آية (٣٥) : (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ)
* قال تعالى (ولا تقربا) ولم يقل ولا تأكلا حتى لا تضعف نفسه عند مشاهدة ثمارها فتتوق نفسه للأكل من ثمرها ولو نهي عن الأكل لاقترب منها وعندها سيقاوم نفسه التي تريد تناول ثمارها وإما يأكل منها وإما لا يأكل .
*خاطب تعالى آدم لوحده ومرة خاطب آدم وحواء ، كيف نفهم الصيغ المتعددة في الخطاب؟
من الذي قال أن الخطاب مرة واحدة؟ (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ (٣٥) البقرة) (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) طه) هذا الخطاب غير ذاك الخطاب ، من أدراه أن الخطاب كان واحداً؟ هذا وقت متغير.
* استخدام كلمة (زوجك) بدل زوجتك : لغويًا الأصل هو كلمة زوج وفي اللغة الضعيفة تستعمل زوجة ، في اللغة يقال المرأة زوج الرجل والرجل زوج المرأة ، فالأولى والأصح أن تستخدم كلمة زوج ولذا استخدمها القرآن الكريم في الآية.
* الفرق بين الزوج والبعل :
البعل هو الذكر من الزوجين ، في اللغة البعل من الإستعلاء يعني السيد القائم المالك الرئيس وهي عامة ، بعلُ المرأة سيّدها وسُميّ كل مستعل على غيره بعلاً (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) لأنهم يعتبرونه سيدهم المستعلي عليهم. الأرض المستعلية التي هي أعلى من غيرها تسمى بعلاً والبعولة هو العلو والاستعلاء ومنها أُخِذ البعل زوج المرأة لأنه سيدها ويصرف عليها والقائم عليها. البعل لا يقال للمرأة وإنما يقال لها زوج.
الزوج هو للمواكبة ولذلك تطلق على الرجل والمرأة هي زوجه وهو زوجها ، الزوج يأتي من المماثلة (وآخر من شكله أزواج) أي ما يماثله ، لا يقال للمرأة في القرآن زوجه إلا إذا كانت مماثلة له قال (اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ) لم يقل زوج فرعون لأنها ليست مماثلة له، وإنما ذكر الجنس (امرأة). لو قال زوج يكون فيها مماثلة حتى في سيدنا إبراهيم لما المسألة تتعلق بالإنجاب قال (وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ) هذا يراد به الجنس وليس المماثلة ، (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فيهن مماثلة لأنهن على طريقه وهنّ جميعاً مؤمنات وأزواجه في الدنيا أزواجه في الآخرة.
* سبب تقديم وتأخير كلمة رغدا في آيتى سورة البقرة (٣٥) و (٥٨) :
العيش أو الأكل الرغد هو الهنيء الذي لا جهد معه.
الآية الأولى الكلام مع آدم عليه السلام الترخيص بسكن الجنة أولاً (اسكن أنت وزوجك الجنة) ثم بالأكل من الجنة (وكلا منها رغداً) ثم بمطلق المكان (حيث شئتما) المكان مطلق غير مقيّد ثم قيّده بشجرة (ولا تقربا هذه الشجرة) هذا التقييد بعد الإطلاق هو نوع من الإستثناء كأنه قال: كلوا من كل هذه الأماكن إلا من هذا المكان.
لما كان الكلام إستثناء من مكان ربط بين المستثنى والمستثنى منه ، المستثنى منه (حيث شئتما) والمستثنى (قربان الشجرة) فلابد من إتصالهما ، ولو قيل في غير القرآن: كلا منها حيث شئتما رغداً ولا تقربا ستكون كلمة (رغداً) فاصلة بين المستثنى منه والمستثنى وهذا خلل في اللغة لا يجوز أو على الأقل فيه ضعف .
لذلك قدّم رغداً مع نوع من الإهتمام بالعيش الهنيء لهما ، كلا منها رغداً حيث شئتما إلا من هذا الموضع فجمع بين المكان المستثنى منه وبين المكان المستثنى الذي ينبغي أن لا يقرباه .
* قال تعالى لآدم عليه السلام (حيث شئتما) : فأثبت لهما المشيئة من أول خلقتهما .
