آية (٩) : (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ)
* (لاَّ يَشْعُرُونَ) استعمل الشعور في الكلام على القضايا الظاهرة وعلى الأحاسيس الواضحة، فالمخادعة عمل ظاهر، بالكلام، بالحركة يناسبه الشعور الذي فيه معنى الإحساس .
آية (١٣) : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ)
* لما تكلم على القضايا القلبية المعنوية استعمل (لاَّ يَعْلَمُونَ) لأن العلم داخلي، هو دعاهم إلى الإيمان وهو ليس شعوراً ظاهراً وإنما هو علم باطن شيء قلبي لا نعلمه.
آية (١٤) : (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ)
* ضبط واو الجماعة في لَقُواْ و خَلَوْاْ : الواو ساكنة في الحالتين وإنما هذا يتعلق بما قبلها، إذا كان الفعل منتهياً بياء أو واو تُحذف ويضم ما قبل واو الجماعة (لقي لقوا، نسي، نسوا، خشي، خشوا) ، وإذا سبقت بألف يفتح ما قبلها ( خلا، خلَوا).
* المنافقون مع المؤمنين يقولون (آمَنَّا) بالجملة الفعلية، دليل على التجدد فإيمانهم غير ثابت، متذبذب، وعندما يلقون الكافرين يقولون (نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) والجملة الاسمية تدل على الثبوت.
آية (١٥) : (اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)
* قال يعمهون ولم يقل يعمون فالعمى فقد البصر وذهاب نور العين أما العَمَه فهو الخطأ في الرأي والمنافقون لم يفقدوا بصرهم وإنما فقدوا المنطق السليم فهم في طغيانهم يعمهون.
آية (١٦) : (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)
* جاءت الَضلالة بالهدى ولم تأتى الهدى بالضلالة لأن الباء تكون مع المتروك.
* الفرق بين الضلالة والفسق:
الضلال هو نقيض الهداية وقد يكون عن غير قصد وعن غير علم، تقول ضلّ الطريق عن غير قصد ولا يعلم.
الفسق لا يكون إلا بعد علم، ينبغي أن يعلم أولاً حتى يقال عنه فاسق وأصل الفسق هو الخروج عن الطريق (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) بعد التبليغ والمعرفة تنكّبوا الصراط ، ويقال فسقت الرطبة أي خرجت من قشرتها.
آية (١٧) : (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ)
* لو قال أذهب الله نورهم كأنها تعني أذهبت هذا الشيء أمر النور أن يذهب فاستجاب وذهب لكن قد يعود، أما (ذهب الله بنورهم) كأن الله تعالى اصطحب نورهم بعيداً عنهم ولا أحد يملك أن يعيده كما تقول عن خبر لا يعرفه إلا شخص واحد وقد مات فتقول ذهب فلان بالخبر إذا لم يعد لك أمل في معرفته وهذا فيه تيئيس للرسول (صلى الله عليه وسلم) من المنافقين لأن الجهد معهم ضائع ولم يبق لهم مطمع في عودة النور الذي افتقدوه..
* لم يقل ذهب الله بضوئهم مع أنهم أوقدوا النار ليحصلوا على الضوء.. الضوء أقوى من النور ولا يأتي إلا من إشعاع ذاتي، فلو قال الحق تبارك وتعالى ذهب الله بضوئهم لاحتمل المعنى أنه أبقى لهم النور.. ولكن (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) معناها أنه لم يبق لهم ضوءا ولا نورا، فكأن قلوبهم يملؤها الظلام، ولذلك قال بعدها (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ) لنعلم أنه لا يوجد في قلوبهم أي نور ولا ضوء إيماني بسبب انصرافهم عن نور الله.
* لم يقل سبحانه وتركهم في ظلام بل قال: (فِي ظُلُمَاتٍ) أي أنها ظلمات متراكمة مركبة لا يستطيعون الخروج منها أبدا، لأنهم طلبوا الدنيا ولم يطلبوا الآخرة.. وعندما جاءهم نور الإيمان انصرفوا عنه فصرف الله قلوبهم..وهكذا في قلب كل منافق ظلمات متعددة.. ظلمة الحقد على المؤمنين وظلمة الكراهية لهم.. وظلمة تمني هزيمة الإيمان .. كل هذه ظلمات.
* قال (فِي ظُلُمَاتٍ) لو كان نهاراً لكانوا مشوا، وفي القرآن لم ترد كلمة الظلمات مفردة أبداً بخلاف النور ورد مفرداً.
