| ٤٤١ |
{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)}
{يَوْمَ يَقُولُ ....} بدل من {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ ....} (1)ويجوز أيضًا أن يكون منصوبًا على تقدير (اذكر) (2) وذكر المنافقين والمنافقات ليدل على أن كل فرد من الجنسين ينال جزاءه ولا يشفع لأحدهما قرابة، فلا تغني المؤمنة عن قريبها المنافق أو قريبتها المنافقة، ولا المؤمن عن قريبه أو زوجته المنافقة. ولا تقول المنافقة إني كنت تبعًا لزوجي أو أخي أو أبي، فإن كل واحد مسؤول عن نفسه وعما قدّم أو أخر.
{انْظُرُونَا}
أي انتظرونا، غير أنهم لم يقولوا: (انتظرونا) لأن الانتظار فيه تمهل وإبطاء، والمؤمنون يسرعون أو يسرع بهم إلى الجنة، فطلبوا انتظارا قليلاً أو تمهلاً قليلاً، وقد أدركوا أنهم لو طلبوا انتظارًا لم يجابوا. ولو كان في الوقت فسحة لساغ طلب الانتظار، كما في قوله تعالى: {فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [يونس: 102] فقال {فَانْتَظِرُوا}، وقال: {إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} لأن في الوقت متسعًا.
جاء في (نظم الدرر): "وكأن الفعل جرد في قراءة الجماعة لاقتضاء الحال الإيجاز بغاية ما توصل المقدرة إليه خوف الفوت؛ لأن المسؤولين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف" (3).
قيل: ويجوز أن يكون المعنى (انظروا إلينا) "لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به" (4).
{نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ}
أي "نصب منه وذلك أن يلحقوا بهم فيستنيروا به" (5)، وقالوا: (نقتبس) ولم يقولوا: (نأخذ) لأن الاقتباس لا ينقص من المقتبس منه، بخلاف الأخذ فإنك إذا اقتبست من النار فإن ذلك لا ينقصها بخلاف ما إذا أخذت منها، والمعنى نستفد منه فلا ينقص فانظرونا.
وقالوا: (نقتبس) ولم يقولوا: (نقبس)؛ لأن الاقتباس أبلغ من القبس، وذلك دليل على عظم نور المؤمنين وهو لا ينقص بالاقتباس.
وقالوا: {مِنْ نُورِكُمْ} ولم يقولوا: (من النور الذي معكم) للدلالة على أنه نورهم هم، قيل: "يعطى يوم القيامة كل أحد نورًا على قدر عمله ... ثم على ذلك تغشاهم ظلمة فتطفئ نور المنافقين، فهنالك يقول المنافقون: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} كقبس النار" (6).
{قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا}
لم يقل: (قالوا) بل (قيل): "ويظهر من إسناد (قيل) بصيغة المبني للمجهول أن قائله غير المؤمنين المخاطبين، وإنما هو من كلام الملائكة السائقين للمنافقين. وتكون مقالة الملائكة للمنافقين تهكمًا، إذ لا نور وراءهم" (7).
و(وراءكم) إما أن يكون ظرفًا مؤكدًا، فإن الرجوع إنما يكون إلى الوراء، وإما أن يكون اسم فعل بمعنى (ارجعوا) فيكون أيضًا مؤكدا لفعل الأمر (8).
{فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ}
قيل: الباء في (بسور) زائدة للتوكيد، والتقدير: ضُرب بينهم سور (9)، وقيل: ضمن (ضرب) معنى (حجز) أي حجز بينهم بسور ولذلك عدي بالباء "أي ضرب بينهم سور للحجز به بين المنافقين والمؤمنين" (10)، والسور: هو ما أحاط بالشيء من بناء وغيره.
وقال: {لَهُ بَابٌ} لئلا يظن أن المؤمنين محتجزون فيه، وإنما ينفذون منه إلى مرادهم وهو الطريق إلى الجنة والله أعلم. فالمنافقون لا يتمكنون من الدخول فيه ليلتقوا بالمؤمنين، والمؤمنون يتمكنون من الخروج منه.
ووصف السور بأن باطنه فيه الرحمة وهي الجهة التي فيها المؤمنون، وأن ظاهره يأتي العذاب من جهته للمنافقين ولمن حقت عليه كلمة العذاب. وهذا السور - كما ترى - يخالف باطنه ظاهره، كما أن المنافقين يخالف باطنهم ظاهرهم، فهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وذلك السور باطنه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، وهو تناظر لطيف بين السور والمنافقين في اختلاف الباطن عن الظاهر.
{يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ}
استعمل الفعل (ينادونهم) وقد استعمل قبل قليل الفعل (يقول)؛ ذلك لأنه صار بينهم حاجز فاحتاجوا إلى رفع الصوت للنداء.
{أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ} ولم يقولوا: (ألم نكن منكم) لأنهم كانوا معهم ولم يكونوا منهم، ولذلك أجابوهم بـ (بلي)، ولو قالوا: (ألم نكن منكم) لأجابوهم بكلاّ.
{قَالُوا بَلَى} ولم يقل: (فنادوهم بلى) ذلك أنه حيث استعمل القرآن الفعل (نادي) أو متصرفاته يكون الجواب بفعل القول، وذلك نحو قوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ} [هود: 42 – 43].
{وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي أوقعتموها في الفتنة. واختيار هذا الفعل اختيار رفيع، فإن (فتن) له معان كثيرة، أكثرها مراد هنا.
فمن معانيه: إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته. وأنتم وضعتم أنفسكم في هذا الموضع ففتنتم أنفسكم وبانت رداءتكم وخسة معدنكم.
ومن معانيه: الامتحان والاختبار، وقد وضعتم أنفسكم في هذا الموضع أيضًا فأوقعتم أنفسكم في الفتنة والاختبار والامتحان؛ لأنكم أظهرتم الإيمان وأبطنتم الكفر، فتقولون للمؤمنين: نحن معكم، وتقولون للكافرين: إنا معكم، ولا شك أن كل فريق يختبركم ويمتحنكم ليتبين أأنتم معه أم عليه.
ثم إن هذا الأمر يحتاج إلى موازنة الموقف وإظهار تعامل خاص لكل فريق، وهذا امتحان أيضًا لبيان القدرة على السلوك المتناقض الذي يرضي الطرفين المتباينين، فأنتم وضعتم أنفسكم تحت الاختبار والمراقبة من كل فريق ومن أنفسكم أيضًا.
ومن معانيه: الشدة والتعذيب، ومنه قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191]، وقوله: {فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ} [يونس: 83] أي يعذبهم.
وأنتم فتنتم أنفسكم فأوقعتموها في الشدة والتعذيب في الدنيا والآخرة بالتربص والخوف ومحاولة إخفاء الحقيقة بصورة مستمرة ولجوئكم إلى الكذب والمراوغة واختلاق المعاذير، وفي الآخرة أنتم كما ترون.
ومن معانيه: إدخال الإنسان النار (11)، قال تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} [الذاريات: 13 - 14] وأنتم فتنتم أنفسكم في الدنيا والآخرة وأوقعتموها في المحنة والعذاب وأدخلتموها النار، فأنتم الذين فتنتم أنفسكم في الدنيا والآخرة وأوقعتموها في المحنة والعذاب وأدخلتموها النار، فأنتم الذين فتنتم أنفسكم. جاء في (الكشاف): "{فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ}: محنتموها بالنفاق وأهلكتموها" (12).
{وَتَرَبَّصْتُمْ}
وتربصهم مطلق، فهم كانوا يتربصون بالمؤمنين الدوائر ليتمكنوا من إعلان كفرهم صراحة، وكانوا أيضًا يتربصون ظهور أحد الفريقين وانتصاره ليعلنوا أنهم كانوا معه، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء : 141].
فالفتنة هذه تقتضي التربص للانتفاع من كل فريق، وهذا التربص يفضي إلى الريبة فيمن سيفوز ويربح ليعلنوا أنهم معه، فقال: (وارتبتم) أي شككتم في أمر محمد وهل هو على حق، وارتبتم فلا تعلمون أي فريق سيغلب.
ولما لم يتبين لكم الأمر على حقيقته (غرتكم الأماني) وخدعتكم وقلتم: لعله سيُغلب محمد، وبقيتم في هذه التمنيات الخادعة حتى جاءكم أمر الله وهو الموت. هذا علاوة على ما خدعكم به الشيطان وغركم بالله وقال لكم: إن الله سيغفر لكم ولا يعذبكم (13)، فغرتكم أماني أنفسكم والشيطان.
إن هذه المذكورات مرتبة ترتيبًا منطقيًا يفضي أحدها إلى الآخر، فهم فتنوا أنفسهم بأن أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر فكان عليهم التربص والانتظار، وبذا كان التربص من أثر الفتنة والاختبار. ثم لما طال التربص ولم تظهر له نتيجة حاسمة داخلتهم الريبة والشكوك فيمن سيظهر ويغلب. وبعدها جاء دور الأماني الخادعة تغرهم وتمنيهم. ثم إن الشيطان ولج لئلا تصحو ضمائرهم ويخافوا بطش الله فغرهم بالله وهون عليهم الأمر. واستمروا على ذلك حتى جاء أمر الله ورحلوا عن الدنيا منافقين مغرورين من أنفسهم ومن الشيطان فسوف يلقون غيًّا.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 359 إلى ص 365.
(1) تفسير الرازي 29/224.
(2) انظر روح المعاني 27/176.
(3) نظم الدرر 7/444.
(4) الكشاف 4/63، وانظر تفسير الرازي 29/225، روح المعاني 27/176.
(5) الكشاف 4/63.
(6) تفسير الرازي 29/226.
(7) التحرير والتنوير 27/382.
(8) انظر روح المعاني 27/177.
(9) ينظر تفسير الرازي 29/227، روح المعاني 27/177.
(10) التحرير والتنوير 27/383.
(11) انظر المفردات في غريب القرآن (فتن).
(12) الكشاف 4/63.
(13) انظر الكشاف 4/63، تفسير الرازي 29/227، البحر المحيط 10/106.
الوقفة كاملة
|
| ٤٤٢ |
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)}
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}
(يأني) مضارع (أنى)، ومعنى (أنى) حان ونضج، و{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} معناه ألم يحن لهم ذلك؟
{أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}
أسند الخشوع إلى القلوب، والخشوع أمر مشترك بين القلب والجوارح، فهو يسند إلى الأبصار وإلى الوجوه وإلى الأصوات فيقال: بصر خاشع ووجه خاشع وصوت خاشع، كما يسند إلى الشخص كله فيقال: رجل خاشع أي خاضع، كما قال تعالى: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء : 90]، وقال: {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ} [الشورى: 45].