آية (٣٦) - (٣٧) : (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
* الفرق بين استخدام الجمع والمثنى في الآيات (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (٣٦) البقرة) و(قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (١٢٣) طه) :
إذا قرأنا الآيات نجد في البقرة كان الخطاب لآدم وزوجه (وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)) في طه الخطاب لآدم (لا تظمأ، فوسوس إليه، فتشقى، فعصى آدم ربه) فكان الكلام في طه (اهبطا) لآدم وإبليس وحواء تابعة ،إذن اهبطوا في البقرة أي آدم وحواء وإبليس.
* قال تعالى في سورة طه (قال اهبطا) بضمير الغائب وفي الأعراف (قَالَ اهْبِطُوا) وهنا يقول (قلنا اهبطوا) بضمير المتكلم :
الموقف ليس واحداً ، لو نقرأ النص تتضح المسألة :
في سورة طه الكلام أصلاً في الغائب قال (وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)) ما قال ثم اجتبيته (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ... (١٢٣)) السياق كله في الغائب .
في سورة الأعراف (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا) غائب ( قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) ( قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ).
في سورة البقرة قال (وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) ضمير المتكلم (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) متكلم، لما كان السياق في الغيبة قال (قال) بالغائب ولما كان السياق في المتكلم قال (قلنا) .
* (قال تعالى (فَأَزَلَّهُمَا) – (فَأَخْرَجَهُمَا) – (كَانَا) بالمثنى ثم ذكر آدم عند التلقّي بالمفرد دون حواء (فَتَلَقَّى آدَمُ) - (رَّبِّهِ) – (فَتَابَ عَلَيْهِ) :
النبي هو الذي أُنزل عليه هو الذي يتلقى وليس زوجه والتبليغ أصلاً كان لآدم (وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ) (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ) (اسْجُدُوا لِآَدَمَ) الكلام كان مع آدم والسياق هكذا قال (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ) لأن آدم هو النبي المنوط به التواصل مع الله سبحانه وتعالى بالوحي ، هذا السياق وهذا ليس تحقيراً لحواء .
لو ذكرنا في سورة طه (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى) (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) لم يذكر حواء، السياق هكذا.
* (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ) قرأها إبن عباس (فتلقى أدمَ) فما وجه الاختلاف؟ هذه القراءة بالنصب (فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ) الكلمات فاعل ، هذه القراءة بالنصب فيها تكريم لآدم تلقته الكلمات كما يُتلقى الساقط إلى الأرض لئلا يهلك، تلقته الكلمات ليتوب ، ولم يقل فتلقت آدم من ربه كلمات لأنه أولاً (كلمات) مؤنث مجازي والمؤنث المجازي يجوز فيه التذكير والتأنيث، ثم الأمر الآخر هناك فاصل بين الفعل والفاعل لأن وجود الفاصل يحسّن التذكير وحتى لو لم يكن مؤنثاً مجازياً لو كان مؤنثاً حقيقياً جمع مؤنث سالم أيضاً بالفصل يُذكّر كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ (١٢) الممتحنة) ما قال إذا جاءتك، فكيف إذا كان المؤنث مجازياً؟ (فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ) تلقته الكلمات لأن آدم سقط ولأن المعصية سقوط فتلقته الكلمات لئلا يهلِك ، مسألة تقديم وتأخير المفعول به على الفاعل جائز في القرآن.
* هذه الفاء (فَتَابَ عَلَيْهِ) تسمى الفاء الفصيحة لأنها تفصح عن كلام محذوف يعني فرددها فتاب الله عليه.
* تنبهنا الآية إلى عبادة عظيمة وهي أول عبادة على وجه الأرض من بني آدم وبعد التوحيد وهي الاستغفار.
آية (٣٨) : (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ )
* (وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ (٣٦)) (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا (٣٨)) لماذا في المرة الأولى (وقلنا) وفي الثانية (قلنا)؟
عندما تأتي العقوبة تالية للجريمة أو الخطيئة مباشرة تأتي بالواو (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)) وهذه واو التهديد والوعيد أنت عصيت وأنا أعاقبك ، إذن (وقلنا) متعلقة بغضب الله عز وجل بعد المعصية مباشرة ، بالتهديد والعقوبة ، أما (قلنا) الثانية متعلقة بالمغفرة والتوبة والرضى ، هذا الاستغفار يطفئ غضب الرب (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)) فجاءت بعد التوبة ورضى الله عز وجل مباشرة .
