آية (٧٩) : (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ)
* ذكر كلمة (بِأَيْدِيهِمْ) مع أن الكتابة تتم باليدّ لتأكيد وقوع الكتابة من قِبَلهم وتبيان أنهم عامدون في ذلك كما تقول نظر بعينه مع أن النظر لا يكون إلا بالعين فالله سبحانه وتعالى يريد هنا أن يبين لنا مدى تعمد هؤلاء للإثم فهم لا يكتفون بأن يقولوا لغيرهم إكتبوا ولكن لاهتمامهم بتزييف كلام الله سبحانه وتزويره يقومون بذلك بأيديهم ليتأكدوا بأن الأمر قد تم كما يريدون تماماً ، فليست المسألة نزوة عابرة ولكنها مع سبق الإصرار والترصد ، وهم يريدون بذلك أن يشتروا ثمنا قليلاً هو المال أو ما يسمى بالسلطة الزمنية فيحكمون ويكون لهم نفوذ وسلطان .
آية (٨٠) : (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
* الفرق بين دلالة الجمع في معدودة ومعدودات :
القاعدة : جمع غير العاقل إن كان بالإفراد يكون أكثر من حيث العدد من الجمع السالم كأنهار جارية وأنهار جاريات وأشجار مثمرة أكثر من مثمرات وجبال شاهقة أكثر من حيث العدد من شاهقات ، وجمع السالم قلة ، فهذه من المواضع التي يكون فيها المفرد أكثر من الجمع .
معدودات جمع قلّة وهي تفيد القلّة (أقل من ١١) أما معدودة فهي تدل على أكثر من ١١، في سورة البقرة اختيار كلمة (معدودة) في هذه الآية لأن الذنوب التي ذُكرت فيها أكثر ، بينما في سورة آل عمران (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٢٤)) لأن الذنوب التي ذُكرت في هذه الآية أقلّ ، وقد قال تعالى في سورة يوسف عليه السلام (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)) أي أكثر من ١١ درهماً ، ولو قال معدودات لكانت أقل.
(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) :
-- (الرَّحْمَنِ) على وزن فعلان و(الرَّحِيمِ) على وزن فعيل ومن المقرر في علم التصريف في اللغة العربية أن الصفة فعلان تمثل الحدوث والتجدد والامتلاء والاتصاف بالوصف إلى حده الاقصى فيقال غضبان بمعنى امتلأ غضباً لكن الغضب يزول ومثل ذلك عطشان، جوعان يكون عطشان فيشرب فيذهب العطش، أما (الرَّحِيمِ) على وزن فعيل فهي تدل على الثبوت مثل طويل، جميل، قبيح فلا يقال خطيب لمن ألقى خطبة واحدة وإنما تقال لمن يمارس الخطابة وكذلك الفقيه.
-- هذا الاحساس اللغوي بصفات فعلان وفعيل لا يزال في لغتنا الدارجة إلى الآن فنقول بدا عليه الطول (طولان) فيرد هو طويل (صفة ثابتة) فلان ضعفان (حدث فيه شيئ جديد لم يكن) فيرد هو ضعيف (هذه صفته الثابتة فهو أصلا ضعيف).
-- ولذا جاء سبحانه وتعالى بصفتين تدلان على التجدد والثبوت معاً فلو قال الرحمن فقط لتوهم السامع أن هذه الصفة طارئة قد تزول كما يزول الجوع من الجوعان والغضب من الغضبان. ولو قال رحيم وحدها لفهم منها أن صفة رحيم مع أنها ثابتة لكنها ليست بالضرورة ظاهرة على الدوام فعندما يقال فلان كريم فهذا لا يعني انه لا ينفك عن الكرم لحظة واحدة وإنما الصفة الغالبة عليه هي الكرم. فجاء سبحانه بالصفتين مجتمعتين ليدل على أن صفاته الثابتة والمتجددة لا ينفك عن إحداهما فرحمته لا تنقطع وهذا ياتي من باب الاحتياط للمعنى .