والخشوع هو الخضوع والخشية والذل، فخشوع القلب خضوعه وخشيته ووجله وتذلله، فطلب من المؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، وذكر الله عام، وما نزل من الحق هو القرآن، وكل منهما مدعاة إلى الخشوع والخشية.
فذكر الله مدعاة إلى الخشوع والخشية كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2]، وقال: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 34 – 35].
والقرآن مدعاة إلى الخشية والوجل كما قال: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109]، وقال: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21]، وقال: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23].
والقرآن ذكر وقد سماه الله ذكرًا، فقد حكى عن الكفار قولهم: {أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص: 8]، وقال: {وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا} [طه: 99]، وقال: {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا} [الطلاق: 10]، وقال: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} [الأنبياء: 50].
فإذا كان علماء أهل الكتاب يزيدهم القرآن خشوعًا، وإذا كان الجبل يتصدع منه خاشعًا لله فكيف لا يخشع قلب المؤمن له؟
لقد ذكر ثلاثة أمور كل منها يستدعي الخشية:
1-كون المخاطبين مؤمنين، وهذا يستدعي الخشية.
2- ذكر الله، وهو مدعاة إلى الخشية.
3- ما نزل من الحق أي القرآن، وهو مدعاة إلى الخشية.
وهذه الآية نظير قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] (۱) فقد ذكر فيها ذكر الله وذكر آياته.
وقد تقول: إذا كان المراد خشوع القلب فلم لم يقل مثلاً : (ألم يأن لقلوب المؤمنين أن تخشع لذكر الله) أو (ألم يأن أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله) ونحو ذلك، وقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}؟
والجواب: أن ذلك لجملة أسباب.
منها: أنه حذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب وليس كقلوب الذين أوتوا الكتاب فقال: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} فناسب أن يكون الكلام على المؤمنين بمقابل الذين أوتوا الكتاب.
ومنها: أنه قال: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} وهذا وصف للأشخاص لا للقلوب، فأراد أن يحذرهم من أن يكونوا كالذين أوتوا الكتاب في قسوة القلوب وفسق كثير منهم. فناسب قوله: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا} أن يكون بمقابل (الذين أوتوا الكتاب).
ومنها: أنه ذكر المؤمنين وقلوبهم، وذكر أهل الكتاب وقلوبهم، فناسب ذلك ألطف مناسبة.
وقال: {أُوتُوا الْكِتَابَ} ولم يقل: (أتيناهم الكتاب) لأنه في مقام الذم لهم. ومن سمة التعبير القرآني أنه إذا ذم أهل الكتاب بنى الفعل للمجهول فقال: {أُوتُوا الْكِتَابَ} وإذا مدحهم أسند الفعل إلى نفسه تعالى فقال: {آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} (2).
{فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ}
بين أن طول الأمد يقسي القلوب فحذرنا من أن نكون كذلك، فإنه ينبغي أن نتعهد قلوبنا وألا ندع للقسوة سبيلاً إليها. وفي ذكر الله وما نزل من الحق غناء وكفاية لحياة القلوب وخشوعها.
وأسند القسوة إلى القلوب وذلك بمقابل إسناد الخشوع إلى القلوب أيضًا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لم يسند القسوة في القرآن الكريم إلا للقلوب ولم يسندها إلى غيرها، قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74]، وقال: {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنعام: 43]، وقال: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة: 13]، وقال: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22] وغيرها.
وذلك أنه إذا قسا القلب قسا صاحبه وإذا خشع القلب خشعت الجوارح.
وقد تقول: ولم قال: {وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ} فذكر {مِنْ قَبْلُ}، ولم يقل: (كالذين أوتوا الكتاب فطال عليهم الأمد) من دون أن يذكر (من قبل)؟
والجواب: أنه لو قال ذلك لم يدل على أن الأولين قست قلوبهم، بل لربما دل على أن المعنيين هم المعاصرون لزمن الرسول، فلما قال: {مِنْ قَبْلُ} دل على أن آباءهم الأولين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فما بالك بهؤلاء وقد تطاول عليهم الزمن؟
فذمهم وذم أسلافهم، بخلاف ما لو حذف {مِنْ قَبْلُ}
ثم إنه حذرهم من أن يكونوا كأولئك الأولين فما بالك بالآخرين؟
فيكون التحذير عن التشبه بهؤلاء أشد وأشد.
{وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}
ذكر أن كثيرًا منهم فاسقون خارجون عن طاعة الله. ومجيء هذا القول بعد قوله: {فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} يدل على أن قسوة القلب من أسباب الفسوق ودواعيه، وبالمقابل يكون خشوع القلب من أسباب الطاعة ودواعيها.
وقد تقول: لقد قال في أكثر من موطن: إن أكثرهم فاسقون بصيغة اسم التفضيل، وقال ههنا: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} فما حقيقة الأمر؟ أإن كثيرًا منهم فاسقون أم إن أكثرهم فاسقون؟ وما السبب في هذا الاختلاف في التعبير؟
والجواب: أنه لا تناقض بين قوله: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} وقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}. فقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} يعني أن كثيرًا منهم فاسقون، وإنما التناقض يكون لو قال: (إن قليلاً منهم فاسقون) أو (إن أقلهم فاسقون). فقولك: (محمد أفضل الناس) لا يناقض قولك: (إنه فاضل)، وقولك: (هو أعلم الناس) لا يناقض قولك: (هو عالم)، ولكنه يناقض قولك: (هو أجهل الناس) أو (هو جاهل).
أما لماذا عبر عن ذلك مرة بقوله: (كثير) ومرة بـ (أكثر) فهذا ما يقتضيه سياق كل تعبير. فإنه يعبر بـ (أكثر) إذا كان السياق في تعداد أسوأ صفاتهم والإطالة في ذكرها، بخلاف الوصف بـ (كثير) فإنه لا يبلغ ذلك المبلغ، وإليك إيضاح ذلك:
لقد جاء الوصف بـ (أكثر) في موضعين وهما قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59]، وقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] وبالنظر في سياق كل من الآيتين يتضح ما ذكرته.
فقد جاء في سورة المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .....}
ويستمر في تعداد مساوئهم إلى الآية الخامسة والستين [57 – 65] فناسب قوله: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ}.
وكذلك الأمر في آل عمران، فقد ذكر أهل الكتاب ومساوئهم وأعاد ذكرهم وذكرها أكثر من مرة. من ذلك ما ذكره من الآية الخامسة والستين إلى الآية الثامنة والسبعين، ومن الآية الثامنة والتسعين إلى الآية الواحدة بعد المائة، ومن الآية العاشرة بعد المائة إلى الآية الخامسة عشرة بعد المائة عدا المواطن الأخرى المنتشرة في السورة، فناسب أن يذكر ذلك بقوله: {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 372 إلى ص 377.
(1) انظر الكشاف 4/64.
(2) انظر معاني النحو 2/92 وما بعدها.
{اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
{اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}
أمرنا بأن نعلم هذا الأمر، أي أن الله هو الذي يحيي الأرض بعد موتها وأنه ما كانت لتحيا لولا أن الله يحييها، فهي لا تحيا من الماء بنفسها ولا أن ذاتًا أخرى دونه أو معه قادرة على ذلك، فالله هو الذي يحيي الأرض بعد موتها.
ووجه ارتباط الآية بما قبلها ظاهر من جهتين؛ ذلك أنها تمثيل لأثر الذكر والقرآن في القلوب، فإن يحييها كما يحيي الغيث الأرض (1).
جاء في (روح المعاني): أن قوله: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} "تمثيل ذكر استطرادًا لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة بالغيث، للترغيب في الخشوع والتحذير من القساوة" (2).
ومن جهة أخرى أن هذه الآية تدل على بعث الأموات وأن الله سيحييهم ويبعثهم كما يحيي الأرض. وقد مر قبل هذه الآية ذكر الآخرة وجملة من مشاهدها. وهي كما ترتبط بما قبلها من جهتين ترتبط بما بعدها من جهتين أيضًا.
فإنه ذكر بعد هذه الآية أن المصدقين والمصدقات يضاعف لهم، وذلك شأن الأرض التي تحيا بالغيث فإنها تضاعف ما يزرع فيها. وقد ذكر الله ذلك في مكان أخر فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].
كما أنه ذكر الآخرة بعدها وطرفًا من أحوالها، فارتبطت الآية بما قبلها وما بعدها والله أعلم، جاء في (تفسير الرازي): "أن قوله هذا "تمثيل والمعنى أن القلوب التي ماتت بسبب القساوة فالمواظبة على الذكر سبب لعود حياة الخشوع إليها كما يحيي الله الأرض بالغيث، والثاني أن المراد من قوله: {يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} بعث الأموات، فذكر ذلك ترغيبًا في الخشوع والخضوع وزجرًا على القساوة" (3).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 377 إلى ص 378.
(1) انظر الكشاف 4/64.
(2) روح المعاني 27/181.
(3) تفسير الرازي 29/231.
الوقفة كاملة
|
| ٤٤٣ |
{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)} أجمل حقيقة ما يعيشه الناس في هذه الحياة بما ذكر في الآية. وقد رتب هذه الأشياء بحسب ترتيبها في حياة الناس مبتدئًا باللعب واللهو منتهيًا بالجد.
فبدأ باللعب وهو ما يقع في دور الطفولة والصبا. هذا هو الأصل وإن كان يطلق اللعب أحيانًا على نقيض الجد كقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65]، وقوله: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [الزخرف: 83]، وقوله: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ} [الدخان: 9]، وقوله: {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} [الأنبياء: 55].
ثم ذكر اللهو وهو ما يكون في دور الفتوة والشباب. ثم إن اللهو أعم من اللعب، فاللهو يقع للصغير والكبير.
ثم ذكر الزينة وهو مقصد من مقاصد الشباب والنساء في دور بداية اكتمال أنوثتهن.
وذكر بعدها التفاخر وهو أكثر ما يكون من شأن الرجال فيفتخرون بمآثر أفعالهم وأحسابهم وأنسابهم ومآثر آبائهم وأجدادهم.