* أين جواب الشرط في الآية ؟
فإما يأتينكم : هي (إنّ وما) جمعتا معاً ، إنّ شرطية وما الزائدة بين أداة الشرط وفعل الشرط وجملة (فمن تبع هداي) هي جواب إنّ والفاء رابطة لجواب إنّ وجملة فلا خوف عليهم فهي جواب لـ(من تبع هداي).
* الفرق بين قوله تعالى هنا (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) و(فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ) في طه :
تَبِع زيدٌ عمراً مر به فمضى معه ، يعني مررت في طريقك فرأيت شخصاً واقفاً ما أن حاذيته حتى صار خلفك تماماً انقياد كامل ، التُبُع باللغة العربية الظل أنت حيث ما تسير صار ظلك معك يتْبعك- بتسكين التاء- تماماً ولا يتّبعك- بتشديد التاء- ما الفرق؟
يتْبعك تلقائياً محاذاة كظلِّك بشكل مباشر أما يتّبعك- بتشديد التاء- فيها جهود وفيها مراحل وفيها تلكؤ وفيها مشقات وفيها أشياء كثيرة تقول أنا تتبعت المسألة حتى حللتها أو وقفت على سرها ، تتبعت مرة مرتين ثلاث أربع ليل نهار هذا اتّبَع، معنى ذلك أن كلمة تَبِع إما التوحيد وإما الشرك ، فرب العالمين حين يقول (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى) يعني التوحيد أرسلت لكم نبياً يقول اتركوا الأصنام لا إله إلا الله هذا تَبِع على طول لا يتردد . فلما قال (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ) هذه الشريعة أرسلت لكم شريعة حاولوا كل واحد يطبق منها ما يستطيع على قدر جهده وعلمه ونشاطه وهمته هذا إتّباع .
تبِع كظل الشيء وأنت لا تكون ظل النبي إلا في التوحيد لا إله إلا الله لابد أن تكون مثل ظله ، لكن إتّباع لا أين أنت وأين هو؟! .
* (لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) من حيث التأليف والتركيبة البيانية :
• (لا خوف عليهم) بالإسم و (ولا هم يحزنون) بالفعل ، ما قال لا يخافون كما قال ولا هم يحزنون :
وذلك لأنهم يخافون في الواقع وخوفهم يوم الآخرة (يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) هؤلاء مؤمنون يخافون، الخوف مدح لهم هنا ، كل المكّلفين يخافون حتى يؤمّن الله من يؤمّن ، ولما كان الخوف حقيقة عبّر عنه بالإسم.
• لم يقل لا يخافون :
معنى (لا خوف عليهم) يعني لا يُخشى عليهم خطر، أما هم فقد يكونوا خائفين أو غير خائفين، قد يكون هناك إنسان غير خائف لأنه لا يقدر الخطر لكن هنالك خطر عليه، الطفل مثلاً لا يخاف النار هو لا يعلم العواقب ولا يقدرها ونحن نخاف عليه ، إذن لم يقل لا يخافون لأن واقع الأمر أنهم يخافون فأمّنهم الله بقوله (لا خوف عليهم) وهذا هو المهم .
• لم يقل لا خوف عليهم ولا حزن؟
هو قال (ولا هم يحزنون) جعل الحزن بالفعل وأسند إليه (ولا هم يحزنون) ، لو قال لا خوف عليهم ولا حزن لا يصح المعنى لأن ذلك يعني لا يحزن عليهم أحد يعني نفى الحزن عن غيرهم ولم ينفه عنهم يعني هم قد يحزنون لكن لا يحزن عليهم أحد ، والمطلوب أن تنفي عنهم الحزن لا أن تنفيه عن غيرهم ، ثم قد يكون هذا ذم أن لا يحزن عليهم أحد كما قال ربنا (وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) النحل) يعني لا يستحقون أن تحزن عليهم ، إذن لو قال لا خوف عليهم ولا حزن لا يستقيم المعنى قد يكون ذم وليس فيه فائدة ولا ينفعهم .