* قدم سبحانه الرحمن على الرحيم لأن صيغة الرحمن هي الصفة المتجددة وفيها الامتلاء بالرحمة لأبعد حدودها فالانسان في طبيعته عجول وكثيراً ما يؤثر الشيئ الآتي السريع وإن قل، لذا جاء سبحانه بالصفة المتجددة فرحمته قريبة ومتجددة ولا تنفك لأن رحمته ثابتة.
* يقول علماؤنا الرحيم تختص بالمؤمنين وجاءت في المرحلة الثانية بعد الرحمن، وفي البسملة بعد لفظ الجلالة ثم الرحمن لأن لفظة الله لا يُسمّى بها مخلوق وكذلك كلمة الرحمن لا يسمى بها مخلوق ولا حتى بالإضافة، أما الرحيم فقد يوصف بها البشر لأنها رحمة لكنها قليلة بالقياس إلى الرحمن، ولقد وُصِف محمد (ص) بالرحيم (بِالْمُؤْمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).
* وقوع كلمة الرحيم بعد كلمة الرب يدلنا على أن الرحمة هي من صفات الله تعالى العليا وفيها إشارة إلى أن المربي يجب أن يتحلى بالرحمة وتكون من أبرز صفاته وليست القسوة والرب بكل معانيه ينبغي أن يتصف بالرحمة سواء كان مربياً او سيداً او قيماً وقد وصف الله تعالى رسوله بالرحمة.
آية (٨١) : (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
* هنا استعمل كسب مع السيئة (مَن كَسَبَ سَيِّئَةً) بينما استعمل العمل مع السوء في قوله تعالى (مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ (٥٤) الأنعام) ما الفرق بين كسب وعمل والفرق بين السيئة والسوء؟
لم يرد في القرآن من كسب سوءاً ، لكن كسب سيئة وعمل سوءاً ، لو وضعناها في سياقها يتضح الأمر: في الآية في البقرة (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)) اشتروا به ثمناً قليلاً ، صار كسباً إذن كسبوا ، قال (بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً) (وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) إذن صارت السيئة هنا كسباً ، بينما الآية الأخرى في الأنعام (وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥٤)) هذا مؤمن عمل سوءاً بجهالة ثم تاب إذن لن تبقى سيئة لم يكسب سيئة ، هناك كسب وهنا لم يكسب .
* الكسب غالباً يكون حسناً فهل الكسب يأتي مع السوء أم أن هذا أسلوب توبيخ؟
كسب سيئة، جعله كأنه كسب لكن كسب يُدخله موارد التهلكة ، هو أصل الكسب في اللغة الحصول على شيء لكن قد يكون من مصدر حلال أو حرام كسب حلال وكسب حرام ، هو في الحالين كسب .
* كيف تحيط الخطايا والإثم بالإنسان؟ الخطيئة إسم لما يقترفه الإنسان من آثام جرائم ، تأمل السِوار الذي يحيط بالمعصم لا يبقي منفذاً من اليد خالياً دون إحاطة وهذه صورة الخطايا والآثام عندما تكثر فهي تلتف حول الجسم والروح ولا تدع للإنسان مجالاً لحرية للهروب من الخطأ كذلك الفاسق لو أبصر في أي اتجاه لما رأى إلا المنكر الذي ألِفَه واعتاده .
آية (٨٣) : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ)
* الفرق بين (وَذِي الْقُرْبَى) فى سورة البقرة و (وَبِذِي الْقُرْبَى) فى سورة النساء: عندنا آيتين آية اليهود في سورة البقرة لا يوجد باء والآية الأخرى للمسلمين (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى ﴿٣٦﴾ النساء) رب العالمين يعلم أنه ما من أمة على وجه الأرض سوف تصل إلى ما وصل إليه المسلمون من هذا الرحم وهؤلاء القربى والوالدين والتماسك الأسري والكل يشهد بذلك في حين الأمم كلها لا تُعنى بهذا فجاء بالباء للتوكيد .
