| ٨١ |
*لماذا لم يرد تصنيف لأصحاب المشأمة في سورة الواقعة على غرار تصنيف أصحاب الميمنة والسابقون؟(د.حسام النعيمى)
هذا سؤال وجيه. (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) (الواقعة)) السائلة تسأل أهل اليمين ميمنة وسابقون فلماذا لم يصنف أصحاب المشأمة على صنفين؟ ليست المسألة مسألة تقسيم وإنما نحن في هذه الدنيا مؤمنون وغير مؤمنين. المنافقون كافرون في الحقيقة لكن يتظاهرون بالإيمان المنافق كافر ولكن يتظاهر بالإيمان ولذلك صار أشد لأن عنده صفة الكفر إضافة إلى صفة المخادعة. المطلوب في هذه الحياة لما يعرض القرآن الكريم علينا الصور المطلوب المنافسة في الخير (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) المطففين) أنا لما أعلم أن الجنة درجات وأعلاها الفردوس الأعلى وعندي نوع من الهِمّة أحاول أن أسابق الآخرين في الإرتقاء إلى هذه الدرجة العليا، فيها مجال للمنافسة لما أعرف أن يوم القيامة لا يكون الناس على حدٍ سواء الكل في مستوى واحد في الجنة وإنما هناك من يكون قريباً من الأنبياء والشهداء والصديقين ويؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة بعد أن يعرّف منزلته في الجنة فيقال له إقرأ ورتل وارتق فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها فيتنافسون في الحفظ. فصار عندنا أصحاب يمين وهؤلاء جنتهم فيها صفات معينة. وعندنا السابقون السابقون جنّتهم لها صفات معينة. فأنا لما أقرأ هذه وأقرأ هذه أحرص على الأفضل فأحاول أن أقدم الخير. لكن الذي سيدخل جهنم هو سيشتوي بمجرد دخولها لا مجال للتمايز، حتى الدركات هم نازلون فيها ليس هناك مجال للتنافس في أخذ الأفضل، لما كان في الجنة مجال منافسة للأفضل كان عندنا ميمنة وسابقون لكن هؤلاء إذا كان سيشتوي سواء كان في الدركة الأولى أو الثانية فهو مشوي مشوي ولا مجال لتشجيعه على التنافس، هم في داخلها ويصطرخون نسأل الله السلامة والعافية.
إذن الغرض من التقسيم - والله أعلم - هو الحث على المنافسة، هناك أكثر من درجة، هناك مراتب والناس عند الله سبحانه وتعالى مقامات ليسوا سواء، بل حتى الذين يدخلون الجنة قسم منهم يأتي ليشرب من حوض الرسول لأن الحوض على وجه اليقين في الجنة وليس خارج الجنة والرسول هو يسقي شربة لا يظمأ بعدها أبداً، فيأتي ليشرب يمنعه الملائكة أنك أنت منزلتك لا تؤهلك للشرب من حوض محمد . حتى أنه في الحديث يقول أصحابي أي يعرف بعضهم، قسم من الشُرّاح قالوا أصحابي يقصد من أمتي وظاهر النص أنهم أصحابه في زمنه من أهل الجنة لكن خاض بعضهم فيما خاض من فتن لأنه صارت فتن فيدخل الجنة ولا نشك في ذلك لكن لما يصل لحوض المصطفى ليشرب منه يقال له لا حتى قيل للرسول أنت لا تدري ماذا أحدثوا بعدك، أحدثوا فتناً فيما بينهم، فُتِنوا لكن هم من أهل الجنة وهم على العين والرأس لكن لا يشربون من الحوض ولا ندري من هم؟ ولا نستطيع أن نقول فلان أو فلان لا يجوز، لكلٍ مقامهم ونحن مبدأنا أن الصحابة على العين والرأس ولا نخوض فيما شجر بينهم من خلاف ولا نخوض في المفاضلة بينهم ويمكن أن يكون فلان في قلبي أفضل من فلان لسابقته لكن نُهينا عن الحوض في المفاضلة لأنه يؤدي إلى نتيجة (لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ (4) الأنفال) ولا نصل لتراب أقدام أدناهم لكنهم مراتب ودرجات. لذلك جاء التقسيم ميمنة وسابقون وأهل النار أهل نار لا يحتاجون إلى تقسيم لأنه ليس فيه حثٌ على المنافسة والمسابقة. هناك في السعي لنيل درجات الجنان ترغيب في المنافسة لكن أهل النار لا مجال للترغيب.
استطراد من المقدم: نحن نفهم هذا في سياق أننا مؤمنون بالله وبآيات القرآن فهل الكفار كانوا يفهمون هذه المعاني؟ التسابق في الخيرات؟
هو كيف يتسابق في النار؟ هل يزيد من سيئاته ليتسابق في أهل النار؟ هم لا يقسّمون ولله المثل الأعلى مثل طلبة جامعة الناجحون يقسّمون لكن الذي يرسب في صفه هو راسب أي سيعيد العام ولا يوجد راسب 40 وراسب 30 هو راسب وسيعيد الفصل الدراسي.
الوقفة كاملة
|
| ٨٢ |
أيهما أقوى في اللغة، ويل أو ويلاً؟
لا يمكن القول هنا أيهما أقوى لأن البلاغة في القرآن الكريم هو مطابقة الكلام لمقتضى الحال فأحياناً يقتضي الحال استخدام الجملة الإسمية فستخدم للدلالة على الثبوت وفي أحيان أخرى يقتضي الحال إستخدام الجملة الفعلية فتستخدم.
الأمر الآخر في سورة الهمزة أن الله تعالى ذكر الكافر الذي يجمع المال ويعدده ويحفظه فكما حفظ الكافر المال وحمعه وحسب أنه يُخلده ولم بنفع به الآخرين أغلق الله تعالى عليه أبواب جهنم (في عمد ممددة) وناسب هذا الإستيثاق في حفظ المال الإستيثاق في الخلود في النار. أما في سورة البلد فلم يكن سياق الكلام على هذا النحو وإنما وصف الله تعالى أن الكافر أهلك المال (أهلكت مالاً لُبدا). ثم إن في سورة الهمزة ذكر تعالى أن الكافر يحسب أن ماله أخلده وهذا الحسبان قابله الحسبان بحقيقة الخلود في النار بأن أغلق عليه الأبواب وجعل النار عليه في عمد ممددة . وكذلك في سورة الهمزة وصف الله تعالى الكافر أنه يتعدّى على الآخرين ويهمزهم ويلمزهم ويمنع خيره عنهم والذي يتعدى على الآخرين ينبغي أن يُحبس والحبس يغلق عليه الأبواب ويكون في عمد ممددة ولم يُذكر هذا في سورة البلد واكتفى بالوصف (الذين كفروا بآياتنا) ولم يذكر أنهم اعتدوا على الآخرين. والكفر درجات والعقوبة دركات بحسب ما يفعله الكافر فليس كل الكفّار في عذاب واحد وفي دركة واحدة بدليل قوله تعالى (في الدرك الأسفل من النار).
ثم إن المعذّبين في سورة الهمزة كفّار وزيادة فهم كافرون، يتعدون على الآخرين، يجمعون الأموال، يحسبون أن مالهم يخلّدهم وهذا كله لم يُذكر في سورة البلد ولهذا ناسب الإستيثاق في الحبس والجعل في عمد ممددة للكفار في سورة الهمزة.
الوقفة كاملة
|
| ٨٣ |
هذه السورة مكيّة أيضاً وتبدأ يالقسم بالذاريات (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا) آية 1 إلى 4، فالذاريات: هي الريح الشديدة التي تفتت السحاب المحمّل بالمطر فتمنعه عن الإنزال، والحاملات: هي الرياح التي تدفع السحاب ليتجمّع وينزل المطر بإذن الله وهذ دليل قدرة الله تعالى أنه مرّة يسخّر الريح لتفرق السحاب ومرة لتجمعه، الجاريات: هي الفلك تجري في البحر بدفع الرياح لها تجلب الرزق للناس، المقسمات: هي الملائكة التي أمرت أن تقسم أرزاق العباد. فالجأ إلى الله لأنه هو الذي يعطي الرزق أو يمنعه بأمره وقدرته. تتحدث الآيات كلها عن رزق الله ولهذا جاءت فيها الآية المحورية (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) آية 22. حتى ورود قصة سيدنا ابراهيم في السورة جاء ليخدم الهدف وهو الرزق فركّزت على رزق الله تعالى له بالغلام بعد سنين طويلة لأن الأولاد هم من رزق الله وعطائه سبحانه، ثم إكرام ابراهيم لضيفه (فراغ إلى أهله) دليل الكرم ، ثم جاء لهم بعجل سمين وهذا من باب الكرم والرزق والعطاء
وتختم الآيات بأنه إذا كان العطاء والمنع من الله تعالى ففروا أيها الناس إليه (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) آية 50، وتأتي الآية محورية في السورة (مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) آية 57 و 58 فالرزق من عند الله وعلينا الإختيار بين من يعطي الرزق ومن لا يملك الرزق .
الوقفة كاملة
|
| ٨٤ |
*ما الفرق بين المؤمنين والمسلمين في سورة الذاريات(فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36))؟
هذه الآية تتكلم عن بيت واحد هو نفسه لكنه وُصِف مرة بكلمة المؤمنين ومرة أخرى وُصِف بكلمة المسلمين في موضع واحد وهو بيت لوط . والحكاية أن الملائكة جاءوا إلى إبراهيم والقصة معروفة فسألهم إلى أين أنتم؟ قالوا: إلى هذه البقعة قال: إن فيها لوطاً، قالوا نحن أعلم بمن فيها (قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) العنكبوت) فأخرجوها من الأهلية لأنه في الأصل المرأة من أهل البيت لكن أخرجوها لما كانت تعمل بإتفاقها مع المشركين ضد لوط . الآية تقول (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (فيها) تعني من هذه البلدة التي كان فيها لوط يدعو قومه إلى الإيمان لأنه الوحيد الذي آمن بإبراهيم من أهل البلدة ثم صار نبيّاً وصار يدعو (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).