• خصص الحزن بتقديم (هم) (ولا هم يحزنون) :
التقديم أفاد الحصر ، أراد ربنا تبارك وتعالى أن ينفي عنهم الحزن ويثبته لغيرهم يعني ليس هم الذين يحزنون لكن الذي يحزن غيرهم من الكفرة هؤلاء أصحاب الحزن ، لو قال لا خوف عليهم ولا يحزنون يعني هم لا يحزنون لكن لم يثبت الحزن لغيرهم .
• لم يخصص الخوف ما قال لا عليهم خوف بتقديم الجار والمجرور كما قال ولا هم يحزنون :
وهذا أيضاً لا يصح ، عندما يقول لا عليهم خوف يعني ليس عليهم الخوف ولكن الخوف على غيرهم ، أنت نفيت الخوف عنه وأثبته على غيرهم أي الكفار، من يخاف على الكفار؟ وهم مغضوب عليهم؟ هذا المعنى يفهم إذا قدّم وقال لا عليهم خوف كان نفاه عنهم وأثبته على غيرهم .
• (لا خوف عليهم) الإسم مرفوع وهنالك قراءة لا خوفَ بالفتح فلماذا فيها قراءتين؟
لا خوفَ عليهم بالنصب نص في نفي الجنس ولا النافية للجنس تعمل عمل (إنّ). لما تقول لا رجلَ بالبناء على الفتح هذا نفي نص الجنس يعني لا يوجد أيّ رجل مطلقاً ، لا رجلٌ نفي الجنس على الأرجح ويحتمل نفي الواحد لكن مع إحتمال وجود رجلين أو ثلاثة أو أربعة هذا احتمال واحتمال.
لا خوفٌ عليهم في غير القرآن يمكن أن تجعله لا خوفٌ عليهم بل أكثر من خوف ، بينما لا خوفَ عليهم نفي جنس الخوف .
لا شك السياق نفي الجنس تخصيصاً من أكثر من ناحية : من ناحية مقام مدح ، من ناحية قال (ولا هم يحزنون) فإذا كانوا لا يحزنون فإنه لا خوف عليهم لأن الحزن إذا كان هنالك شيء مخوف فتحزن لذلك ، إذن دلت القرائن على نفي الخوف تنصيصاً وجاء بـ (لا) النافية للجنس أيضاً في قراءة أخرى. فإذن القراءتان دلت على نفي الخوف تنصيصاً وبالقرينة.
لكن هنالك مسألة إذا كان هو أفاد نفي الجنس تنصيصاً أو بالقرينة إذن لماذا يأت بنفي الجنس ولم يقل لا خوفَ عليهم؟
هو عندما يقول (لا خوفٌ عليهم) بالرفع هذا يفيد معنيين:
١- الأول كون حرف الجر (عليهم) متعلق بالخوف مثلاً (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ) متعلق بـ(خاف) ، لو كان الجار والمجرور (عليهم) متعلقاً بالخوف يكون الخبر محذوفاً لأن لا خوفٌ عليهم الخبر يكون محذوفاً .
٢- يحتمل أن يكون الجار والمجرور (عليهم) ليس متعلقاً بالخوف وإنما متعلق بكان واستقر يعني لا خوف كائن عليك. مثل (عليكم أن تجلسوا في الصف) إذا تعلق الصف بالجلوس لا يكون هنالك خبر، الجلوس في الصف مطلوب نافع مفيد، لا خوفٌ عليك موجود .
إذن فيها معنيين واحتمالين وليست هنالك قرينة سياقية تحدد معنى معينا ً، إذن هذا توسع في المعنى جمع معنيين : إذا أخذناها على أن (عليهم) متعلقة بالخوف يكون الخبر محذوف يعني لا خوف عليهم من أي مكروه أو لا خوف واقع عليهم إذن الرفع فيها احتمالين أن يكون (عليهم) متعلق بخوف فيكون الخبر محذوف تقديره كائن أو موجود أو (عليهم) هو الخبر، الخوفُ عليهم وكل واحدة لها دلالة .