ثم يأتي بعد ذلك دور التكاثر في الأموال والأولاد وهو التباري في جمعها، وهو المقصد الأهم في الحياة، إذ بالمال والأولاد تدوم الحياة وبهما ينشغل الناس وفيهما يجدون. أما ما قبلها من الأمور فهي ليست بتلك المنزلة والمكانة.
وقد الأموال على الأولاد لأن التكاثر في الأموال أكثر، وختم بالأولاد لأنهم أجل ما ذكر ولهم يترك المال.
جاء في (نظم الدرر): "لعب: أي تعب لا ثمرة له فهو باطل كلعب الصبيان، ولهو أي شيء يفرح الإنسان به فيلهيه ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان، ثم أتبع ذلك عظم ما يلهي في الدنيا فقال: (وزينة) أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان، وأتبعها ثمرتها فقال: (وتفاخر) أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض" (1).
وجاء في (تفسير الرازي): "المقصود الأصلي من الآية تحقير حال الدنيا وتعظيم حال الآخرة... ثم إنه وصفها بأمور:
(أولها) أنها لعب وهو فعل الصبيان الذي يتبعون أنفسهم جدًا، ثم إن تلك المتاعب تنقضي من غير فائدة. و(ثانيها) أنها لهو، وهو فعل الشبان... و(رابعها) تفاخر بينكم بالصفات الفانية الزائلة" (2).
وجاء في (التحرير والتنوير): "وهي أيضًا أصول أطوار آحاد الناس في تطور كل واحد منهم.
فإن اللعب طور سن الطفولة والصبا، واللهو طور الشباب، والزينة طور الفتوة، والتفاخر طور الكهولة، والتكاثر طور الشيخوخة...
واللعب هو الغالب على أعمال الأطفال والصبيان فطور الطفولة طور اللعب، ويتفاوت غيرهم في الإتيان منه فيقل ويكثر بحسب تفاوت الناس في الأطوار الأولى من الإنسان وفي رجاحة العقول وضعفها.
والإفراط فيه من غير أصحاب طوره يؤذن بخسة العقل، ولذلك قال قون إبراهيم له: {أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} ....واللهو اسم لفعل أو قول يقصد منه التذاذ النفس بخ وصرفها عن ألم حاصل من تعب الجسد أو الحزن أو الكمد، يقال: لها عن الشيء، أي تشاغل عنه...
ويغلب اللهو على أحوال الشباب فطور الشباب طوره، ويكثر اللهو في أحوال الدنيا من تطلب اللذات والطرب.
والزينة: تخسين الذات أو المكان بما جعل وقعه عند ناظره مسرًا له، وفي طباع الناس الرغبة في أن تكون مناظرهم حسنة في عين ناظريهم، وذلك في طباع النساء أشد... ويغلب التزيين على أحوال الحياة، فإن معظم المساكن والملابس يراد منه الزينة...
والتفاخر: الكلام الذي يفخر به، والفخر: حديث المرء عن محامده والصفات المحمودة منها فيه بالحق أو الباطل، وصيغ منه زنة التفاعل لأن شأن الفخر أن يقع بين جانبين كما أنبأ به تقييده بظرف (بينكم)...
والتكاثر: تفاعل من الكثرة، وصيغة التفاعل هنا للمبالغة في الفعل بحيث ينزل منزلة من يغالب غيره في كثرة شيء... ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر فصارت تستعمل في الحرص على تحصيل الكثير من غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه" (3).
وقد اقتصر في مواضع أخرى من القرآن الكريم على اللعب واللهو ولم يذكر الزينة وما بعدها، قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32].
وقال: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} [محمد: 36].
وقال: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64].
فاقتصر كما ترى على اللعب واللهو؛ ذلك لأن ما ذكره في آية الحديد من زينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد قد يندرج تحت اللهو.
فالزينة قد تلهي، والتفاخر قد يلهي، والتكاثر في الأموال والأولاد قد يلهي، فقد سمى الله المال والبنين زينة فقال: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 46]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [المنافقون: 9]، وقال: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ} [التكاثر: 1 - 2].
وتندرج كثير من أمور الحياة في معنى اللعب بمعناه الواسع، وهو ما كان نقيض الجد وما لا يقصد به من الأعمال قصدًا صحيحًا كما ورد في القرآن مما سماه لعبًا.
ولما فصل في آية الحديد في حقيقة الحياة الدنيا فصل في وصفها وعاقبتها، ولما أجمل في الآيات الأخرى لم يذكر شيئًا آخر يتعلق بها وإنما ذكر الآخرة أو أمورًا أخرى لا تتعلق بوصف الحياة.
وقدم اللعب على اللهو فيما مر من الآيات إلا في آية واحدة قدم فيها اللهو على اللعب وهو قوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] وذلك لأن السياق يقتضي هذا التقديم، ذلك أنه تقدم الآية قوله: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} والرزق مدعاة إلى الالتهاء به والمشغلة لجمعه لا إلى اللعب، ولذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} فالذي بسط له رزقه ملتٍه بجمعه والذي قدر عليه رزقه ملتٍه بالحصول عليه.
ثم قال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] ومع معرفتهم وإقرارهم بذاك التهوا بالدنيا عن الله وعبادته وعن الآخرة، فناسب تقديم اللهو. ولم يتقدم آية الأنعام ولا آية محمد ما يدعو إلى اللهو فكان تقديمه في آية العنكبوت أنسب.
{كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ}
شبه الحياة الدنيا بغيث أعجب الكفار نباته. والكفار هم الكافرون بالله الجاحدون لنعمه. وقال بعضهم: إن الكفار هم الزراع؛ لأن الزراع قد يسمى كافرًا؛ لأنه يكفر البذر الذي يبذره بتراب الأرض، أي يغطيه (4).
ويترجح عندي المعنى الأول، فإن الكافرين هم الذين يغترون بالدنيا وهم أشد إعجابًا بها وبزينتها. ولا مانع من أن يكون المعنيان مقصودين، فإنه من التوسع في المعنى الذي يراعيه القرآن كثيرًا.
وقد ذكر القرآن الزراع باسمهم في سورة الفتح حين وصف أصحاب محمد فقال: {وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29].
واخيار الزراع هنا أنسب، كما اختيار الكفار هناك أنسب، ذلك أن التشبيه في سورة الفتح وقع لصورة محمودة فناسب ذكر الزراع لا الكفار، بخلاف ما في سورة الحديد.
ثم إنه قال في آية الفتح: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} فلا يناسب أن يقول: يعجب الكفار ليغيظ بهم الكفار.
ثم إنه قال: (الزراع) في آية الفتح للدلالة على أنه زرع مقصود؛ لأن الزراع يزرع ما ينتفع وينتفع به الآخرون، بخلاف ما ذكر في آية الحديد فإنه قال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} وهو ما يخرج بسبب المطر من أنواع مختلفة، منها ما لا فائدة فيه للإنسان ومنها الأدغال والحشائش، فكان كل تعبير في مكانه أنسب.
{ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا}
ذكر مآل الزرع وناسب ذلك الزينة والأموال فذكر زوالهما وذهابهما وذلك شأن الدنيا.
لقد قال: {فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا} ولم يقل: (ثم يكون مصفرًا). كما قال: {ثُمَّ يَهِيجُ} و {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} بإسناد الفعل إلى النبات. أي يراه الناظر مصفرًا وذلك للدلالة على زوال الزينة وذهابها، فإن الزينة تتعلق بالناظر كما قال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16]، ومن ناحية أخرى ليدل على موطن العبرة والاتعاظ فإن ذلك يحصل بالرؤية.
وقال: {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} أي هذا مآله، ولم يقل: (ثم تراه حطامًا) فلم يعلق ذلك بالرؤية، وإنما أراد أن يبين أنه يكون كذلك، إذ ربما يكون الشيء غير ذي زينة للناظر ولكنه ثمين نافع وهو من كرائم الأموال، فقال: {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} فيذهب المال ويزول فلا يبقى مال ولا تكاثر ولا تفاخر ولا زينة لأن الحطام ليس مالًا ولا يتفاخر أو يتكاثر به.
بل سيذهب اللعب واللهو معه، فإن الذي لم يبق له إلا الحطام لا يلعب ولا يلهو، وكيف يلهو ويلعب وقد أصبح ما لدية حطامًا؟
وقد تقول: ولم لم يقل: (ثم يجعله حطامًا) كما قال في سورة الزمر؟
والجواب: إن السياق مختلف في الآيتين.
ففي آية الزمر الأفعال مسندة إلى الله، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [الزمر: 21]، فالله هو الذي أنزل من السماء ماء، وهو الذي سلكه ينابيع في الأرض، وهو الذي أخرج به الزرع، فناسب أن يقول: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا} لأن الذي أخرجه هو الذي يجعله حطامًا.
وليس كذلك التعبير في آية الحديد، فإنه قال: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} فلم يسند حدثًا إلى نفسه سبحانه، فناسب كل تعبير موضعه.
{وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ}
قدم العذاب على المغفرة لأنه ذكر قبله اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر مما ليس محمودًا على العموم.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن العذاب يسبق المغفرة والرضوان، فعذاب الموقف قبل الحساب وقبل القضاء وقبل الدخول في الجنة والنار. وورود النار لجميع الخلق قبل الدخول في الجنة كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] ومن الناس من يعذب أولًا ثم يدخل الجنة.
ووصف العذاب بأنه شديد. وذكر أن المغفرة والرضوان من الله، ولم يذكر مثل ذلك في العذاب للدلالة علة سعة رحمته، وقدم المغفرة على الرضوان لأنها أسبق منه وهي قبله، جاء في (روح المعاني): "{وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ} لأنه من نتائج الانهماك فيما فصل من أحوال الحياة الدنيا، و(مغفرة) عظيمة ( من الله ورضوان) عظيم لا يقادر قدره.
وفي مقابلة العذاب الشديد بشيئين إشارة إلى غلبة الرحمة وأنه من باب ( لن يغلب عسر يسرين). وفي ترك وصف العذاب بكونه من الله تعالى مع وصف ما بعده بذلك إشارة إلى غلبتها أيضًا" (5).
وقال: (مغفرة) ولم يقل: (غفران)؛ ذلك أن كلمة (غفران) لم ترد في القرآن الكريم إلا في موطن واحد لمعنى واحد وهو طلب المغفرة من الله وهو قوله: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]. وأما المغفرة من الله فتأتي في غير الطلب كالإخبار بها والدعوة إليها وغير ذلك. قال تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 221] وقال: {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268]، وقال: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ} [الرعد: 6].