نحن عندنا في القرآن الكريم في بعض المواطن هناك تفريق بين المؤمنين والمسلمين بل حتى في الحديث: في حديث سعد بن أبي وقاص لما قال : يا رسول الله أعطِ فلاناً فإنه مؤمن. قال: أو مسلم. فهناك فرق بين المؤمن والمسلم وفي الآية (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (14) الأحزاب) فإذن الإيمان شيء داخلي : ما وقر في القلب وصدّقه العمل. العمل المصدِّق هو الإسلام لأنه لما جاء جبريل يعلّم المسلمين أمور دينهم " حدثني أبي عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب. شديد سواد الشعر. لا يرى عليه أثر السفر. ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فاسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه. وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم رمضان. وتحج البيت، إن استطعت إليه سبيلا" قال: صدقت. قال فعجبنا له. يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره" قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: "أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه، فإنه يراك". قال: فأخبرني عن الساعة. قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" قال: فأخبرني عن أمارتها. قال: "أن تلد الأمة ربتها. وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان". قال ثم انطلق. فلبثت مليا. ثم قال لي: "يا عمر! أتدري من السائل؟" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " الأعمال الظاهرية هي الإسلام والباطن هو الإيمان. المؤمن يقيناً هو مسلم لأن الذي يستقر الإيمان في قلبه يطبّق لكن ممكن أن الإنسان يطبّق والإيمان لمّا يدخل بعد في قلبه. كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤناً. عندما يحدثنا عن إنسان معيّن ويقول إنه مؤمن ثم يقول بعد ذلك أنه هو مسلم معنى ذلك أنه جمع له الأمرين: الإيمان الباطني والتطبيق العملي أراد أن يشير إلى التطبيق العملي. فأهل هذا البيت كانوا مؤمنين (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين) لوط وأهل بيته لأنه (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) البيت المقصود به أصحاب البيت، سكان البيت لأن البيت هو ما يبيت فيه الإنسان، هو ما يقضي فيه ليله . هذه على قبيل (واسأل القرية) في سورة يوسف. (فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) بمعنى غير أهل بيت من المسلمين. لم يقل المؤمنين حتى لا تتكرر أولاً لأنه لو قال في غير القرآن ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا غير بيت من المؤمنين) هنا التكرار غير محمود لأنه لا معنى له. (غير بيت) يكون مطلقاً ولو قال (غير بيت منهم) كأن يصغّرهم وهو يريد لهم قيمة. فإذا كرر المؤمنين هنا وهي قريبة كأنما يكون تركيزاً على الإيمان وليس فيه إشارة إلى التطبيق العملي والآية أرادت أن تذكر أنهم مؤمنون مطبقون لإيمانهم عملياً فجمعت لهم بين الإيمان والإسلام لأنهم هم أنفسهم وليسوا فريقان فريق مؤمن وفريق مسلم كما (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) لكن هؤلاء وصفهم بالإيمان. فحينما يعود ويصفهم بالإسلام معناه هذا تأكيد لقيامهم بالتطبيق العملي لإيمانهم، أنهم مطبقون عملياً. هذا قول جمهور المفسرين. هناك قول آخر ولا بأس أن نذكره والمشاهد الكريم يحاول أن يرى إلى أي التأويلين يطمئن قلبه لأن اللغة تحتمل ذلك. الرأي الأول وفيه رفع منزلة لأهل لوط، نحن لا ندري على وجه التعيين من كان مع لوط من أهل بيته. هم يقولون إستناداً إلى ما ورد في التوراة أنه كان عنده بنتان وامرأته لكن هذا ليس ثابتاً عندنا من الناحية التاريخية ومن الممكن أن يكون لديه آخرون، من الممكن أن يكون في بيته من المؤمنين، وفيه وإن كان فرداً حتى إذا كان ذكر البنتين يمكن أن تكون إحدى إبنتيه إستقر الإيمان في قلبها والثانية هي مسلمة على دينه ولم يستقر الإيمان في قلبها هذا الإستقرار. فلما قال (غير بيت من المسلمين) معناه هي تدخل معهم ولو قال من المؤمنين لا تدخل معهم هذه البنت التي لم تكن قد إستقر الإيمان في قلبها أما قوله المسلمين فيشملها ذلك لأن المؤمن مسلم والمسلم غير المؤمن ذُكر أنه هو مسلم فيكون الكلام أعم عند ذلك وهذا رأي مرجوح. والرأي الراجح هو الأول أن الجميع كانوا مؤمنين، أنه نوّع بالعبارة حتى يبيّن أن أهل هذا البيت كانوا مؤمنين مطبقين عملياً لإيمانهم فوصفهم مرة بالمؤمنين ثم ألحق ذلك بكلمة وصف المسلمين. فكان الإيمان مستقراً في قلوبهم وكانوا مطبقين لعلامات الإيمان لأنه قد يكون الإنسان مؤمناً لكن يقصّر في التطبيق ولذلك يتوب إلى الله تعالى ويستغفر وليس من قبيل عدم الإيمان. فإذن هذا الوصف فيه رفعة شأن لهؤلاء.
قد يقول القائل لماذا لم يقل : وجدنا فيها غير أهل بيت؟ لماذا حذف (أهل)؟ وفي آية سورة يوسف (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82)) حذف أهل أيضاً؟
الحذف هناك يختلف عن الحذف هنا بحسب السياق. هناك حذف أهل وهنا حذف أهل. هناك فارق في الصورة هناك (وإسأل القرية) إخوة يوسف كانوا متهمين بأنهم ليسوا صادقين لأن عند أبيهم تجربة سابقة معهم لما جاءوا وقالوا أكله الذئب يوسف وهو لم يأكله فالآن يقولون إبنك سرق وقد يكون كذباً كالذئب فقالوا: (واسأل القرية التي كنا فيها) صحيح هي أهل القرية لكن كأنهم يريدون أن يقولوا له أن صدقنا ثابت في القرية حتى بجدرانها ،حتى بحيوانها، إسأل القرية كاملة، القرية التي كنا فيها والبلدة كأنها جميعاً تشهد لنا ليس بناسها فقط وإنما حتى بجدرانها. وهذا ينسحب على العير أي القافلة (والعير التي أقبلنا فيها) العير ومن عليها ومن معها ومن فيها لأنهم كانوا يشكّون في أنفسهم. أما في آية سورة الذاريات (غير بيت) لو قال : غير أهل بيت تكثر. أهل البيت تصير كثير: القرية من بيوت فأراد أن يبيّن قلة الذين إتّبعوا لوطاً فقال (غير بيت) واحد ولو قال أهل بيت: الأهل مجموعة فتكون الصورة فيها كثرة فحذف هنا. هنا أراد الحذف حتى يبيّن القِلّة وهناك (في سورة يوسف) حذف حتى يبيّن الكثرة. ولكل حذف مكان بحسب السياق والله أعلم.
الوقفة كاملة
|
| ٨٥ |
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1))
*(سبّح) ما معنى كلمة التسبيح؟ وهل له أنواع؟
التسبيح هو التنزيه عما لا يليق، أصل التسبيح هو التنزيه (سبّح لله) أي نزّهه هؤلاء كلهم بما نفقه وبما لا نفقه من تسبيحهم (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الإسراء) الطير تسبّح والأشجار تسبّح وكل شيء يسبح (وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15) الرعد) لا نفقه تسبيحها. التسبيح هو التنزيه عن كل ما لا يليق، عن كل نقص، أن تقول لله ولد أو تشبهه بخلقه أو أي شيء لا يليق بذاته. التسبيح ورد في صور شتّى: ورد التسبيح بالفعل الماضي (سبّح) وورد بالفعل المضارع (يسبح) وورد بفعل الأمر (فسبِّح) (سبِّح اسم ربك) وورد بإسم المصدر (سبحان الذي أسرى بعبده) كل هذا ورد فيه، لماذا؟ سبّح للزمن الماضي، يسبح مضارع للحال والاستقبال (المضارع للاستقبال كما في قوله تعالى (إن الله يفصل بينهم) هذا في يوم القيامة) حتى أن بعض النحاة قالوا هو للإستقبال أولاً ثم للحال. (سبِّح) الأمر وهو يدل على أن تبدأ به وتستمر، سبحان إسم مصدر. إسم المصدر قريب من المصدر، سبحان معناه علمٌ على التنزيه.نلاحظ أن الفعل مرتبط بزمن وبفاعل حتى يكون فعلاً، المصدر هو الحدث المجرّد الذي ليس له زمن ولا فاعل. إذن صار التنزيه إستغراق الزمن الماضي (سبح) والحال والمستقبل (يسبح) والأمر بالتسبيح ومداومته (سبّح) وسبحان التسبيح وإن لم يكن هناك من لم يسبح في السموات والأرض قبل الزمان وبعد الزمان إن كان أحد أو لم يكن فهو يستحق التنزيه سبحانه سواء كان هناك من يسبح بفاعل أو بدون فاعل فاستغرق جميع الأزمنة وقبل الأزمنة وبعد الأزمنة واستغرق الخلق وما قبل الخلق وما بعد الخلق.
ليس هذا فقط إنما لاحظ كيف ورد التسبيح؟ ورد التسبيح (سبِّح اسم ربك الأعلى) ذكر الإسم، و(سبّحوه بكرة وأصيلا) لم يذكر الإسم وذكر المفعول به مباشرة، (سبّحه) (سبِّح اسم ربك الأعلى) متعدي وسبّح بإسمه متعدي بالباء، متعدي بنفسه والتعدية بالإسم وبالحمد (فسبح بحمد ربك)، (سبّح) هو في الأصل فعل متعدي. الفعل اللازم هو الذي يكتفي بفاعله ولا يأخذ مفعول به مثل ذهب ومشى ونام، الفعل المتعدي يتعدى إلى مفعول به مثل أعطى، وأحياناً يستعمل المتعدي كاللازم بحسب الحاجة مثلاً أحياناً يكون متعدياً إلى مفعوليم أو يذكر مفعولاً واحداً مثلاً (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) الضحى) ماذا يعطيك؟ أطلق العطاء ولم يقيّده بأمر معيّن. وقالوا يستعمل إستعمال اللازم كما في قوله تعالى (حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) التوبة) وأحياناً لا يذكر المفعول به أصلاً (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) يونس) (يفقهون) فعل سمع متعدي (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) النمل) علم تأخذ مفعولين ما ذكرها لأنه أراد الفعل بالذات ولم يُرِد المتعلق. قد نستعمل المتعدي كاللازم نريد الفعل وليس مرتبطاً بالمفعول به كما تقول مثلاً: فلان يعطي ويمنع، ماذا يعطي؟ وماذا يمنع؟ (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) هو يسمع ويرى ولا يقيّد بشيء معين.
*لم لم يستخدم إسم المصدر ليخرجه من دائرة الزمان ودائرة الفعل؟
هذا فيه زمان وفيه فاعل (أسمع وأرى) الفاعل موجود والزمن موجود.
*(سبّح) يستخدمه القرآن متعدياً بنفسه مرة أو بحرف جرّ مرة أخرى فهل هناك من فرق بياني؟
سبّحه أي نزّهه، سبّح لله للتعليل أي الإخلاص تسبّحه لأجله (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) الأنعام) يسموها لام التعليل لبيان العِلّة وهي تدل على الإخلاص. فقوله (سبّح لله) أي أخلص التسبيح له فمن صلّى ولم يصليّ له فلا تقبل صلاته لأنه صلّى رياء ولم يصلي لله، هو قام بالفعل لكن لم يصلي لله لأنه لم يُخلِص، لو سبّح أمام الناس لكن لم يكن التسبيح لله فهو لم يسبح لله، هذا هو الإخلاص معقد النية التي تتحول إلى عبادة ألم يقل تعالى (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ (6) الماعون) هم يصلّون ولكنهم يراءون، (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) لو أنفق لله لقُبِل، لو سبّح لله لقُبِل. إذن هناك فرق (سبّح) قام بالفعل لكن (سبّح لله) قام بالفعل وأخلص التسبيح له (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين) لو نسك لغير الله ما يُقبل.
إذا تعدى الفعل بنفسه (سبّحه أي نزّهه) أي قام بالفعل، (سبّح لله) صلّى وصلّى له، زكّى وزكّى له، نسك ونسك له، لأجله إذن (سبح لله) أي سبّحه بإخلاص.
*يقول تعالى (سبح لله ما في السموات والأرض) ومرة يقول (سبح لله ما في السموات وما في الأرض) فهل هناك فارق بينهما؟
كل الآيات بلا استثناء إذا كرر (ما) يعقب الآية بالكلام على أهل الأرض في كل القرآن في آيات التسبيح كلها، إذا قال (ما في السموات وما في الأرض) يعقب الكلام لأهل الأرض (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) الصف) لأهل الأرض، في سورة الحشر (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ (2)) لأهل الأرض. وإذا لم يكرر (ما) لا يذكر أهل الأرض لا يعقبها وإنما يعقبها بشيء عن نفسه أو شيئ آخر (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) الحديد) لم يتكلم على أهل الأرض. في جميع القرآن حيث كرر (ما) يعقب الآية بالكلام على أهل الأرض في جميع القرآن ولذلك لاحظ في سورة الحشر بدأ بتكرار (ما) وانتهت السورة بقوله تعالى (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)) ما كرر (ما)، سورة الحشر أولها قال (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) كرر (ما) وفي نهاية السورة (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لم يكرر (ما) لأنه لم يأت بعدها كلام على أهل الأرض وانتهت السورة. لذلك نقول القرآن تعبير فني مقصود كل كلمة، كل تعبير، كل ذكر، كل حذف قُصِد قصداً ولم يأت هكذا.
