| ٤٨١ |
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)}
* * *
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى}
قالوا: إن أصول الإيمان ثلاثة:
التوحيد والرسالة والحشر (1)، وقد ذكرها كلها في هذه الآيات. فإن الرسالة تقتضي مرسلًا وهذا يدل على التوحيد وقد نص على ذلك قوله: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} .
وقد ذكر الرسالة بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين....} .
وقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} يدل على الحشر.
وارتباط هذه الآية بما قبلها واضح، ذلك أن عاقبة الإنذار والتبشير اللذين ذكرهما قبل هذه الآية بقوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ....} وقوله: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} إنما تكون في الحياة بعد الموت، فكان ذكرها ترغيبًا وترهيبًا وهو أنسب شيء.
جاء في (التفسير الكبير): "في الترتيب وجوه:
أحدها: أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمنًا مسلمًا ذكر أصلًا آخر وهو الحشر.
وثانيها: وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال: إن لم ير في الدنيا فالله يحيي الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين.
وثالثها: أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى" (2).
وجاء في (روح المعاني): "{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} إلخ تذليل عام للفريقين المصممين على الكفر والمشفقين بالإنذار ترهيبًا وترغيبًا ووعيدًا ووعدًا" (3).
وقد أكد الضمير المتقدم بـ (إن) مع ذكر ضمير الفصل (نحن) لإفادة القصر وللتقوية، ذلك أن الله وحده هو الذي يحيي الموتى لا غيره ولا يشاركه في هذا أحد فقدم الضمير لذلك، وأعني الضمير المؤكد بـ (إن). وكان الأصل أن يقال من غير توكيد: نحن نحيي الموتى. ولكنه أكد الضمير بـ (إن) وجاء بضمير الفضل توكيدًا وتقوية، ذلك أن الكفار لا يقرون بالحشر ولا يؤمنون بالحياة بعد الموت وكانوا يقولون: {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} {الجاثية: 24}. فأكد هذا الحكم بـ (إن) وبضمير الفصل، فأفاد هذا التعبير حصرًا وتوكيدًا.
جاء في (روح المعاني): "وتكرير الضمير لإفادة الحصر أو للتقوية... وضمير العظمة للإشارة إلى جلالة الفعل. والتأكيد للاعتناء بأمر الخبر أو لرد الإنكار، فإن الكفرة كانوا يقولون: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} {المؤمنون: 37}، أي إنا نحن نحيي الأموات جميعًا ببعثهم يوم القيامة" (4).
وقد تقول: ولم لم يؤكد باللام أيضًا كما فعل في موطن آخر، فقد قال في سورة الحجر: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} {الحجر: 23}؟
والجواب: أن كل موطن يقتضي ما ذكر.
فإنه ذكر في سورة الحجر من مظاهر قدرته وفصل فيها ما لم يذكره في سورة (يس). فقد قال في سورة الحجر:
{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} {الحجر: 16 – 23}.
في حين لم يذكر شيئًا من ذلك في سورة (يس)، فاقتضى ذلك أن يذكر اللام توكيدّا ومناسبة لمقام التفصيل. فناسب الإيجاز الإيجاز، والتفصيل التفصيل.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه فصل في ذكر الحشر في سورة الحجر ما لم يفصله في سورة (يس). فقد قال في الحجر: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.
في حين لم يزد في سورة (يس) على قوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}، ثم يتنقل إلى موضوع آخر.
فناسب مقام الحشر وذكره بصورة أوسع مما في (يس) أن يزيد في توكيده.
ومن ناحية ثالثة: أن الخطاب في سورة يس قبل وبعد الآية للرسول. ويبدأ ذلك بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) …. لِتُنْذِرَ قَوْمًا ..... وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ .... إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ .... فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} ثم تأتي الآية بعدها: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا...}
في حين أن الخطاب في الحجر لعموم الخلق كما هو ظاهر، ولا شك أن عموم الخلق بهم حاجة إلى تأكيد الحشر أكثر من الرسول ، فناسب ذلك الزيادة في التأكيد في آية الحجر من كل وجه، والله أعلم.
(1) انظر التفسير الكبير 26/48، البحر المحيط 7/325.
(2) التفسير الكبير 26/48.
(3) روح المعاني 22/218.
(4) روح المعاني 22/218.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 55 إلى ص 58.
* * *
{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ}
أي نكتب ما قدموا من الأعمال الصالحة وغيرها.
(وآثارهم) أي ما أبقوه بعدهم من أعمال البر أو غيرها من أعمال السوء. فإن الإنسان قد يعمل عملًا فيه فائدة للمسلمين يبقي بعده كتأليف كتاب، أو بناء مسجد، أو تأسيس مدرسة تعلم الناس أمور دينهم، أو تأسيس جماعة تدعو إلى الله، أو سن سنة حسنة فتكتب له حسنات بقدر ما ينتفع بها حيث انتفع بها.
أو بالعكس فإنه قد يعمل عملًا فيه إضرار بالمسلمين من سن مظلمة، أو ابتدع بدعة سيئة، أو نشر أفكار ضارة بالمسلمين، أو معادية للإسلام، أو إظهار معصية، وما إلى ذلك من أعمال السوء، فإنه تكتب عليه أوزار ذلك بقدر ما أحدثت من أضرار حيث أضرت. فإنه ليست الأعمال وحدها هي التي تكتب بل تكتب أثار تلك الأعمال من خير أو شر. قال : (من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا)
وجاء في (الكشاف): "{وَنَكْتُبُ مَا} أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وما هلكوا عنه من أثر حسن كعلم علموه أو كتاب صنفوه أو حبيس حبسوه أو بناء بنوه من مسجد أو رباط أو قنطرة أو نحو ذلك، أو سيء كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين، وسكة أحدث فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاه، وكذلك كل سنة حسنة أو سيئة يستن بها. ونحوه قوله تعالى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} {القيامة: 13}، أي قدم من أعماله وأخر من أثاره. وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد... وعن عمر بن عبد العزيز: لو كان الله مغفلًا شيئًا لأغفل هذه الآثار التي تعفيها الرياح" (1).
وجاء في (روح المعاني): "{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} ما أسلفوه من الأعمال الصالحة والطالحة، (وأثارهم) التي أبقوها بعدهم من الحسنات كعلم علموه... وغير ذلك من وجوه البر، ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان... وغير ذلك من الشرور التي أحدثوها وسنوها بعدهم للمفسدين.
أخرج ابن أبي حاتم عن جرير بن عبدالله البجلي قال: قال رسول الله : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا. ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا، ثم تلا {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ}" (2).
وقد تقول: لقد قدم الله (إحياء الموتى) على كتابة ما قدموا وآثارهم فقال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ} مع أن كتابة ما قدموا وآثارهم قبل إحياء الموتى فلم ذاك؟.
فنقول إن التقديم والتأخير لا يكون دائمًا مبنيًا على السبق في الزمان أو على الأشرف وإنما هو مبنى على العناية والاهتمام، وهذه تختلف بحسب السياق والمقام، فقد يقدم المتأخر أحيانًا أو بالعكس؛ ولذا نجد في القرآن تقديم الركوع على السجود مرة وتقديم السجود على الركوع مرة أخرى، وتقديم الحياة على الموت مرة وتقديم الموت على الحياة مرة أخرى، نجد تقديم المتقدم في الزمن مرة وتقديم المتأخر مرة أخرى، قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} {النساء: 163}.
فقدم عيسى على أيوب ويونس وغيرهما ممن ذكر، وهو بعدهم جميعًا. وذكر سليمان قبل أبيه داود. فليس التقديم والتأخير قائمًا على السبق في الزمان إذن؛ وإنما مداره على العناية والاهتمام كما ذكرت. وأوجه العناية والاهتمام تختلف بحسب السياق.
وهنا قدم الإحياء على الكتابة لأنه أهم من عدة أوجه:
منها: أنه المناسب لما قبله من الإنذار والتبشير، فإن ذلك يكون في الحياة بعد الموت.
ومنها: أن كتابة ما قدموا من الأعمال إنما هي لما بعد الموت، وإلا فلا قيمة للكتابة، فقدم الأهم لذلك.
ثم إنه رتب المذكورات بحسب الأهمية، فإن أهم شيء فيما ذكر هو الإحياء بعد الموت، ثم كتابة الأعمال التي تعرض على صاحبها في الحياة الثانية، ثم كتابة الآثار وهي مستندة إلى ما قدم من الأعمال. فما قدم من العمل هو أساس كتابة الآثار.
ثم إنه قدم الأهم من ناحية أخرى وهو ما لا يستطيع فعله إلا الله وهو إحياء الموتى، ولذا جاء به بأسلوب القصر المؤكد ليدل على أنه لا يفعله إلا الله. وأما الكتابة فإنه يمكن أن يفعلها المخلوقون وإن لم تكن بنفس الدرجة من الدقة والإحاطة، ولذا قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} ولم يقل: (وإنا نحن نكتب ما قدموا).
ثم من ناحية أخرى قدم فعل الله على ما يفعله غيره، والإحياء فعل الله. وأما الكتابة فهي فعل الملائكة الموكلين بها بأمره كما أخبر ربنا {وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} {الزخرف: 80}، {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} {ق: 18}.
ثم إنه قدم إحياء الموتى لأن السورة مبنية على ذلك، وأن جوها يشيع فيه ذكر الحياة بعد الموت. قال تعالى: {وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} {يس: 32}، وهذا في الحياة الأخرى.
وقال: {وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} {يس: 33}.
وهذا إحياء بعد الموت.
{وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} {يس: 48}، أي: الحشر.
وقال: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} {يس: 51 - 53}.
ثم ذكر مشهدًا من مشاهد الحياة الآخرة في الجنة ومشهدًا آخر في النار.
وتختم السورة بقوله: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}.
فالسورة يشيع فيها ذكر الحياة بعد الموت، فناسب تقديمه على الكتابة من كل وجه.
جاء في (التفسير الكبير): "الكتابة قبل الإحياء فكيف أخر في الذكر حيث قال: (نحيي ونكتب)، ولم يقل: (نكتب ما قدموا ونحييهم)؟ نقول: الكتابة معظمة لأمر الإحياء، لأن الإحياء إن لم يكن للحساب لا يعظم، والكتابة في نفسها إن لم تكن إحياء وإعادة لا يبقى لها أثر أصلاً. فالإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره. فلهذا قدم الإحياء، ولأنه تعالى لما قال: (إنا نحن) وذلك يفيد العظمة والجبروت والإحياء عظيم يختص بالله والكتابة دونه، فقرن بالتعريف الأمر العظيم وذكر ما يعظم ذلك العظيم" (3).
وقال: (نكتب) ولم يقل: (نعلم) لغرض الاهتمام بها وتوثيقها وإطلاع صاحبها عليها بصغيرها وكبيرها. فإن الإنسان قد يعلم أشياء ولا يكتبها، فإن كانت مهمة دونها.
وقال: (أحصيناه) ولم يكتف بالكتابة؛ لأن الكتابة وحدها قد لا تكون كافية، فإن كتبت أشياء ولم تحصها فربما ضاعت أو تلفت، فإن الإحصاء يحدد عدد المكتوب فلا يضيع منه شيء. ولم يكتف بإحصائها بل جعلها في موضع واحد وهو الإمام المبين وهو اللوح المحفوظ - كما قيل - وسمي إمامًا لأن الملائكة تتبعه وتنفذ ما فيه فهو الإمام لها.
وقال: (نكتب) بالمضارع و(أحصيناه) بالماضي، لأن الإحصاء في الإمام المبين سابق على الكتابة، فإن الكتابة تكون لما يفعله المكلفون وهي متأخرة عما كتبه الله في اللوح، فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين.
جاء في التفسير الكبير): "وقوله: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} يحتمل وجوها:
أحدها: أن يكون ذلك بيانًا لكون ما قدموا وآثارهم أمرًا مكتوبًا عليهم لا يبدل فإن القلم جف...