وقد تكون المغفرة من غير الله، قال تعالى: {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى} [البقرة: 263].
وقال: (رضوان) ولم يقل: (مرضاة) لأن الرضوان معناه "الرضا الكثير، ولما كان أعظم الرضا رضا الله تعالى خص لفظ الرضوان في القرآن بما كان من الله تعالى" (6).قال تعالى: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 162]، وقال: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 21]، وقال: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ} [التوبة: 109].
وأما المرضاة فإنها تستعمل له ولغيره، قال تعالى: {تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ} [التحريم: 1]، وقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [البقرة: 207].
ثم إن (المرضاة) لم تستعمل إلا في ابتغاء الرضا، وأما الرضوان فهو عام يستعمل في ابتغاء الرضا وغيره، قال تعالى في المرضاة: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} [البقرة: 265]، وقال: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114].
وقال في الرضوان: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ} [التوبة: 21] وهذا في غير ابتغاء الرضا.
وقال في ابتغاء الرضا: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ} [الحديد: 27]، وقال: {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} [الفتح: 29]
ومن هذا يتبين أن المغفرة:
1- تستعمل في المغفرة من الله وغيره، فهي عامة من حيث الغافر.
2- انها عامة في غير الطلب، فهي عامة من حيث الدلالة بخلاف (الغفران) فإنه خاص بمعنى واحد وهو طلب المغفرة، وخاص في الغافر وهو الله.
وأن المرضاة:
1- خاصة في ابتغاء الرضا، فهي لم تستعمل في غيره.
2- وأنها عامة في المبتغى منه الرضا، فهو الله أو غيره.
وأن الرضوان:
1- خاص في أنه من الله.
2- عام في ابتغاء الرضا وغيره، فهو عام من حيث الدلالة.
فخصص المغفرة وقال: {وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ} لتقابل الرضوان؛ لأن الرضوان مخصص في كونه من الله.
وكلاهما مطلق من حيث الدلالة، فتناظرا من حيث كونهما خاصين بالله، عامين من حيث الدلالة. والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 384 إلى ص 393.
(1) نظم الدرر 7/452.
(2) تفسير الرازي 29/233 – 234.
(3) التحرير والتنوير 27/401 – 403.
(4) انظر تفسير الرازي 29/235، الكشاف 4/65.
(5) روح المعاني 27/185.
(6) مفردات الراغب، مادة (رضي).
الوقفة كاملة
|
| ٤٤٤ |
{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)}
هذا وصف آخر للذين لا يحبهم الله، وهم الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله، لا يكتفون بذاك بل يأمرون الناس بالبخل، ولعل من دواعي ذلك أنهم لا يريدون أن يذكر غيرهم بخير فيتساوون في الوصف فلا يكون أحد أفضل من أحد، كما أخبر ربنا عن المنافقين بقوله: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89].
و{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بدل على رأي الأكثرين لاختلاف التابع والمتبوع تعريفًا وتنكيرًا، ونعت عند من يجيز أن تنعت النكرة المخصصة بالمعرفة، نظير قولهم في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ } [الهمزة: 1 - 2].
ومن يتول عما أمر الله به فإن الله غني عنه. وقال: {هُوَ الْغَنِيُّ} ولم يقل: (غني) لأنه لا غنى على الحقيقة سواه، فعرف الوصف بأل وجاء بضمير الفصل للدلالة على الحصر.
وقد تقول: لقد قال الله في مكان آخر: {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [لقمان: 12] فلم يعرف الغني فما السبب؟
فنقول: إن السياق في كل من الآيتين مختلف، فإنه لم يذكر في سياق آية لقمان ملكًا له ولم يذكر أنه آتى الناس شيئًا فلم يعرف الغني.
أما في سياق هذه الآية فإنه ذكر أنه هو الذي آتانا فقال: {وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ} فإذا كان الإنسان يرى أنه استغنى أو يرى أنه غني فذاك مما آتاه الله، فالله إذن هو الغني وحده.
وهذه الآية في التوكيد والقصر نظير قوله في سورة لقمان: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الآية: 26] فإنه لكا ذكر ملكه وأن له ما في السماوات والأرض أكد غناه وقصره عليه فعرف الغني وجاء بضمير الفصل.
ولم يكتف بوصف ذاته العلية بالغني بل قال: {هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} فهو المحمود في غناه والمحمود في صفاته كلها على جهة الثبوت. وهو تعريض بالأغنياء المذمومين الذين لا يحمدهم أحد ولم يأتوا في غناهم بما يحمدون عليه.
جاء في (الكشاف): "{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بدل من قوله: {كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} كأنه قال: (لا يحب الذين يبخلون) يريد الذين يفرحون الفرح المطغي إذا رزقوا مالًا وحظًا من الدنيا، فلحبهم له وعزته عندهم وعظمه في عيونهم يزوونه عن حقوق الله ويبخلون به ولا يكفيهم أنهم بخلوا حتى يحملوا الناس على البخل ويرغبونهم في الإمساك ويزينوه لهم، وذلك كله نتيجة فرحهم وبطرهم عند إصابته، {وَمَنْ يَتَوَلَّ} عن أوامر الله ونواهيه ولم ينته هما نهى عنه من الأسى على الفائت والفرح بالآتي فإن الله غني عنه" (1).
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 405 إلى ص 406.
(1) الكشاف 4/66.
الوقفة كاملة
|
| ٤٤٥ |
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26)}
قدم النبوة على الكتاب كما قدم البينات على إنزال الكتاب في الآية السابقة فقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ}، والبينات هي الدلائل على النبوة والتي تقيم الحجج على الناس على إنزال الكتاب، وفي هذه الآية قدم النبوة على الكتاب وهو نظير التقديم في الآية السابقة.
{فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}
كان الأظهر أن يقال: ( فمنهم مهتد وكثير منهم ضالون) لأن الهدى يقابله الضلال كما هو مذكور في مواطن كثيرة من القرآن الكريم كقوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [المدثر: 31]، وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: 16] غير أنه ذكر الفسق وهو الخروج عن الطريق المستقيم؛ وذلك لأن الضلال قد يكون عن غير قصد وبغير علم، كما قال الله تعالى: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104] وقال: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119]. أما الفسق فهو الخروج عن الطريق وذلك بعد العلم به، وهذا أبعد في الضلال. ثم وصف الفاسقين بالكثرة ولم يصف المهتدين بالكثرة فقال: {وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} ،وهذا ذم آخر، جاء في (روح المعاني): "{وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} خارجون عن الطريق المستقيم، ولم يقل: (ومنهم ضال) مع أنه أظهر في المقابلة؛ لأن ما عليه النظم الكريم أبلغ في الذم؛ لأن الخروج عن الطريق المستقيم بعد الوصول بالتمكن منه ومعرفته أبلغ من الضلال عنه، ولإيذانه بغلبه أهل الضلال على غيرهم" (1).
الوقفة كاملة
|
| ٤٤٦ |
{أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [هود: 5]
قيل: إن بعض المنافقين "كان إذا مر بالرسول ثنى صدره وظهره وطأطأ رأسه وغطى وجهه كيلا يرى الرسول ...
وقيل: فعلوا ذلك ليبعد عليهم صوت الرسول ولا يدخل أسماعهم القرآن" (1).
ومعنى (ثنى رأسه) طواه.
"وقيل: إن هذه الآيات نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم رسول الله تطامنوا وثنوا صدروهم كالمتستر، وردوا اِليه ظهورهم، وغشوا وجوهم بثيابهم تباعدًا منهم وكراهية للقائه، وهم يظنون أن ذلك يخفي عليه أو عن الله تعالى، فنزلت الآية" (2).
وذكر أنه حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون، ليدل على أنه يراهم ويراقبهم ويعلم فعلهم ونواياهم.
فأفاد التعبير الرؤية والمراقبة والعلم وليس مجرد العلم من دون رؤية ومراقبة.
وأفاد أنه حين يفعلون هذا الفعل يعلم ذلك ويعلم لمَ فعلوه؟
ولئلا يظن أن عمله محصور فيما يفعل من ظواهر الأمور، وأن عمله مقيد في ذلك الحين: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، ليدل على إطلاق علمه من غير تقييد. فدل بذلك على أنه يعلم الإعلان والإسرار على كل حال عند الفعل وقبله وبعده.
فأفاد التعبير:
1- الرؤية والمراقبة.
2- ذكر أنه حين يستغشون ثيابهم يعلم أي في وقت الفعل لا بعده بعد التأمل والتفكير أو الاستفسار أو مجيء الخبر أو ظهور ما يدل على ذلك فيما بعد.
وقوله {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} فيه احتمالان:
الأول: أن تكون (ما) مصدرية، أي يعلم أسرارهم وإعلانهم.
والأخر: أن تكون اسمًا موصولًا. والمعنى أنه يعلم الذي يسرونه والذي يعلنونه من الأمور.
والمعنيان مرادان، فإنه يعلم الإسرار والذي يسرونه، ويعلم الإعلان يعلنونه.
وهذا من التوسع في المعنى، ولو ذكر العائد فقال: (ما يسرونه وما يعلنونه)
لدل على شيء واحد وهو الاسم الموصول. فكان ما ذكره أولى لأنه عَمَّ المعنيين.
لقد قال هنا: {يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}، وقال في النمل: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25] فذكر الإخفاء دون الإسرار، ذلك أن الإسرار قد يكون في النفس كما قال تعالى: {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ} [يوسف: 77].
وقد تسره إلى غيرك، قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} [التحريم: 3]، وقال: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1]،
وقال: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى} [طه: 62].
وغالبًا ما يكون في الفعل والقول. جاء في (المفردات في غريب القرآن): "الإسرار خلاف الإعلان. قال تعالى: {سِرًّا وَعَلَانِيَةً} ... ويستعمل في الأعيان والمعاني ...
وأسرت إلى فلان حديثًا: أقضيت إليه في خفية. قال تعالى: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} [التحريم: 3] ...
فإن الإسرار إلى الغير يقتضي إظهار ذلك لمن يفضي إليه بالسر وإن كان يقتضي إخفاءه عن غيره. فأذن قولهم: (أسرت إلى فلان) يقتضي من وجه الإظهار ومن وجه الإخفاء" (3).