*ما الفرق بين (ما) و (من) في الإستخدام اللغوي؟
في اللغة تستعمل (ما) لذوات غير العاقل ولصفات العقلاء (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ (29) طه) ماذا في يمينه؟ عصاه، (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا) لذات غير العاقل ولصفات العقلاء. تقول من هذا؟ هذا فلان، تسأل ما هو؟ تسأل عن صفته فيقال مثلاً هو تاجر، (من هو؟) تسأل عن ذاته. (ما) هي تستعمل لأمرين: لذات غير العاقل ولصفات العقلاء (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء (3) النساء) عاقل وربنا سبحانه وتعالى يستخدمها لنفسه كما جاء في سورة الشمس (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)) يتكلم عن نفسه سبحانه. (ما) تقع على صفات أولي العلم جميعاً حتى قسم من النُحاة أدق لا يقولون العقل لأن الله تعالى لا يوصف بالعقل ولا يصق نفسه أنه العاقل وإنما العالِم، فيقول النحاة لذوي العلم وذوات غير العاقل. في سورة الليل قال تعالى (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (3)) من الخالق؟ الله سبحانه وتعالى، في سورة الكافرون (وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3)) ما أعبد هو الله تعالى، (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4)) الأصنام غير عاقلة و(ما) تستعمل لذوات غير العاقل وتستعمل لصفات العقلاء.
(من) إذا إنفردت تكون لذوات العقلاء تحديداً، قد تستعمل في مواطن تخرج عن هذا الأمر مثلاً أنت تُنزِلأ غير العاقل منزلة العاقل، تتكلم مع حصانك يقولون لك: من تُكلِّم؟ تقول: أكلِّم من يفهمني، من يحفظني، هذا تجوّز. في الأصل أن (من) لذات غير العاقل وأحياناً يشترط العاقل مع غير العاقل فتطلق عليهم (من) فيصير تفصيل (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) النور) من يمشي على بطنه غير العاقل، من يمشي على رجلين الإنسان، اجتمعت في عموم فصّل بـ (من) لها مواطن. أما إذا انفردت فلا تكون إلا للعاقل (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) الملك) لذي العِلم.
*(سبّح لله) بصيغة الماضي وفي بعض السور (يسبح) بصيغة المضارع فهل هذا مقصود بذاته؟
إجاب الدكتورحسام النعيمى :
طبعاً الفعل الماضي لا يراد به المضي دائماً يعني مضى وانقضى، قد يراد به المواصلة والاستمرار. عندما تُسأل ما شأن فلان؟ تقول: سكن في حارتنا أو محلتنا. سكن فعل ماض يعني هو الآن ليس ساكناً؟ كلا بل تعني والآن ما زال ساكناً. فلما يأتي (سبح لله) يعني هذه الموجودات سبّحت لله سبحانه وتعالى نزهته وقدسته لكنها هي ماضية على ذلك. عندما يكون الحديث حديث يحتاج إلى ذكر للحاضر والمستقبل (للاستمرار للحضور) يعني فيه كلام عن الحضور يستعمل المضارع (يسبح لله). لاحظ في سورة الجمعة قال (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)) لكن انظر كيف قال (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) ) الكلام على الرسالة والرسالة حاضرة ومستقبلة. قال (يتلو) ما قال تلا فيسبح تنسجم مع يتلو ويعلّم ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب. لما كان الكلام كلاماً على حاضر ومستقبل استعمل الفعل يسبح ولما كان الكلام مطلقاً استعمل الفعل الثابت سبّح. فيها كلام كثير لكن لا تريد أن نطيل الاجابة.
*تقديم الجار والمجرور على الفاعل في قوله (سبح لله ما في السموات والأرض):
التقديم حسب الاهتمام في البلاغة، هل الكلام على الفاعل الآن أو على مستحق التسبيح؟ الكلام على الله وليس على الفاعل لكن يتقدم المفعول على الفاعل لأغراض بلاغية.
*لماذا قدم السموات على الأرض؟
أولاً من الذين كان يسبح سابقاً أهل السماء أو أهل الأرض؟ أهل السماء لأن أهل الأرض لم يكونوا موجودين أصلاً، قبل أن خلق آدم فبدأ بمن هو أسبق تسبيحاً، بمن هو أدوم تسبيحاً (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) الأنبياء) (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) فصلت) فبدأ بأهل السماء لأنهم أسبق في التسبيح قبل خلق آدم ولأنهم أدوم تسبيحاً، أدوم في هذه العبادة.
*أول آية في سورة الحديد من الناحية البيانية :
ذكرنا أن فيها تقديم وتأخير وفعل ماضي ومضارع لكن الآية (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) العزيز في اللغة هو الغالب الممتنع والحكيم لها دلالتان إما أن تكون من الحُكم أو من الحِكمة. أصلاً الحكيم لها أكثر من دلالة لكن هنا فيها دلالتين. الحكيم قد تكون إسم مفعول بمعنى محكم (فعيل بمعنى مفعول مثل قتيل بمعنى مقتول) وحكيم بمعنى مُحكم قال تعالى (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) آل عمران) وفي سورة هود قال تعالى (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)) يعني مُحكم. هنا في هذه الآية حكيم لها دلالتان: حكيم من الحُكم وحكيم من الحِكمة ونجمع المعنيين للتوسع في المعنى لأنه أحياناً في اللغة الكلمة الواحدة يراد كل معانيها التي تحتملها في آن واحد وهذا يسمى التوسع في المعنى في جملة واحدة تحتمل كل دلالاتها اللغوية ويريد هذا الشيء وليس لها معنى محدداً لأن أحياناً المعنى احتمالي. الجملة العربية نوعان ذات جلالة قطعية وذات دلالة احتمالية حتى لو وضعتها في سياقها. دلالة قطعية أي دلالة واحدة (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا (275) البقرة) دلالة واحدة وتأتي بدلالة احتمالية تحتمل أكثر من معنى، تقول: اشتريت قدحَ ماءٍ، ماذا اشتريت؟ ماء أو قدح؟ إذا قلتها بالإضافة فيها إحتمالان إحتمال أنك اشتريت الماء ومحتمل اشتريت القدح، فلو قلتها بالنصب : إشتريت قدحاً ماءً تعني أنك اشتريت الماء فقط ولم تشتر القدح، إشتريت الماء ولا يمكن أن تكون اشتريت القدح. هنا الحكيم يحتمل المعنيان والمعنيان مرادان.
تكلمنا في الحلقة الماضية على مفتتح سورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وذكرنا بعض الأمور التي تتعلق بالتقديم والتأخير وذكر (ما) وعدم ذكرها وتوقفنا في نهاية الحلقة عند (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وقلنا أن معنى العزيز هو الغالب الممتنع والحكيم فيها إحتمالان فعيل من الحِكمة أو من الحُكم. الحكمة هي وضع الشيء في محله قولاً وعملاً ويقولون (توفيق العلم بالعمل). بالنسبة للناس إذا يتكلم واحد في غير مكانه وفي غير مقام فهو ليس بحكيم وإنما ينبغي أن يختار الوقت المناسب مع الأشحاص المناسبين ويتكلم بما هو في مستواهم ولا ينبغي أن يقول شيئاً ويفعل ضده فهذا ليس بحكيم. إذن الحكمة وضع الشيء في محله قولاً وعملاً. والله تعالى ذو الحكمة البالغة. الحكيم فيها اعتباران: قد تكون من باب الحكمة (الحكيم) وقد تكون من باب الحُكم (حكيم) والآية تجمعهما معاً وهذا يسمى باب التوسع في المعنى. أحياناً يؤتى بكلمة واحدة أو تعبير واحد يجمع عدة معاني كلها مرادة داخل سياق واحد. إذا أردت أن تعيّن لا بد أن تأتي أما بتعبير ذي دلالة واحدة قطعية أو تأتي بأمور أخرى حتى تصل إلى هدفك. مثال قوله تعالى: (وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا (160) النساء) ما المقصود؟ كثيراً من الناس؟ كثيراً من الصدّ؟ كثيراً من الوقت؟ يحتمل ولا يوجد قرينة سياقية تحدد أحدها وإنما أرادها الله سبحانه وتعالى جميعاً يصدون كثيراً من الناس وكثير من الصدّ، هذا يسمى التوسع في المعنى. (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) الفتح) هل قليلاً من الفهم؟ قليلاً منهم؟ يحتمل وهي مرادة. (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (82) التوبة) هل هو القليل من الضحك؟ أو من الوقت؟ المعنى: فليضحكوا ضحكاً قليلاً وقتاً قليلاً وليبكوا بكاءً كثيراً زمناً كثيراً ولو أراد تعالى أن يحدد يأتي بما يحدد كما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) الأحزاب) المراد هنا الذكر. هناك تعبيرات يسموها احتمالية ويراد بها أن تجمع لها المعاني من باب التوسع في المعنى. مثلاً في الأحكام الشرعية: (وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ (282) البقرة) و (لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ (233) البقرة) هذا حكم شرعي. (وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ) (لا) ناهية وليست نافية بدليل الراء في (يضارَّ) مفتوحة. هل هي لا يضارَر؟ أي لا يضره أحد أو لا يضارِر، هو لا يضر أحداً؟ محتمل أن الكاتب والشهيد يضغط عليه ويضر عليه ويهدد فيغير من شهادته يحتمل هذا المعنى أو أن الشهيد لا يريد أن يشهد لأسباب في نفسه، يغير في الشهادة. لا يضارَر أو لا يضارِر؟ لو أراد أن يقيّد كان يقول ولا يضارَر فيكون قطعاً هو المقصود (نائب فاعل) لو أراد أن الكاتب هو الذي يُضرِ يقول لا يضارِر. مع أن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن (ومن يرتدد) في مكان وقال (ومن يرتد) في مكان آخر (من يشاقق) و (من يشاق) بدل أن يقول ولا يضارِر أو ولا يضارَر جاء بتعبير يجمعهما معاً يريد كلاهما. إذن لو فك يجعل هناك عطف لكنه أوجز تعبيراً ويجمع المعاني ويسمى التوسع في المعنى.
(لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ (233) البقرة) لا يوقع عليها ضرر يحبث الأب يضرها إذا كانت مطلقة؟ أو هي لا تضر زوجها بحيث تمنع إبنها؟ ما المقصود؟ المعنيان مرادان وكلاهما منهي. عندنا باب إسمه التوسع في المعنى في علم المعنى، عندنا دلالة قطعية وعندنا دلالة احتمالية وهذه الاحتمالية تحتمل معاني قد تراد كلها أو بعضها فإذا أريد بعضها أو كلها يسموه التوسع في المعنى.
الحكيم من الحِكمة ومن الحُكم، هذا الجمع (العزيز الحكيم) أجمل جمع: العزيز قد يكون حكيماً وقد لا يكون حكيماً، وقد يكون حاكماً وقد لا يكون حاكماً، الحاكم هو منتهى العزة منتهى العزة أن يكون حاكماً فإذن الآن صار كمال العزة بالحكم أعزّ شيء. نأتي إلى الحكمة إذا كان العزيز متهوراً تكون عزّته صفة ذم فإذن ينبغي أن يتمم بالحكمة. فإذن ربُّنا تعالى هو العزيز الحكيم والحاكم الحكيم، كمّل في العزة بالحُكم فكان أعلى شيء لأن منتهى العزة أن يكون حاكماً وأكمل الكمال عندما كان عزيزاً فهو حكيم وعندما كان حكيماً فهو حكيم إذن اجتمعت العزة والحكم والحكمة. لو كان عزيزاً غير حكيم تكون صفة ذم ولو كان حاكماً غير حكيم تكون صفة ذم. إذن الإثنين مرادان وقدّم العزيز على الحكيم لأنه عزّ فحكم، ليس عندنا في القرآن الكريم حكيم عزيز.
ما الحكمة من تقديم العزة؟ العزة قد لا يكون صاحبها حكميماً، هو تدرج، فبدأ بما هو أقل ثم انتقل للأعلى، يكون عزيزاً ثم يكون حاكماً، كيف يكون حاكماً؟ كيف وصل إلى الحكم؟ إذا لم يكن هناك جماعة تعزه فتوصله إلى الجكم؟ لا بد أن هناك جماعة أوصلوه فلا بد أن يكون عزيزاً عند هؤلاء حتى أوصلوه، إذن عزّ فحكم.