وثانيها: أن يكون ذلك مؤكدًا لمعنى قوله: (ونكتب) لأن من يكتب شيئًا في أوراق ويرميها قد لا يجدها فكأنه لم يكتب فقال: نكتب ونحفظ ذلك في إمام مبين. وهذا كقوله تعالى: {عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى}... وقوله: (أحصيناه) أبلغ من (كتبناه) لأن من كتب شيئًا مفرقًا يحتاج إلى جمع عدده، فقال: هو محصى فيه. وسمي الكتاب إمامًا لأن الملائكة يتبعونه، فما كتب فيه من أجل ورزق وإحياء وإماتة اتبعوه. وقيل: هو اللوح المحفوظ" (4).
وقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ} بنصب (كل) ولم يقل: (وكل شيء) بالرفع، ذلك أن المعنى بنصب (كل) أننا أحصينا كل شيء في كتاب مبين.
وأما بالرفع فيحتمل معنيين:
المعنى الأول: وهو ما ذكرناه بالنصب فيكون (كل) مبتدأ، وجملة (أحصيناه) خبرًا له.
والمعنى الآخر: أن تكون جملة (أحصيناه) نعتًا لشيء، والخبر (في إمام مبين) فيكون المعنى (أننا كل شيء أحصيناه) (في إمام مبين) أي أن الشيء الذي أحصيناه إنما هو في إمام مبين. ومعنى ذلك أن الأشياء على قسمين: قسم محصى وهو في إمام مبين. وقسم غير محصى وهو ليس كذلك. وهذا المعنى باطل لا يمكن أن يراد.
فجاء بالعبارة ذات الدلالة القطعية التي لا تحتمل دلالة أخرى.
إن هذه الآيات من سورة (يس) بينت المقصد من هذه السورة وعليها بنيت، فكأنها تلخيص للسورة وبقية السورة تبيين لها. وقد ارتبطت آيات السورة بهذه الآيات ارتباطًا متينًا واضحًا.
فقد أجاب القسم بقوله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أي إنك واحد منهم. وقد طبعت السورة بهذا الطابع وقد بنيت على هذا الأمر. فقد ضرب له مثلاً بأصحاب القرية إذ جاءها المرسلون وذكر قصتهم معهم.
وقال: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {یس: 30}، فهذا يدل على كثرة الرسل وأنه واحد منهم.
وذكر تصديق المكذبين لرسلهم في الآخرة {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} {يس: 52}.
وقد ذكر في موطن آخر من السورة أن ما عهده الله إلى بني آدم على لسان رسله هو صراط مستقيم {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ}، فانظر كيف وصف الرسول في أول السورة أنه على صراط مستقيم، ويأتي في بحر السورة أن هذا هو عهده إلى بني آدم.
ثم قال: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} وكما بنيت السورة على ما ذكرت من أمر المرسلين وشاع فيها ذلك، بنيت أيضًا على العزة والرحمة وشاع ذلك فيها كما سبق أن ذكرنا في تفسير قوله: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}.
ثم ذكر الغرض من هذا التنزيل وهو الإنذار فقال: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا} وقد شاع أيضًا جو الإنذار فيها، وهو التحذير من مغبة التكذيب لرسل الله سبحانه وذلك بما يذكره من العقوبات في الدنيا والآخرة وذلك من نحو قوله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ}.
وهذا كله إنذار وتخويف.
ونحو قوله: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} {يس: 43}.
وقوله: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} {يس: 49 - 50}.
وقوله: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} {یس: 53}
وذكر مشهًدا من مشاهد جهنم وفيه تحذير أي تحذير.
ومن ذلك قوله: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} {يس: 70}.
وقوله: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} {يس: 74 - 75}.
وهذا كله تحذير وإنذار لمن كان له قلب.
ثم ذكر القوم الذين سينذرهم وموقفهم من هذا الإنذار وأنهم سواء عليهم الإنذار وعدمه فهم لا يؤمنون على أية حال.
وبين لنا في السورة فيما ضرب من مثل وذكره أن هذا حال أكثر الأقوام الماضية وأن موقفهم من إنذار الرسل واحد ليتأسى رسول الله وليعلم أن هذا ليس موقف قومه وحدهم، فقد ضرب له مثلًا بأصحاب القرية وموقفهم من رسلهم وذكر عاقبتهم ومآلهم، ثم بين أن هذا شأن عباد الله على العموم {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} {یس: 30}، ثم ذكر فيما بعد مؤكدا هذا المعنى: {ومَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} {يس: 46}، ثم ذكر أن الشيطان أضل خلقًا كثيرًا من بني آدم: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} {یس: 62}، ثم ذكر في خواتم السورة أن الله خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين.
وهذه الآية تؤكد ما بينه وقرره من حال الإنسان وموقفه من الله ورسالاته.
ثم ذكر أن جزاء من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب مغفرة وأجر كريم. وشاع هذا الأمر في السورة وقرره في أكثر من موطن، فذكر عاقبة الذين آمن بالرسل من أصحاب القرية وأنه قيل له: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} فذكر المغفرة والإكرام وهما ما ذكره في قوله: {فبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}. ثم ذكر أصحاب الجنة ونعيمهم 56 – 58.
ثم ختم هذه الآيات بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} وشاع في السورة أمر إحياء الموتى حتى صار طابعًا لها كما سبق أن ذكرنا.
فاتضح من هذا أن هذه الآيات هي المعاني التي بنيت عليها السورة وشاع فيها ذكرها، والله أعلم.
(1) الكشاف 2/583، وانظر البحر المحيط 7/325.
(2) روح المعاني 22/218.
(3) التفسير الكبير 26/49.
(4) التفسير الكبير 26/49 – 50.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 58 إلى ص 67.
الوقفة كاملة
|
| ٤٨٢ |
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ}
{وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا}
يحتمل هذا التعبير معنيين:
المعنى الأول: أن المقصود اضرب لأجلهم مثلاً، أي بينه لهم واذكره لهم، وقص عليهم قصة أصحاب القرية ليتعظوا وليعلموا أنك لست بدعًا من الرسل، وإنما أرسل قبلك رسل وأنذروا قومهم وأن موقفهم من رسلهم كان التكذيب وإنكار الرسالات وأنهم آذوا رسلهم وعذبوهم فأهلكهم الله لعل قومك يتعظون.
والمعنى الآخر: أن المقصود مثل لنفسك حال قومك بأصحاب القرية واجعلهم مثلًا لهم، أي شبه حالهم بحال أصحاب القرية، فإن حال قومك شبيه بحال أصحاب القرية، وإن مثلهم كمثلهم، كما تقول مخاطبًا شخصًا: أنا أشبه حالك بحال فلان إذ فعل كذا وكذا. أو تقول لشخص: أنا أضرب لزيد مثلًا خالدًا فإن كليهما قد خسر في تجارته، أي اجعله شبيهًا به.
وعلى كلا هذين المعنيين يرتبط المثل بما قبله أحسن ارتباط.
فإنه على المعنى الأول: أي أن تضرب لهم المثل وتبينه لهم، فإنه يقول له: بين لهم شأن أصحاب القرية وموقفهم من رسلهم فإنهم مثلهم في الاعتقاد والتكذيب، وستكون عاقبتهم مثلهم إن أصروا على كفرهم وعنادهم لعلهم يتعظون ويرعوون.
وعلى المعنى الثاني: يكون المقصود أن قومك ليسوا بدعًا من الأقوام، فهناك أقوام مثلهم في التعنت والكفر، وأنه سواء عليهم الإنذار وعدمه، وأنه حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون، وأنت لست وحدك تلاقي من العنت والإيذاء والتكذيب ما تلاقي، فهؤلاء أصحاب القرية مثل قومك في موقفهم وعنادهم وإيذائهم رسلهم، فقد أرسل إليهم ثلاثة رسل فكذبوهم وآذوهم فتصبر وتأس بهم. وفي ذلك تصبير له وتأسية فيكون ضرب المثل له .
والمعنيان مرادان مرتبطان بما قبلهما أجل ارتباط وأحسنه.
جاء في (التفسير الكبير) في قوله: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا}: "وفيه وجهان. والترتيب ظاهر على الوجهين.
الوجه الأول: هو أن يكون المعنى: واضرب لأجلهم مثلًا.
والثاني: أن يكون المعنى: واضرب لأجل نفسك أصحاب القرية لهم مثلًا.
أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية.
وعلى الأول نقول: لما قال الله: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: (لتنذر)، قال: قل لهم (ما كنت بدعًا من الرسل) بل قبلي بقليل جاء أصحاب القرية مرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار الإقامة.
وعلى الثاني نقول: لما قال الله تعالى إن الإنذار لا ينفع من أضله الله وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي عليه الصلاة والسلام: فلا تأس واضرب لنفسك ولقومك مثلًا، أي مثل لهم عند نفسك مثلًا حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا، وصبر الرسل على القتل والإيذاء، وأنت جئتهم واحدًا وقومك أكثر من قوم الثلاثة، فإنهم جاءوا قرية وأنت بعثت إلى العالم" (1).
وجاء في (روح المعاني): "فالمعنى على الأول: اجعل أصحاب القرية مثلًا لهؤلاء في الغلو في الكفر والإصرار على التكذيب، أي طبق حالهم بحالهم على أن (مثلًا) مفعول ثان لـ (اضرب)، و(أصحاب القرية) مفعوله الأول أخر عنه ليتصل به ما هو شرحه وبيانه.
وعلى الثاني: أذكر وبين لهم قصة هي في الغرابة كالمثل. وقوله سبحانه: {أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} بتقدير مضاف، أي مثل أصحاب القرية" (2).
وقال: {إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ} ولم يقل: (إذ جاءهم) لأنه أراد أنهم أتوهم في مكانهم لينذروهم. ولو قال: (إذ جاءهم) لم يفد أنهم أتوهم إلى مكانهم، بل يحتمل أنهم كانوا في مكان ما فأتاهم الرسل إليه. فقد يجتمع أهل قرية في مدينة ما ويأتيهم شخص إلى مكان اجتماعهم فيقال: (جاء أهل القرية فلان وكلمهم) ولم يفد ذلك أنه ذهب إلى قريتهم. بخلاف قوله: (جاءها) فإنه يفيد أنهم ذهبوا إليهم في دارهم ليبلغوهم دعوة ربهم وينذروهم، وفي هذا من الاهتمام بأمر التبليغ ما فيه.
جاء في (روح المعاني): "وقيل: {إِذْ جَاءَهَا} دون ( إذ جاءهم) إشارة إلى أن المرسلين أتوهم في مقرهم" (3).
وقال: (جاءها) دون (أتاها) ذلك أن المجيء يكون لما فيه مشقة ولما هو أصعب من الإتيان (4). ويبدو أنه كان في المجيء إلى أهل القرية وتبليغهم مشقة وإيذاء وتهديد فاختار المجيء على الإتيان. ولذا قال تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} {الفرقان: 40}، لأنه كان إتيانًا سهلًا وذلك أنهم مروا بها وهم في طريقهم. وقال: {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} {الكهف: 77}، لأن إتيانها ودخولها كان ميسرًا ولم يجدوا من أهلها مساءة أو مشقة فاستعمل (أتيًا) دون (جاءًا).
(1) التفسير الكبير 26/50.
(2) روح المعاني 22/220.
(3) روح المعاني 22/220.
(4) انظر المفردات في غريب القرآن 6 و102 وانظر كتاب "لمسات بيانية" (قصة موسى في سورتي النمل والقصص).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 67 إلى ص 70
الوقفة كاملة
|
| ٤٨٣ |
{إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا.... (14)}
قال: {أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ} ولم يقل: (أرسلنا إليها)، كما قال: (جاءها)؛ لأن الإرسال في الحقيقة إلى أهل القرية لا إلى القرية، أما المجيء فكان إلى القرية، فإن القرية تطلق على المساكن والأبنية والضياع وإن كانت خالية، قال تعالى: {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} {البقرة: 259}، ولذلك قال بعد: {فَكَذَّبُوهُمَا} فنسب التكذيب إلى أهلها ولم ينسبه إلى القرية. لأنهم هم المرسل إليهم وهم المكذبون.