* الفرق بين الوالدين والأبوين :
في القرآن خط لم يتخلف ولا مرة واحدة إذا ذكر الوصية بهما أو البر بهما أو الدعاء لهما يقول الوالدين ولا يقول الأبوين (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ (٢٨) نوح) ، أما الأبوين فقد تأتي في الميراث (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (١١) النساء) .
لا شك أن الأبوين هو (مثنى الأب والأم) لكن تغليب الأب ، والوالدين الوالد والوالدة وأيضاً تغليب لفظ الوالد والولادة للأم بالفعل وللأب للنسب ، إذن لما يقول الوالدين تذكير بالولادة (يعني الأم) يعني فيها إلماح إلى إحسان الصحبة إلى الأم والإحسان إليها والإهتمام أكثر من الأب وهذا يتطابق مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم لأن الولادة منها ، إذن كل القرآن فيه إلماح إلى أن الأم أولى بحسن الصحبة .
آية (٨٤) : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ)
* (لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم) هذه (لا) نافية للجنس وليست ناهية - لم تجزم - لكن بمعنى النهي يسمونه خروج الخبر إلى النهي يراد به معنى الأمر (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ (٢٣٣) البقرة) معناها ليرضعن ، (لا جدال في الحج) هي نافية قطعاً ويراد بها النهي .
* هذه الآية تخاطب بني إسرائيل الذين مضوا ومع ذلك جاءت بصيغة المخاطب لتبين للمؤمنين أن الخلف من بني إسرائيل هم بمنزلة أسلافهم فأفعالهم واحدة وتصرفاتهم موروثة .
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أو (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ):
* الفرق بين المالك والمَلِك:
-- المالك من التملك بمعنى الذي يملك، والمالك قد يكون ملكاً أو لا، أما المَلِك من المُلك والحكم، والمَلِك قد يكون مالكاً أو لا.
-- المالك يتصرف في ملكه كما لا يتصرف المَلِك، والمالك عليه أن يتولى أمر مملوكه من الكسوة والطعام والملك ينظر للحكم والعدل والانصاف. المالك أوسع لشموله العقلاء وغيرهم والملك هو المتصرف الأكبر وله الأمر والإدارة العامة في المصلحة العامة فنزلت القراءتين متواترتين لتجمع بين معنى الملكية والملك وتدل على أنه سبحانه هو المالك وهو المَلِك (قُلِ اللَهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ).
* قال مالك يوم واليوم لا يملك إنما ما فيه يملك:
مالك اليوم لكل ما يجري وما يحدث في اليوم وكل ما فيه ومن فيه فهي إضافة عامة شاملة من باب المِلكية والمُلكية لقصد العموم.
*مالك يوم الدين، ولم يذكر الدنيا:
-- قال (الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فهو مالكهم وملكهم في الدنيا وهذا شمل الدنيا.
-- (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) هو مالك يوم الجزاء يعني ملك ما قبله من أيام العمل والعمل يكون في الدنيا فقد شمل يوم الدين الدنيا أيضاً.
* (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وليس مالك يوم القيامة أو الجزاء أو الحساب أو الحشر:
الدين بمعنى الجزاء وهو يشمل الجزاء والحساب والطاعة والقهر وكلمة الدين أنسب للفظ رب العالمين وأنسب للمكلفين فالجزاء يكون لهؤلاء المكلفين والكلام من أوله لآخره عنهم فهو أنسب من يوم القيامة لأن القيامة فيها أشياء لا تتعلق بالجزاء. ولو قال مالك يوم القيامة يكون التصور هو قيام الناس من قبورهم لا يكون فيه معنى المحاسبة، ولا يكون فيه معنى الطاعة والإلتزام ولا يكون فيه معنى الإعتقاد في الدين فهو يوم الإعتقاد السليم، هذا يومكم هذا يوم الدين الذي يبرز فيه الدين ويتعالى فيه الدين.
