عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٦٣﴾    [البقرة   آية:٦٣]
آية (٦٣) : (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) * تقديم كلمة (الجبل) فى سورة الأعراف وتأخير (الطور) فى سورة البقرة : التقديم والتأخير في القرآن الكريم يقرره سياق الآيات فقد يتقدم المفضول وقد يتقدم الفاضل ، والكلام في سورة الأعراف عن بني إسرائيل والطور (وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)) قدّم الجبل على بني إسرائيل ، أما في آية سورة البقرة أخّر الطور لأن سياق الآيات في الكلام عن بني إسرائيل وليس في الطور نفسه . * الفرق بين الجبل والطور واستخدام كل منهما : الجبل هو إسم لما طال وعظُم من أوتاد الأرض والجبل أكبر وأهم من الطور من حيث التكوين وعادة ما تُذكر الجبال في القرآن في موقع التهويل والتعظيم ، ولذلك ذكر الجبل في آية سورة الأعراف لأن الجبل أعظم ويحتاج للزعزعة والإقتلاع ولذا جاء في قوله تعالى (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً .. (١٤٣)) ولم يقل الطور ، الرفع الذي هو ضد الوضع أما النتق فهو أشد وأقوى من الوضع وفيه إخافة وتهديد كبيرين ، إذن النتق والجبل أشد تهديداً وتهويلاً . * الفرق بين (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور) و (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (١٠) فصلت) : (من) يسموها إبتداء الغاية ، أي ملاصق لا يسمح لأحد بأن يدخل (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (١٠) فصلت) الرواسي ملاصقة للأرض ولو قال فوقها تحتمل بُعد المسافة ، أما (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ (٦) ق) (وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّور) ليس ملاصقاً لهم وإنما فوق رؤسهم .
  • ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٦٦﴾    [البقرة   آية:٦٦]
آية (٦٦) : (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) * على من يعود الضمير في (جعلناها)؟ العقوبة ، الحادثة ، قال (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ) هذه عقوبة، ثم قال (فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً) جعل هذه الحادثة والعقوبة نكالاً، الضمير يعود أحياناً على المفهوم من السياق ليس بالضرورة على كلمة ظاهرة ، (اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى(٨)المائدة) الضمير (هو) يعود على العدل ، أي واحد يسمعها يفهم المقصود والمقام يوضح المسألة .
  • ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴿٦٩﴾    [البقرة   آية:٦٩]
آية (٦٩) : (قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) * لو قال تعالى بقرة صفراء لعلِم بنو إسرائيل أنه لون الصُفرة سيما أن هذا اللون نادر في البقر فلم قيّد الصفرة بصفة فاقع؟ في هذا التعبير مزيد من التعجيز والتقييد والتضييق على بني إسرائيل وتحديد لبقرة بعينها دون سواها لأنهم شدّدوا فشدّد الله تعالى عليهم .
  • ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴿٧٠﴾    [البقرة   آية:٧٠]
آية (٧٠) : (قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) *(إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) لم قالوا هذه الجملة في هذه الآية مع أنهم لم يقولوها في المرات السابقة؟ طلب بنو إسرائيل صفات البقرة على ثلاث مراحل طلبوا تحديد ماهيتها (قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ) ومرة طلبوا تحديد لونها (قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا) ولم يعللوا سبب طلبهم فلما لجأوا للتعليل في المرة الثالثة قالوا (قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) لأن فعل الشيء ثلاث مرات يكون له وقع في النفس من الضجر فلا بد من إضافة تعليل في المرة الثالثة ، ولهذا إنتشر في حياتنا التوكيد في الرقم ٣.
  • ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴿٧١﴾    [البقرة   آية:٧١]
آية (٧١) : (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ) * دلالة إستعمال الفعل كاد في (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) : (كاد) في دراسات النحو من أفعال المقاربة يعني قارب الفعل ولم يفعله ، في العامية نحن نستعملها أحياناً فنقول "وصلتُ إليك وما كدت أصِل" يعني وصلت إليك ولكن بعد جهد وبعد تعب أو بعد إبطاء . في السياق هنا جاءت بعد قصة البقرة ففي البداية قال (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً) بالتنكير أيّ بقرة ولكنهم شددوا فشدد الله سبحانه وتعالى عليهم ، لما انسد كل المنافذ قالوا الآن جئت بالحق ، (فَذَبَحُوهَا) إذن هي ذُبِحت ، لما قال (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) نفهم منها أنهم فعلوا بعد إبطاء وجهد . * الفرق بين يعملون ويفعلون وبين الفعل والعمل : العمل أخصّ من الفعل فكل عمل فعل ولا ينعكس ، معاني الآيات التي فيها زمن يقول يعلمون وما ليس فيه إمتداد زمن وهو مفاجئ يقول يفعلون ، فالعمل فيه إمتداد زمن (يعملون له ما يشاء من محاريب) هذا للجنّ وهذا العمل يقتضي منهم وقتاً لكن لما نحدث تعالى عن الملائكة قال (ويفعلون ما يؤمرون) لأن فعل الملائكة برمش العين ولا يحتاج لإمتداد زمن. في الآية (وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) كادوا لا يفعلون والذبح سريع فهو فعل ، والله أعلم .
  • ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٧٤﴾    [البقرة   آية:٧٤]
آية (٧٤) : (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) * دروس مستفادة من قصة البقرة : بقصة واحدة أخذنا حزمة من الأهداف العظيمة : أولاً : ذبح العجل من القلوب قبل أن يذبح على الأرض ، لأن قطعا العجل الذهبي الذي عبده بنو إسرائيل مُثل لهم فلما يذبحوا البقرة الصفراء فالمعني المعنوي والتربوي هاهو يحصل قطعا أو هكذا يفترض . ثانياً : بنو إسرائيل غلاظ الإيمان بالغيب وبالذات الإيمان بالآخرة فكان درس البقرة ليريهم قدرة الله على البعث كيف يحي الله الموتى ، ضرب ميت بقطعة من ميت فيحيا .. ما هذا؟ هذه قدرة الله هذه معجزة يسوقها الله عز وجل ، وتناسقت القصة مع جو سورة البقرة اللي كله جو الإحياء من بعد الموت . ثالثاً : الجريمة كانت مقيدة ضد مجهول والآن علم القاتل وانتهي التنازع ، أحياء أوشكت أن تقتتل وتقع دماء جديدة . رابعاً : تعليم بني إسرائيل تلقي الأمر للتنفيذ ، وأن الأمر للالتزام ، الشعب مع النبي جند في الميدان الأمر للتنفيذ العسكري ينفذ بلا اعتراض ، هذا نبي يوحى إليه . خامساً : قلوب بني إسرائيل لانت للحظات .. دقائق .. ساعات ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ) يا الله! يعني ما لبثت قلوبكم أن عادت إلى طبيعتها وعادتها وهيئتها رجعت القساوة والعمي النفسي رجع إلى قلوبكم من جديد ، ولكي أعطيك صورة مجسدة لقسوة القلب ما اكتفى بكلمة قست قلوبهم ، لا أعطاك إياه في مثل مجسد ( فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) قلوب من اللحم تكون أشد قسوة من الحجارة! الدليل (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء) كالحجر اللي كنتم منه تشربون منه يا بني إسرائيل ورأيتم كيف تخرج المياه من حجارة من قلب الصخر يخرج الماء (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ) ثلاث نماذج على الحجارة إما انفجار أنهار .. إما خروج مياه .. إما هبوط من خشية الله . أفيصيب قلوبكم مثل ما كان من هذه الحجارة؟ الجواب: لا .. إذن قلوبكم أقسى من الحجارة . * ختم الآية الكريمة (وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) بتاء الخطاب وما قال (عَمَّا يَعْمَلُونَ) الماضين لأن المقصود يا حاضرين نزول القرآن ويا شاهدين هذا النبي صلى الله عليه وسلم ، الله تعالي ليس غافلا عما تعملون . * (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) هذا النص تكرر في القرآن مرات كثيرة لكن في البقرة وآل عمران (وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) : السياق كان دائما يجيء عن بني إسرائيل ، كذلك في البقرة وآل عمران (وما الله) وفي باقي المواطن (وما ربك) لأنه في القرآن المكي كان يتنزل لمسح ألم النبي صلى الله على النبي وسلم فكان (وما ربك) كلمة المواساة ، لكن هنا (وَمَا اللّهُ) يربي المهابة في قلوب بني إسرائيل وغيرهم .
  • ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٧٦﴾    [البقرة   آية:٧٦]
آية (٧٦) : (وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) * فتح عليك تأتي في الخير والشر لكن تأتي من فوق (حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) المؤمنون) (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ (٩٦) الأعراف) (قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) .
  • ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿٧٧﴾    [البقرة   آية:٧٧]
آية (٧٧) : (أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) * الاستفهام في الآية غايته التوبيخ ولوم القوم فإن المتسفهِم لا ينتظر جواباً لسؤاله وإنما الغاية لوم الفاعل .
  • ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴿٧٨﴾    [البقرة   آية:٧٨]
آية (٧٨) : (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) * الأمي هو من لا يعرف القراءة ولا الكتابة لكن من أين أتى هذا اللفظ؟ ومن أين اكتسب معناه؟ إن كلمة أميّ إسم منسوب والنسبة هي كل اسم انتهى بياء مشددة وهذا الإسم منسوب إلى الأم أي الوالدة لأنه بقي على الحال التي بقي عليها مدة حضانة أمه له فلم يكتسب علماً جديداً لذلك قيل عنه أميّ .
  • ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾    [الفاتحة   آية:٢]
(الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) * (الْحَمْدُ للّهِ) جملة مؤلفة من كلمتين، هل كان من الممكن استعمال كلمات أخرى أو التغيير في وضعها ؟ في الظاهر . . نعم . . هناك كلمات و أساليب تحمل المعنى نفسه ، ولكن هل تفي بالمراد ؟ وماذا عن المعنى العام ؟ ١ـ المدح لله - المدح هو الثناء وذكر محاسـن الغير من الصـفات والأعمال أما الحمد فهو الثناء على الجميل من النعمة او غيرها وذكر المحاسـن مع التعظيم والمحبة فأيهما أقوى ؟ - المدح قد يكون للحي ولغير الحي ، وللعاقل وغير العاقل من جماد أو حيوان كالذهب والديك أما الحمد فيخلص للحي العاقل. - المدح قد يكون قبل الإحسان أو بعده أما الحمد فلا يكون إلا بعده ، فالحمد يكون لما هو حاصل من المحاسن في الصفات أو الفعل فلا يحمد من ليس في صفاته ما يستحق الحمد أما المدح فقد تمدح إنساناً ولم يفعل شيئاً من المحاسن ، ولذا كان المدح منهياً عنه. - المدح لم يرد في القرآن الكريم لا بالمصدر ولا بالمشتقات ولا أي صيغة من صيغ المدح لما في المدح من إحتمال الصدق والكذب. ** يظهر لنا مما تقدم أننا عندما نقول (الْحَمْدُ للّهِ) فإننا نحمد الله الحي الذي اتصـف بالصفات الحسنى والفعل الجميل فاسـتـحـق الحمد على صفاته وعلى فعله وإنعامه ، ونعترف له بالتفضل والتكرم فقدأسبغ علينا من إحسانه ظاهراً وباطناً ما لا يعد ولا يحصى، مع إظهار تعظيمنا وإجلالنا له وتأكيد توجه محبتنا إليه، ولو قال المدح لله لم يفد شيئاً من ذلك. ٢ـ الشكر لله ـ الحمد يقتضي المحبة والتعظيم والشكر ليس فيه ذلك فحينما تشكر إنساناً ليس شرطاً أن تعظّمه أو تحبه. ـ لا يكون الشكر إلا على ما وصل للشـخـص من النعم ، أما الحمد فعلى ما وصل إليه وإلى غيره، فالشكر إذن أضيق نطاقاً. ـ الشكر يختص بالنعم ولا يوجه للصـفات، فنحن لا نشكر فلاناً على علمه أو قدرته، أما الحمد فيكون على النعم وعلى الصفات الذاتية وإن لم يتعلق شيء منها بنا. ** مما تقدم يتضح لنا أن المدح أعم من الحمد ، وأن الحمد أعم من الشكر وفي الأول تعميم لا يناسب المقام ، وفي الأخير تخصيص غير مناسب أيضاً فهل يمكن استعمال واحدة من هذه العبارات؟ ٣- الثناء على الله الثناء لا يأتي إلا مع (على) وفيه نوع من الإستعلاء لا ينسجم مطلقاً مع بداية الفاتحة ولكن أنت تقول حمده وحمد له فعله والتعدي باللام تقرّبه، لا نجد أثنى على الله إبتداء إنما يقول حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله تأتي ملحقة لا تأتي منفردة لأن فيها نوع من الإستعلاء، ولم يرد الثناء بكل تصريفاته في كتاب الله عز وجل. ٤ـ أحمد الله أو نحمد الله أو احمدوا الله ـ هي جمل فعلية تدل على الحدوث وتجدد الفعل أما (الْحَمْدُ للّهِ) فجملة اسمية تدل على الدوام والثبوت لذا فمن القواعد المعروفة في اللغة أن الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية لأن : ــ الجملة الفعلية تختص بفاعل معين أو جماعة تؤمر بالحمد ، ولكن ماذا عن غيرهم من الناس ؟ أما الجملة الاسمية فلا تحدد فاعل معين فهو المحمود على وجه الاطلاق منك ومن غيرك. - الجملة الفعلية ترتبط بزمن معين مما يعني أن الحمد لا يحدث في غير هذا الزمن الذي يتم فيه الحمد وزمن الإنسان زمن محدد معين ، يرتبط أو يساوي عمره على أقصى تقدير ، فلا يتجاوزه إلى ما بعده ولا يبدأ قبله، فيكون الحمد أقل مما ينبغي بكثير أما في الجملة الاسمية فالحمد مطلق مستمر، فهو كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين. ــ الجملة الفعلية لا تفيد أن المفعول مستحق للفعل، فقد نشكر من لا يستحق الشكر، أما الجملة الاسمية فتفيد استحقاقه للحمد تأكيداً فالحمد والثناء حق لله تعالى ثابت له يستحقه لذاته ولصفاته ولما أنعم من آلائه . ــ وإن كان الفعل للأمـر(احمد أو احمدوا) فإن المأمور قد يفعل ما أمر به دون اقتناع، وإنما خوفا من الآمر أو رغبة في شيء . ــ والحمد صفة قلبية، وهي اعتقاد كون المحمود متفضلاً منعماً مستحقا للتعظيم والإجلال، فإذا تلفظ الإنسان بالجملة الفعلية ذات الفاعل والزمن المحددين وكان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق كان كاذبا، أما إن تلفظ بالجملة الاسمية فإنه يكون صادقاً وإن كان قلبه غافلا لاهيا، لأنها تفيد أن الحمد حق لله ، وهذا حاصل سواء عقل أم غفل . ٥ـ الحمدَ لله (بالنصب) - جائزة على تقدير فعل محذوف، فتكون جملة فعلية والجملة الاسمية أقوى كما تقدم ، فقراءة الرفع (الحمدُ لله) تفيد ثبوت الشيء على جهة الاستحقاق ثباتاً دائماً، فهي أولى من قراءة النصب . ٦ـ حمدا لله - هي جملة فعلية نقدر لها فعلاً محذوفاً ، والجملة الاسمية (الحمدُ لله) أقوى . ـ (الحمدُ لله) معرّفة بأل، و (أل) تفيد العهد وتفيد استغراق الجنس، فإن أفادت العهد كان المعنى: الحمد المعروف بينكم هو لله، وإن أفادت الاستغراق كان المعنى: إن الحمد كله لله على سبيل الإحاطة والشمول. ويظهر أن المعنيين مرادان، أما (حمدا لله) فنكرة لا تفيد شيئا من المعاني المتقدمة . ٧ـ إن الحمد لله - (إن) تفيد التوكيد، وليس المقام مقام شك أو إنكار يقتضي توكيدا . - (إن الحمدَ لله ) جملة خبرية تحمل إلينا خبراً واضحاً محدداً (ثبوت الحمد لله تعالى) ولا تحتمل إنشاء ، أما (الحمدُ لله) فتفيد الإخبار بثبوت الحمد لله ، فهي خبرية ولكنها تفيد إنشاء التعظيم واستشعار نعم الله علينا، وفيها معنى الدعاء ، فهي ذات معان أكثر. ٨ـ لله الحمد ـ (لله الحمدُ) فيها تقديم الجار والمجرور ، وفي التقديم اختصاص وحصر أو إزالة شك، والمقام في سورة الفاتحة هو مقام مؤمنين يقرون بالعبادة ويطلبون الاستعانة والهداية ، فليس هناك من ادعى أن ذاتاً أخرى قد تشترك معه في الحمد فنزيل الظن عنده، أو أن الحمد لغير الله لنخصه به؟ ـ كما أن الحمد في الدنيا ليس مختصا لله وحده، وإن كان هو سببه كله، فالناس قد يحمد بعضهم بعضاً، وفي الحديث (من لم يحمد الناس لم يحمد الله)، فيجوز توجيه الحمد لغير الله في ظاهر الأمر، فلا حاجة للاختصاص بالتقديم. ٩ـ اختصاص الاسم العلَم (الله) بالذكر، دون سائر أسمائه االحسنى وصفاته - كان يمكن أن يقال الحمد للحي، الحمد للرحيم، الحمد للبارئ .. ، ولكن لو حدث ذلك لأفهم أن الحمد إنما استحقه لهذا الوصف دون غيره، فجاء بالاسم العلَم ليدل على أنه استحق الحمد لذاته هو لا لصفة من صفاته ـ ثم إن ذكر لفظ الجلالة (الله) يناسب سياق الآيات، فسيأتي بعدها بقليل "إياك نعبد وإياك نستعين" ولفظ الجلالة (الله) مناسب للعبودية، لأنه مأخوذ من لفظ الإله أي المعبود. ـ هذا والمجيء بوصف غير لفظ الجلالة ليس فيه تصريح بأن المقصود هو الله عز وجل. * كلمة الحمد لله وحدها بُدئ بها في أربع سور أخرى كأنما هذه البدايات تحاول أن تبيّن نماذجاً من الحمد، يُحمَد الله عز وجل هنا لرحمته