وقوله: {فَكَذَّبُوهُمَا} يدل على أنهما أنذرا أصحاب القرية وبلغاهم دعوة ربهم إلا أنهم كذبوهما، وهذه الفاء تسمى فاء الفصيحة، وهي التي أفصحت عن المحذوف وهو التبليغ؛ لأن التكذيب لا يكون إلا مع التبليغ فحذف ما هو مفهوم من الكلام وما لا داعي له؛ لأن العناية ههنا بموقف أهلها منهما.
وهو الموقف المشابه لموقف أهل مكة. جاء في (روح المعاني): "وقيل: {أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ} دون (أرسلنا إليها) ليطابق {إِذْ جَاءَهَا}، لأن الإرسال حقيقة إنما يكون إليهم لا إليها، بخلاف المجيء. وأيضًا التعقيب بقوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُمَا} عليه أظهر. وهو هنا نظير التعقيب في قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ} {البقرة: 60} (1)
{فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}
عززنا: قوينا، والمعنى: فقويناهما، غير أنه لم يذكر المفعول به، فلم يقل: (فعززناهما)؛ ذلك أن المقصود تقوية الحق الذي أرسلا به علاوة على تقويتهما، وليس المقصود تقوية الشخصين فقط، فأخرج الفعل مخرج العموم، ولو ذكر مفعولًا به لتقيد التعزيز بذلك المفعول. فنحن نرى فيما نرى أنك قد تنصر شخصًا وتقويه ولا تنصر فكره، ونرى شخصين أو فريقين متخاصمين يحارب أحدهما الآخر أو يقتله وهما يحملان فكرًا واحدًا. فقال ههنا: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} ليدل على أن التقوية عامة لهما ولدعوتهما. وقد ذهب الزمخشري وآخرون إلى أن الغرض من الحذف إنما هو لبيان أن المقصود ذكر المعزز به وهو الحق الذي أرسلا به. والذي يبدو لي ما ذكرت والله أعلم.
جاء في (الكشاف) في قوله: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ}:
"{فَعَزَّزْنَا}: فقوينا...
فإن قلت: لم ترك ذكر المفعول به؟
قلت: لأن الغرض ذكر المعزز به... وإذا كان الكلام منصبًا إلى غرض من الأغراض جعل سياقه له وتوجهه إليه، كأن ما سواه مرفوض مطرح، ونظيره قولك: (حكم السلطان اليوم بالحق) الغرض المسوق إليه قولك: (بالحق) فلذلك رفضت ذكر المحكوم له والمحكوم عليه" (2).
وجاء في (التفسير الكبير): "وترك المفعول حيث لم يقل: (فعززناهما) لمعنى لطيف، وهو أن المقصود من بعثهما نصرة الحق لا نصرتهما والكل مقرون للدين المتين بالبرهان المبين" (3).
وأسند التعزيز إلى نفسه سبحانه فقال: {فَعَزَّزْنَا} كما قال: {إِذْ أَرْسَلْنَا} للدلالة على أن المرسل والمعزز واحد كل ذلك بأمره سبحانه.
(1) روح المعاني 22/221.
(2) الكشاف 2/584.
(3) التفسير الكبير 26/51.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 71 إلى ص 73.
* * *
{فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14)}
أسند القول إليهم جميعًا لأنهم يدعون بدعوة واحدة، وقد انضم الثالث إلى الاثنين في دعوتهما إلى الله سبحانه.
{إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} قالوها مؤكدة بـ (إن) لأن الموقف يحتاج إلى توكيد، ذلك أن أصحاب القرية كذبوا الرسولين كما أخبر تعالى: {إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا} ولذا قواهما بثالث فاحتاج الكلام بعد التكذيب والتقوية بالثالث إلى توكيد فقال: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ}. وهذا القول إنما هو بعد التكذيب والتعزيز، يدل على ذلك (فقالوا) بالجمع، وقوله: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} بالجمع.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 73 إلى ص 73.
الوقفة كاملة
|
| ٤٨٤ |
{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15)}
{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} أي فكيف أختصكم الله بالوحي دوننا، ونحن بشر وأنتم بشر؟
وفي هذا القول تكذيب لهم وإنكار للنبوات على العموم. وقد فصل ما تضمنته هذه العبارة من تكذيب للمرسلين وإنكار للنبوات بقوله بعد: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} فإن هذا القول يعني إنكار النبوات، وبقوله: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} وهو تكذيب لهم خاصة.
فذكر الأمر العام الذي يتضمن الأمرين، ثم ذكر كل أمر مما تضمنته العبارة
وهذا الإنكار شأن كثير من الأمم السالفة، فإنهم أنكروا أن ينزل الله على بشر من شيء.
جاء في (تفسير ابن كثير) في قوله: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا}: "أي فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لا أوحي إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلاً لكنتم ملائكة.
وهذه شبهة كثير من الأمم المكذبة كما أخبر الله تعالى عنهم في قوله عز وجل: {ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} {التغابن: 6}، أي استعجبوا من ذلك وأنكروه، وقوله تعالى: {قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} {إبراهيم: 10}، وقوله تعالى حكاية عنهم في قوله جل وعلا: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} {المؤمنون: 34}، وقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} {الإسراء: 94} (۱).
وقد تقول: ولم لم يكتف بقوله: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} وقد ذكرت أنه يتضمن معنى ما بعده؟.
والجواب: أنه ليس المقصود من قولهم هذا إثبات الرسل، فإن هذا الم ينازعهم فيه أحد، وإنما المقصود إنكار النبوات وتكذيبهم، فأوضحوا المقصود وأبانوا عن معتقدهم.
ودفعًا لحجة الرسل الذين سيحتجون عليهم بقولهم: نعم نحن بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده فيختصه بالرسالة، وإن كوننا بشرًا لا يمنع من أن يوحي إلينا ربنا، وما إلى ذلك من الحجج التي تبين أنه لا مانع من أن يكون البشر رسولًا، وأنه لو أرسل ربنا ملكًا لجعله رجلًا ولألتبس عليهم الأمر أيضًا، فأبانوا عن معتقدهم بقولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}. ثم بينوا رأيهم في هؤلاء الرسل فقالوا: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}.
وهذه العبارة الأخيرة تعني تكذيب الرسل وعدم الإيمان لهم حتى لو كان الرحمن أنزل شيئًا؛ لأنهم كاذبون فيما يرون.
{وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}
هذا القول يعني أنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات. وهذا شأن كثير من المجتمعات البشرية التي حكي عنها في القرآن نحو قوله: {لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً} {فصلت: 14}، وقوله: {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} {الإسراء: 94}، ومثلهم قوم سيدنا محمد فإنهم يؤمنون بالله وينكرون النبوات. قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} {العنكبوت: 61}.
وقال: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} {الأنبياء: 3}.
وقال: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} {ق: 2}.
جاء في (روح المعاني): "وظاهر هذا القول يقتضي إقرارهم بالألوهية لكنهم ينكرون الرسالة ويتوسلون بالأصنام" (2).
قال الفخر الرازي: "وقوله: (الرحمن) إشارة إلى الرد عليهم؛ لأن الله لما كان رحمن الدنيا والإرسال رحمة فكيف لا ينزل رحمته وهو رحمن؟ فقال: إنهم قالوا: ما أنزل الرحمن شيئًا، وكيف لا ينزل الرحمن مع كونه رحمن شيئًا، هو الرحمة الكاملة؟" (3).
وقد تقول: ولم قال ههنا: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} فأسند الفعل إلى الرحمن، وقال في سورة الملك: {وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} {الملك: 9}.
وفي سورة الأنعام: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} {الأنعام: 91} بإسناد الفعل إلى الله؟.
فنقول: إن كل تعبير هو الأنسب في مكانه.
فأما سورة الملك فإنه يشيع فيها ذكر العذاب ومعاقبة الكفار، فقد ذكر فيها مشهدًا من مشاهد الذين كفروا في النار وسؤالهم عن النذر التي جاءتهم وذلك قوله: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} {الملك: 5 - 11}.
ثم حذر عباده من عقوبته وبطشه في الدنيا وألا يأمنوا عذابه من فوقهم أو من تحت أرجلهم، وأن يعتبروا بما فعله ربنا في الأقوام الهالكة {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} {الملك: 16 – 18}.
ثم حذرهم مرة أخرى وهددهم بقوله: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} {الملك: 20 – 21}.
وعاد مرة أخرى فذكر إنكار الكفار ليوم النشور واستبعادهم له وحذرهم من عقوبات رب العالمين في الدنيا والآخرة فقال: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} {الملك: 25 – 30}.
وإزاء كل هذا التحذير والتخويف وذكر مشاهد العذاب لم يذكر بخصوص المؤمنين وجزائهم إلا آية واحدة وهي قوله: {إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} {الملك: 12}.
فلا يناسب إزاء كل هذا التهديد والتحذير للكافرين وما أعده الله لعذابهم في جهنم أن يقرنه باسم الرحمن.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن القائلين لهذا القول إنما هم في أطباق النيران، وأنهم ألقوا فيها فوجًا بعد فوج وقد اشتد غضب الله عليهم ولم تدركهم رحمته فلا يناسب ذكر الرحمن هنا أيضًا.
ثم إن الله جعل العذاب بمقابل الرحمة فقال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} {الحجر: 49 – 50}، ولما كان المشهد مشهد العذاب كان ذلك في مقابل الرحمة، فلا يناسب هذا العذاب ذكر الرحمة، وبخاصة أن هؤلاء كفروا بربهم فلا ترجي لهم رحمة ولا ينالهم من اسم الرحمن نصيب.
ومن ناحية أخرى أن القائلين في سورة (يس) إنما هم في الدنيا وهم يتقلبون في نعم الله ورحمته، أما القائلون في سورة الملك فإنما هم في جهنم وقد يئسوا من رحمته سبحانه، فناسب كل تعبير موطنه.
وأما سورة الأنعام فإنها يشيع فيها التحذير والتهديد والتوعد وليس فيها مشهد من مشاهد الجنة، وإنما فيها صور غير قليلة من مشاهد النار.
كما أن السورة لم يرد فيها اسم (الرحمن) على طولها، في حين ورد فيها اسم (الله) تعالى (۸۷) سبعا وثمانين مرة.
فناسب كل تعبير مكانه.
{إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}
لقد واجهوهم بالتكذيب صراحة بعد أن ذكروا ذلك ضمنًا بقولهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا}، وقولهم: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}
وكان النفي والإثبات بما وإلا في قوله: {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} وههنا بان وإلا: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}.
ذلك أن (إن) أقوى في النفي من (ما) فوضع كل حرف في الموضع الذي يقتضيه، ذلك أن قولهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} غير منكور وهو معلوم للجميع. أما قولهم: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} فهو موضوع النزاع، فإنه الوصف الذي يلصقه أهل القرية بهم ويدفعه المرسلون عن أنفسهم. فإن كونهم بشرًا لا يحتاج إلى إثبات أو دليل، بخلاف إثبات الكذب. وأهل القرية لم يذكروا بشريتهم إلا ليصلوا إلى تكذيبهم، فإن الغرض من قولهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} ليس إثبات البشرية لهم وإنما هو إثبات الكذب عليهم، فناسب ذكر أقوى الحرفين فيما فيه قوة إنكار ويحتاج إلى إثبات.
(1) تفسير ابن كثير 3/567.
(2) روح المعاني 22/221.
(3) التفسير الكبير 26/52.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 73 إلى ص 78.
الوقفة كاملة
|
| ٤٨٥ |
{قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)}
بعد أن بالغ أصحاب القرية في تكذيبهم وردهم ردًا غير جميل لم يتركهم رسل الله ولم يرحلوا عنهم، وإنما أقسموا على صدقهم واستمروا على إبلاغهم دعوة ربهم قائلين: {رَبُّنَا يَعْلَمُ...} وفي هذا توجيه للدعاة أن لا يسأموا إذا جوبهوا بما يكرهون أو ردوا ردًا غير جميل أو اتهموا باتهامات باطلة، بل عليهم أن يعيدوا النصح والتبليغ.
وقولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} يجري عند العرب مجرى اليمين ويجاب بما يجاب به القسم، فقولك: (علم الله) و(ربنا يعلم) وما إلى ذلك هو نوع من القسم في كلام العرب، ولذا أجيب بما يجاب به القسم وهو الجملة الاسمية المؤكدة بإن واللام.
واختيار هذا التعبير أنسب شيء هنا، فإنه إضافة إلى القسم الذي فيه فإنهم نسبوا العلم إلى الله فقالوا: (ربنا يعلم ذلك) فإنهم أرسلوا بأمره وبعلمه. وهو ههنا أبلغ من مجرد القسم بأن نقول (والله) أو (وربنا) فإن أصحاب القرية قالوا: إن الرحمن لم ينزل شيئًا وإنكم تكذبون فيما ادعيتم به. فرد عليهم الرسل بأن ربنا يعلم صدقنا وأننا مرسلون إليكم.
وقيل: إن من قال: (يعلم الله ذلك) وهو غير صادق فيما يقول فقد كفر؛ لأنه نسب إلى الله الجهل، بخلاف اليمين الكاذبة.
واختيار (الرب) مع الرسالة أنسب شيء، فإن الرب هو المربي والهادي. والهداية هي المقصودة من الرسالة، ولذلك كثيرًا ما يقترن الإرسال بالرب وذلك نحو قوله تعالى: {لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} {طه: 134}، وقوله: {رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا} {القصص: 47}، وقوله: {لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي} {الأعراف: 79}، وقوله: {إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {الزخرف: 46}.
وإضافته إلى ضمير المتكلمين (ربنا) يعني أن ربهم الذي خلقهم وله كمال الصفات هو الذي أرسلهم وأيدهم بالمعجزات. ولو قالوا: (ربكم يعلم...) لاحتمل أن يقولوا لهم: إن ربنا لا يرسل الرسل. ثم إنهم اتخذوا أربابًا لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه فكيف ترسل الرسل؟.
ثم إن ذلك يعني أن ربهم هو الذي أرسلهم إلى أهل القرية لأنه ربهم أيضًا، ولو لم يكن ربهم لم يعنه أمرهم. فإضافة الرب إلى ضمير المتكلمين له أكثر من مناسبة ودلالة.
وتقديم الرب على الفعل يفيد التوكيد والتقوية.
وتقديم الجار والمجرور (إليكم) يفيد التخصيص، أي إنا أرسلنا إليكم على وجه الخصوص لنبلغكم رسالة ربنا.
وقال ههنا: (لمرسلون) باللام، وقال قبلها: (مرسلون بلا لام، وذلك زيادة في التوكيد لزيادة الإنكار. فقد أكد العبارة الأولى بإن بعد التكذيب، فلما زاد التكذيب والإنكار بثلاث جمل كل منها غاية في التكذيب والإنكار زاد في التأكيد. فقد قال في المرة الأولى: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} وفي المرة الأخرى: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}. فأكد بالقسم وهو قوله: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} وبالجملة الاسمية وهو تقديم (ربنا) على الفعل (يعلم) وبين واللام. فكان كل تعبير هو المناسب للمقام.
جاء في (التفسير الكبير): في قوله تعالى: {قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ....} إنه "إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا، بل أعادوا ذلك الهم وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين و{قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} وأكدوه باللام لأن (يعلم الله) يجري مجرى القسم. لأن من يقول: (يعلم الله) فيما لا يكون فقد نسب الله إلى الجهل وهو سبب العقاب، كما أن الحنث سببه" (1).
وجاء في (روح المعاني): "استشهدوا بعلم الله تعالى وهو جارٍ مجرى القسم في التأكيد والجواب بما يجاب به. وذكر أن من استشهد به كاذبًا يكفر ولا كذلك القسم على كذب. وفيه تحذيرهم معارضة علم الله تعالى.
وفي اختيار عنوان الربوبية رمز إلى حكمة الإرسال، كما رمز الكفرة إلى ما ينافيه بزعمهم. وإضافة (رب) إلى ضمير الرسل لا يأبى ذلك، ويجوز أن يكون اختياره لأنه أوفق بالحال التي هم فيها من إظهار المعجز على أيديهم، فكأنهم قالوا: ناصرنا بالمعجزات يعلم إنا إليكم المرسلون.
وتقديم المسند إليه لتقوية الحكم أو للحصر، أي ربنا يعلم لا أنتم الانتفاء النظر في الآيات عنكم...
وجاء كلام الرسل ثانيًا في غاية التأكيد لمبالغة الكفرة في الإنكار جدًا حيث إنه أتوا بثلاث جمل وكل منها دال على شدة الإنكار كما لا يخفى على من له أدنى تأمل" (2).
(1) التفسير الكبير 26/52.
(2) روح المعاني 22/222 وانظر الكشاف 2/584.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 78 إلى ص 81.
الوقفة كاملة
|
| ٤٨٦ |
{وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}
ذكروا أن مهمتهم هي البلاغ المبين حتى إن كذبوهم وأساءوا إليهم فإن هذا لا يثنيهم عن البلاغ لأن هذا أمر أنيط بهم وعليهم تنفيذه.
ومعنى (علينا) أي نحن مكلفون بذلك وهو واجبنا، فواجب الرسل هو التبليغ. بل يلزمنا البلاغ المبين، أي المبين للحق المظهر له، والذي يصل إلى عموم المكلفين بحيث لا يبقى أحد لا يسمع به ولا يعلم ما هو فلا يصح أن نسر ذلك إلى شخص أو نبلغه إلى جماعة مخصوصة فإن ذلك لا يكون بلاغًا مبينًا. فالبلاغ المبين يتضمن أمرين:
الأمر الأول: إيضاح الرسالة وتبليغها كلها بحيث لا يبقى منها شيء غير مبلغ ولا غير معلوم.
والأمر الآخر: أن يكون التبليغ شاملًا لكل من أرسل إليهم و اصلًا إلى كل فرد.
فلا يترك سبيلًا لإيصال الدعوة إلى كل من تعنيه.
وإلا لم يكن بلاغًا مبينًا.
وعلى هذا فإن عليهم أن يبلغوا كل ما أرسلوا به وألا يكتموا منه شيئًا وأن يوصلوه إلى جميع أصحاب القرية. وهذان الأمران لا يصدهم عنهما صاد ولا يدفعهم عنهما دافع لأن ذلك مما ألزموا به إلزامًا.
جاء في (التفسير الكبير): "و(المبين) يحتمل أمورًا:
أحدها: البلاغ المبين للحق عن الباطل، أي الفارق بالمعجزة والبرهان.
وثانيها: البلاغ المظهر لما أرسلنا للكل. أي لا يكفي أن نبلغ الرسالة إلى شخص أو شخصين.
وثالثها: البلاغ المظهر للحق بكل ما يمكن" (1).
(1) التفسير الكبير 26/53.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 81 إلى ص 82.
الوقفة كاملة
|
| ٤٨٧ |
{قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)}
تطيرنا بكم: أي تشاء منا بكم (1)، فلم نر على وجوهكم خيرًا في عيشنا (2).
وقد تقول: لقد قال في سورة النمل في قوم صالح: {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} {النمل: 47} فأبدل وأدغم، فلم لم يقل ههنا كما قال ثم؟
والجواب أنا ذكرنا في كتابنا (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) أن (اطير) ونحوه كادبر واطهر أبلغ من (تطير) ونحوه، وذلك لمكان التضعيف في الفاء زيادة على تضعيف العين، فدل على أن التطير في سورة النمل أشد منه مما في هذه الآية، يدل على ذلك أنهم في هذه الآية هددوهم بالرجم والتعذيب إن لم ينتهوا. وأما في سورة النمل فقد تعاهدوا وتقاسموا بالله على قتله مع أهله: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} {النمل: 49} (3) فدل على أن تطيرهم في سورة النمل أقوى وأشد.
وقد تقول: إذا كان الأمر كذلك فلم إذن أكد التطير بـ (إن) في سورة (يس) فقال: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} ولم يؤكده في سورة النمل، فإنه قال: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا}
والجواب: أنه لا يلزم في الكلام توكيد كل فعل فيه مبالغة وشدة دومًا، فإنه إذا ذكر المتكلم فعلًا أقوى وأبلغ من فعل، أو وصفًا أقوى من وصف لا يلزمه أن يؤكد الفعل أو الوصف الأقوى منهما، وإنما يكون ذلك بحسب الغرض. فله أن يؤكد أي واحد منهما بحسب ما يقتضيه الكلام. فله أن يقول مثلًا: (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) فيذكر الاصطبار من دون توكيد ويؤكد الصبر مع أن الاصطبار أبلغ وأقوى من الصبر، لأن الغرض من العبارة أن يخبر باصطباره عليه ويؤكد صبره على الآخر.
ولك أن تقول: (إنه كاذب) فتؤكد اسم الفاعل، وتقول: (هو كذاب) فلا تؤكد صيغة المبالغة مع أن المبالغة أقوى من اسم الفاعل. ولا يلزم من مبالغة الوصف التوكيد وإنما يكون ذلك بحسب الغرض. قال تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} {الأنعام: 28} في أكثر من موطن، فأكد كذبهم بإن واللام.
وقال: {هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} {ص: 4}، و{بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ} {القمر: 25}، ولم يؤكد مع أن (كذاب) صيغة مبالغة، فأكد اسم الفاعل ولم يؤكد المبالغة.
والذي أريد أن أخلص إليه أن المبالغة في الفعل والوصف لا تقتضي التوكيد دائمًا، وإنما ذلك بحسب الغرض والمقام. فلك أن تؤكد أي فعل أو وصف أو لا تؤكده، ولك أن تؤكد ما هو أقل مبالغة ولا تؤكد الأقوى وبالعكس، فكل ذلك إنما يكون بحسب ما يقتضيه الكلام.
وإيضاح ذلك أنك قد تذكر شخصًا هو موضع ثقة كبيرة عند من تخاطبه فتقول له (هو كاذب) فينكر ذلك عليك، فتؤكد ذلك بقولك: (إنه كاذب) ثم ينكر عليك قولك إنكارًا أشد من الأول فتقول له: إنه لكاذب.
وتقول عن شخص آخر معروف بكثرة الكذب: (هو كذاب) فلا تحتاج إلى توكيد لأن مخاطبك لا ينكر ذلك عليك.
فأنت احتجت إلى أن تؤكد اسم الفاعل دون المبالغة.
ونعود إلى الآيتين، فنقول: إن قوم صالح أخبروه بتطيرهم الشديد، وأما أصحاب القرية فإنهم أكدوا تطيرهم، وهو نظير قولنا: (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) أو (هو مكتسب وإن زيدًا كاسب) فيؤكد الأقل دون الأقوى.
إنه في آية (يس) وهي قوله: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أكد التطير بإن، وفي آية النمل وهي قوله: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ} {النمل: 47} لم يؤكده، ذلك أن كل موطن يقتضي ما ذكر فيه.
فإن أصحاب القربة أطالوا في كلامهم ولم يكتفوا بذكر التطير، وإنما هددوهم بالرجم والتعذيب فقالوا: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
في حين كان الكلام موجزًا في سورة النمل، فقد ذكروا التطير ولم يهددوهم بشيء، فناسب الإيجاز الإيجاز، وناسب التفصيل التفصيل. ولا شك أن القول: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أطول من {اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ}.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن أصحاب القرية هددوهم بالرجم والتعذيب مؤكدين ذلك بالقسم ونون التوكيد {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ}، فناسب ذلك توكيد التطير، في حين أن قوم صالح لم يهددوهم بشيء. فناسب التوكيد في آية (يس) دون آية النمل.