وفي (لسان العرب): "أسر إليه حديثًا أي أفضى" (4).
أما الإخفاء فكأنه أخفى من السر. قال تعالى: {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى}[طه: 7].
وقد يكون في الأشياء التي تسترها عن الناظر من الحاجات والبضائع، تقول: (أخفيت البضاعة تحت الأرض أو في صندوق) أي سترتها.
جاء في (المفردات في غريب القرآن) : "خفي الشيء خفية إذا استتر ... وأخفيته: أوليته خفاء وذلك إذا سترته. ويقابل به الإبداء والإعلان" (5).
أما قوله تعالى في النمل: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} [النمل: 25] دون (ما تسرون وما تعلنون) فالسياق يوضح ذلك. قال تعالى: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} ذلك أنه ذكر أنه يخرج الخبء. أي ما هو خافٍ أو مخفى.
والخبء "يقال لكل مدخر مستور" (6). و"خبأ الشيء يخبؤه: ستره ... الخبء كل ما غاب" (7).
فلما ذكر المخبوء ناسب ذكر الإخفاء لأن المخبأ مخفي.
وقال تعالى: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} [الممتحنة: 1].
فقال: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} بعد قوله: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ} ولم يقل: (وأنا أعلم بما أسررتم وما أعلنتم) ذلك لأنه أفاد أنه يعلم الدافع الذي أخفوه في أنفسهم من هذا الإسرار. فإنك قد تسر شيئًا لشخص وأنت تبتغي غرضًا من ذلك تخفيه نفسك، فربنا يعلم ذلك الأمر وماذا أخفيت. ولو قال: (وأنا أعلم بما أسررتم) لكان ذلك ينصرف إلى إسرارهم بالمودة دون الغرض الذي يخفيه أصحابه.
وقال سيدنا إبراهيم: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} [إبراهيم: 38].
دون (ما نسر وما نعلن) ذلك لأنه قال بعدها: {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ}
وقال في موطن أخر: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص: 69]. دون (ما يسرون) أو (ما يخفون) وذلك لسبب أخر. فإن (الكِنّ) هو ما تحتفظ فيه من الأشياء التي تريد صونها. والكِنّ "ما يحفظ فيه الشيء، يقال: كننت الشيء كَنًّا جعلته في كِنَ وخُصّ. وكننت بما يُستر ببيت أو ثوب وغير ذلك من الأجسام...
وأكننت بما يستر في النفس... وجمع الكِنَ أكنان.
والكنان: الغطاء الذي يكن فيه الشيء" (8).
وفي (لسان العرب): "الكِنّ والكِنّة والكِنان: وقاء كل شيء وستره... كننت الشيء أي جعلته في كن... والأكنة: الأغطية" (9).
قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ} [الطور: 24]، وقال: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} [النحل: 81] أي وقاء وسترًا تحتمون بها وتحفظون أنفسكم.
وقال: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5]. أي في صناديق مقفله فلا يصل إليها شيء من دعوته.
{إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}
وذات الصدور "الأسرار المستكينة فيها أو القلوب التي في الصدور" (10).
وقال (عليم) دون (يعلم) للدلالة على ثبوت العلم ودوامه.
جاء في (روح المعاني): "وكان التعبير بالجملة الاسمية للإشارة إلى أنه سبحانه لم يزل عالمًا بذلك. وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل وجودها الخارجي" (11).
وقال: (عليم) دون (عالم) أو (علام)، لأن كلمة (عالم) خُصت في الاستعمال القرآني بعلم (الغيب) مفردًا، أو (علم الغيب بشهادة)، ولم تستعمل في غير ذلك، وذلك نحو قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن، 26]، وقوله {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 73].
وأما (علّام) فقد خص استعمالها متعقلة بـ (الغيوب) جمع الغيب نحو {إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 109، 116] وذلك أنه لما كان هذا الوصف للمبالغة والتكثير جاء بالجمع معه مناسبة للتكثير.
وأما (عليم) فقد استعملها غير مختصة بمعلوم، معين، فقد يستعملها مطلقة من كل متعلق نحو {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 32]، أو يجعلها متعلقة بكل شيء فلا تترك شيئًا إلا شملته نحو {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29]، أو يعلقها بما ارتبط بالمجموع وذلك نحو {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95]، أو يعلقها بما ارتبط بالمجموع وذلك نحو {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215] فإنه جمع الفاعلين فقال: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ}، وقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] فذكر الصدور وليس صدرًا واحدًا (12).
فاتضح ما قلناه.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 19 إلى ص 25.
(1) البحر المحيط 5/202.
(2) البحر المحيط 5/203.
(3) المفردات في غريب القرآن (سرر).
(4) لسان العرب (سرر).
(5) المفردات في غريب القرآن (خفي).
(6) المفردات (خبء).
(7) لسان العرب (خبأ).
(8) مفردات الراغب (كنّ).
(9) لسان العرب (كنن).
(10) روح المعاني 11/211.
(11) روح المعاني 11/211.
(12) انظر كتابنا (من أسرار البيان القرآني)
الوقفة كاملة
|
| ٤٤٧ |
{وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [هود: 29 - 30]
قال نوح إنه ليس طالب مال ولا جاه فهو لا يسألهم مالًا ولا يبغي جاهًا، وإنما هو حامل دعوه فهو لا يطرد ما يسمونهم الأراذل فإنهم ملاقو ربهم.
وفي قوله هذا رد على ما قاله الملأ إنهم اتبعوه بادي الرأي من غير تفكير ولا روية. فقال لهم: أنا لا أعلم ذلك وإنما أحكم بظواهر الأمور والله يعلم دخائل النفوس وما في القلوب، وهم ملاقو ربهم، وهو أعلم بهم.
ثم لماذا يتبعني هؤلاء وليس عندي مال ولا جاه ولا سلطان؟
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ} "فإن قلت: ما معنى {إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ}؟
قلت: معناه إنهم يلاقون الله فيعاقب من طردهم، أو يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيح ثابت، كما ظهر لي منهم وما أعرف غيره منهم، أو على خلاف ذلك مما تقرفونهم به من بناء إيمانهم على بادي الرأي من غير نظر وتفكر. وما علي أن أشق عن قلوبهم وأتعرف سر ذلك حتى أطردهم إن كان الأمر كما تزعمون.
ونحوه {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية. أوهم مصدقون بلقاء ربهم موقنون به عالمون أنهم ملاقوه لا محالة.
(تجهلون) تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل، من قوله: (ألا لا يجهلن أحد علينا) أو تجهلون لقاء ربكم، أو تجهلون أنهم خير منكم" (1).
وجاء في (تفسير الرازي) في قوله: {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا .... }
"اعلم أن هذا هو الجواب عن الشبهة الثانية وهي قولهم: لا يتبعك إلا يتبعك إلا الأراذل من الناس؟ وتقرير هذا الجواب من وجوه:
الوجه الأول: أنه عليه الصلاة والسلام قال: أنا لا أطلب على تبليغ دعوة الرسالة مالًا حتى يتفاوت الحال بسب كون المستجيب فقيرًا أو غنيًا، وإنما أجري على هذه الطاعة الشاقة على رب العالمين. وإذا كان الأمر كذلك فسواء كانوا فقراء أو أغنياء لم يتفاوت الحال في ذلك.
الوجه الثاني: كأنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: إنكم لما نظرتم إلى ظواهر الأمور وجدتموني فقيرًا وظننتم أني إنما اشتغلت بهذه الحرفة لأتوسل بها إلى أخذ أموالكم، وهذا الظن منكم خطأ فإني لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرًا إن أجري إلا على رب العالمين فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدين بسبب هذا الظن الفاسد" (2).
والأن ننظر في هذا التعبير من الناحية البيانية:
1- فقد قال ههنا: {لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ...} وفي جميع المواطن الأخرى وردت كلمة (أجر) بدل المال، وذلك كما في قوله: {يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} [هود: 51]، وقوله: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [الشعراء: 109]، وكما في آيات أخرى نحو ما جاء في الشعراء 127، 145، 164، 180 وغيرها.
قيل: وذلك أنها وقعت بعدها كلمة (خزائن) "ولفظ المال بالخزائن أليق" (3) فقد جاء بعدها على لسان نوح: {وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ} [هود: 31] فناسب ذكر المال.
2- نفي السؤال بـ (لا) فقال: {لَا أَسْأَلُكُمْ}، وحيث نفى هذا الفعل بـ (لا) جرد مفعوله من (من) الاستغراقية، وذلك نحو قوله: {لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الأنعام: 90] وكما في آيات عدة، منها في هود 51، يس 21، الشورى 32.
وحيث نفاه بـ (ما) أدخل (من) الاستغراقية على المفعول فيقول مثلًا: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} وذلك في آيات عدة، منها في الفرقان 57، الشعراء 109 و127 و145، ص 86 وغيرها، وذلك في جميع القرآن بلا استثناء.
ولعل من أسباب ذلك أن (لا) أكثر إطلاقًا من (ما) وأوسع استعمالًا، بل هي أوسع حرف نفي (4).
وهي إذا دخلت على الفعل المضارع فقد تنفي جميع الأزمنة.
فهي قد تنفي الحال أو الاستقبال أو الاستمرار وذلك نحو قوله تعالى: {مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ} [النمل: 20]، وقوله: {مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ} [الصافات: 92] وهي فيهما لنفي الحال.
وقوله: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] وهي هنا لنفي الاستقبال.
وقوله: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه:69]، وقوله: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255]، وقولك: (الأعمى لا يبصر) وهذا الاستمرار.
وأما (ما) إذا دخلت على الفعل المضارع فإنها لنفي الحال.
وإن النكرة المنفية قد تكون عامة وقد تكون للواحد. فقولك: (ما جاءني رجل) يحتمل أنه لم يأتك أحد من جنس الرجال، كما يحتمل أنه لم يأتك رجل واحد بل أكثر.
فإن دخلت عليها (من) كانت لاستغراق الجنس نصًا.
فمع (لا) جاء بما يحتمل الجنس والمفرد مناسبة لإطلاق (لا).
ومع (ما) جاء بما هو للجنس نصًا فناسب التنصيص على الحال التنصيص عل الجنس.
3- قال: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا} فأكد النفي بالباء الزائدة.
وجاء بـ (طارد) اسم الفاعل للدلالة على الدوام، أي إن هذه هي حاله الدائمة. ولم يقل: (ولا أطرد) أو (ولن أطرد) بالفعل فيدل على الحدوث وعلى زمن معين، وإنما هو لا يطردهم على سبيل الدوام والثبات.