الأمر الآخر، قال (العزيز الحكيم) بالتعريف ولم يقل هو عزيز حكيم بالتنكير لأنه أراد أن يقصر العزة في الحقيقية وحده لا عزّة لغيره على سبيل الحقيقة والحكيم هو الحاكم في الحقيقة ولا حاكم سواه على وجه الحقيقة. أإن الله تعالى هو الذي يعز ويذل ويؤتي الحكم وينزعه (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) آل عمران) إذن هو صاحب العزة، الحكمة (يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء (269) البقرة)، الحكم (وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ (41) الرعد) هذا التعريف القصر على أنه في الحقيقة كل عزة سوى عزته هي منه سبحانه سواء أعز أو أذلّ. وقد استخدم كلمة (عزيز) نكرة في القرآن وهذا بحسب السياق الذي تأتي فيه وهذا يحدد التنكير والتعريف.
الوقفة كاملة
|
| ٨٦ |
(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2))
ذكر أولاً أنه سبح له ما في السموات والأرض ثم ذكر أن له ملك السموات والأرض وهذا يقتضي أنه ملِك ما فيهما لأن الملك هو الحُكم (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ (51) الزخرف) إذن لما قال (له الملك) إذن هو الملِك لأن المُلكِ لا يكون إلا على رعيّة، إذن هو الملِك، هو ملِك ما فيهما. أفاد تقديم الجار والمجرور (له) على أنه لا مُلك لأحد سواه على الحقيقة.
في خارج القرآن يمكن أن يقال: (ملك السموات والأرض له) لو قدمنا الخبر وكان المبتدأ معرفاً لأن أحياناً التقديم يصير واجباً إذا كان نكرة، تقول: في الدار رجل، (لا يجوز الابتداء بالنكرة ما لم تُفِد). لكن إذا كان المبتدأ معرفة فتقديم الخبر يقولون للإهتمام وأبرزها القصر. محمد قائم، قائم محمد ، محمد في الدار، في الدار محمد، "محمد في الدار" هذه مبتدأ وخبر، "في الدار محمد" مبتدأ وخبر لكن قدمنا الخبر كأن الشخص يقول له لا ليس في الدار فتقول له لا في الدار، (محمد في الدار) إذا كان المخاطب خالي الذهن وسألته أين محمد؟ يقول: محمد في الدار ولا يقول في الدار محمد، الأصل عدم التقديم، الأصل حفظ المراتب وعدم التقديم: الفعل، الفاعل، المفعول به ثم القيود، هذا هو الأصل هذا لا يُسأل القائل لم قال هكذا؟ إذا قال أحدهم: أكرم محمدٌ خالداً لا نسأله لم قلت هذا؟. ولكن إذا قال محمد أكرم خالداً نقول لماذا قدّمت محمد؟ لأنه خالف الترتيب. "في الدار محمد" يجب أن يكون هناك أمر أن المخاطب يعتقد أن محمداً ليس في الدار، تقول له أنت هو في الدار، هو يرى أنه في الدكان، في المحل. من أهم أغراضه القصر وله أغراض أخرى كالاهتمام. في قوله تعالى (له ملك السموات والأرض) هذا حصراً، لو قلنا (ملك السموات والأرض له) هذا إخبار لكن لا ينفي أن يكون كما تقول فلان يملك وفلان لا يملك، لا يمنع أن يكون لأحد آخر ملك، هناك مالكين آخرين في هذا الملك، ليس هو الملك الوحيد وقد يكون هناك مالكون آخرون تحت هذا الملك، لكن له الملك حصراً لا ملك إلا هو حصراً ليس لغيره ولو قيل (ملك السموات والأرض له) يكون إخباراً وليس من باب الحصر.
*(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ما دلالة ورود هذه الآية بعد الآية الأولى؟ وهل هناك علاقة رابطة بينهما؟
ينزه الله تعالى، الشخص قد يُحمد في ذاته لم يكن مالكاً أو ملكاً فإن حكم فقد يتغير. شخص تعرفه في ذاته جيد ليس ملكاً فإذا صار ملكاً فقد يتغير أو ليس مالكاً فإن ملك على آخرين قد يتغير. إذن ربنا تعالى ذكر أنه منزّه في جميع أحواله: منزه في ذاته (سبح لله) قبل أن يكون هناك ملك وقبل أن يكون هناك أحد، ومنزّه في صفاته، منزه في عزته، منزه في حكمته، منزه في حكمه، منزّه في ملكه، منزّه في إحيائه وإماتته، لا يحيي ويميت عن عبث وإنما لحكمة، فهو منزه في كل ذلك، لا يفعل ذلك إلا عن حكمة. هذا يدل على خضوع أهل السموات والأرض له خضوع قهر وخضوع عبادة. قهر يعني غالب، قوة. (الذي له ملك السموات والأرض وهو العزيز الحكيم) هذا متمكن ورب العالمين وصف تعالى نفسه بالقهار (الواحد القهار) والقهر هو التمكن، هذا خضوع قهر. كثير من الرؤوساء في الدول يُخضِعون رعيتهم خضوع قهر. ربنا له خضوع، خضوع قهر باعتبار أنه هو المتمكن العزيز الحبار والمحيي والمميت هذا خضوع قهر لأنه متمكن. وخضوع عبادة (سبح لله) إذن هو يستحق التنزيه في كل هذه لأنه عندما تعز واحداً تخضع له خضوع عبادة؟ الرؤوساء هل تخضع لهم رعيتهم خضوع قهر أو خضوع عبادة؟ خضوع قهر. رب العالمين سبحانه وتعالى عباده يخضعون له في ملكه خضوعان: قهر وعبادة. العبادة (سبح لله) وقهر (العزيز الحكيم)، (يحيي ويميت) هذا قهر، سبحان من قهر عباده بالموت. إذن هذه الآية جمعت تنزيه خضوع العبادة (سبح لله) وخضوع القهر بما ذكر من الصفات فهو منزّه في ذاته وصفاته سبحانه.
* ورد في بعض آي القرآن الكريم (السموات والأرض وما بينهما) أما في هذه السورة فلم يرد (ما بينهما) فهل لهذا دلالة؟
كل موطن في القرآن الكريم يذكر (وما بينهما) يأتي تعقيب على من يذكر صفات الله تعالى بغير ما يستحق، تعقيب على قول النصارى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) وعلى قول اليهود (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) المائدة). بعد أن قال تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا (17) المائدة) يقول بعدها (وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) المائدة) لِمَ يتخذ الولد وهو الغني؟ له ملك السموات والأرض وما بينهما لا يحتاج الولد. اليهود يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه تأتي بعدها (وما بينهما) لماذا رقّيتم أنفسكم؟ هو تعالى لا يحتاج هذا حتى يتخذكم أبناء، لِمَ يتخذكم أبناء وهو الغني؟
لاحظنا أنه في كل موطن يقول (وما بينهما) تأتي تعقيب في الله على ما لا يليق.
موطن آخر بياني (له ملك السموات والأرض وما بينهما) فيها ذكر ثلاثة أشياء: السموات، الأرض، ما بينهما، أبداً في كل موطن في القرآن الكريم يذكر فيها (وما بينهما) يذكر ثلاث ملل: اليهود والنصارى والمسلمين. في كل موطن يذكر (وما بينهما) يذكر في السياق ثلاث ملل اليهود والنصارى والمسلمين: في المائدة ذكر الكلام على بني إسرائيل (وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ (12)) ، نصارى (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ (14) المائدة)، أهل الكتاب (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) المائدة)، ثلاث ملل. في الزخرف ذكر موسى وفرعون (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46)) وذكر عيسى (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57)) ثم قال (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)) في كل القرآن إذا قال (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85)) يذكر ثلاث ملل. وإذا لم يذكرها لا يذكر.
في آية سورة الحديد لم يقل (وما بينهما) لأن ما بينهما تعقيب على ذكر ما لا يليق بجلال الله والآية فيها تنزيه لله تعالى. والأمر الآخر ذكر ثلاث ملل وليس في الآية ذكر لها.
(يحيي ويميت) هو المنزّه في كل ما يفعل، في إحيائه وفي إماتته، في كل شيء وهذا يدل على التوحيد (وهو العزيز الحكيم) لا حكيم سواه ولا عزيز سواه هو الحاكم في كل شيء.
*(سبح) بالفعل الماضي، (العزيز الحكيم)، (يحيي ويميت) بالفعل المضارع؟ وفي القرآن قال أحيا وأمات، وقدم الموت على الحياة؟
هذه لأن الموت والحياة مستمر. في مواطن أخرى قال (أمات وأحيا) قدم الموت. الأصل للأحياء والأموات أنه كان حيّاً فأماته الموت يسبق الحياة. وقد تذكر في صفات الله تعالى (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) النجم) وقد يتكلم عن أموات سابقة أماتهم ثم أحياهم فيذكر الموت أولاً (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) النجم).
الفعل المضارع له أكثر من دلالة: هو يدل على الحال والاستقبال ويدل على الإستمرار أحياناً ويدل على الحقيقة غير مقترنة بزمن، تقول مثلاً: يذوب السكر في الماء، هذه تسمى الحقيقة من حيث هي لا تقول متى؟ لو أردنا أن نتكلم عن الفعل المضارع نفرد له حلقة كاملة.
*في قوله تعالى (وهو على كل شيء قدير) فيها تقديم وتأخير:
هو قدير على كل شيء أراد أن كل شيء حصراً، العموم. وهنا قال (قدير) ولم يقل قادر مع أنه استخدم قادر في مواطن أخرى في القرآن لأن قدير من صيغ المبالغة على وزن فعيل، إذا عمم القدرة (وهو على كل شيء قدير) أو أطلقها (وهو العليم القدير) قادر على كل شيء هذه يستعمل صيغ المبالغة (على كل شيء) فيها كثرة. إذا عمّم أو أطلق يستعمل المبالغة، إذا عممها أي إذا قال (على كل شيء) يستخدم (قدير) وإذا قيّدها بشيء يقول (قادر) (وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (37) الأنعام) قُيّدت بإنزال آية، (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) الأنعام) قيدت بالعذاب، إذا قيّدها يقول قادر لأن قادر إسم فاعل وليس مبالغة، (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) يس) قادر إسم فاعل من فعل قدر، قدير صيغة مبالغة. قدر هي مشترك لفظي (فقدر عليه رزقه) مشترك لفظي أي لها أكثر من معنى, يقولون مشترَك لفظي وأنا أرجح مشترِك لأنه إسم فاعل لأن الفعل غير متعدي فلما تقول مشترَك يحتاج مشترك لكذا تقديراً والمشترِك هو الأصل. فحيث أطلق القدرة أو عممها أطلق الصفة (وهو على شيء قدير) ومتى قيّدها قال (قادر) ليس فيها مبالغة وليس فيها كثرة، قدير فيها كثرة. فإذن حيث أطلقها يأتي بصيغ المبالغة وحيث عمّمها بكل شيء يأتي بصيغة مبالغة وحيث قيّدها يأتي بإسم الفاعل، هذا الفارق الدلالي بين إسم الفاعل وبين صيغ المبالغة التي تدل على التكثير.
الوقفة كاملة
|
| ٨٧ |
(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7))
أولاً نظرة عامة على الآية :
أولاً: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) أمرهم بشيئين: الإيمان بالله والرسول والإنفاق. هذا الأمران يطبعان السورة إلى حد كبير الإيمان بالله والرسول وليس الإيمان على العموم، الإيمان بالله والرسول يشيع ذكرهما في السورة كلها لم يذكر أركان الإيمان الأخرى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (7)) ذكر قسماً من أركان الإيمان وهو الإيمان بالله ورسوله، (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ (8)) (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء (19)) (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ (21)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ (28)) صبغة عامة تطبع السورة في عمومها، والإنفاق (وأنفقوا).