اقتران الحمد بهذه الصفات أحسن وأجمل اقتران :
-- (الْحَمْدُ للهِ) فالله محمود بذاته وصفاته على العموم والله هو الاسم العلم.
-- ثم محمود بكل معاني الربوبية (رَبِّ الْعَالَمِينَ) لأن من الأرباب من لا تحمد عبوديته.
-- وهو محمود في كونه رحمن رحيم، محمود في رحمته يضعها حيث يجب ان توضع لأن الرحمة لو وضعت في غير موضعها لم تكن مدحاً لصاحبها.
-- وهو محمود في تملكه وفي مالكيته وفي ملكه يوم الدين (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أو (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ).
-- استغرق الحمد كل الأزمنة من الأزل إلى الأبد :
فالحمد قبل الخلق (الْحَمْدُ للهِ) حين كان تعالى ولم يكن معه شيئ قبل حمد الحامدين وقبل وجود الخلق والكائنات فاستغرق الحمد هنا الزمن الأول.
وعند خلق العالم (رَبِّ الْعَالَمِينَ).
واستغرق الحمد وقت كانت الرحمة تنزل ولا تنقطع (الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ).
واستغرق الحمد يوم الجزاء كله وهو لا ينتهي لأن أهل النار خالدين فيها وأهل الجنة خالدين فيها لا ينقضي جزاؤهم.
آية (٨٦) : (أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ)
* الفرق بين استخدام كلمة (يُنصرون) في سورة البقرة وكلمة (يُنظرون) في سورة البقرة وآل عمران :
قال تعالى في سورة البقرة (أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ (٨٦)) وقال في سورة البقرة أيضاً (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ (١٦٢)) وفي سورة آل عمران (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ (٨٨)) .
لو نظرنا في سياق الآيات في سورة البقرة التي سبقت آية ٨٦ لوجدنا الآيات تتكلم عن القتال والحرب والمحارب يريد النصر لذا ناسب أن تختم الآية ٨٦ بكلمة (ينصرون) أما في الآية الثانية في سورة البقرة وآية سورة آل عمران ففي الآيتين وردت نفس اللعنة واللعنة معناها الطرد من رحمة الله والإبعاد والمطرود كيف تنظر إليه؟ كلمة يُنظرون تحتمل معنيين لا يُمهلون في الوقت ولا يُنظر إليهم نظر رحمة فاستوجب ذكر (يُنظرون) .
آية (٨٧) : (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)
* الفعل أيدناه مأخوذ من اليد وأيّدناه أي قوّيناه وشددنا أزره وعضده واليد تطلق عادة على القدرة والمنعة لأنها آلة القوة والدفاع عن النفس ومنع الآخرين من الاعتداء .
* قال تبارك وتعالى (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) ألم يكن باقي الرسل والأنبياء مؤيدين بروح القدس؟
لقد ذكر هنا تأييد عيسى بروح القدس لأن الروح ستشيع في كل أمر له ميلاداً ومعجزةً وموتاً والروحُ القدس هو جبريل عليه السلام لم يكن يفارقه أبداً ، لقد جاء عيسى عليه السلام على غير مألوف الناس وطبيعة البشر مما جعله معرضاً دائماً للهجوم ولذلك لابد أن يكون الوحي في صحبته لا يفارقه ليجعل من مهابته على القوم ما يرد الناس عنه .
* كذبتم فعل ماضي وتقتلون فعل مضارع زمن الأفعال تعبّر أحياناً عن الأحداث المستقبلية بأفعال ماضية (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا .. (٧٣) الزمر) والأحداث الماضية بأفعال مضارعة حكاية الحال تُعبّر عن حدث ماضي بفعل مضارع كأنما نريد أن نستحضر الحدث أمامنا مثل الآية (٨٧) هنا .