وهناك أمر آخر، وهو أن رهطًا من قوم صالح كانوا يدبرون له ولأهله أمرًا خفيًا لا يريدون إشاعته ولا أن يعلم به غيرهم، وهو أن يبيتوه وأهله بليل، أي أن يغيروا عليهم ليلًا ويقتلوهم من دون أن يعلم أحد، ثم إنهم إن سئلوا عن ذلك أجابوا أنهم لا يعلمون ذاك وقد تعاهدوا على ذلك وأقسموا عليه: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} {النمل: 49}، وهذا يقتضي عدم التهديد والتوعد المعلن؛ لأنه سيفتضح أمرهم، بل يقتضي عدم التوكيد في الكلام، ولذا ذكروا أنهم متطيرون بهم ليس غير.
فاقتضى كل موطن التعبير الذي ورد فيه. هذا علاوة على تردد التوكيد بإن في قصة أصحاب القرية أكثر من مرة {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} {إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} {إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} {إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ}.
في حين لم يرد مثل ذلك في قصة صالح إلا قوله: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} فناسب كل تعبير موطنه. وأما قوله: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} {النمل: 51}، وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً} {النمل: 52}، فهذا من التعقيب على القصة وليس فيما دار فيها من كلام.
جاء في (التفسير الكبير): "لما ظهر من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب. فلما قال المرسلون: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ} قالوا: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا: {رَبُّنَا يَعْلَمُ} أكدوا قولهم بالتطير بهم" (4).
{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ}
بعد أن ذكروا تطيرهم بهم هددوهم بالرجم إن لم يكفوا عن دعوتهم وقد أكدوا ذلك بالقسم وبنون التوكيد. ويدل على القسم اللام الداخلة على (إن) وهي اللام الموطئة للقسم أي الدالة عليه، وأكدوا تهديدهم بنون التوكيد الثقيلة الداخلة على الفعل (لنرجمنكم). فكما أكدوا تطيرهم بـ (إن) أكدوا تهديدهم بالقسم ونون التوكيد.
وقد تقول: لقد قال في مكان آخر: {لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} {الشعراء: 116}، وقال في سورة مريم: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ} {مريم: 46}، فلم لم يجعل التعبيرات على نمط واحد؟
والجواب: أنه لا يصح جعلها على نمط واحد؛ لأن المعنى مختلف والمقام مختلف. ذلك أن قولك: (لأرجمنك) يعني لأوقعن عليك الرجم ولا يعني أن هناك آخرين مرجومين معه أو نالهم الرجم.
وقولك: (هو من المرجومين) يعني أنه واحد ممن نالهم الرجم.
فلا يصح في سورة (يس) أن يقال: (لئن لم تنتهوا لتكون من المرجومين) لأنه ليس هناك أشخاص آخرون غير هؤلاء نالهم الرجم فيكونون منهم.
وكذلك في آية مريم فإنه قال: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ}، ولم يقل: (لتكونن من المرجومين) لأنه ليس هناك آخرون معه نالهم الرجم أو سينالهم، فإن هذا الكلام موجه من أبي إبراهيم لولده إبراهيم عليه السلام وحده.
أما ما في سورة الشعراء فإنه تهديد لنوح ولمن معه: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}، أي لئن لم تنته لتكونن من الذين ينالهم الرجم. ولو قال: (لنرجمنك) لكان الرجم مختصًا بنوح دون من آمن معه.
فإن قيل: ولم لم يقل: (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) كما قال في سورة (يس)؟
والجواب: أن الرسل في سورة يس ثلاثة كلهم بمنزلة واحدة داعون إلى الله مبلغون لرسالته، ولذلك جاء الكلام على أنفسهم بصيغة الجمع { إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) .... قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17)}، وكان التطير بهم جميعًا {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} فكان الخطاب لهم جميعًا.
وأما نوح فهو رسول واحد يبلغ عن ربه، أما البقية فهم أتباع، وهو صاحب الدعوة والمبلغ، فخوطب وطلب منه الكف فقالوا: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ}، أي: لنرجمنك ومن معك. فهذا تهديد له ولأتباعه.
وهذا القول نظير ما قاله قوم لوط للوط: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} {الشعراء: 167}، أي لنخرجنك ومن معك، بدليل قوله تعالى على لسان قومه: {أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} {الأعراف: 82}، وقوله: {أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} {النمل: 56}، فلما واجهوا لوطًا قالوا له: لتكونن من المخرجين، أي لتكونن واحدًا منهم. وهو تهديد له ولأتباعه أيضًا.
فكان كل تعبير هو المناسب في مكانه.
{وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}
هددوهم بالعذاب الأليم إضافة إلى الرجم، فإنهم لم يقولوا: (أو ليمسنكم منا عذاب أليم) فيهددوهم بأحد الشيئين، بل جاؤوا بالواو التي تفيد الجمع، ثم أعادوا اللام الواقعة في جواب القسم (ليمسنكم) للدلالة على أن التهديد بالعذاب مؤكد كالمعطوف عليه، لأنه أحيانًا يكتفي باللام الداخلة على الفعل الأول، أما الفعل الثاني فيكتفي فيه بنون التوكيد فيكون الثاني أقل توكيدًا، وذلك كقوله تعالى: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} {الحشر: 11}، فإنه أدخل اللام الموطئة في قوله: {لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ} ولم يدخلها على المعطوف، وإنما اكتفى بتوكيد الفعل فقال: {وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} فكان الثاني أقل توكيدًا من الأول، ذلك أنهم أكدوا الفعل الأول لأنه أيسر عليهم، ولم يؤكدوا الثاني لأنه أصعب عليهم وأشق.
وكان هناك خيار آخر وهو أن يخفف النون في الفعل المعطوف نظير قوله تعالى: {وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ} {يوسف: 32} فيكون ما دخلت عليه النون الثقيلة أكد مما دخلت عليه النون الخفيفة، ولكنه لم يفعل هذا ولا ذاك، بل أعاد اللام وأتي بالنون الثقيلة للدلالة على أنهما بمنزلة واحدة في التوكيد وأنهم سيفعلونهما جميعًا.
ثم قالوا: (منا) للدلالة على الجهة التي ستقوم بالعذاب. فالجهة التي ستقوم بالرجم والعذاب واحدة {لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا} فإنه لم يقل: (وليمسنكم عذاب أليم) فيبهم الجهة، إذ لعله لو قالوا ذاك لفهم منه أنهم يقصدون أن آلهتهم هي التي ستمسهم بالعذاب.
وقدم الجار والمجرور (منا) على العذاب لأكثر من سبب، ذلك أن الكلام عليهم وهم مدار الإسناد (قالوا إنا تطيرنا، لنرجمنكم، وليمسنكم منا) فناسب تقديم ضميرهم، فإنهم هم المتطيرون وهم الراجمون وهم المعذبون.
ثم إن تقديم الجار والمجرور يفيد تعلقه بالفعل (ليمسنكم) أي (ليمسنکم منا) أي نحن الذين نعذبكم ونتولى أمر ذلك بأنفسنا ولا ندع ذلك لغيرنا ممن قد يرق لحالكم أو يخفف عنكم. ولو قال: (ليمسنكم عذاب أليم منا) لاحتمل أن يكون (منا) صفة لـ (عذاب) وعلى هذا الاحتمال يكون العذاب صادرًا منهم أمره، أما الذي يقوم بالتعذيب فهو غيرهم. وهذا يكون نظير قولنا:
(استعرت لمحمد كتابًا) و(استعرت كتابًا لمحمد) فإن الجملة الأولى يكون تعلق الجار والمجرور فيها بـ (استعرت) فتكون الاستعارة لمحمد، أي (استعرت لمحمد) (كتابًا).
أما الجملة الثانية فتحتمل هذا المعنى وتحتمل معني آخر وهو: استعرت كتابًا عائدًا لمحمد، أي أن الكتاب هو كتاب محمد وأنت استعرته، فيكون المعنى على النحو الآتي (استعرت) (كتابًا لمحمد).
فكان تقديم الجار والمجرور هو الأنسب.
(1) الكشاف 2/584.
(2) تفسير ابن كثير 3/567.
(3) انظر: (بلاغة الكلمة في التعبير القرآني) الإبدال 56.(4) التفسير الكبير 26/53.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 82 إلى ص 89.
الوقفة كاملة
|
| ٤٨٨ |
{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)}
في هذا الوقت المتأزم والظرف العصيب الذي كثر فيه التهديد والتوعد واشتد فيه الإرهاب جاء من أقصى المدينة رجل يسعى ليعلن اتباعه للرسل وإيمانه بهم ويبين ضلال قومه غير مبال بما سيحدث له.
وفي التعبير دلالات مهمة في هذا الخصوص.
1- فقد ذكر أنه جاء من أقصى المدينة، أي من أبعد مكان فيها لا يثنيه شيء، حاملا هم الدعوة.
2- قال: {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} ولم يقل (من أقصى القرية) وقد سماها قرية بادئ ذي بدء فقال: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ} ذلك للدلالة على أنها واسعة، فالقرية إذا كانت متسعة تسمى مدينة أيضًا. فأفاد أن هذه القرية كبيرة متسعة ولذا أطلق عليها مدينة، وذلك يفيد أنه جاء من مكان بعيد وذلك يدل على اهتمامه الكبير بمعتقده الجديد..
٣- قال: (يسعى) أي يعدو ويسرع في مشيه وليس متباطئًا يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، وهو توجيه للدعاة بعدم التواني في أمر الله.
4-لم يسكت عن الحق ولم يجامل أو يهادن بل دعا قومه إلى الإيمان بما جاءت به الرسل وأتباعهم وأعلن عن إيمانه هو.
5- إن مجيئه من أقصى المدينة يدل على وصول البلاغ إلى أبعد مكان فيها، مما يدل على جديتهم في التبليغ وتوسعهم فيه، وهو تصديق لقولهم: {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}.
وقال هنا: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} فقدم {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} على (رجل)، وقال في سورة القصص {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} {القصص: 20}، بتقديم (رجل) على {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ}.
ذلك أن القصد في آية (يس) أن يبين أن مجيء الرجل كان من أبعد مواضعها. وأما في القصص فإنه يفيد أن الرجل من أقصى المدينة، أي هو من أهل المواضع البعيدة غير أنه لا يلزم أن يكون مجيئه من أقصى المدينة. وهو كما تقول: (جاءني من القرية رجال) أي جاؤوك من القرية، وتقول: (جاءني رجال من القرية) فالرجال هم من أهل القرية لكن لا يقتضي أن مجيئهم إليك كان من القرية بل قد يكونون في المدينة ثم جاؤوك. وقد يكون المجيء من القرية. فقولك: (جاءني رجال من القرية) يحتمل معنيين، بخلاف قولك: (جاءني من القرية رجال).
وعلى أية حال فإن قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} يفيد أنه جاء من أبعد مكان من المدينة.
وقوله: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} يحتمل ذلك ويحتمل أنه من أهل الأماكن البعيدة وإن لم يكن مجيئه من هناك.
وفي تقديم (من أقصى المدينة) في سورة (يس) فائدة أخرى حتى لو كان مجيئهما كليهما من أقصى المدينة. فإن قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} يدل على أن الاهتمام أكبر لأكثر من سبب:
1- ذلك أن مجيء الرجل من أقصى المدينة إنما كان لغرض تبليغ الدعوة. في حين أن مجيء الرجل إلى موسى كان لغرض تحذيره. والأمر الأول أهم.
2- ثم إن مجيء الرجل من أقصى القرية إنما كان لإشهار إيمانه أمام الملا ونصح قومه. في حين أنه كان مجيء الرجل إلى موسى ليسر إليه كلمة في أذنه، فمجيء رجل (يس) إنما كان للإعلان والإشهار، ومجيء رجل موسى إنما كان للإسرار. وفرق بين الأمرين.
3- إن مجيء رجل (يس) فيه مجازفة ومخاطرة بحياته، وليس في مجيء رجل موسى شيء من ذلك، وإنما هو إسرار لشخص بأمر ما ليحذر.
4- إن المجتمع في القرية كله ضد على الرسل وعقيدتهم مكذب لهم متطير بهم، فإعلان الرجل أنه مؤمن بما جاء به الرسل مصدق لهم فيه ما فيه من التحدي لهم. بخلاف مجتمع سيدنا موسى عليه السلام فإنه ليس فيه فكر معارض أو مؤيد وليست هناك دعوة أصلًا.