الإيمان بالله والرسول لم يذكر أركان الإيمان، والانفاق يطبعان السورة إلى حد كبير (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ (7)) (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ (10)) (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (11)) (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)) (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ (24)) السورة مطبوعة بهذين الطابعين، لم يذكر جميع أركان الإيمان ولا عموم العمل الصالح وإنما ذكر جانباً من العمل الصالح وهو ما يتعلق بالانفاق. ومع أنه ذكر القتال لكنه لم يأمر به (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا (10)) ما قال قاتلوا ولكن قال أنفقوا، جاء فيها ذكر للشهداء (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (25)) من مظنّة الجهاد لكن الانفاق هو الطابع العام في السورة وليس عموم العمل الصالح. جزء من العمل الصالح وقسم من أركان الإيمان، السورة لها منهج هذين الأمرين.
(وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) رغّبنا في الانفاق أكبر ترغيب فقال تعالى (وأنفقوا مما جعلكم) جاء بـ (مما) للتبعيض لو قال وأنفقوا ما جعلكم مستخلفين لأنفقوا الكل. (جعلكم مستخلفين فيه) هو ربنا تعالى جعلكم واستخلفكم وهو الذي يطلب الانفاق، ما قال (وأنفقوا مما أنتم مستخلفين فيه) هو سبحانه أعطانا المال وهو يأمرنا بالانفاق، (جعلكم) يعني هو الذي أعطانا إياه، (مستخلفين فيه) فالأموال هي أموال الله تعالى استخلفكم فيها ثم كانت لغيركم ثم نقلها إليكم وستنتقل إلى غيرنا سواء في حياتنا أو بعد موتنا. فإذن كل هذه الأمور هو الله تعالى استخلفنا فيها، المال ماله وهو استخلفنا فيه ولن يبقى، كان لغيرنا ثم نقله إلينا وهو بين أيدينا وقد ينتقل إلى غيرنا في محيانا أو بعد مماتنا فلم لا تنفقون؟ هو أعطانا الأموال فلماذا لا تنفق ولك أجر كبير؟ إذن دواعي الانفاق متكاثرة والمال هو مال الله تعالى هو استخلفنا فيه، كان لغيرنا ثم وصل إلينا ثم ينتقل منا إلى غيرنا وهو أعطانا إياه فلماذا لا ننفق ولنا أجر؟ فإذن الترغيب في الإنفاق إلى حد كبير فأنفق ولك أجر.
*في ختام هذه الآية في سورة الحديد قال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) وفي سورة الإسراء قال تعالى (وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9)) أكّد في الإسراء ولم يؤكد في الحديد لماذا؟
أولاً: فواصل الآيات هي أنسب مع كل واحدة لأن الإسراء فيها مدّ (أليما، عجولا) لكن ليس هذا هو السبب الأول أو الوحيد أي ليست مناسبة خواتيم الآيات هو السبب الأول وقد يكون سبباً مكملاً يأتي بعد السبب الأول. المعنى هو السيد وليست الفاصلة. وقد يأتي بسورة كاملة ثم يأتي بآية لا توافقها أي آية ففي بداية سورة الإسراء قال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)) ولا تجد مثل هذه الفاصلة في جميع السورة وإنما كلها مدّ. فالمعنى هو الأول لكن قد يأتي مع تمام المعنى ما يناسب الفاصلة. نذكر لماذا أكدّ ولماذا لم يؤكد والنتيجة أنه كل آية مناسبة لفواصل الآيات. في آية الحديد قال تعالى (فالذين آمنوا) بصيغة الفعل أما في الإسراء فقال تعالى (ويبشر المؤمنين) بالإسم. معلوم كما هو مقرر في البلاغة وفي اللغة أن الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث والتجدد والإسم أقوى من الفعل، هناك فرق بين أن تقول هو متعلم أو هو يتعلم وهو يتثقف وهو مثقف، هو يتفقه وهو فقيه، هو حافظ أو هو يحفظ من الثوابت في اللغة أن الإسم يدل على الثبوت في اللغة حتى لو لم يقع. في البلاغة عموماً يذكر أن هذا أمر ثابت تذكره بالصيغة الإسمية قبل أن يقع، تسأل مثلاً هل سينجح فلان؟ فتقول: هو ناجح قبل أن يمتحن لأنك واثق أنه ناجح كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (30) البقرة) (وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (37) هود) لم يقل سأغرقهم. هذا في التعبير أقوى دلالة من الفعل. الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث والتجدد. فإذن في سورة الحديد قال (فالذين آمنوا) صيغة فعل وفي الإسراء (ويبشر المؤمنين) فالصيغة الإسمية أقوى.
ثانياً: الإيمان في سورة الحديد خصصه الله تعالى بالله ورسوله (آمنوا بالله ورسوله) إذن الإيمان مخصص، أما في الإسراء أطلقها (ويبشر المؤمنين) لم يخصص الإيمان بشيء، جعله عاماً في كل متطلبات الإيمان ليست مختصة بالله ورسوله فالإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، كل أركان الإيمان أطلقها ولم يقيدها فجعلها أعمّ أما في الحديد فالإيمان مخصص بشيئين: الإيمان بالله ورسوله. في الإسراء مطلق لم يخصصه (ويبشر المؤمنين) هذه في الإسراء أعمّ من آية سورة الحديد.
ثالثاً: في سورة الحديد ذكر الإنفاق (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) ولم يذكر غيره من العمل الصالح أما في آية الإسراء فقال (الذين يعملون الصالحات) الذين يعملون الصالحات أعم، الإنفاق هو شيء من العمل الصالح فالذين يعملون الصالحات أعمّ من الذين أنفقوا. إذن أولاً كونهم مؤمنين أثبت من الذين آمنوا ثم أطلق الإيمان بكل مقتضيات الإيمان (مؤمنين) ولم يقيده والعمل أطلقه ولم يقيده بشيء لم يقيده بإنفاق (يعملون الصالحات) فلا شك أن آية الإسراء أعمّ فلما كان أعمّ إذن المغفرة والأجر الكبير تُؤكّد للأعمّ الثابت لا للجزئية. مؤمنين أعمّ وأثبت، مؤمنين عامة على الإطلاق وليس فقط بالله والرسول، العمل بإطلاق، عموم العمل وليس فقط الإنفاق إذن توكيد الأجر الكبير أنسب مع الذين ذكرهم في آية الإسراء مع من هو أعمّ في العمل والإيمان وأثبت في الإيمان. إضافة إلى الفاصلة التي في كل آية لكن لو سألنا شخصاً لا يعلم بالبلاغة نقول له أنت عندك آيتان كالتي معنا فأين تؤكد الأجر؟ يقول في الإسراء. بلاغة القرآن كالقوانين الرياضية الثابتة.
*ما الذي يحدث لو لم يؤكد في الإسراء؟
لو كان كلاماً عادياً لا يؤكد لكن لما تأتي في البلاغة ويأتيك موطنين كل واحد في مكان. البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال بمعنى ماذا يحتاج الحال؟ هل يحتاج توكيد؟ أنت رأيت إنساناً مُنكِراً تؤكد له، غير منكر لا تؤكد له، إنسان منكر إنكار كبير تقسم له هذا ما يقتضيه الحال. أي الحالين يقتضي توكيد الأجر الكبير؟ لو كان كلام متكلم عادي يتكلم بما يشاء لكن هل هو على حد البلاغة أن يكون كلام في مكانين وواحد منهم فيه أمور أرسخ من الآخر وأوسع وأعم تجعلهما بشكل واحد؟!. في سورة يس مثلاً قال تعالى (إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ) وقال (إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) أكّد أول مرة بـ (إن) وهذا التأكيد جاء بعد تكذيب (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14)) ثم صدر إنكار آخر بعده (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15)) فاحتاج لتوكيد بالقسم (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)) (ربنا يعلم) هذا قسمٌ عند العرب، القَسَم و (إنّ) واللام في (لمرسلون) هذا بعد الإنكار الآخر (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)). لا يستوي أن يقول إنا إليكم مرسلون لأنه زاد الإنكار فزاد التوكيد. القرآن الكريم يبين ذلك تماماً كالمعادلة الرياضية.
*في سورة الحديد قال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) وفي سورة فاطر أضاف المغفرة فقال (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7)) وفي سورة الملك (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)) فما دلالة ذكر المغفرة مع الأجر وعدم ذكرها؟
كل موطن في القرآن يذكر فيه المغفرة يجب أن يذكر فيه الذنوب والكافرين في سائر القرآن. لما يضيف المغفرة للأجر الكبير لا بد أن يسبقها أو يأتي بعدها الذنوب والكافرين، يذكر في السياق أمرين: الكافرين والذنوب. في سورة فاطر بدأ تعالى بقوله (الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)) سوء عمله هذا ذنب، (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (10) فاطر) ذكر الكافرين مع الذنب، (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا) مباشرة بعده في سياق الكفر والذنب. نفس الأمر في سورة الملك (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)) ذنب وكافرون، كلما يقول مغفرة وأجر كبير يسبقها أمران الكفر والذنب. في سورة الحديد لم يذكر الكافرين ولا الذنب فلم يذكر المغفرة.
*مع الذنوب يستعمل القرآن اغفر ومع السيئات فيستعمل كفِّر (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا (193) آل عمران) فهل هناك فرق بين اغفر وكفّر وبين الذنوب والسيئات؟
الذنوب أكبر من السيئات، السيئات صغائر والذنوب كبائر. تستعمل سيئة وقد تكون من اللمم، أنت تقول أسأت إلى فلان ولا تقول له أذنبت معه. فالسيئة قد تقال لصغائر الذنوب والذنوب ما هو أكبر. هذا يقتضي التغيير في المغفرة والتكفير. يقولون أن التكفير هو أصلاً ستر: كَفَر الشيء أي ستره ومأخوذ أصلاً من الزرع فالزارع يسمونه الكافر لأنه يستر البذرة في الأرض، كفرها أي سترها. الكافر في الشريعة هو الذي خرج عن الملة هذا في الاصطلاح وفي اللغة يعني ستر. في العربية البذرة تحفر لها حفرة صغيرة، وأصلاً العرب يسمون الليل كافر ومن أسماء الليل الظلمة والكافر لأنه يستر كما قال الشاعر:
لي فيك أجرُ مجاهد إن صحّ أن الليل كافر
المغفرة من المِغفَر وهو الذي يُلبس في الحرب حتى يمنع السِهام. أيها الأمنع من الإصابة المِغفر أو التراب في الأرض؟ المِغفر أمنع. الليل يستر لكن لا يمنع سهماً أو إصابة وإنما يستر على العموم لكن لو جاءت ضربة لا تمنع أما المِغفر يمنع، فلما كان الذنب أكبر فهو يحتاج إلى مانع أكبر لذا قال معه مغفرة لأن الذنب أكبر، الذنب يصيب الإنسان إصابة كبيرة فيحتاج إلى مغفرة كما يحتاج المِغفر في الحرب. لما كان الذنب أكبر إحتاج لمانع أكبر ولمغفرة أشدّ. كفر ستر قد تكون بدون منع أو قد تكون بمانع خفيف لذا قال (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا).