* (لاَّ يُبْصِرُونَ ) إذا امتنع النور امتنع البصر أي أن العين لا تبصر بذاتها ولكنها تبصر بانعكاس النورعلى الأشياء ثم انعكاسه على العين ولذلك فأنت لا تبصر الأشياء في الظلام، وهذه معجزة قرآنية اكتشفها العلم بعد نزول القرآن.
آية (١٨) : (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ)
* لم يقل صم وبكم وعمي لأنه سيحتمل أن يكون هناك جماعة بكم وجماعة صم وجماعة عمي لكن صم بكم عمي هذا تعبير قطعي أنهم جمعوا كل هذه الأوصاف يعني كل واحد فيهم أبكم لا يبصر وأصم لا يسمع وأعمى لا يسأل ولا ينطق (فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) تركهم متحيرين لا يرجعون إلى المكان الذي بدأوا منه فقد فقدوا أشكال التواصل فكيف يرجعون؟ لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه لأنهم (اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى).
آية (١٩) : (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ)
* هذا الترتيب (فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) مقصود بذاته ولذلك نلاحظ حتى في آخرها قال (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) فالسمع مقابل الرعد والأبصار مقابل البرق وذلك لأن الخوف من الرعد أشد من البرق لأن أقواماً أهلكوا بالصيحة.
* قال (يجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم) المقصود هو الأنامل وهذا مجاز مرسل حيث أطلق الكُلّ وأراد الجزء كأنما لو استطاعوا أن يُدخلوا أصابعهم كلها في آذانهم لفعلوا من شدة الخوف.
* المبالغات الموجودة في الآية :
-- الصواعق هي رعد شديد مع نار محرقة وقد يصحبها جرم حديد ليس مجرد رعد ولاحظ من فرط الدهشة أنهم يسدون الآذان من الصواعق وسد الآذان ينفع من الصواعق؟ ينفع من الرعد لكن لا ينفع مع الصاعقة لكن لفرط دهشتهم هم يتخبطون.
-- صواعق بالجمع وليست صاعقة وإنما صواعق وظلمات وصيّب.
-- الصيب مبالغة لأنه مطر شديد وليس مجرد مطر.
-- (كُلَّمَا أَضَاء لَهُم) (كلما) تفيد التكرار إذن لم تكن مرة واحدة فهم حريصون على المشي لكي يصلون.
-- ثم قال (مَّشَوْاْ) ولم يقل سعوا لأن السعي هو المشي السريع أما المشي ففيه بطء إشارة إلى ضعف قواهم مع الخوف والدهشة.
-- (وَإِذَا أَظْلَمَ) ولم يقل إن أظلم للتحقق (إذا) للمتحقق الوقوع وللكثير الوقوع أما (إن) فهي قد تكون للافتراضات وقد لا يقع أصلاً.
-- (قَامُوا) يعني وقفوا لم يتحركوا وهذا عذاب أيضاً.
-- (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) كان يمكن أن يذهب بسمعهم مع قصف الرعد وأن يذهب بأبصارهم مع ومض البرق، لماذا لم يفعل إذن؟ هو أراد أن يستمر الخوف لأنه لو ذهب السمع والبصر لأصبحوا بمعزل، هو أراد أن يبقوا هكذا حتى يستمر الخوف. وقدم السمع لأن الخوف معه أشد. هذا عذاب مضاعف وفيه مبالغات.
* الفرق بين(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) و(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) :
-- في الآية الأولى (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)) هم لا يرجعون إلى النور الذي فقدوه لأنهم نافقوا وطُبِع على قلوبهم والعياذ بالله فلا مجال للرجوع.
في الآية الثانية (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (١٧١)). لما تكلم عن آبائهم قال (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً) فكما أن آباءهم لا يعقلون هم لا يعقلون.
-- المثال الذي ضُرِب (١٧١) صور هؤلاء وهم يُلقى عليهم كلام الله سبحانه وتعالى كمثل مجموعة أغنام الراعي يصيح فيها وهي تسمع أصواتاً لكنها لا تستطيع أن تعقلها، لا تفهم. فكأن هؤلاء وهم يستمعون إلى كلام الله سبحانه وتعالى كالأغنام لا يعقلون.
آية (٢٢) : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)
* الفرق بين البناء والبنيان:
كلمة بناء تطلق على عملية بناء الدار أو المسجد ، وكذلك تطلق على المبني الذي ليس له شهرة أو ميزة وقابل للتغيير والتحوير ككل بيوتنا العادية، أما إذا كان المبنى ثابتاً وتاريخياً وله مدلول وله شهرة وطويل أمد بالقرون وغير قابل للتحوير يسمى بنيان. ولذلك رب العالمين قال (وَالسَّمَاء بِنَاء) ما قال بنياناً لأن بنيان السماء يتغير وهذا ثابت علمياً.