5- إن نصر رسل الله وأوليائه ودعاته أولى من كل شيء، فإن تعزيزهم تعزيز لدعوة الله. وأما موسى عليه السلام فإنه كان رجلًا من المجتمع ليس صاحب دعوة آنذاك ولم يكلفه الله بعد حمل الرسالة.
فتقديم (من أقصى المدينة) دل على أن الموقف أهم وأخطر. ومع ذلك أفادنا أن تحذير شخص من ظالم أمر مهم ينبغي أن يسعى إليه ولو من مكان بعيد.
فإن كلا من الموقفين مهم، غير أن أحدهما أهم من الآخر، فقدم ما قدم ليدل على الاهتمام.
جاء في (التفسير الكبير): في قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} "وفي فائدته وتعلقه بما قبله وجهان:
أحدهما: أن بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث آمن بهم الرجل الساعي.
وعلى هذا فقوله: {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} فيه بلاغة باهرة؛ وذلك لأنه لما جاء من (أقصى المدينة رجل) وهو قد آمن دل على أن إنذارهم وإظهارهم بلغ إلى أقصى المدينة...
وفي التفسير مسائل:
(المسألة الأولى): قوله: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ} في تنكير الرجل مع أنه كان معروفًا معلومًا عند الله فائدتان:
(الأولى): أن يكون تعظيمًا لشأنه، أي رجل كامل في الرجولية.
(الثانية): أن يكون مفيدًا لظهور الحق من جانب المرسلين، حيث آمن رجل من الرجال لا معرفة لهم به فلا يقال إنهم تواطؤا.
(المسألة الثانية): قوله: (يسعى) تبصرة للمؤمنين وهداية لهم ليكونوا في النصح باذلين جهدهم. وقد ذكرنا فائدة قوله: (من أقصى المدينة) وهي تبليغهم الرسالة بحيث انتهى إلى من في أقصى المدينة" (1).
وجاء في (روح المعاني): "{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} أي من أبعد مواضعها (رجل) أي رجل عند الله تعالى فتنوينه للتعظيم. وجوز أن يكون للتنكير لإفادة أن المرسلين لا يعرفونه ليتواطؤوا معه...
(يسعى) أي يعدو ويسرع في مشيه حرصًا على نصح قومه. وقيل: إنه سمع أن قومه عزموا على قتل الرسل فقصد وجه الله تعالى بالذب عنهم...
وجاء {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} هنا مقدمًا على (رجل) عكس ما جاء في القصص.
وجعله أبو حيان من التفنن في البلاغة.
وقال الخفاجي: قدم الجار والمجرور على الفاعل الذي حقه التقديم بيانًا لفضله، إذ هداه الله تعالى مع بعده عنهم، وأن بعده لم يمنعه عن ذلك. ولذا عبر بالمدينة هنا بعد التعبير بالقرية إشارة إلى السعة وأن الله تعالى يهدي من يشاء سواء قرب أو بعد.
وقيل: قدم للاهتمام حيث تضمن الإشارة إلى أن إنذارهم قد بلغ أقصى المدينة فيشعر بأنهم أتوا بالبلاغ المبين.
وقيل: إنه لو تأخر توهم تعلقه يسعى فلم يفد أنه من أهل المدينة، مسكنه في طرفها وهو المقصود" (2).
(1) التفسير الكبير 26/54.
(2) روح المعاني 22/225 – 226.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 90 إلى ص 94.
* * *
{قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)}
قال لهم: (يا قوم) ليعطف قلوبهم. وذكر لهم ثلاثة أمور تدعوهم إلى اتباع هؤلاء الدعاة:
1- كونهم مرسلين من الله، وهذا أهم ما يستوجب اتباعهم، فكونهم مرسلين من ربهم يدعو إلى اتباعهم لأنهم لا يدعون إلى أنفسهم ولا إلى معتقدات شخصية ولا إلى آراء خاصة ولا إلى أفكار بشرية وإنما يدعونهم إلى ما أراده ربهم وخالقهم.
2- وأنهم لا يسألون أجرًا على هذا التبليغ ولا يبتغون مصلحة خاصة كما هو شأن كثير من أصحاب الدعوات الأرضية، مما يدل على أنهم مخلصون في دعوتهم لهم.
3- أنهم مهتدون، وهذا يقتضي الاتباع، وهو بغية كل متبع مخلص.
جاء في (الكشاف): "{مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} كلمة جامعة في الترغيب فيهم، أي لا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة" (1).
وقد كرر الاتباع بقوله: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} لأكثر من غرض. فالتكرار يفيد التوكيد ويفيد أمرًا آخر وهو: أن المرسلين ينبغي أن يتبعوا أصلًا، فإذا ثبت أن شخصًا ما مرسل من ربه كان ذلك داعيًا إلى أن يتبع قطعًا، وهذه دلالة قوله: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}.
أما اتباع غير المرسلين فيكون لمن فيه صفتان:
1- أن يكون مهتديًا.
2- أن لا يسأل أجرًا ولا يطلب منفعة ذاتية.
وهذ توجيه لعموم المكلفين، ولو قال: (اتبعوا المرسلين. من لا يسألكم أجرًا وهم مهتدون) لكان ذلك خاضًا باتباع الرسل ولا يشير إلى اتباع غيرهم من المصلحين والداعين إلى دعوتهم. فتكرار (اتبعوا) أفاد الاتباع للرسل في حالة وجودهم. والاتباع الثاني لمن يحمل هاتين
الصفتين.
جاء في (روح المعاني): "تكرير للتأكيد وللتوسل به إلى وصفهم بما يتضمن نفي المانع عن اتباعهم بعد الإشارة إلى تحقق المقتضي" (2).
واختار (من) على (الذين) لكونها أعم، فإنها تشمل كل داع إلى الله، واحدًا كان أو أكثر.
(1) الكشاف 2/582.
(2) روح المعاني 22/226.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 94 إلى ص 96
الوقفة كاملة
|
| ٤٨٩ |
{وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22)}
بعد أن نصح لهم باتباع المرسلين لأنهم على الهدي، ذكر أنه بدأ بنفسه فآمن بدعوتهم واتبعهم فقال: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
لقد اختار من الدواعي الموجبة لعبادة ربه أنه هو المبدئ والمعيد، فهو الذي فطرهم وأوجدهم، وأنهم إليه يرجعون، فلا يتركهم بعد موتهم بل سيحشرهم إليه ويحاسبهم على ما قدموا، فإما أن يعاقبهم أو يكرمهم، وفي هذا تخويف واطماع.
لقد اختار هذين الأمرين من موجبات العبادة وهما البدء والإعادة لعلمهم جميعًا أن آلهتهم لا تفعلهما ولا تسطيعهما، وبهذا سقط كل موجب لعبادة غيره وثبت كل موجب لعبادته.
وقد قدم الجار والمجرور (إليه) على (ترجعون) لقصد الاختصاص، والمعنى أن الرجوع إليه حصرًا لا إلى غيره، وهو نظير قوله تعالى:
{وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} و{وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} و{وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.
لقد ذكر الموجب لأن يعبده هو وأن يعبدوه هم، فإنه قال: { وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} وهذا داع لأن يعبده هو فكيف لا يعبد الذي فطره؟
وفيه دعوة لهم أيضًا ليعبدوه لأن الذي فطره فطرهم أيضًا.
وقال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وهذا داعٍ لأن يعبدوه هم فإنهم راجعون إليه فيحاسبهم.
وهو مثلهم راجع إليه أيضًا لأنه فطره.
فقوله: {الَّذِي فَطَرَنِي} يقتضي أنه فطرهم أيضًا.
وقوله: {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يقتضي أنه يرجع إليه أيضًا.
وبذلك أشار بأوجز تعبير إلى أنه فطره وفطرهم وأنه إليه يرجع وأنهم إليه يرجعون. فما له لا يعبده وما لهم لا يعبدونه؟ وهذا تعبير موجز عن القول: (ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه أرجع، وما لكم لا تعبدون الذي فطركم وإليه ترجعون).
جاء في (الكشاف): "أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم، ولأنه أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لروحه.
ولقد وضع قوله: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} مكان قوله: (وما لكم لا تعبدون الذي فطركم)، ألا ترى إلى قومه: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع. وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: {آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ} يريد فاسمعوا قولي وأطيعوني فقد نبهتكم على الصحيح الذي لا معدل عنه أن العبادة لا تصح إلا لمن منه مبتدؤكم وإليه مرجعكم" (1).
وجاء في (التفسير الكبير): "اختار من الآيات فطرة نفسه لأنه لما قال: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ} بإسناد العبادة إلى نفسه اختار ما هو أقرب إلى إيجاب العبادة على نفسه...
وقوله تعالى: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إشارة إلى الخوف والرجاء كما قال: (ادعوه خوفًا وطعمًا) وذلك لأن من يكون إليه المرجع يخاف منه ويرجى" (2).
وجاء في (روح المعاني): "تلطف في إرشاد قومه بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح حيث أراهم أنه اختار لهم ما يختار لنفسه، والمراد تقريعهم على ترك عبادة خالقهم إلى عبادة غيره، كما ينبئ عنه قوله: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} مبالغة في تهديدهم بتخويفهم بالرجوع إلى شديد العقاب مواجهة وصريحًا. ولو قال: (وإليه أرجع) كان فيه تهديد بطريق التعريض" (3).
(1) الكشاف 2/585 وانظر البحر المحيط 7/328.
(2) التفسير الكبير 26/56.
(3) روح المعاني 22/226.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 96 إلى ص 98.
الوقفة كاملة
|
| ٤٩٠ |
{أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23)}
بعد أن ذكر من يستحق العبادة وسبب استحقاقه لها أفاد أنه ينبغي أن يوحده وأنه لا ينبغي له أن يتخذ إلهًا من دونه ولا معه أو يتخذ ذاتًا وسيلة لتقربه إليه.
أما إنه لا ينبغي له أن يتخذ إلهًا من دونه فذلك قوله: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً} ولا أن يتخذ إلهًا معه لأن ما يتخذونهم معه لا يملكون ضرًا ولا نفعًا. فإذا أراده الرحمن بضر لا يملكون له شيئًا فهم إذن دونه فلا يصح أن يتخذوا معه آلهة.
ولا أن يتخذوا ذاتًا لتقربه إليه؛ لأنه ذكر أنه لا تغني شفاعتهم شيئًا فلا يصح على ذلك أن يتخذوا ذاتًا لتقربه إليه.
وبهذا يكون دعاهم إلى التوحيد الخالص من دون شركاء أو شفعاء أو وسطاء.
وهو وإن أنكر على نفسه أن يتخذ آلهة من دون الله يقصد بذلك عموم من يصل إليه الخطاب من الناس، فلا ينبغي أن يتخذ أحد إلهًا من دونه. وما ذكره بحق نفسه لا يخصه وحده وإنما يعم جميع المكلفين، فإنه قال: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} وهو لم يفطره وحده بل فطر المخلوقات جميعًا.
وقال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} وهذا الأمر لا يخصه وحده بل إن أراد الله غيره بذلك فالأمر كذلك.
لقد أخرج هذا الكلام مخرج الاستفهام الإنكاري وليس مخرج الخبر. فإنه بعد أن ذكر ما ذكر قال: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً} أي أيصح ذلك عقلًا؟ أيجوز اتخاذ غيره إلهًا؟.
ولا شك أن كل عاقل سيجيب قائلًا: لا، إنه لا يصح أن تتخذ إلهًا من دونه.
وهذا لا شك أقوى من الكلام التقريري الخبري الذي يقول: أنا لا أتخذ من دونه آلهة، وذلك لأنه كأنه قرار انفرادي رآه هو. في حين أن قوله: {} يستدعي إشراك الآخرين في الجواب واتخاذ القرار.