وهنا لفضله وهنا لعلمه وهنا لإعطائه العلم للآخرين وهنا لخلقه السموات والأرض، فكأن بدايات السور متكاملة: - في الفاتحة الحمد لله هو جنس الحمد، نظام كليٌّ وهناك جزئيات في بدايات أربع سور أخرى بينها نوع من التلازم والتشابك. - في الأنعام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) الكلام على بدء الخلق وفيه معنى التقدير والتصوير، ومن رحمة الله سبحانه تعالى جعل الظلمات والنور. - في فاطر (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا) هذه المنشيء، ثم تكلم على جعل الملائكة. - في سبأ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) هذا الذي في السموات والأرض  ملك لله سبحانه وتعالى. - في الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) الملائكة والرسل وإنزال الكتاب نماذج من آلآء الله ونعمه التي يُحمد عليها. *** *** *** *** *** (رَبِّ الْعَالَمِينَ) : * اختيار كلمة (رَبِّ) هي أنسب ما يمكن وضعه بعد (الْحَمْدُ للّهِ) فهو أولى بالحمد من غيره لأن الرب هو المالك والسيد والمربي والمنعم والقيّم فإذن رب العالمين هو ربهم ومالكهم وسيدهم ومربيهم والمنعم عليهم وقيُمهم، و تناسب ما بعدها (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) لأن من أولى مهام الرب الهداية لذا اقترنت الهداية كثيراً بلفظ الرب كما اقترنت العبادة بلفظ الله تعالى . *اختيار كلمة (الْعَالَمِينَ) : -- العالمين جمع عالم وهو كل موجود سوى الله تعالى ويجمع على العوالم وعلى العالمين، رب العالمين يقتضي كل صفات الله تعالى ويشمل كل أسماء الله الحسنى. لكن اختيار العالمين على العوالم أمر بلاغي لأن العالمين خاص للمكلفين وأولي العقل والعلم فقط . -- لا تستعمل كلمة العالمين إلا إذا اجتمع العقلاء مع غيرهم وغلبوا عليهم، والعالمين جمع العالم بكل أصنافه لكن يغلُب العقلاء على غيرهم فيقال لهم العالمين لا يقال لعالم الحشرات أو الجماد أو البهائم العالمين، أما العوالم قد يطلق على أصناف من الموجودات ليس منهم المكلفون (تقال للحيوانات والحشرات والجمادات). -- العالمين تشمل جيلاً واحداً وقد تشمل كل المكلفين أو قسماً من جيل كما جاءت في قصة سيدنا لوط بمعنى قسم من الرجال (قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَن الْعَالَمِينَ). -- السورة كلها في المكلفين وفيها طلب الهداية وإظهار العبودية لله وتقسيم الخلق كله خاص بأولي العقل والعلم لذا كان من المناسب اختيار العالمين على غيرها من المفردات او الكلمات لتشمل كل العالمين لا بعضهم. * الحمد لله رب العالمين جاءت في أكثر من موضع جاءت في أول الفاتحة تحميداً وتمجيداً لله سبحانه وتعالى وبها يختم العمل والدعاء وتأتي قي سور آخرى في سياق الحديث عن الآخرة أي الحمد لله رب العالمين في البدء وفي الختام: - الحمد لله رب العالمين في بداية الفاتحة بعد البسملة معناه بداية عمل. - في نهاية سورة الصافات بعد الحديث عن الكون وما يضم إلى قيام الساعة وإنتهاء الحياة (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)). - في نهاية سورة الزمر(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ... وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)). - في الأنعام (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)) هنا نهاية عمل في نهاية الحياة إنتهى أمرهم. - في يونس (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)) في آخر الدعاء في الجنة. - في غافر (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)) هنا يحتمل في أول الدعاء وآخره.
إظهار النتائج من 2201 إلى 2210 من إجمالي 12325 نتيجة.