4- وأضاف اسم الفاعل (طارد) إلى ما بعده وهو الاسم الموصول ولم ينون اسم الفاعل، فلم يقل: (وما أنا بطارد)، وذلك للدلالة على إطلاق الزمن، أي لم أفعله في الماضي ولا أفعله في الحال ولا في الاستقبال.
ولو نون لكان عدم الطرد في الحال أو في الاستقبال؛ لأن اسم الفاعل إذا عمل في المفعول كان للحال أو الاستقبال.
5- قال هنا: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا}.
وقال في الشعراء في القصة نفسها: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 114].
فجعل صلة الموصول في آية هود فعلًا (الذين أمنوا).
ووصفهم بالإيمان على جهة الثبوت في الشعراء (المؤمنين) وذلك لأن الكلام في هود كان في زمن أسبق مما هو في الشعراء، فقد قال الملأ في هؤلاء: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} [هود: 27].
في حين كان الكلام في الشعراء على ما بعد ذلك، فقد لبث فيهم نوح وزمنًا يدعوهم بعد ذلك حتى هددوه بالرجم إن لم يكف، ولم يفعلوا مثل ذلك في سياق آيات هود، وإنما قالوا له: {قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: 32] فدل ذلك على أن المشهد في الشعراء إنما كان بعد ما قضى مرحلة طويلة وبرموا به فهددوه بالرجم وإن نوحًا برم بهم فدعا ربه قائلًا: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 117-118]، فوصف جماعته ههنا بالإيمان الثابت لصبرهم وثباتهم والدلالة على أن إيمانهم عن يقين وليس إيمانًا بلا ترو ولا تمحيص، فكان كل وصف في مكانه أنسب.
6- قال: {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} فقال: (أراكم) كما قالوا له: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} فكأنه رد على ما قالوه فيه وما كانوا يرونه.
فقد قالوا له: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} فقال لهم: {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ}
7- قال ههنا: {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} وكذلك قال في الأحقاف (23) فقال في الموطنين: (أراكم).
وقال في الأعراف: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138]، وقال في النمل: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] ولم يقل فيهما: أراكم.
ذلك أن الكلام في هود والأحقاف فيما يراه كلا الفريقين من الدعوة إلى التوحيد، فقد قال ذلك في قصة نوح بعدما دعاهم إلى عبادة الله قائلًا: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 26] وما واجهه قومه به.
وقال ذلك في قوم عاد بعد أن قال لهم نبيهم: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأحقاف: 21] وما واجهه قومه به.
فكان الكلام فيما يراه كل فريق في الأخر.
وأما في سياق آية الأعراف فليس الأمر كذلك، وإنما قال ذلك موسى لقومه بني إسرائيل بعدما أغرق آل فرعون أمام أعينهم وجاوز بهم البحر، قال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 138-139] فقد قال لهم موسى: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} مؤكدًا ذلك بـ (إن) ولم يقل: (أراكم) ذلك أن هؤلاء مؤمنين بما جاء به موسى، وقد أنجاهم الله وأغرق آل فرعون بمعجزة شاهدوها وعاشوها ومع ذلك طلبوا أن يجعل لهم نبيهم صنمًا يعبدونه كما يفعل عبدة الأصنام، أليس هذا من أعجب العجب ؟!
لماذا إذن أنجاهم الله وأغرق آل فرعون إذا كان منهم يعبد غير الله؟
فقال لهم موسى: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ولم يقل: (أراكم)، فهذا ليس ما يراه إنما هو أمر محقق مؤكد.
وأما ما ورد في سياق آية النمل فهو في قوم لوط وما يأتونه من الفاحشة. قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 54 - 55].
وهذه فاحشة معلنة، ومن يأتيها واقع في المنكر لا محالة، فليست هي في سياق مناقشة أفكار، وإنما هو تقرير أمر واقع وليس رأيًا يراه نبيهم فيهم، فقال لهم مقررًا: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} فمن يفعل ذلك كان كذلك، وليس على رأي دون أخر.
وقال في قوم موسى: {إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} بالتأكيد بإن، وقال في قوم لوط: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} ولم يؤكده بإن فعل موسى مع قومه؛ وذلك لأن جهل بني إسرائيل أكبر، فهم مع إيمانهم لموسى وبدعوته طلبوا صنمًا ليعبدوه، فهذا من أكبر الجهل، وهو أكبر من فعل الفاحشة.
فالمؤمن بالله الموحد إذا عبد صنمًا كان فعله أكبر وأعظم ممن فعل الفاحشة، فهذه ردة بعد الإيمان وشرك بعد التوحيد.
والشرك أكبر الكبائر، وقد ذكر ربنا أن الله لا يغفر للمشرك ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا }[النساء: 48] فناسب تأكيد جهل قوم موسى بإن دون قوم لوط مع نسبتهما كليهما إلى الجهل والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 120 إلى ص 126.
(1) الكشاف 2/96.
(2) تفسير الرازي 6/336.
(3) البرهان للكرماني 234 – 235، وأنظر التعبير القرآني 210.
(4) انظر معاني النحو 4/240 وما بعدها.
الوقفة كاملة
|
| ٤٤٨ |
قصة نوح
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 25 - 26]
وردت قصة نوح في أكثر من موضع من القرآن الكريم، غير أنها ليست متطابقة في كل جزئياتها، وإنما يذكر في كل موضع ما يناسب المقام الذي وردت فيه، وما يراد أن يسلط عليه الضوء منها. بل قد تكون القصص مكملة إحداها للأخرى، يذكر قسم منها في موضع ويذكر ما يليه في موضع آخر.
وهي أطول ما ذكرت في هذه السورة، أعني سورة هود، فهي قد ذكرت في الأعراف ويونس وهـود والأنبياء والمـؤمنـون والشعـراء والعنكبوت والصافات والقمر وختمت في سورة نوح، وهناك إشارات موجزة في مواطن أخرى من القرآن الكريم غير أنها ليست مكررة.
ولتوضيح ذلك نقول:
1- لقد وردت القصة في سورة الأعراف موجزة، وهو أول موضع وردت فيه القصة، والطريف أنها بدأت بقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} من دون أن تسبق بالواو، وأما في المواطن الأخرى فيقول فيها جميعًا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا} بالواو فكأنها معطوفة على القصة الأولى مع أن هذه الواو فيها كلها ليست عاطفة على ما قبلها وإنما هي استئنافية .
فقد قال في هود: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} وليس قبلها ما تعطف عليه، وكذا قال في سورة المؤمنون، وكذا قال في العنكبوت.
أما في سورة نوح فقد بدأت السورة بقوله: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ} فلا يصح ذكر الواو.
بل إنه قد يذكر الواو في غير هذا التعبير أيضًا، فقد قال في سورة يونس: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ}، وقال في الأنبياء: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ}، وقال في الصافات: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ}.
وهو لا يذكر الواو عندما تكون القصص الأخرى الواردة في السورة كلها لا تذكر فيها الواو وذلك في سورتي الشعراء والقمر.
فإن جميع القصص الواردة في الشعراء ابتداء من قصة نوح تبدأ بنحو قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ}، فقد قال: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ}، وقال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ}، وكلها على نمط واحد في السورة، تستأنف كل قصة على حدة.
وكذلك في سورة القمر، فقد قال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ}: وقال: {كَذَّبَتْ عَادٌ}، وقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ}، وقال: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ}.
وهي على نمط واحد تبدأ بقصة نوح على هذا النمط وكلها من غير واو.
إن قصة نوح في الأعراف تبدأ بدعوة نوح لقومه إلى عبادة الله، دعوة الرسل جميعًا، فقد قال لهم: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59].
فأجابوه بقولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فرد عليهم أنه ليست به ضلالة وإنما هو رسول من رب العالمين.
فكذبوه فنجاه الله ومن معه وأغرق الذين كذبوا.
وهذا هو نص القصة:
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: 59- 64].
ولم يذكر أن له أتباعًا معه وذلك أنه كان في ابتداء الدعوة.
٢- وأما القصة في يونس فكانت كأنها استكمال لما ورد منها في الأعراف.
فهو لم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله ولم يذكر ماذا قال له قومه، وإنما كان كلامه على شخصه هو، وأنه إن كان كبر عليهم تذكيره بآيات الله فليفعلوا به ما يشاؤون ولا يمهلوه، وأنه لم يسألهم على دعوته لهم أجرًا، وإنما أجره على الله، فكذبوه فنجاه الله وأغرق الذين كذبوا. ولم يذكر له أتباعًا ولا أنهم عرضوا بأتباعه، إذ لا تزال الدعوة في مهدها.
وهذا هو نص القصة في يونس: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ}
فأنت ترى أنه اكتفى بالدعوة إلى عبادة الله في الأعراف، ولم يكررها في يونس واكتفى برد قومه عليه في الأعراف بأنهم يرون أنه في ضلالة، ولم يكرر ذلك في يونس.
وكلام نوح في يونس في الرد عليهم ليس تكرارًا لما قاله في الأعراف، بل ذكر جوانب أخرى استكمالاً لما ذكره في الأعراف، ثم إنه تحداهم وهو ما لم يفعله في الأعراف، فكانت القصة استكمالاً لما ورد في الأعراف.
3- وأما في هود فالقصة طويلة، فقد ذكر أنه لهم نذير مبين، وأنه دعاهم إلى عبادة الله، وذكر ردّ الملأ الذين كفروا عليه، وقد أفاضوا في ردهم عليه.
وظهر أن له أتباعًا وهو ما لم يذكره في الأعراف ولا في يونس، إذ قد كانت الدعوة في مهدها، وذكر رأي الملأ في هؤلاء الأتباع وأنهم كانوا يزدرونهم.
وكان هناك كلام طويل وجدال بينهما حتى قالوا له:
{قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}
وذكر كيفية النجاة التي لم يفصل فيها فيما سبق في الأعراف ويونس، فذكر صنع الفلك واستهزاءهم به، وذكر حمل ما يحمل ومن يحمل فيها وجريان الفلك وغرق ابنه إلى أن انتهى الأمر وقضي واستوت السفينة وهبوطهم بسلام.
وهي أطول ما ذكر من القصة وأكثر تفصيلاً من كل المواطن الأخرى. فهي كانت استكمالاً وتوضيحًا لما ورد في القصتين السابقتين.