جاء في (التفسير الكبير): "ثم قال تعالى: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً} ليتم التوحيد... فقال: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ} إشارة إلى وجود الإله، وقال: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ} إشارة إلى نفي غيره فيتحقق معنى لا إله إلا الله. وفي الآية أيضًا لطائف:
(الأولى): ذكره على طريق الاستفهام فيه معنى وضوح الأمر. وذلك أن من أخبر عن شيء فقال مثلًا: (لا أتخذ) يصح من السامع أن يقول له: لم لا تتخذ؟ فيسأله عن السبب.
فإذا قال: (أأتخذ) يكون كلامه أنه مستغن عن بيان السبب الذي يطالب به عند الإخبار، كأنه يقول: استشرتك فدلني والمستشار يتفكر. فكأنه يقول: تفكر في الأمر تفهم من غير إخبار مني.
(الثانية): قوله: {مِنْ دُونِهِ} وهي لطيفة عجيبة، وبيانها هو أنه لما بين أنه يعبد الله بقوله: {الَّذِي فَطَرَنِي} بين أن من دونه لا تجوز عبادته...
(الثالثة): قوله (أأتخذ) إشارة إلى أن غيره ليس بإله لأن المتخذ لا يكون إله (1) (كذا)، ولهذا قال تعالى: {مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} {الجن: 3}، وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} {الإسراء: 111}؛ لأنه تعالى لا يكون له ولد حقيقة ولا يجوز... ولا يقال: قال الله تعالى: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} {المزمل: 9} في حق الله تعالى حيث قال: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}، نقول ذلك أمر متجدد" (2).
ونريد أن نذكر أمرًا بخصوص قوله تعالى: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا}. فإن الذي يبدو من الاستعمال في اللغة أنه إذ كان الشيء موجودًا أصلًا من غير انفكاك ولا اختيار فلا يقال: (اتخذته)، فلا يقال مثلًا: (اتخذت فلانًا أبًا) إذا كان أباه حقيقة. ولا يقال: (اتخذته أخًا) إذا كان أخاه حقيقة. وإنما يقال ذلك لما يصح فيه التخلي والترك والاختيار، كأن تقول: (اتخذت فلانًا صديقًا لي) لأنك مختار في اختيار الأصدقاء. وتقول: (اتخذته أخًا وصاحبًا) فيما أنت مختار فيه. ولا يصح أن تقول: (اتخذت فلانًا خالقًا)، أو اتخذت الكوكب خالقًا، ولا اتخذت الله خالقًا؛ لأنه هو الخالق وليس متخذًا لذلك، لكنك قد تقول: (اتخذته معبودًا) لأنك مختار في اتخاذ ما تعبد.
ونحوه قوله: {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} فإن لك أن تختار الوكلاء وأن تتخذ من تشاء فاتخذ الله وكيلًا تفلح.
وقد تقول: إن الله وكيل على كل شيء، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} {هود: 12}، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} {الأنعام: 102}، و {الزمر: 62}.
فنقول: هذه وكالة قسرية وليست وكالة الاختيار والطاعة. ونظير ذلك العبودية، فإن العبودية لله قد تكون قسرية، كما قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} {مريم: 93}، وقوله: {أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ} {الفرقان: 17}، وهذه العبودية ليست من الطاعة ولا يتعلق بها ثواب.
وقد تكون عبودية اختيارية وذلك بأن يختار المرء أن يكون عبدًا لله مطيعًا له، وهذه هي التي يتعلق بها الثواب، كما قال تعالى: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} {النساء: 172}، وقال: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} {الإنسان: 6}.
ونحوه الألوهية والربوبية، فالله سبحانه هو إله الخلق كلهم وربهم شاءوا أم أبوا؛ قال تعالى: {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} {الأنعام: 164}، و{ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} {الفاتحة: 2}، وقال: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} {البقرة: 163}، وقال {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} {الأنعام: 19}، وقال: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} {ص: 65}.
وهذه الربوبية والألوهية قسرية شاء الخلق أم أبوا ولا يترتب عليها ثواب. وإنما يترتب الثواب والعقاب على من اتخذه إلهًا وربًا أو اتخذ غيره كما قال تعالى: {أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً} {الأنعام: 74}، {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} {الفرقان: 43}، {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} {التوبة: 31}.
فالاتخاذ أمر اختياري يفعله المتخذ وهو غير الأمر الكائن أصلاً من غير اتخاذ وذلك نحو (هذا ولدي)، و(هذا اتخذته ولدًا لي)، والله أعلم.
(1) كذا في المطبوع، والصواب: إلهًا.
(2) التفسير الكبير 26/57.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 98 إلى ص 102.
* * *
{إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ}
استعمل الفعل المضارع فعلًا للشرط فقال: {إِنْ يُرِدْنِ}، واستعمل الماضي في مكان آخر فقال: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} {الزمر: 38}.
وعند النحاة أن الماضي في الشرط يفيد الاستقبال، جاء في (التفسير الكبير): "قال ههنا: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ}، وقال في الزمر: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ} فما الحكمة في اختيار صيغة الماضي هنالك واختيار صيغة المضارع ههنا، وذكر المريد باسم الرحمن هنا وذكر المريد باسم الله هناك؟.
نقول: أما الماضي والمستقبل فإن (إن) في الشرط تصير الماضي مستقبلًا، وذلك لأن المذكور ههنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله: (أأتخذ)، وقوله: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ}، والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله: (أفرأيتم)، وكذلك في قوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ} لكون المتقدم عليه مذكورًا بصيغة المستقبل وهو قوله: {مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ}، وقوله: {إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ} والحكمة فيه أن الكفار كانوا يخوفون النبي بضر يصيبه من آلهتهم، فكأنه قال: صدر منكم التخويف وهذا ما سبق منكم. وههنا ابتداء كلام صدر من المؤمن للتقرير، والجواب ما كان يمكن صدوره منهم فافترق الأمران" (1).
والذي يترجح عندنا أن الفعل المضارع مع الشرط كثيرًا ما يفيد افتراض تكرر الحدث، بخلاف الفعل الماضي فإنه كثيرًا ما يفيد افتراض وقوع الحدث مرة (2)، كما قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} {النساء: 93}، وقال: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} {النساء: 92}، فجاء مع القتل العمد بالفعل المضارع لأنه يفترض فيه تكرر الحدث، إذ كلما سنحت للقاتل فرصة قتل مؤمنًا، بخلاف قتل الخطأ فإنه لا يفترض تكرره.
ونحو ذلك قوله تعالى: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} {المائدة: 17}، فجاء بفعل الإرادة ماضيًا {إِنْ أَرَادَ} لأن هذه الإرادة تكون مرة واحدة ولا تتكرر، فإنه إذا أهلكه فقد انتهى الأمر.
ونحوه قوله تعالى: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} {البقرة: 223}، فإن هذا لا يتكرر، فإذا انفصلا فقد انتهى الأمر.
ونحوه قوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا} {الإسراء: 16}، وقوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} {الأحزاب: 50}، وهذه الإرادة لا تتكرر وإنما تكون مرة واحدة.
في حين قال: {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا} {آل عمران: 145}، فجاء بفعل الإرادة مضارعًا لأن إرادة الثواب تتكرر.
ومثله قوله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} {الأنفال: 62} فإن إرادة الخديعة تتكرر.
ومثله قوله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} {الأنفال: 71} فإن إرادة الكفار خيانة الرسول قد تتكرر فجاء بالفعل مضارعًا.
فنقول: إن استعمال الفعل المضارع في سورة (يس) في قوله تعالى:{ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} إشارة إلى أنه كان يتوقع تكرر وقوع الضر عليه من قومه، وأنهم لا يكفون عن إلحاقه به ما دام بينهم.
وقد تقول: ولم قال ههنا: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} فأسند الإرادة إلى الرحمن، وقال في الزمر: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ} {الزمر: 38} فأسند الإرادة إلى الله؟.
فنقول: إن القائل في سورة (يس) يتوقع وقوع الضرر عليه وتطاوله كما ذكرنا، فذكر اسم الرحمن كأنه يلوذ به ويعتصم، وهو بمثابة سؤاله الرحمة، بخلاف ما في الزمر فإنه ليس الأمر كذلك ولا يتوقع نحو هذا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه حسن ذكر اسم (الرحمن) مع الشفاعة في سورة (يس) فقال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا} لأن الشفيع إنما يستدر رحمة من يشفع عنده، والمتصف بالرحمة قد يقبل شفاعة من ليس له جاه كبير عنده، أما هؤلاء الآلهة فلا تنفع شفاعتهم حتى مع الرحمن، إذ ليس لهم جاه البتة. وهذا أبلغ في إسقاط وجاهة هؤلاء.
ثم من ناحية ثالثة أنه ورد اسم (الرحمن) في سورة (يس) أربع مرات، ولم يرد في سورة الزمر ولا مرة واحدة. وورد اسم (الله) في سورة الزمر تسعًا وخمسين مرة، وورد في سورة (يس) ثلاث مرات فقط، فناسب ذكر اسم (الله) في الزمر، و (الرحمن) في (يس).
وقد علل الفخر الرازي ذكر اسم (الرحمن) في (يس) واسم (الله) في الزمر بقوله: "وأما قوله هناك: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ} فنقول: قد ذكرنا أن الاسمين المختصين بواجب الوجود الله والرحمن؛ كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} {الإسراء: 110}، والله للهيبة والعظمة، والرحمن للرأفة والرحمة. وهناك وصف الله بالعزة والانتقام في قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} {الزمر: 37}، وذكر ما يدل على العظمة بقوله: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} {العنكبوت: 61} فذكر الاسد الدال على العظمة. وقال ههنا ما يدل على الرحمة بقوله: {الَّذِي فَطَرَنِي} فإنه نعمة هي شرط سائر النعم فقال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ}" (3).
وقد تقول: لقد قال في سورة (يس): {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} .
وقال في الزمر: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} {الزمر: 38}.
فذكر الضر في (يس) ولم يذكر الرحمة، إذ لم يقل: (وإن يردني برحمة لا يمسكوا رحمته) في حين ذكر في الزمر الضر والرحمة، فقال: { إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ .... أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} فما سبب ذاك؟
والجواب – والله أعلم – أن ذلك لأكثر من سبب:
منها أن صاحب (يس) كان يتوقع الضر من أهل قريته ولم يكن يتوقع منهم شيئًا من لين أو رحمة، بل ربما كان يتوقع القتل لأن الجو كان متأزمًا، كله تهديد ووعيد.وقد انتهى الأمر بقتله، فلا يناسب ذكر الرحمة.
ومن ذلك أن ذكر اسم (الرحمن) أغنى ههنا عن ذكر (وإن يردني برحمة) فإن الرحمن يرد الرحمة، وهو لا يريدها فقط وإنما يحققها؛ وإلا فليس برحمن، فاكتفى بذكر صفته عن أن يقول: (وإن يردني برحمة) بخلاف ما في الزمر، فإنه ذكر اسم (الله) ولم يذكر له وصفًا، فناسب ذلك أن يذكر الضر والرحمة تصريحًا.
وعلى هذا فقد ذكر الأمران في (يس) على نحو آخر يناسب المقام، والله أعلم.
وقد تقول: لقد قال في (يس): {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} فاستعمل ضمير الذكور العقلاء في (شفاعتهم) وفي (ينقذون).
وقال في سورة الزمر: {هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ} و{هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ} بضمير الإناث، فما الفرق؟.
والجواب: أن ضمير الإناث يستعمل للإناث ويستعمل لجمع غير العاقل مذكرًا كان أو مؤنثًا، فنقول: (الحبال هن شاهقات) والجبال جمع جبل وهو مذكر غير عاقل، غير أننا نستعمل له ضمير الإناث. قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} {البقرة: 197}.
فقال في الأشهر: (فيهن) والأشهر جمع شهر، والشهر مذكر غير عاقل، فاستعمل لها ضمير الإناث.
فضمير الإناث يستعمل للإناث ولجمع غير العاقل مطلقًا.
وكذلك جمع المؤنث السالم، فإنه يستعمل جميعًا للمؤنث بشروطه، ويستعمل أيضًا لجمع المذكر غير العاقل اسمًا أو صفًا نحو (جبال شاهقات) و(شاهقات) وصف لمذكر غير عاقل، و(أنهار جاريات)، و(جاريات) وصف لأنهار مفردها (نهر) وهو مذكر غير عاقل.