أما لا خوفَ عليهم ليس له إلا دلالة واحدة (عليهم) هو الخبر نصّاً لا يجوز أن يتعلق بالخوف نحوياً ، لأنه لو كان تعلق به سيكون شبيهاً بالمضاف فنقول لا خوفاً عليهم بالنصب ولا يصح البناء مطلقاً لأنه شبيه بالمضاف ولا يمكن أن نبني . لو اكتفى لا خوفَ عليهم سنفقد معنى (لا خوفَ) خوفَ نعربها إسم لا النافية للجنس، أما (لا خوفٌ) (لا) نعربها إما عاملة عمل ليس وقسم يجعلها مهملة فيكون خوف مبتدأ وعليهم خبر.
• هو نفي الخوف الثابت والمتجدد ونفى الحزن الثابت والمتجدد :
- قال (لا خوف عليهم) هذا ينفي الخوف الثابت .
- نفي الحزن المتجدد من الفعل المضارع (ولا هم يحزنون) الذي فيه تجدد واستمرار وهذا يقتضي (لا خوف عليهم) لأن الحزن مرحلة تالية للخوف فإذا نفى ما يستجد من الحزن ينفي ما يستجد من الخوف.
- نفي الحزن المتجدد ينفي الخوف المتجدد لأنك تخاف فتحزن، الخوف أولاً ثم الحزن بعدما يقع إذا وقع ما يخاف منه .
- نفي الخوف الثابت ينفي الحزن الثابت ، فجاء أحدهما بالفعل والآخر بالإسم وأحدهما مرتبط بالآخر .
• لم يقل لا خوفٌ عليهم ولا حزن لهم؟
- جملتان إسميتان تدلان على الثبوت؟ لو قال لا حزن لهم هو ينفي الحزن عنهم ولا يثبته لغيرهم، هو قال (ولا هم يحزنون) أثبت الحزن لغيرهم .
- لو قال ولا لهم حزن هذا تنصيص على الجنس بمعنى ليس هنالك نص في نفي الجنس يعني لا لهم حزن لأن لا النافية للجنس لا يتقدم خبرها على إسمها فإذا تقدّم لا تعود نصاً في نفي الجنس ثم يجب رفع الحزن لا يجوز نصبه ولا بناءه (ولا لهم حزنٌ) ما دام تقدم الخبر تصير (لا) مهملة.
- ثم سنخسر الثابت والمتجدد لأنها تصبح كلها إسماً إذن تنفي الثابت فقط ولا تنفي الثابت والمتجدد.
هذا كله في (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
آية (٣٩) : (وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
* الآيات جمع آية وهي الشيء الذي يدل على أمر من شأنه أن يخفى ، ولذلك قيل لأعلام الطريق آيات لأنها وضعت لإرشاد الناس إلى الطرق الخفية في الرمال ، وسميت جُمَل القرآن آيات لأنها ترشد الضالّ في متاهة الحياة إلى طريق الخير والفلاح .
آية (٤٠) : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)
* أغلب السور يضرب المثل بقصة موسى ففيها تفاصيل كثيرة وذُكرت أكثر من القصص الأخرى أولاً لأن تلك الأقوام بادت وهلكت ولم يبق منها أحداً أما بنو إسرائيل فباقون في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ومستمرون إلى الآن وكان لهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم حوادث ومواقف وعداء وإلى الآن ومستمرون إلى ما قبل يوم القيامة ، فإذن التكرار له دلالته لأنهم سيبقون معكم إلى ما شاء الله وهم يحاربونكم ويمكرون، فذكر أفعالهم مع موسى ولقد أوذي أكثر من هذا فصبر وذكر كثير من أحوالهم حتى نتعظ .
* إختار تعالى لفظ العهد لليهود ولم يقل أوفوا وعدكم لأن الله تعالى خاطبهم بإسم التوراة المعروف عندهم (العهد) لذلك الكلمة مزدوجة الدلالة لأمرين: لأنها تأمرهم بإلتزام أوامر الله وتأمرهم بالتزام وصايا الله تعالى المبثوثة في طيّات العهد القديم والتي فيها الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم .
آية (٤١) : (وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ)
* (تشتروا بآياتي) دخلت الباء على آياتي لتعلمنا أن اليهود جعلوا آيات الله تعالى كدراهم واشتروا به عرضاً من أعراض الدنيا لا قيمة له لذلك جاء وصفه بـ (قليلاً) لأنهم بذلوا أنفس شيء واشتروا به حظاً قليلاً .