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ) :
* قدم المفعولين (إِيَّاكَ) ولم يقل نعبدك ونستعينك للاختصاص ، (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) تخصيص العبادة لله تعالى وحده و(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ) الاستعانة به حصراً.
* كررت إِيَّاكَ مع فعل الاستعانة ولم يقل إِيَّاكَ نعبد ونستعين التكرار توكيد في اللغة ، ولو اقتصرنا على ضمير واحد (إياك نعبد ونستعين) لفُهِم أنه لا يُتقرب إليه إلا بالجمع بين العبادة والاستعانة بمعنى أنه لا يعبد بدون استعانة ولا يستعان به بدون عبادة وهذا غير وارد وإنما هو سبحانه نعبده على وجه الاستقلال ونستعين به على وجه الاستقلال وقد يجتمعان لذا وجب التكرار في الضمير اياك نعبد واياك نستعين.
* قدم العبادة على الاستعانة :
- العبادة هي علة خلق الإنس والجن (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) والاستعانة هي وسيلة للعبادة فالعبادة أولى بالتقديم.
- العبادة هي حق الله والاستعانة هي مطلب من مطالبه وهي طلب العبد وحق الله مقدّم على طلب العبد.
- إياك نعبد تتصل بكلمة الله وإياك نستعين تتصل بكلمة ربّ فالأولى فيها توحيد الألوهية والثانية فيها توحيد الربوبية. إياك نعبد تعني نعبدك ولا نعبد أحداً سواك.
* لم يقل إياه نعبد وإياه نستعين أو الله نعبد والله نستعين فبداية السورة كلها للغائب ولكن انتقل إلى الخطاب المباشر بقوله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ):
من حيث اللغة يتحصل حصر العبادة لله لكن هذا في البلاغة يسمى الإلتفات وله فائدة عامة وهي تطرية لنشاط السامع وتحريك الذهن للإصغاء والانتباه، وفائدة للمتكلم البليغ يقتضيها المقام فالكلام من أول السورة إلى مالك يوم الين كله ثناء على الله تعالى والثناء يكون في الحضور والغيبة، ولكن الثناء في الغيبة أصدق وأولى، أما (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ) فهو دعاء والدعاء في الحضور أولى وأجدى وكذلك العبادة فأنت لا تدعو غائباً وإنما تدعو حاضراً مخاطباً.
* ما قال (وبك نستعين) :
- الفعل استعان يتعدّى بنفسه (استعانه) أو بحرف الجر (استعان به) ، لكن فُضّلت إياك على بك، لأن الموضع ليس موضع تأكيد فلو جاءت إياك نعبد وبك نستعين كأنه يريد أن يزيل شكاً في أن الله سبحانه وتعالى يعلّم المؤمنين أن يقصروا الإستعانة عليه سبحانه.
* أطلق سبحانه فعل الاستعانة ولم يحدد نستعين على شئ او طاعة او غيره لتشمل كل شئ وليست محددة بامر من امور الدنيا.
* عبر سبحانه عن الاستعانة والعبادة بلفظ ضمير الجمع وليس المفرد أعبد وأستعين إشارة الى أهمية الجماعة في الاسلام ، إضافة إلى أن المؤمنين أخوة فلو قال إياك أعبد لأغفل عبادة أخوته المؤمنين ولكن عندما نقول اياك نعبد نذكر كل المؤمنين ويدخل القائل في زمرة المؤمنين ايضاً.
* قرن العبادة بالاستعانة ليدل على أن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بعبادة الله إلا بإعانة الله له وتوفيقه وهو إقرار بعجز الإنسان عن حمل الأمانة الثقيلة إذا لم يعنه الله تعالى على ذلك، فالاستعانة بالله علاج لغرور الانسان وكبريائه واعتراف الإنسان بضعفه.