*هل هذا من قبيل الترادف في العربية أم أنه ليس هناك ترادف في العربية؟
هذا كلام طويل بين اللغويين والذي يبدو لي الترادف عندما يكون من لغتين أما في اللغة الواحدة فليس فيها ترادف. لغة تسمي سكين ولغة تسميها مدية، هاتان لغتان، اللهم إلا إذا كانت تراكم اللغة بالاتصال والتأثير والتأثر أما في أصل اللغة فلا أظن أن هناك ترادفاً وكل كلمة وضعت لغرض حتى لو كان هناك تقارب كبير ولكن ليس ترادفاً. في القرآن الكريم حتى لو جاء من لغتين فلا يستعملها مترادفتين. القرآن الكريم الكلمة الواحدة أحياناً يجري فيها تغيير لغرض بما يتناسب مثل توفاهم وتتوفاهم الكلمة نفسها حذف في واحدة والعرب يحذفون. الكلمة نفسها لكن لا يفعل ذلك إلا لغرض، لا يقول توفاهم بمعنى تتوفاهم ولا يستعمل تتذكرون مثل تذكّرون. أما نزل وأنزل فالبناء مختلف (أنزل أفعل ونزّل فعّل) وأفعل غير فعّل، أفطر غير فطّر لكن الكلمة واحدة. تستطع وتسطع، (وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ (2) النساء) الكلام عن اليتامى وفي آية أخرى (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ (52) الأحزاب) ما قال تتبدل. هذا الفرق في القرآن له غرض ويمكن أن نفرد له حلقة خاصة. كلمة ريح ورياح لها خصوصية في الإستعمال القرآني فالقرآن يستعمل الغيث مثلاً في الخير والمطر في الشر، هذه حالة خاصة بالقرآن وليس بالغة العربية. الصوم الصيام في القرآن لا يستعمل في العبادة إلا الصيام (كتب عليكم الصيام) والصوم في الصمت وليس في العبادة (إني نذرت للرحمن صوماً) أما في الحديث فيستعمل الصوم للعبادة (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
*هل العرب كان لها خصوصية محددة في استعمال ألفاظ محددة؟
مع لغتها لكن القرآن يخصص. من لم يؤمن بالقرآن كان يفهم حينها أكثر مما نقول بدليل أنه عندما تحداهم (والتحدي في الجاهلية كان موجوداً يقول أحدهم للآخر أنا أشعر منك ويقول الآخر أنا أشعر منك فيتنافران ويذهبان إلى محكِّم) قال لهم تعالى (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ (23) البقرة) لإيلاف قريش سورة وأبو جهل وغيره سمعوا هذا الكلام ولم يأتوا بسورة مثله (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الإسراء) تحداهم بسورة قصيرة مثل الكوثر، الإخلاص، العصر، وهم كان لديهم من الفصاحة ما هو معروف ولم يكن أحدهم يرضى أن يقول له أحدهم أنا أشعر منك!.
*إذا كانت الكلمات هي الكلمات فما سر الإعجاز في القرآن؟ ولم لم يأتوا بمثله؟
هي ليست مسألة رصف كلمات. أذكر في الكلية كان هناك أستاذ يدرِّس الأدب فقال العرب يفهمون الكلام وهو كلامهم فلماذا لا يأتون بقرآن مثله؟ الكلام كلامهم وهم يفهمونه فردّ عليه أستاذ آخر فقال له أنت استاذ أدب تشرح الشعر وتفهم كلام المتنبي فاتِ بمثله! تفهم مفرداته وتعلم مقاصده فإتِ بمثله وأنت أستاذ أدب تشرح للطلبة فاصنع قصيدة مثل المتنبي. فهي ليست مسألة مفردات وكلمات تجمعها وتعرضها لكن فكرة نظم تحدث عنها الجرجاني.
*لماذا جهلنا اللغة العربية ونحن أبناء العرب؟
نحن الآن نتعلم اللغة ونحن لا نتكلمها سليقة ولا نعرفها ونتعلمها وتعلمناها تعلماً مبتوراً، لا نعرف اللغة والناس تجهل اللغة وأذكر طالبة في الصف الرابع تدرس النحو تقول (أوكي) فقلت لها نحو وفي الصف الرابع وتقولين أوكي؟! نحن لا نعلم اللغة والطلبة أصلاً لا يعرفون شيئاً عن اللغة.
*يقولون أن اللغة العربية صعبة جداً في التعلم؟
هذا أيضاً يحتاج ليكون محوراً لحلقة. لا شك أن الإعراب مثلاً فيه صعوبة باعتبار يجب معرفة المرفوع والمنصوب والمجرور والمجزوم ولا شك أن الإنجليزية أسهل. فإذا أردت أن أقول أنا أذهبُ بالإنجليزية أقول: I am going أما في العربية وتقول I want to go نفس الفعل أما في العربية فأقول أريد أن أذهبَ وفي الإنجليزية أقول : I didn’t go نفس الفعل أما في العربية فأقول: لم أذهبْ،. لكن نسأل هل هي الصعوبة المقياس الوحيد؟ لو كان عندما جهازان من الأجهزة التقنية الحديثة وفي أحدهما مزايا مهمة أكبر من الصعوبة التي في الجهاز الآخر بحيث لا يؤدي إلا إلى خدمات قليلة والجهاز الذي فيه صعوبة يؤدي إلى خدمات متعددة فأيها الأفضل؟ الجهاز الذي فيه خدمات يحتاج لتعلم أفضل من الآخر. العربية تماماً مثل جهاز متطور بتقنية عالية جداً بالنسبة للغات الأخرى. أنت تقول: أعطى محمدٌ خالداً كتاباً يقابلها بالإنجليزية: Mohamed gave khaled a book في العربية يمكن أن أقول: أعطى محمدٌ خالداً كتاباً، كتاباً أعطى محمدٌ خالداً (تقديم المفعول به)، خالداً أعطى محمدٌ كتاباً، خالداً كتاباً أعطى محمد، خالداً كتاباً محمد أعطى، أعطى خالداً كتاباً محمدٌ (الفاعل في الآخر)، أعطى كتاباً خالداً محمدٌ، أعطى كتاباً محمدٌ خالداً، أكثر من عشر صور وكل واحدة لها معنى يختلف عن الآخر وكل واحدة لها دلالة تختلف عن الأخرى، كيف تعبر عنها بالإنجليزية والفرنسية؟ بصورة واحدة أما في العربية فقد أعبر عنها بعشر صور مختلفة لا تستطيع لغة أجنبية أن تعبر عنها.
في النفي: لا طالبَ غائبٌ تقال بالإنجليزية: no student is absent أما في العربية فيمكن أن تقول: لا طالبٌ غائباً، وقد ورد في القرآن ما يشبه هذه الحالة (وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ (61) يونس) وورد (وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ (3) سبأ) اختلفت الدلالة. ليس هذا فقط وإنما يمكن أن تقول: ما طالبٌ غائباً، ما طالبٌ بغائب، ما من طالب بغائب، ونأتي بليس: ليس طالباً غائباً (قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66) الأنعام) (وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108) يونس) النفي مرة بليس ومرة بما والإثنان للنفي والدلالة مختلفة وكل واحدة لها دلالة. وتأتي بـ (إن) النافية، أكثر من عشرين جملة تقابلها في الإنجليزية جملة واحدة. (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) النجم) أولاً نفى بـ (ما) والمرة الثانية بـ (إن)، (وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) يوسف) نفى بـ (ما). اللغات الأخرى بائسة في المعاني بالنسبة للغة العربية الثرية التي هي لغة القرآن. نخصص إن شاء الله تعالى حلقات لإظهار وبيان عظمة اللغة ونصصح الفكرة الخاطئة.
سألت أستاذ لغة إنجليزية عندما كنت في جامعة بغداد أن يترجم لي جملة: "بينما كنت ماشياً" فقال: while I was walking ثم سألته أن يترجم :بينما كنت أمشي" ترجمها نفس الجملة لكن في العربية واحدة فيها إسم فاعل (ماشياً) إسم دال على الثبوت والثانية فعل (أمشي). من هنا جاءت إستحالة ترجمة القرآن ولكن يمكن ترجمة المعاني العامة. (وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ (61) يونس) (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ (3) سبأ) واحدة في يونس وواحدة في سبأ.
الوقفة كاملة
|
| ٨٨ |
(إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18))
ذكر تعالى في غير موطن المتصدقين والمتصدقات وأشرنا في أكثر من مناسبة ووقفنا عند هذا وقلنا أنه من باب الإبدال الجائز. أصل المصّدّقين والمصدقات متصدقين ومتصدقات مثلما ذكرنا يدّبر ويتدبر وذكرنا في حينها أنه فيها تضعيفان (المصّدّقين) والتضعيف فيه مبالغة فهنا قال (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ) لما بالغوا في الصدقة أعطاهم مضاعفة لذا لاحظ في سورة يوسف قال (وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) يوسف) لم يطلبوا المبالغة في الصدقة وهذا من حسن أدبهم يعني يكفيهم الشيء القليل فلم يقولوا (فاصّدّق علينا) كأنهم يريدون الشيء الكثير. قسم قال (يجزي المتصدقين) لم يقل المصدقين لأن المتصدقين تشمل المقلّين والمكثرين. لو قال المصدقين تدل على أنه يجزي المبالغين في الصدقة دون غيرهم لكنه يجزي المُقِلّ والمُكثِر. المصّدّقين والمصّدّقات هم المكثرون في الصدقات فقال تعالى يضاعف لهم ولهم أجر كريم، هؤلاء المبالغين في الصدقة وأقرضوا الله قرضاً حسناً والجزاء على قدر العمل. (مصّدّق) الذي يُخرج أمواله في سبيل الله ومنها قد تكون من باب الفروض كالزكاة ورب العالمين سماها صدقة.
*ماذا يفيد العطف بين المصدقين والمصدقات؟
أولاً يدل على استقلال النساء في أموالهن، وما دام مالها فلها الحرية في أن تصرف وتقرض الله قرضاً حسناً وأن تفعل ما تشاء في مالها. ويبين أيضاً أنه إذا كان لها مال فلا تغني صدقة زوجها أو أبيها عنها وأنها يضاعف لها كما يضاعف للرجال. ثم ذكر المؤمنين والمؤمنات والمنافقين والمنافقات فالجو العام هكذا فذكر المصدقين والمصدقات.
*ألا تشمل المصدقين كجمع مذكر النساء أيضاً للتغليب؟
أحياناً وأحياناً يراد به التفصيل، يذكر الأمرين وحتى المصدقات إذا كان لهن مال فليس لأحد أن يرغمهن على أموالهن فيمنعهن من الصدقة ولهن أن يتصرفن بأموالهن وأن عليهن الصدقة كما على الرجال ولا تغني صدقة أزواجهن ولا آبائهن إذا كان لهن مال لذلك أفردهم (والمصدقات). ومثله جرى في السورة فذكر المنافقين والمنافقات والمؤمنين والمؤمنات فذكر أيضاً المصدقين والمصدقات، جرى هذا النمط في السورة. هذا ما ذكرناه في الحلقة الماضية.
*ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (وأقرضوا الله قرضاً حسناً) ولماذا ذكر القرض بعد المصدقين؟
قسم ذهب إلى أن الصدقة غير القرض. قسم قال القرض هو تطوع والصدقة في الواجب. ربنا تعالى سمّى الزكاة صدقة لكن هي ليست مقصورة على الزكاة وإنما هي عبادة عامة (المال) ومنها الزكاة لكن قسم من الصدقة هو فروض كصدقة الفطر وبعض الصدقات كالكفارات هذه فروض والزكاة فرض. فقسم قال الإقراض المذكور هو من باب التطوع ولا يدخل في باب الفروض. المصدّقين قد يدخل فيها الفرض. وقسم قال القرض هو أعمّ من الصدقة يدخل في الفروض وغير الفروض. فإذا كان الأمر كذلك فهو من باب عطف العام على الخاص إذا كان القرض هو أعم من الصدقة (ما كان تطوعاً وغير تطوع) أي الصدقة في عمومها يصير أعم من الصدقة فعند ذلك إذا كان الأمر كذلك أي إذا كان القرض عموم الصدقة فتكون أعم من الصدقة فيكون من باب عطف العام على الخاص. وقسم يقول لا هي تطوع الصدقة هي في الفروض والقرض هو في التطوع والذي يبدو لي - والله أعلم- أن القرض في التطوع ويختلف عن الصدقة بدليل أنه فيما أظن أن القرض هو في صدقة التطوع نلاحظ أن القرآن الكريم يذكر القرض الحسن بعد الزكاة في مواطن وقد يأمر به بعد الأمر بالزكاة كما في قوله (لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا (12) المائدة) ذكر الزكاة ثم ذكر القرض الحسن، الزكاة فرض فقال بعدها (وأقرضتم الله). وفي آية أخرى قال تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا (20) المزمل) هذا أمر. يبدو لي أنه لما عطفها على الزكاة والزكاة فرض صار القرض من باب التطوع، من باب المندوبات وليس كل المندوبات فروض لكن علمنا أن الزكاة فرض وعطفها على الزكاة فلا يأخذ نفس الحكم لأنه ليس بالضرورة أن يأخذ المعطوف نفس الحكم خاصة في المندوبات فقد يكون عطف مندوب على فرض.