والاسم المذكر غير العاقل قد يجمع جمع مؤنث سالماً إذا لم يسمع له جمع تكسير نحو حمامات جمع حمام، واصطبلات جمع اصطبل.
وأما ضمير جماعة الذكور نحو (هم) و(الواو) في نحو (يمشون) فهو خاص بجماعة الذكور العقلاء أو ما نزل منزلتهم.
وبعد بيان هذا الأمر نعود إلى الآيتين:
قال تعالى في الزمر: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} {الزمر: 38}.
ومن النظر في هذا الآية يتضح ما يأتي:
1- قال: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} فجعل آلهتهم لا تعقل ذلك أنه استعمل لها (ما) فقال: (ما تدعون)، و(ما) تستعمل في العربية لذات ما لا يعقل.
2- جاء بضمير الإناث (هن) فقال: {هَلْ هُنَّ} وهذا الضمير إما أن يكون للإناث أو يستعمل لجمع غير العاقل مذكرًا أو مؤنثًا كما ذكرت فجعلهم غير عقلاء، وهو متناسب مع (ما) التي هي لغير العاقل.
3- جاء بجمع المؤنث السالم وهو كما ذكرنا إما أن يكون للإناث أو لصفات الذكور غير العقلاء فجعلهم غير عقلاء.
4- هذه الآية نزلت في المجتمع الجاهلي والخطاب للرسول وقد قال تعالى فيهم: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا} {النساء: 117}.
فذكر أن ما يدعون من دون الله إنما هي إناث.
وقد روي عن الحسن: "أنه كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان... وقيل: كان في كل صنم شيطانة" (4).
"وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم في بنات الله" (5).
وكانوا يسمون كثيرًا منها بأسماء مؤنثة كاللات والعزى ومناة (6).
فناسب التأنيث من كل جهة، ومن جهة أنها غير عاقلة، ومن جهة أن لها أسماء مؤنثة، أو يرون أنها إناث.
وقال في (يس): {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} .
فاستعمل ضمير العقلاء ذلك لأنه قال: {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ}، والشفيع لا بد أن يكون عاقلًا وإلا فكيف يشفع؟ ولذلك قال في الزمر: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ} {الزمر: 43}، فجاء بضمير جماعة الذكور للدلالة على أنه لا يكون الشفيع إلا عاقلًا.
ثم نفى الشفاعة مع عدم العقل فقال: {قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ}.
فاستعمل ضمير العقلاء مع الشفاعة.
ثم قال: {وَلَا يُنْقِذُونِ}، والمنقذ لابد أن يكون عاقلًا أيضًا، وإلا فكيف ينقذ؟ ولذلك قال في سورة (يس): {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} {يس: 74 - 75}، فاستعمل ضمير جماعة العقلاء وهو قوله: (لا يستطيعون) و(هم) لأن الناصر لا بد أن يكون عاقلًا، وهو كالمنقذ.
وهذه الآية نظيرة الآية السابقة.
فناسب كل ضمير مكانه اللائق به.
وهناك أمر آخر في الآية وهو أنه قال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} فأدخل الباء على الضر ولم يقل: (إن يرد الرحمن بي ضرًا) وكلاهما تعبير فصيح، تقول: (أراد به رحمة) و(أراده برحمه). قال تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} {الأحزاب: 17}، فأدخل الباء على ضمير المخاطبين، فما الفرق؟.
جاء في (التفسير الكبير): "قال {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} ولم يقل: (إن يرد الرحمن بي ضرًا)، وكذل قال تعالى: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ}، ولم يقل: (إن أراد الله بي ضرًا)، نقول:
الفعل إذا كان متعديًا إلى مفعول واحد تعدى إلى مفعولين بحرف كاللازم يتعدى بحرف في قولهم: ذهب به، وخرج به. ثم إن المتكلم البليغ يجعل المفعول بغير حرف ما هو أولى بوقوع الفعل عليه، ويجعل الآخر مفعولًا بحرف. فإذا قال القائل مثلا: كيف حال فلان؟ يقول اختصه الملك بالكرامة والنعمة.
فإذا قال كيف كرامة الملك؟ يقول: اختصها بزيد، فيجعل المسؤول عنه مفعولًا بغير حرف لأنه هو المقصود.
إذا علمت هذا فالمقصود فيما نحن فيه بيان كون العبد تحت تصرف الله يقلبه كيف يشاء في البؤس والرخاء، وليس الضر بمقصود بيانه، كيف والقائل مؤمن يرجو الرحمة والنعمة بناء على إيمانه بحكم وعد الله. ويؤيد هذا قوله من قبل: {الَّذِي فَطَرَنِي} حيث جعل نفسه مفعول الفطرة فكذلك جعلها مفعول الإرادة، وذكر الضر وقع تبعًا.
وكذا القول في قوله: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}، المقصود بيان أنه يكون كما يريد الله، وليس الضر بخصوصه مقصودًا بالذكر ويؤيده ما تقدم حيث قال تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا} {الزمر: 36}، يعني هو تحت إرادته، ويتأيد ما ذكرناه بالنظر في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا} {الأحزاب: 17}، حيث خالف هذا النظم وجعل المفعول من غير حرفٍ السوء وهو كالضر، والمفعول بحرف هو المكلف، وذلك لأن المقصود ذكر الضر للتخويف وكونهم محلًا له، وكيف لا وهم كفرة استحقوا العذاب بكفرهم؟ فجعل الضر مقصودًا بالذكر لزجرهم.
فإن قيل: فقد ذكر الله الرحمة أيضًا حيث قال: {أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً}.
نقول: المقصود ذلك ويدل عليه قوله تعالى من بعده: {وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} {النساء: 173}، وإنما ذكر الرحمة تتمة للأمر بالتقسيم الحاصر.
وكذلك إذا تأملت في قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا} {الفتح: 11}، فإن الكلام أيضًا على الكفار، وذكر النفع وقع تبعًا لحصر الأمر بالتقسيم" (7).
والذي يبدو لي غير ذلك، فإن الذي يظهر من التعبير القرآني أن ما تتصل به الباء هو الذي عليه السياق وهو مدار الكلام وهو الأهم فيه.
قال تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}
فقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين (بكم) لا بالسوء، والكلام يدور على المخاطبين والسياق عليهم، وذلك من الآية الثانية عشرة حتى الآية العشرين.
قال تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} {الأحزاب: 12 - 20}.
فقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين لأن الكلام يدور عليهم.
وقال: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} {الفتح: 11}.
وقد اتصلت الباء بضمير المخاطبين أيضًا، وذلك أن الكلام والسياق يدوران عليهم.
قال تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} {الفتح: 11 - 16}.
وقال: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} {الأنبياء: 70}، واتصلت الباء بضمير الغيبة (به) ولم تتصل بالكيد، والكلام على سيدنا إبراهيم عليه السلام وذلك في أكثر من عشرين آية (من الآية: 51 - 72).
في حين قال: {قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} {الزمر: 38}.
فقد اتصلت الباء ههنا بالضر وبالرحمة ولم تتصل بالضمير فقد قال: { إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ …. أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ} ولم يقل: (إن أراد بي ضرًا أو أراد بي رحمة)، وذلك أن الاهتمام والعناية بالضر و الرحمة، ويدلك على ذلك أن عقب على ذلك بكشف الضر وإمساك الرحمة فقال: {إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} {الزمر: 38}.
والسياق إنما هو في ذلك والاهتمام به، فقد قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} {الزمر: 36}، فالكلام على المعتقدات لا على الأشخاص.
وقال: {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} {يونس: 107}، فقد اتصلت الباء بالخير لا بضمير الخطاب فقال: {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ}، ولم يقل: (وإن يرد بك خيرًا) وذلك أن الكلام إنما هو في هذا الأمر والسياق عليه قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} {يونس: 107}.
فالكلام على الضر والخير وما يتعلق بكشفهما أو ردهما لا على الأشخاص ولذلك قال: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} .
فليس أحد يكشف الضر إلا هو، ولا أحد يملك أن يرد خيره تعالى، ولذلك عقب بقوله: {فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ}.
وقد قال قبل هذه الآية: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} فالكلام في النفع والضر كما ترى وإيصالهما أو دفعهما.
وفي هذه السورة، أعني سورة (يس)، وصل الباء بالضر فقال: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} ولم يقل: (إن يرد الرحمن ضرًا) وذلك أن الكلام على الضر وهو مدار الاهتمام، ولذلك عقب بكشف الضر وإزالته فقال: {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} أي لا يدفعون الضر عني ولا ينقذونني منه.
فاتضح بذلك أن الباء تتصل بما هو أهم في السياق وعليه الكلام، والله أعلم.
(1) التفسير الكبير 26/59.
(2) انظر معاني النحو 4/66.
(3) التفسير الكبير 26/59.
(4) روح المعاني 5/148، الكشاف 1/424.
(5) الكشاف 1/424.
(6) فتح القدير 1/478.
(7) التفسير الكبير 26/58.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 102 إلى ص 114.
* * *
{لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ}
بين أن آلهتهم ليس لها جاه ولا قدرة.
فكونها لا تنفع شفاعتها شيئًا معناه أنه ليس لها جاه.
وكونها لا تنقذ من يعبدها ويلتجئ إليها معناه أنها ليس لها قدرة.
فكيف يعبدون آلهة هذه صفتها؟!.
ثم إنه أنها بمجموعها ليس لها مكانة ولا جاه، وإنها بمجموعها ليس لها قدرة، فلو أن آلهتهن جميعًا شفعت عند الله لم تغن شفاعتهم شيئًا.
ولو أنها جميعها أرادت أن تنقذه لم تستطع.
فما أتفه وما أضعف هذه الآلهة!
لقد قدم الشفاعة على القدرة لأن هذا هو الترتيب الطبيعي في الحياة، فإن من استعان بشخص على آخر يشفع أولًا عنده، فإن لم يجد ذلك نفعًا لجأ إلى القوة، وليس العكس.
جاء في (التفسير الكبير): "ثم قال: {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ} على ترتيب ما يقع من العقلاء؛ وذلك لأن من يريد دفع الضر عن شخص أضر به شخص يدفع بالوجه الأحسن فيشفع أولًا، فإن قبله وإلا يدفع، فقال: {لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ} ولا يقدرون على إنقاذي بوجه من الوجوه" (1).
وجاء في (روح المعاني) : "وهو ترق من الأدنى إلى الأعلى، بدأ أولًا بنفي الجاه، وذكر ثانيًا انتفاء القدرة وعبر عنه بانتفاء الإنقاذ لأنه نتيجة" (2).
فاستبان من هذه الآيات أن الله مستحق للعبادة من كل وجه:
1- أنه فطر الخلق.
2- وأنه يرسل الرسل إليهم ليرشدوهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم.
3- إليه المرجع والمصير فيعاقب المسيء ويكافئ المحسن.
4- أنه رحيم بعباده: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ}
5- أنه قوي مقتدر ليس لقدرته حدود.
6- وأن ما يدعون من دونه ليس لهم جاه وليس لهم قدرة وإن اجتمعوا.
جاء في (التفسير الكبير): "وفي هذه الآيات حصل بيان أن الله تعالى معبود من كل وجه:
إن كان نظرًا إلى جانبه فهو فاطر ورب مالك، يستحق العبادة سواء أحسن بعد ذلك أو لم يحسن.
وإن كان نظرًا إلى إحسانه فهو رحمن.
وإن كان نظرًا إلى الخوف فهو يدفع ضره.
وحصل بيان أن غيره لا يصلح أن يعبد بوجه من الوجوه، فإن أدنى مراتبه أن يعد ذلك ليوم كريهة، وغير الله لا يدفع شيئًا إلا إذا أراد الله، وإن يرد فلا حاجة إلى دافع" (3).
(1) التفسير الكبير 26/59.
(2) روح المعاني 22/227.
(3) التفسير الكبير 26/59.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثاني من ص 114 إلى ص 116.
الوقفة كاملة
|