4- وأما في الأنبياء فالقصة ليست في سياق الدعوة والتبليغ، وإنما في سياق نجاة الأنبياء من أقوامهم واستجابة دعاء من دعا منهم.
فقد ذكر نجاة إبراهيم ونجاة لوط ونجاة نوح واستجابة دعائه، واستجابة دعاء أيوب واستجابة دعاء ذي النون وزكريا.
وهذا نص ما ورد فيها:
{وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ}
وهو متناسب مع سياق ما ورد في السورة من قصص الأنبياء.
5- وأما في سورة المؤمنون فقد ذكر القصة بعد ذكر الأنعام وفوائدها والحمل عليها وعلى الفلك، فذكر قصة نوح والنجاة الفلك مناسبة لذكر الحمل على الأنعام والفلك، فقد جاءت القصة بعد قوله:
{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ} [المؤمنون: 21 - 22].
وأما الجانب المذكور من قصة نوح فهو لا يطابق ما ورد من القصص فيما سبق، فإنه بلغهم بالدعوة فقال: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} ولم يقل شيئًا آخر.
وإن قومه لم يواجهوا بكلام ولا قالوا له شيئًا، بل إنهم كانوا يذكرون رأيهم فيه في غيبته وفي مجالسهم.
ففي سورة هود ذكر ما كان يواجههم به ويواجهونه، وما كان يجادلهم به ويجادلونه، أما في المؤمنون فقد ذكر ما يحصل بعد ذلك، بعد الافتراق وفي مجالسهم، وهذا كأنه كان استكمالاً لما حصل في هود.
ثم ذكر أنه دعا ربه لينصره، وهي أول مرة يدعو فيها نوح بصورة صريحة، فقد قال: {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُون}
وهذه هي القصة:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ}
6- وأما في سورة الشعراء فقد قال تعالى في قوم نوح ما قاله الأقوام الأخرى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} وهو نحو ما قاله في الأقوام الأخر وفي رسلهم.
ثم ذكر مواقف الأمم من رسلهم فكانت كلها على نمط واحد.
وإضافة إلى هذا فإن قصة نوح كأنها استكمال لما قبلها وليست مماثلة لها.
فقد دعا نوح قومه فيما سبق إلى عبادة الله {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} أو {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}.
وأما في هذه السورة فقد طلب منهم تقوى الله وطاعة رسوله ولم يأمرهم بالعبادة فقد قال لهم: { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}. والتقوى إنما تكون بعد الأمر بالعبادة فهي استكمال للأوامر السابقة.
ولم يذكر أنهم كذبوه وإنما اعترضوا على أتباعه قائلين: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ}. وهددوه إن لم ينته بالرجم.
فدعا ربه قائلاً إن قومه كذبوه وطلب النجاة له ولمن آمن، فاستجاب له ربه فأنجاه ومن آمن معه وأغرق الآخرين.
وهذا هو نص ما جاء في الشعراء.
{كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}
7- وأما في سورة العنكبوت فإنه لم يذكر دعوته لقومه ولم يذكر موقف قومه، وإنما ذكر مدة لبثه في قومه وأن قومه أخذهم الطوفان لظلمهم وأنجاه الله ومن معه.
وهذا ما ورد في القصة في هذه السورة.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ}
8- وأما في سورة الصافات فإنه ذكر أن نوحًا دعا ربه وأن ربه أجابه وأنه نجاه وأهله من الكرب العظيم وأنه جعل ذريته هم الباقين مما لم يذكر في المواطن الأخرى، فإنه ذكر فيها ما كان بعد نوح وبعد النجاة، وماذا ترك عليه في الآخرين، وذكر أنه أغرق الآخرين، ولم يذكر من هم الآخرون ولماذا أغرقهم.
وهذا ما ورد فيها:
{وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ}
9- وأما في سورة القمر فإنه قال كما قال في بقية الأقوام:{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح}، وكذلك قال في الأقوام الأخرى:
{كَذَّبَتْ عَادٌ} {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ}.
فالقصة على نمط ما ذكر في السورة من القصص.
وهي لم تذكر أنه دعا قومه إلى عبادة الله، وإنما ذكر تكذيب قومه وزجرهم له، ثم إنه دعا ربه أنه مغلوب، والمغلوب إنما يطلب النصر، فطلب النصر قائلًا: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فأجابه ربه إلى ذلك.
وقد تقول: وما الفرق بين القصص في سورتي القمر والشعراء وهي كلها تجري على نسق واحد؟
فنقول: إن المشهد يختلف في السورتين.
ففي سورة الشعراء كان يذكر ماذا تقول الرسل لأقوامهم، وإلى ماذا كانوا يدعونهم، فكان كل رسول يقول لقومه: {أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}.
وأما في سورة القمر فلم يذكر دعوة الرسل لأقوامهم، وإنما ذكر فيها تكذيب أقوامهم لرسلهم وعاقبة التكذيب، وكان التعقيب على القصص كلها واحدًا، وهو قوله بعد كل قصة: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}
فالقصص في سورة القمر تذكر جانبًا آخر وصورة أخرى من صور القصص القرآني، وإن قصة نوح على نمط القصص الأخرى في السورة، فهي لوحة متناسبة.
وإليك ما جاء في سورة القمر:
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}
10- وأما في سورة نوح وهي آخر موطن تذكر فيها قصة نوح وآخر موطن يذكر فيها اسم نوح فإنها تختلف عن كل ما جاء في القصص القرآني من هذه القصة.
فإنها هنا أشبه بتقرير نهائي قدمه نوح إلى ربه في مسار دعوته، وموقف قومه منه.
فهو هنا لم يخاطب قومه بشيء ولم يخاطبوه بشيء وإنما ذكر ماذا قال لهم وكيف واجهوه، فقد قال ربنا: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فأمره ربه بإنذار قومه.
فقال نوح مستجيبًا لأمر ربه: {يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} فهو تنفيذ لأمر ربه {أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ}.
فقد قال له ربه: {أَنْذِرْ قَوْمَكَ}، فقال لهم نوح: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ }
ثم ذكر إلى ماذا دعاهم، وذلك قوله: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} ثم ذكر نوح لربه ماذا كان منه ومنهم.
فقال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا .....}، إلى آخر ما قال.
{قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ......} إلى آخر ما ذكر.
ثم ذيل التقرير بمقترح وهو خاتمة التقرير فيهم، وهو أن يهلكهم كلهم فلا يترك كافرًا على وجه الأرض فقال: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} وقد علل هذا المقترح بقوله: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}
ثم ختم التقرير بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات فلعله أن يكون قد قصر في شيء من عمله.
وهو تقرير عجيب جمع فيه خلاصة ما حصل في رحلته الطويلة مع قومه وذيله بمقترحه.
فقد قال في الأعراف والمؤمنون: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}
وقال في هود: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}.
وقال في الشعراء: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ }
وقال في التقرير النهائي في سورة نوح: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ}
فجمع ما جاء في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء.
فإنه قال في الأعراف والمؤمنون: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ}
وقال في سورة نوح: {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ }
وقال في هود: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}
وكذلك قال في سورة نوح.
وقال في الشعراء: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ }
ونحوه قال في سورة نوح.
فجمع فيها كل ما قاله نوح في كل ما ورد من القصص القرآني.
حتى إنه جمع في سورة نوح بين القول الصريح و(أن) المفسرة أو المصدرية فقال: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ }
وهو ما تفرق في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء.
فقد قال في الأعراف والمؤمنون: {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ}
وقال في الشعراء: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} بذكر القول.
وقال في هود: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}
ولم يجمع بينهما في القصة في موطن آخر.
ثم ذكر موقف قومه، فذكر أنهم عصوه واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارًا، وأنهم مكروا مكرًا كبارًا.
ثم ذكر عاقبتهم في الدنيا والآخرة وهي أنهم أغرقوا، وهذا في الدنيا، وأنهم أدخلوا نارًا، وهذا في الآخرة، فهو تقرير جامع مع ذكر العقوبة الجامعة في الدنيا والآخرة.
وقد وافق ربنا على طلبه مبينا سبب الإجابة وهو قوله: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} فإنه حصل ذلك الخطيئات لا بسبب آخر.
ثم ختم التقرير بالدعاء بالمغفرة لأوسع مجموعة من المؤمنين وهو ما لم يذكر في غير هذا الموطن من القرآن فقال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}.
ولم يذكر دعاء بمثل هذا التفصيل في طلب المغفرة وذلك مناسبة للتقرير الجامع.
ذكر الدعاء في القصة:
من الملاحظ في مسار قصة نوح أنه لم يدع بالنجاة في سورتي الأعراف ويونس؛ لأن الدعوة كانت في مهدها فلا يناسب طلب النجاة.
وكذلك في سورة هود فإنه لم يدع بالنجاة وإنما أخبره ربه في هذه السورة أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، وأمره بصنع الفلك، وقال له ربه: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} فعلم من ذلك أنهم ناجون لأنه قال له إنه سيغرق الذين ظلموا.
وأول دعاء صريح له كان في سورة المؤمنون وهو قوله: {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ}، فطلب النصر. وهذا أول دعاء صريح.
قد تقول: لقد قال ربه في هذه السورة أيضًا: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ}، كما قال في سورة هود، فلم دعا لنفسه ولم يكتف بما أخبره ربه فيعلم أنه ناج من غير دعاء؟
فنقول: إن الأمر مختلف في السورتين، فإنه في سورة المؤمنون قال له ذلك بعد الدعاء فكأنه استجابة لدعائه.
وأما في سورة هود فقد قاله ربه ابتداء فلا حاجة إلى طلب النجاة بعد إخباره، فاختلف الأمر.
وكل تعبير مناسب في مكانه، فإن سورة المؤمنون بعد هود في تسلسل السور، ومن المناسب أن يكون الطلب والدعاء بعد أن يمضي وقت طويل مع قومه وأن ينال من أذاهم الكثير فيلجأ إلى الدعاء فأخر الدعاء إلى الموقف المتأخر.
ولما اشتد عليه الأمر في سورة الشعراء وهددوه بالرجم ونالوا منه ومن المؤمنين قائلين له: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} و{لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} دعا بالنجاة له ولمن معه من المؤمنين.
وقد تقول: ولم دعا لنفسه فقط بالنجاة في سورة المؤمنون ولم يذكر معه من آمن كما فعل في الشعراء؟
فنقول: إن قومه لم يذكروا من معه من المؤمنين في سورة المؤمنون فدعا لنفسه ولم يذكر من معه، فإنه لم يرد لهم ذكر.