ثم تسميته (قرض) المُقرِض ليس ملزماً بالإقراض. القرض في اللغة إعطاء مال تحديداً. القرض إعطاء مال ويتوقع إسترداده أما الزكاة فلا تُردّ. لما قال المصدقين والمصدقات الصدقة لا تُردّ، المقرِض عندما يُقرِض شخصاً المفروض أن يرد عليه قرضه. لذلك لما قال تعالى (من ذا الذي يقرض الله) رب العالمين سيرده عليه بأضعاف كثيرة (فيضاعفه له). تسميته قرضاً المقرِض ليس ملزماً بالإقراض إذا أردت الاقتراض من أحد فهو ليس ملزماً بإقراضك فلما قال ربنا (قرض) معناه أنه ليس ملزماً، معناه أنه من باب التطوع. وبخلاف التصدق لأن منه ما يلزم. وقال تعالى في أكثر من موضع (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) كأنه من باب الترغيب. فتسميته قرض توحي والله أعلم بأنه ليس من باب الفروض وحتى طبيعة قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) من باب الترغيب وليس من باب الإلزام.
(قرضاً) أحد أمرين: إذا كان المقصود مال تحديداً يكون مفعولاً به وإذا كان مصدراً فيكون مفعولاً مطلقاً.
*ما المقصود بالقرض في (قرضاً)؟ هل هو مال؟
إذا كان مالاً يكون (قرضاً) مفعولاً به (أقرضتك مالاً) وإذا كان مصدراً يعني أقرضتك إقراضاً حسناً يكون مفعولاً مطلقاً ويصير حدثاً. المصدر أقرض إقراضاً وليس قرضاً. المسألة أن قرض مصدر قَرَض وقَرَض وأقرض كلاهما بمعنى واحد ثلاثي ورباعي وأحياناً نأتي بالمصدر، نأتي بالفعل وتأتي بمصدر فعل آخر كما في قوله تعالى (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) نوح) لم يقل إنباتاً وقال في مريم عليها السلام (وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (37) آل عمران) المفروض أن يقال إنباتاً، لكن هذا يكون لغرض. إذا كان الفعلان بمعنى واحد قرض وأقرض أو حتى لم يكونا بمعنى واحد يكون لغرض آخر مثل قوله تعالى (وتبتل إليه تبتيلا) المفروض تبتّلاً. تبتيل مصدر بتّل وبتل غير تبتّل تماماً والمعنى مختلف. ليجمع المعنيين يأتي بالفعل للدلالة ويأتي بالمصدر من فعل آخر من دلالة أخرى فيجمع بينهما حتى يجمع المعنيين. فبدل أن يقول: وتبتل إليه تبتلاً وبتّل نفسك إليه تبتيلاً يقول (وتبتل إليه تبتيلاً) فيجمع المعنيين وهذا من أعجب الإيجاز. هذه الآية (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) المزمل) فيها أمور في غاية الغرابة في الإيجاز. في مريم قال (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (37) آل عمران) لم يقل إنباتاً لأنه لو قال إنباتاً هو الله تعالى أنبتها فالمنبِت هو الله تعالى لم يجعل لها فضلاً لكن أنبتها فنبتت نباتاً حسناً جعل لها من معدنها الكريم قبول هذا النبات وأنبتها فنبتت نباتاً حسناً أي طاوعت هذا الإنبات فجعل لها قبول، فجعل لها فضل في معدنها الكريم. بينما لو قال إنباتاً لم يجعل لها فضلاً رب العالمين أنبتها يفعل ما يشاء، لكن نباتاً جعل لها فضلاً، هي نبتت وجهل لها فضلاً فنبتت نباتاً حسناً فجعل لها في معدنها قبول لهذا النبات فنبتت نباتاً حسناً.
*هل المقصود بالقرض في الآية (قرضاً حسناً) المال أو المصدر؟
أحياناً يسمونه التوسع في المعنى. يمكن أن نذكر هذا التعبير بعدة صور: أقرضوا الله إقراضاً حسناً، قرضوا قرضاً حسناً باعتبار فعل قرض بمعنى أقرض. لو قال أقرضوا الله إقراضاً حسناً لم يكن إلا معنى المصدر، معنى واحد هو الحدث إقراضاً فقط. لما قال قرضاً حسناً فيه أمران المال والحدث، الإقراض الحسن في التطوع وكيفية الإقراض والمال هو حسن في نفسه من الحلال الطيب فيجمع الأمران الإقراض والمال. لو قال إقراضاً فقط كأنه فقط المصدر، فقط الحدث ولذلك جمع بين الأمرين.
* لماذا استخدم أقرضوا الله ولم يقل قرضوا الله؟
أقرضوا الله أشهر.
*ما فائدة حسناً بعد قرضاً؟
ذكرنا سابقاً القرض الحسن. وللعِلم أنه لم يذكر القرض إلا وصفه بالحسن في جميع القرآن. ذكرنا في حينها ما المقصود بالقرض الحسن: في الشخص أن يكون من دون منٍّ، عن طيب نفس وبشاشة وجه، وفي المال ينبغي أن يكون في المال الحلال الطيب الكريم وأن لا يبتغي الخبيث (وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ (267) البقرة) ثم في الجهة أن يتحرى أفضل الجهات، هذا القرض الحسن. القرض الحسن يكون له صفات في المقرِض وصفات في المال وصفات في الجهة، هذا هو القرض الحسن يكون من كريم المال وحلاله ويكون من دون منّ ويكون في أفضل الجهات التي فيها نفع للمسلمين ولذلك لا تجد في القرآن إلا وصفه بالحسن، القرض بالذات. أيضاً لا تجد القرض إلا لله. الصدقة أطلقها لكن القرض لم يأت إلا قرضاً حسناً ومع الله تعالى (أقرضوا الله قرضاً حسناً) حتى يفرق بين القرض الذي هو في المعاملات والقرض الذي هو عبادة مع الله. هنا الإقراض قد يكون بين الناس في المعاملات وهنا المقصود العبادات ولذلك دائماً يقول وأقرضوا الله. لو قال أقرضوا لم تختص بالعبادة وإنما بالمعملة بين الناس ولذلك الصدقة دائماً عبادة أما الإقراض فليس دائماً عبادة فقد يكون في المعاملة والتعامل بين الناس ليس له علاقة بالعبادة. ولذلك في القرآن هنالك أمران أنه وصف القرض بالحسن والآخر أنه لله تعالى. هذان الأمران في جميع القرآن لم يرد الإقراض إلا بهذين أنه حسن وأنه لله تعالى فقط ولهذا ثوابه من الله عز وجل يضاعف له.
* لماذا عطف بالفعل على الإسم في الآية (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)؟
هذا يجوز إذا كان الإسم المشبه بالفعل يجوز عطفه على الفعل (واعطف على اسم شبه فعل فعلاً وعكس استعمله تجده سهلا) تكرر أكثر من مرة على ما هو مقرر في القرآن أن الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث. الصدقة لازمة ثابتة ولذلك لا تجد في القرآن (المقرضين) لأنها ليست صفة ثابتة ثبوت الصدقة كما نجد المتصدقين التي هي ثابتة.
الوقفة كاملة
|
| ٨٩ |
*ما دلالة استعمال (إذا) دون (إن) في الآية (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7))؟
إذا في اللغة أقوى من إن، (إن) تستعمل للأمور المحتملة الوقوع والمشكوك في حصولها ولافتراض الأمور التي قد لا تقع أو إذا وقعت فهي أقل أما (إذا) فلا تستعمل إلا فيما هو واجب وقوع أو الذي يقع كثيراً مع أن كلاهما شرط. لما سأل موسى ربه (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي (143) الأعراف) أمر مشكوك فيه ليس بالضرورة أن يستقر. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (71) القصص) هذا افتراض، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (72) القصص) هو أمر افتراضي غير واقع في الحياة (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (9) الحجرات) هذا ليس أمراً يومياً وإنما قلّ ما يقع وليس كأمر الصلاة (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (10) الجمعة). (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) الرحمن) (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا (61) الأنفال). أما إذا تستعمل للمقطوع بحصوله أو كثير الحصول (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ (180) البقرة) (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ (17) الكهف) لا يمكن أن تقول إن طلعت الشمس إلا في اليوم الغائم، (وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) ولذلك كل أحداث يوم القيامة تأتي بـ (إذا) ولا يصح أن تأتي بـ (إن) لأنها واقعة لا محالة (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) التكوير) لا يمكن أن يؤتى بإن ولا يصح لأنها واقعة لا محالة وهذه قاعدة. (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ (5) التوبة) لا بد أن تنسلخ، (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ (10) الجمعة) لا بد أن تنقضي، (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا (86) النساء) هل هناك يوم لا يحيي أحد أحد؟ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ (282) البقرة) (فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ (282) البقرة) هذه الحالة أقل من الأولى. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (6) المائدة) هذه أقل. (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ (25) النساء) إذا أحصن أي البلوغ فإن أتين بفاحشة هذه قليلة الحدوث. (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ (180) البقرة) هذه قاعدة. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا (28) الأحزاب) هذا افتراض. (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا (33) النور) هذا افتراض. إذا وإن تدلان على الشرط لكن (إذا) هي إما لما هو واقع لا محالة أو كثير الوقوع أما (إن) فهي افتراض وقد يكون استحالة أو أمور لا تقع ولكن ليس هنالك لها في واقع الحياة حصول (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44) الطور) متى رأينا كسفاً من السماء ساقطاً؟ إذن (إذا) أقوى من (إن) من حيث الوقوع وقد وردت في القرآن 362 مرة ولم يرد في موطن واحد في افتراض أنها لم تقع بينما (إن) في افتراض، يمكن تقع أو لا تقع (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا (23) البقرة) لكنها ليست مثل (إذا). فإذن لما قال (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) القراءة حاصلة. هناك فرق بين (إن) الشرطية وإن النافية (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) الملك) هذه بمعنى (ما) ونميز الشرطية بفعل الشرط وجواب الشرط وإذا دخلت على المضارع تجزم وهي مختصة بالدخول على الأفعال بينما (إن) النافية تدخل على الأسماء والأفعال
الفرق بين (إذا) و(إذ):
إذ ظرف للماضي في الغالب ولا يعدونها من أدوات الشرط، إذما من أدوات الشرط (وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ (86) الأعراف) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ (9) الأحزاب) النحاة يقولون إذ للماضي وإذا للمستقبل ونحن نقول (إذ) في الغالب للماضي وإذ ليست شرطية. (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب لجوابه مبني على السكون. (إذ) إسم، ظرف زمان للماضي في الغالب لأنه في القرآن (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ (71) غافر) وهذه للمستقبل (سوف) في جهنم يسحبون في الحميم وإن كان له تأويل آخر أنه مستقبل منزَّل منزلة الماضي لكني أعتقد أنها في الغالب للماضي كما أن (إذا) في الغالب للمستقبل وقد تكون في الماضي كما في قوله تعالى (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ (90) يونس) هو أدركه الغرق بالفعل. (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ (86) الكهف) حتى في آية الجمعة (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا (11) الجمعة) هذه الآية نزلت بعد ما وقع الأمر. النحاة لا يقولون غالباً ولكنهم يقولون أن أدوات الشرط كلها في الاستقبال.