* الثمن القليل جاء في القرآن حيثما ورد في الكلام عن آيات الله وعن عهد الله سبحانه وذلك لأن العدوان على حق الله مهما بلغ فهو ثمن قليل (وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) أي ثمن يناسب آيات الله عز وجل؟ لا شيء ، أياً كان الثمن فهو قليل .
* ختمت الآية السابقة (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) والآية هنا ختمت (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) :
ارهبون يعني خافوا مني ، الرهبة هي الخوف ، إتقون فيها الحذر. ما الفرق؟ الأولى عامة للجميع جميع المخاطَبين كلهم يحتاجون للخوف من الله (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)) عام ، أما التقوى فللأئمة والعلماء الذين يعلمون ما في الكتاب (وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)) هذا معناه يعلم الآيات ويغيرها ويشتري بها ، هذه فيها خصوصية ولذلك قالوا التقوى للأئمة والرهبة للجميع ، التقوى أن تعلم، كيف تتقيه؟ بالعلم .
آية (٤٥) : (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)
* الفرق بين الفاصلة فى الآيتين (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)) :
- في الأولى تقدم ذكر الصلاة والمطالبة بها قال (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)) السياق في الصلاة فقال (إلا على الخاشعين) ، في الآية الثانية ختمها بالصبر لأن السياق في الصبر فبعدها قال (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (١٥٦)) السياق مع الصبر .
- في الأولى كان يخاطب بني إسرائيل ويقول الصلاة عندكم كبيرة وشاقة عليكم وتتهاونون فيها وما تصلون ، الخاشعون من بني إسرائيل الرهبان أصحاب العلم منهم يصلّون ولكن الأكثرية الغالبة من اليهود لا يصلّون وإذا صلّوا صلاة كلها غير صحيحة وفيها بدع كثيرة وأبعد ما تكون عن عبادة الله وهم يتثاقلون منها ، بينما لما خاطب المسلمين قال (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) وفعلاً هل هناك أمة في العالم تصلي في المساجد خمس مرات من الفجر إلى العشاء إلا هذه الأمة وبالبيوت الضحى والأوابين والتهجد الصلاة عند هذه الأمة عماد الدين وهم يتلذذون بها .
آية (٤٧) : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)
* (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) ليس بالضرورة ينسحب إلى العالمين الآن وإنما في زمانهم فأحياناً ربنا يذكر العالمين ولا يقصد كل البشر ، مثلاً كلام موسى (إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (٢٠) المائدة) هل آتاهم أكثر مما في البشرية الآن وما يملكون؟ ربنا قال (وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) الأنعام) هل في المذكورين أحد من أولي العزم؟ لا، ولا واحد. هل فضلهم على أولي العزم؟ لا وإنما كل واحد في زمانه.
آية (٤٨) : (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)
* هذه الآية وردت مرتين وصدر الآيتين متفق ولكن الآية الأولى تختم (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ) والثانية (وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ) والمسألة تحتاج إلى فهم ، ففي الآية الأولى الشفاعة مقدمة وقال: لا يقبل. والعدل متأخر ، وفي الآية الثانية العدل مقدم والشفاعة مؤخرة وقال لا تنفع .
قوله تعالى: (لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً) كم نفساً هنا؟ إنهما اثنتان ، النفس الأولى هي الجازية ، والنفس الثانية هي المجزي عنها ، وقوله تعالى (لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) هنا الضمير يعود إلى النفس الأولى الجازية التي تتقدم للشفاعة عند الله وتحاول أن تتحمل عن النفس المجزي عنها ، فالمعنى أنه سيأتي إنسان صالح يوم القيامة ليشفع عند الله تعالى لإنسان أسرف على نفسه ، فلا تقبل شفاعته ، فإذا فشلت الشفاعة (وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) ولا يسمح له بأي مساومة أخرى ، وهذا ترتيب طبيعي للأحداث فقد طلب هؤلاء الشفاعة أولا ولم تقبل ، فدخلوا في حد آخر وهو العدل فلم يؤخذ .
