا في سورة المائدة . - أنواع العمل الصالح في السورتين: في سورة المائدة ورد ذكر ١٠ أنواع من العمل الصالح (الوفاء بالعقود، الوضوء، الزكاة، الأمر بإطاعة الله ورسوله والإحسان والتعاون على البر والتقوى وإقام الصلاة والجهاد في سبيل الله والأمر باستباق الخيرات) ، وفي سورة البقرة ورد ذكر ٣٠ أو ٣٣ نوع من أعمال الخير وتشمل كل ما جاء في سورة المائدة ما عدا الوضوء وفيها بالإضافة إلى ذلك الحج والعمرة والصيام والإنفاق والعكوف في المساجد وبر الوالدين والهجرة في سبيل الله والإيفاء بالدين والقتال في سبيل الله والإصلاح بين الناس وغيرها كثير ، لذا اقتضى كل هذا العمل الصالح في البقرة أن يكون الأجر أكبر (فلهم أجرهم عند ربهم) . - (فلهم أجرهم عند ربهم) تتردد مفرداتها كما يلي : ١. الفاء وردت في البقرة ٢٦٠ مرة ووردت في المائدة ١٨٠ مرة ٢. لهم وردت في البقرة ٢٩ مرة وفي المائدة ١٥ مرة ٣. أجرهم وردت في البقرة ٥ مرات وفي المائدة مرة واحدة فقط ٤. عند وردت في البقرة ١٩ مرة وفي المائدة مرة واحدة ٥. ربهم وردت في البقرة ١٠ مرات ومرتين في المائدة وهذه العبارة (فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) لم ترد إلا في سورة البقرة بهذا الشكل وقد وردت في البقرة ٥ مرات . * الله سبحانه وتعالى يعطف الإيمان على العمل لذلك يقول دائما (آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً) لأن الإيمان إن لم يقترن بعمل فلا فائدة منه ، والله يريد الإيمان أن يسيطر على حركة الحياة بالعمل الصالح ، فيأمر كل مؤمن بصالح العمل وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة . * الفرق بين (عَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا) و (وَعَمِلَ صَالِحًا) أنه في عموم القرآن إذا كان السياق في العمل يقول (عملاً صالحاً) كما في آخر سورة الكهف (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (١١٠)) لأنه تكلم عن الأشخاص الذين يعملون أعمالاً سيئة أما الآية (٦٢) من سورة البقرة ليست في سياق الأعمال فقال (عمل صالحاً) .
إظهار النتائج من 2191 إلى 2200 من إجمالي 12325 نتيجة.