*قال في الآية تتلى بصيغة المضارع (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) ولم تأتي بالماضي مع أنه قال (وَلَّى مُسْتَكْبِرًا)؟
الله أعلم الفعل الماضي كما يبدو لي في الشرط يفيد حصول الحدث مرة واحدة والمضارع يفيد تكرر الحدث مثلاً نلاحظ في آيتين متتابعتين (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا (92) (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا (93)) القتل الخطأ ليس من المفروض أن يتكرر فإذا كان يتقل مؤمناً متعمداً هذا يتكرر لذا في القتل الخطأ قال (قتل) وقال (يقتل) لما كان افتراض تكرر الحدث. (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا (19) الإسراء) (وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا (145) آل عمران) من أراد ماضي ومن يرد مضارع يتكرر، الثواب يتكرر، كل شيء متعلق بالثواب يتكرر أما الآخرة فواحدة. (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ (19) الأنفال) (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا (8) الإسراء) لو لاحظنا قال (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ) قالها في كفار قريش بعد وقعة بدر هم عادوا بينما (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا) هذه في بني إسرائيل وقد ذكر أنهم يفسدون في الأرض مرتين إحداهما ذهبت وتبقى الأخرى. (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي (76) الكهف) بقي له سؤالاً واحداً، (إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) محمد) هذا متكرر بينما في الأولى سؤال واحد ثم تنقطع المصاحبة. الماضي والمضارع مع الشرط يدلان على الاستقبال لكن الماضي مرة واحدة أو أقل والمضارع فيه توقع حدوث مرات كثيرة. ولذلك هنا في آية لقمان قال (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) دلالة على تكرار التلاوة الذي يفترض أن يؤدي إلى التأمل والتفكر والانتباه يدعوه للتأمل وهذا بخلاف لو قال تليت عليه إحتمال أن تكون تليت مرة واحدة. وقال (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) قال آياتنا بإضافة الآيات إلى ضمير التعظيم لله تعالى لتعظيم فعلة هذا والتشنيع عليه أن آيات الله ويستهزئ بها وولى مستكبراً كأن لم يسمعها.
*قال تعالى في آية سورة لقمان (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) وفي الجاثية تحدث عن هذا المعنى بصورة مختلفة (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)) لم يقل كأن في أذنيه وقراً فلم فذ آية لقمان بالتحديد وردت (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا)؟
نقرأ الآيات في سورة لقمان (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)) وفي الجاثية (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)) كيف يكون في أذنيه وقر وهو يسمع كلام الله؟ في لقمان لم يقل يسمع آيات الله، قال تتلى عليه لكنه لم يقل يسمعها. أما في الجاثية قال يسمع آيات الله تتلى عليه فكيف يقول في أذنيه وقراً؟ لما لم يقل يسمع ناسب أن يقول (كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) في لقمان. السماع يأتي من التلاوة هناك من يتلو حتى يسمع. الوقر المانع يمنعه من السماع هنالك شيء في أذنه لا يسمع جيداً.
*الملاحظ بقوله تعالى (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) فبشره بضمير الإفراد ولم يجمع الضمير مع أنه سبق الخطاب بالجمع (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) فلماذا؟
قال سبحانه (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) نلاحظ هنا ذكره وحده لم يذكر معه أحداً آخر ونلاحظ سياق الآية كلها تتكلم عن شخص واحد (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا) إفراد، بينما الآية قبلها التي جمع فيها يتكلم عليه وعلى من أضله (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (6)) هناك أصبح جماعة تهديد له ولمن يضله فقال (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) بالجمع وليس له وحده، فإذن هناك كان التهديد للجمع (أولئك لهم عذاب مهين) له ولمن يضله وهنا لما كان الكلام هنا عليه وحده أفرد قال (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وقال بشره مع أن البشرى لا تكون إلا في الخير استهزاء به وسخرية منه فقال (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
*ختمت الآية بقوله تعالى (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وفي آية قبلها قال (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) فما الفرق بين العذاب المهين والعذاب الأليم؟
هذا ليس تعرضاً وإنما وصف آخر، الإهانة تكون إذا وقعت أمام الآخرين. يكون العذاب مهيناً إذا كان هناك من يشهد العذاب إذا لم يكن هنالك من يشهد فالإهانة ليست ظاهرة وكلما كان المشاهدين والحاضرين أكثر كانت الإهانة أكثر. هذا ذكر هنالك من يُضلهم (عذاب مهين) لأنه يشهد بعضهم هذا الذي أضلهم سيعذب أمامهم فهي إذن هذه إهانة له هذا الذي كان يفعل هكذا ويضل هو الآن يعذّب وله عذاب مهين يهينه أمام هؤلاء الذين أضلهم وهؤلاء أيضاً كلهم سيعذبون وكل منهم يشهد عذاب الآخر فهم في عذاب مهين. أما في الآية الثانية فهو وحده له عذاب أليم لا ينطبق عليه مهين. العذاب المهين قد يكون أليماً وهو أولاً كونه مستهزئ جمع أمرين لأن الذين يستهزئ بهم هو أهانهم وآلمهم. الإهانة بحد ذاتها قد يكون فيها إيلام للآخريم فجمع الله تعالى له بين الإهانة والألم. وقد يكون العذاب المهين ليس مؤلماً جسدياً ولكن مؤلم نفسياً أما هنا فجمع له بين العذابين الإهانة والإيلام في مجموعهم (أليم ومهين). أول مرة قال (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) هذه إهانة ثم قال (فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) هذا ألم إذن صار له عذابين إهانة وألم وليس مهيناً فقط من دون إيلام. قد يكون على سبيل المثال أن أحداً في سبيل المبدأ، في سبيل القرآن، في سبيل الإسلام يُعذّب لكن لا يرى فيه إهانة بل يرى فيه فلاحاً وثباتاً وعزة وصلاحاً وحسنة. بينما هنا جمع له عذاب مهين وأليم كما استهزأ بالآخرين وأهانهم وآلمهم هنا جمع له عذاب مهين وأليم. وقد يكون المهين غير مؤلم جسدياً لا يشترط في اللغة أن يكون مؤلماً جسدياً فجمعهم مهين وأليم. مهين يشهد بعضهم عذاب بعض والإهانة وما إلى ذلك وما كان يضلهم فأهانه أمام جماعته وشهد بعضهم عذاب بعض وإهانة العذاب لهم وآلمهم به فجمع بينهما.
*تقدير العذاب في القرآن الكريم (عذاب أليم، مهين، شديد) هل يرتبط نوع العذاب بصدر الآية القرآنية؟
يرتبط ويرتبط بفعل المعذب ماذا يقدم له من فعل المعذب وكيف قدم له؟ فيذكر بسبب السياق وفيما اقتضى العذاب.
.
الوقفة كاملة
|
| ٩٠ |
.(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9))
بعد أن ذكر الكافرين وأن لهم عذاب أليم مهين ذكر ما يقابلهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ذكر أن لهم جنات النعيم أضاف الجنات إلى النعيم بمقابل ما يلقاه المُِضل من عذاب مهين وأليم هو الذي يلقى عذاباً مهيناً لو وضعته في الجنة وأنت تعذبه لا ينعم فهنا ربنا قال (لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) فهو إذن يتنعم في مقابل ما يلقاه ذاك من عذاب مهين هذا ينعم مقابل ذاك الذي يهان ويألم. ثم تقديم الجار والمجرور (لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) وهذا من باب الاختصاص أي لهم لا لغيرهم، للذين آمنوا وعملوا الصالحات لا ينعم أحد في الجنة غير هؤلاء حصراً.
كل الجنات هي نعيم وليس في الجنة بؤس ولا شقاء كلها نعيم بمقابل ما يلقاه ذاك في النار من الإهانة والعذاب. خالدين فيها أي ليس فقط لهم جنات النعيم كما تقول لك هذه الدار وإنما الخلود فيها. معنى الخلود البقاء والدوام يقولون الخلود الطويل لكن بالنسبة للآخرة لا ينقضي ولذلك يقول أحياناً أبداً أي ليس له نهاية عندما يقول خالدين فيها أبداً هذا تأكيد الأبدية. (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا) ووعد الله حقاً لا يتخلف. (وعدَ) مفعول مطلق لفعل محذوف يعني يعدكم الله وعده حقاً. وحقاً مفعول آخر مؤكّد لفعل محذوف.
أكد بالذين آمنوا وأكد بـ (حقاً) وأكد بالمفعول المطلق مع أن كلها أشياء طيبة في الجنات ولم يؤكد في العذاب؟ كلها أمر مؤكد. حسب ما يرد وورد قوله تعالى (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا (12) المزمل) وأكّد في أماكن أخرى.
*اختيار ختام الآية العزيز الحكيم:
العزيز هو الغالب الممتنع والحكيم فيها احتمالين الحكيم قد يكون من الحكم ومن الحكمة. العزيز الحيكم هو يفعل ذلك لا يمنع من تنفيذ وعده مانع لأنه الغالب الممتنع الحاكم وأحياناً يكون العزيز غير حاكم والعزة درجات. حتى في حياتنا الدنيا أعلى درجات العزة أن يكون حاكماً لكن ليس كل عزيز حاكماً، أعلى الأعزاء أن يكون حاكماً هذا منتهى العزة وكل حاكم عزيز وليس كل عزيز حاكم. فهنا جمع تعالى منتهى العزة العزيز الحكيم. والحكيم لها هنا دلالتان: الحكيم من الحُكم منتهى العزة لا يمنعه مانع لأن بيده كل شيء ومن الحكمة عزيز حاكم حكيم في تصرفاته وإراداته لأن الحاكم إذا لم يكن حكيماُ كان ذلك تهوراً. الحكمة المفروض أنها من مستلزمات الحُكم فالنمرود كان حاكماً لكنه لم يكن حكيماً هنالك كثير ممن نرى ونقرأ يكونوا حاكمين ليس ليس حكماء فإذن هذا حكمه سيكون وبالاً على الآخرين. في الآية الحكيم لها الدلالتان للتوسع في المعنى. في اللغة قد يأتي بوصف له أكثر من دلالة هي كلها مرادة إذا لم يكن قرينة سياقية تحدد معنى محدداً. مثلاً قوله تعالى (بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) الفتح) قليلاً من ماذا؟ قليلاً من الفقه أو قليلاً من الأمور؟ هي كلها مرادة لأنه لو أراد لقال فقهاً قليلاً أو أمراً قليلاً، (فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا (82) التوبة) هل هو قليل من الوقت أو قليل من الضحك لذا لما نعرب قليلاً نعربها إما مفعول مطلق (ضحكاً قليلاً، صفة وناب عن المصدر صفته هذا مفعول مطلق) وإما ظرف زمان اي وقتاً طويلاً. لم يحدد وقتاً قليلاً أو ضحكاً قليلاً، (وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا) بكاء كثير وزمن كثير طويل فجمع الإثنين. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) الأحزاب)هنا حدد الذكر وليس الوقت وقال (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) الجمعة) الذكر والوقت وكل آية تتماشى مع السياق العام هل يريد الإطلاق والجمع أو التحديد فإذا حدد جاء بما يحدد ويعيّن. في العزيز الحكيم أراد العزة والحكم والحكمة.
العزيز الحكيم بالتعريف ووردت نكرة (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)). العزيز الحكيم لا يمنع مانع من تنفيذ وعده بالنسبة لأولئك وهؤلاء للمؤمنين وغيرهم لأنه هو العزيز الحكيم. لو قرأنا الآية الأخرى في السورة نفسها (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27)) ليس وعداً لأحد ومحاربة لأحد ولا جزاء لأحد وليس هناك شخص معاند لم يذكر محارب بينما ذكر محارباً ومعانداً في الآية الأولى فلم يقتضي هذا الشيء. هذا تعقيب بالعزة والحكم لأنه ذكر جزاء وعقاب (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا (7)) ذاك جزاء الذين آمنوا وعقاب الذين كفروا ولا يمنعه مانع هو العزيز الحكيم وكل من ترونه يتهاوون وليس هنالك أحد. أما في الآية الثانية فهي إخبار وليس فيها تهديد ولا وعيد ولامحارب ولا جزاء ولا شيء فلا يقتضي.
لا نفهم أن النكرة تدل على العموم والشمول والتعريف يدل على التعيين والتحديد كما في بعض الجوانب البلاغية؟ التعريف أحياناً قد يكون جنس حسب السياق يحدده. التعريف إما يكون لعهد أو للجنس (إن الإنسان لفي خسر) (وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (28) النساء) .
الوقفة كاملة
|