في الآية الثانية يتحدث الله تبارك وتعالى عن النفس المجزي عنها قبل أن تستشفع بغيرها وتطلب منه أن يشفع لها ، لابد أن تكون قد ضاقت حيلها وعزت عليها الأسباب فيضطر أن يذهب لغيره وفي هذا اعتراف بعجزه ، فيقول يا رب ماذا أفعل حتى أكفر عن ذنوبي فلا يقبل منه ، فيذهب إلى من تقبل منهم الشفاعة فلا تقبل شفاعتهم (لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ) أي أن الضمير هنا عائد على النفس المجزي عنها. فهي تقدم العدل أولاً والعدل هو المقابل كأن يقول المسرف على نفسه يا رب فعلت كذا وأسرفت على نفسي فأعدني إلى الدنيا أعمل صالحاً فلا يقبل منها ، فتبحث عن شفعاء فلا تجد ولا تنفعها شفاعة.
فعندما تقرأ قول الله سبحانه وتعالى: ( اتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ) مكررة في الآيتين لا تظن أن هذا تكرار. لأن إحداهما ختامها: ( لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ). والثانية: ( لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ). فالضمير مختلف في الحالتين. مرة يرجع إلى النفس الجازية فقدم الشفاعة وأخر العدل ، ولكن في النفس المجزي عنها يتقدم العدل وبعد ذلك الشفاعة.
* في الأولى قدّم الشفاعة وأخّر العدل لأن قبل هذه الآية قال (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) هم يأمرون الناس بالبر فظن هؤلاء أن هؤلاء يشفعون لهم ، لما يأمر بالبر وينسى نفسه فهؤلاء لا يقبل منهم شفاعة (وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) لأنه قال (وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً) باعوا الدين ، لما قبضوا الثمن ربنا لا يأخذ منها عدل، هم أخذوا لكن ربنا لا يأخذ منهم ، هذه نظير تلك.
* العدل معناه ما يعادل الجُرم الذي هو الفدية وإيصال هذا المال لمستحقه في حال قيام الإنسان بجريمة أو ما شابه له أسلوبان:
الأول أن يرسل وفد صالح وشفاعة حتى يقبلوا ما يقدمه لهم أولاً ثم يذهب بالفدية أو المقابل .
والثاني أن يذهب إبتداء فيقدم ما عنده فإذا رفضوا يأتي بوسطاء يشفعون له .
الآيتان كل واحدة منهما نظرت إلى صورة فنُفي الصورتان عن القبول فيما يتعلق بالأمم التي آمنت قبل اليهود بشكل خاص حتى يؤمنوا بالله تعالى ورسوله محمد وبكتابه ، نجمع بين الآيتين على بعد ما بينهما هذه نظرت في صورة وهذه نظرت في صورة فانتفت كلتا الصورتين فالقرآن الكريم يأّس بني إسرائيل من الحالتين لا يقبل منكم عدل إبتداء وبعده شفاعة ولا شفاعة ابتداء ثم يأتي العدل بعد ذلك لا ينفعكم إلا أن تتبعوا محمداً .
* إن أحوال الأقوام في طلب الفِكاك عن الجُناة تختلف فمرة تراهم يٌقدّمون الفِداء فإذا لم يُقبل منهم يُقدِّمون الشفعاء وتارة يُقدِّمون أولاً الشفعاء فإذا لم تقبل شفاعتهم عرضوا الفداء فعرضت الآيتان أحوال نفوس الناس في فِكاك الجُناة.
* استعمل المذكر (يقبل) مع الشفاعة بينما جاء الفعل (تنفعها) مؤنثاً مع كلمة الشفاعة نفسها:
الفعل (يقبل) لم يُذكّر مع الشفاعة إلا في الآية ١٢٣ من سورة البقرة وهنا المقصود أنها جاءت لمن سيشفع بمعنى أنه لن يُقبل ممن سيشفع أو من ذي الشفاعة ، أما في الآية الثانية فالمقصود الشفاعة نفسها لن تنفع وليس الكلام عن الشفيع. وقد وردت كلمة الشفاعة مع الفعل المؤنث في القرآن الكريم في آيات أخرى منها (لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً (٢٣)يس) .
وفي لغة العرب يجوز تذكير وتأنيث الفعل فإذا كان المعنى مؤنّث يستعمل الفعل مؤنثاً وإذا كان المعنى مذكّراً يُستعمل الفعل مذكّراً.
آية (٤٩) : (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ)
* ربنا تعالى في سورة البقرة قال (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ) وبعدها قال (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) :
هناك فرق بين فعّل وأفعل ، نجّى يفيد التمهل والتلبّث والبقاء مثل علّم وأعلم ، علّم تحتاج إلى وقت أما أعلم فهو إخبار، فعّل فيها تمهل وتلبّث ، (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) لأنهم لم يمكثوافي البحر طويلاً فقال أنجيناكم ، أما عندما عدّد الله تعالى النعم على بني إسرائيل (إذ نجيناكم) لأنهم بقوا في العذاب فترة .
* (آلِ فِرْعَوْنَ) وليس أهل فرعون ، الآل هم الأهل والأقراب والعشيرة وكلمة آل لا تضاف إلا لشيء له شأن وشرف دنيوي ممن يعقل فلا تستطيع أن مثلاً أن تقول آل الجاني بل تقول أهل الجاني .
* (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) ما معنى يسوم؟ يقال سام فلان خصمه أي أذله وأعنته وأرهقه وهي مأخوذة من سام الماشية تركها ترعى وعندما يقال إن فرعون يسوم بني إسرائيل سوء العذاب معناها أن كل حياتهم ذل وعذاب .
* ما هو السوء؟ إنه المشتمل على ألوان شتى من العذاب كالجلد والسخرة والعمل بالأشغال الشاقة .
* في سورة البقرة (يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ) وفي سورة إبراهيم (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ) :
في سورة البقرة جعل سوء العذاب هو تذبيح الأبناء (بَدَل) من يسومونكم ، البدل يكون في الأسماء والأفعال والجُمَل ، هذه الجملة بدل لما قبلها فسّرتها ووضحتها ، ما هو سوء العذاب؟ (يذبحون أبناءكم) تبيين لسوء العذاب فنسميها جملة بَدَل.
في سورة إبراهيم ذكر أمران (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ) سوء العذاب بالتذبيح وبغير التذبيح، سيدنا موسى عليه السلام يقول لبني إسرائيل أن الله سبحانه تعالى أنجاهم من آل فرعون من أمرين: يسومونهم سوء العذاب هذا أمر والتذبيح هذا أمر آخر. كان التعذيب لهم بالتذبيح وباتخاذهم عبيداً وعمالاً وخدماً ، إذن يسومونكم سوء العذاب هذا أمر، ويذبحون أبناءكم هذا أمر آخر .
* الفرق بين (يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ) في سورتي البقرة وإبراهيم و(يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ) في (١٤١) الأعراف :
الذبح غير القتل ، فالذبح لابد فيه من إراقة دماء وعادة يتم بقطع الشرايين عند الرقبة ولكن القتل قد يكون بالذبح أو بغيره كالخنق والإغراق ليس شرطا فيه أن تسفك الدماء.
في قوله (يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ) أراد فرعون أن ينتقم من ذرية بني إسرائيل كأن الهكسوس كانوا موالين لبني إسرائيل لأن ملك الهكسوس اتخذ يوسف وزيراً ، وعندما انتصر الفراعنة انتقموا من بني إسرائيل بكل الوسائل قتلوهم وأحرقوا عليهم بيوتهم .
أما (يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ) سبب الذبح هو خوف فرعون من ضياع ملكه فلقد رأى رؤيا قال له الكهان في تأويلها أنه يخرج من ذرية إسرائيل ولد يكون على يده نهاية ملكك ، فأمر بذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل ، ولكن قوم فرعون الذين تعودوا السلطة خشوا أن ينقرض بني إسرائيل وهم يقومون بالخدمات لهم ، فجعل الذبح سنة والسنة الثانية يبقون على المواليد الذكور ، وفرض الذبح حتى يتأكد قوم فرعون من موت المولود في الحال فلا ينجو أحد ولو فعلوه بأي طريقة أخرى قد ينجو من الموت .
* لم يقل الحق تبارك وتعالى يذبحون أبناءكم ويستحيون بناتكم لأنه يريد أن يلفتنا إلى أن الفكرة من هذا هو إبقاء عنصر الأنوثة يتمتع بهن آل فرعون وذلك للتنكيل ببني إسرائيل .
* الفرق بين الأبناء والأولاد أن الأبناء أي الذكور جمع إبن بالتذكير مثل (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ) أما الأولاد فعامة للذكور والإناث وهي جمع ولد (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) .