ولما ذكروا من معه في الشعراء دعا لنفسه ولمن آمن معه قائلاً: {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
ولم يذكر له دعاء صريح في سورة الصافات، فإنه لم يذكر له موقف مع قومه، وإنما ذكر ربنا أن نوحًا ناداه فاستجاب له.
وأما في سورة القمر فقد دعا لنفسه ولم يذكر من آمن، ذلك لأنه ذكر تكذيب قومه وزجرهم له ولم يرد ذكر لمن معه فقال: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}. وكان الدعاء بطلب النصر وليس بطلب النجاة؛ لأنه ذكر أنه مغلوب، وذكر الانتصار هو الأنسب مع المغلوب.
وأما في سورة نوح والتي هي التقرير النهائي فنرى نوحًا يدعو على قومه بأن يهلكهم الله جميعًا قائلًا: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}
وهذا هو الموطن الوحيد الذي دعا فيه على قومه بالهلاك ولم يدع لنفسه بالنجاة، في حين كان يدعو بالنجاة في القصص الأخرى.
ذلك أن هذا هو الموقف الأخير، فدعا ربه أن يكون هؤلاء الكفرة آخر عهدهم في الدنيا أن يستأصلهم جميعًا.
ولم يدع لنفسه بالنجاة، فإنه إذا أهلك الله الكافرين فقد نجا المؤمنون منهم ومن شرورهم فلا داعي لطلب النجاة، فإنه رأى أن المقام لا يناسب الدعاء بالنجاة بعد هلاكهم فإن هذا من باب تحصيل الحاصل. وإنما دعا بالمغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات لأن هذا هو المناسب، فإن الدعاء بالمغفرة في خواتيم الأمور هو الأنسب، ألا ترى إلى قوله سبحانه: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: ١٥٧] فجعل خاتمة الحياة لهؤلاء المغفرة، وأنه رسوله في آخر سورة نزلت عليه وهي سورة النصر بالاستغفار فقال: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1 - 3].
وكان رسول الله يدعو إذا أوى إلى فراشه قائلاً: (إن أمسكت نفسي فاغفر لها) فطلب المغفرة عند طي صفحة الحياة.
وقد يكون بعد ذلك كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} [الحشر: 10].
وقد يكون يوم الحساب وقد دعا سيدنا إبراهيم قائلاً: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 41].
وقد يطلب المؤمنون المغفرة في عرصات القيامة كما قال تعالى: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم: 8].
ومن الملاحظ أنه لم يرد التصريح بذكر المؤمنين في دعاء نوح بالنجاة، أو في أمر الله له أن يحمل معه من آمن إلا حيث ورد ذكر المؤمنين وازدرائهم في القصة وذلك في مكانين:
الأول: في سورة هود حيث قال الملأ الذين كفروا: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ} وقد جرى ذكرهم أيضًا في بقية القصة فقال له ربنا: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ}.
والآخر: في سورة الشعراء حيث قالوا له: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] فدعا نوح لنفسه ولهم قائلاً: {وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 118].
فذكر وصف الإيمان لمن معه.
وحيث لم يرد لهم ذكر فإنه يذكر النجاة له ولمن معه على العموم من دون تقييد بذكر صفة الإيمان فإنه مفهوم من المقام.
ذكر الناجين:
تختلف المواطن في قصة نوح في ذكر الناجين:
فهو أحيانًا يذكر نجاته ومن معه ولا يذكر أهله مكتفيًا بذكر من معه.
وأحيانًا يذكر أهله ولا يذكر معهم غيرهم.
وأحيانًا يذر أهله ومن معه.
وأحيانًا يذكر نوحًا ولا يذكر أحدًا معه لا من أهله ولا من غيرهم.
وهذا يجري على وفق ضوابط دقيقة.
فحيث يذكر تبليغ قومه يذكر من معه وقد يذكر أهله معهم.
ففي سورة الأعراف قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ}
فقال في النجاة: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ}
وفي سورة يونس قال: {}
فقال في النجاة: {فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ}
وفي سورة هود قال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ....}
فقال في النجاة: {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ}
وفي سورة المؤمنون قال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ }
فقال في النجاة: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ}
وقال في سورة الشعراء: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ}
فقال في النجاة: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ}
وقال في سورة العنكبوت: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ}
فقال في النجاة: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَة}
وحيث لم يذكر تبليغ قومه ذكر أهله فقط وذلك في سورة الأنبياء فإنه قال: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}
فذكر أهله ولم يذكر من معه، فإنه ذكر دعاءه ولم يذكر تبليغ قومه.
وفي سورة الصافات قال تعالى: {وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}
فذكر أهله ولم يذكر من معه، فقد ذكر دعاءه ولم يذكر قومه.
أما في سورة القمر فقد ذكر نجاته ولم يذكر معه، لا أهله ولا الذين معه، فإنه دعا ربه {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فنصر المغلوب.
وذكر الأهل ومن معه في مكانين:
الأول: في سورة هود، وقد ذكر الأهل لما ورد في القصة من ذكر مناداة نوح لابنه ليركب معه، ومناداة نوح ربه قائلاً: { رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ}
فناسب ذكر أهله.
والموضع الآخر: في سورة المؤمنون وذلك مناسبة لجو السورة.
فمما بدأت به السورة قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [المؤمنون: 5 - 6]. والأزواج أهل، وأهل الرجل زوجه.
ثم ذكر خلق الإنسان وتطوره من سلالة من طين إلى نطفة في قرار مكين إلى أن أنشأه خلقًا آخر، وهذا إنما يكون في رحم الأزواج، والأزواج أهل، وإن ذلك إنما يكون بين الرجل وزوجه.
ثم إنه ذكر في السورة بعضًا من الرسل وذوي قرباهم، فقد ذكر موسى وأخاه هارون فقال: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [المؤمنون: 45]
ثم ذكر ابن مريم وأمه فقال: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50].
وذكر البنين، والبنون من الأهل فقال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55 – 56] فناسب ذكر الأهل في النجاة.
خاتمة القصص:
إن خاتمة القصص ونهاياتها ليست متطابقة في جميع المواضع، بل إن كل موضع مناسب للسياق الذي وردت فيه، كما إن النهايات قد يكمل بعضها بعضًا.
فقد قال في الأعراف: {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ} [الأعراف: 64].
وقال في يونس: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ} [يونس: 73].
فقد وصف قوم نوح في الأعراف بأنهم كانوا قومًا عمين، وذلك أنهم قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} فإنهم لما وصفوه بالضلال ناسب أن يصفهم بالعمى من جهتين:
الجهة الأولى: أنهم قالوا: {إِنَّا لَنَرَاكَ} وضد الرؤية العمى، فإن الذي لا يبصر أعمى، فناسب أن يصفهم بالعمى لأنهم في الحقيقة لا يرون.
وقال: (عمين) ولم يقل: (عُمْي) لأن العمي هو أعمى القلب والبصيرة، والأعمى أعمى البصر.
والرؤية في قولهم: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} رؤية قلبية فوصفهم بعمى القلب فقال: {عَمِينَ } مناسبة للرؤية القلبية.
والجهة الأخرى: أنهم وصفوه بالضلال ولم يتبين لهم الهدى وعموا عنه، فناسب وصفهم بالعمى.
وأما في يونس فقد أنذرهم وذكرهم ولم يردوا عليه بشيء فناسب أن يقول: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}.
ثم ذكر أنه نجاه ومن معه وجعلهم خلائف؛ وذلك مناسبة لما تقدم في السورة من قوله: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [يونس: 13 - 14].
فناسب قوله: {جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ} قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ}.
وأما في هود فالمشهد طويل، والقصة مفصلة وقال في خاتمتها: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
والهبوط إنما هو بعد الركوب والجري والاستواء على الجودي مما لم يذكره في الأعراف ويونس.
ثم إن المشاهد متسلسلة.
فقد قال في الأعراف: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ}.
وذكر في يونس أنه جعلهم خلائف وهي بعد النجاة في الفلك.
وقال في هود: {يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ} فطلب منه الهبوط وهي مرحلة بعد النجاة في الفلك.
ثم قال: {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وهي مرحلة تأتي بعد قوله في يونس: {جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ}.
فقد ذكر في يونس أنه جعل الناجين خلائف.
وذكر في هود من يكون بعدهم من الأقوام.
وأما في المؤمنون فقد قال: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ} [المؤمنون: 29]، وهذا إنما يكون بعد الهبوط، فطلب المنزل إنما يكون بعد الهبوط من السفينة.
فبعد الهبوط بسلام دعاه إلى أن يطلب المنزل المبارك.
وأما في الشعراء فالقصة متناسبة مع القصص في السورة.
فقد بيّن وحدة الرسالة وأن الأنبياء دعوا إلى أمر واحد، وكان موقف أممهم منهم واحدًا وكان التعقيب واحدًا.
فنوح قال لقومه: {أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: ١٠٦ - 110].
وكذلك قال هود: [الشعراء: 124 - 127].
وكذلك قال صالح: [الشعراء: 142 - 145].
وكذلك قال لوط: [الشعراء: 161 - 164].
وكذا قال شعيب: [الشعراء: 177 - 180].
وكان التعقيب واحدًا وهو قوله: {أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ}.
وذلك بعد هلاك قوم نوح ۱۲۱، ۱۲۲ وهلاك عاد 139، 140، وهلاك ثمود 158، 159، وهلاك قوم لوط 174، 175، وأصحاب الأيكة 190، ۱۹۱.
فهي متناسبة القصص الواردة في السورة في وحدة الرسالة، والخاتمة، والتعقيب.
ثم ذكر أن الفلك مشحون، أي ممتلئ، ولم يذكر ذلك في موضع،
وأما في سورة العنكبوت فقد قال: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 15] وهذا هو الموطن الوحيد الذي ذكر فيه لفظة السفينة في قصة نوح. وقد بينا في كتابنا (أسئلة بيانية) سبب اختيار السفينة على الفلك في هذا الموطن، وما الفرق في الاستعمال القرآني بين السفينة والفلك فلا نعيد القول فيه.
ثم بين أمر السفينة فقال فيها: {وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ} فذكر أنه جعلها آية للعالمين، ومما قيل في معنى ذلك أنه أبقاها بعد ذهاب نوح لتكون آية لمن بعده، فقد قيل إنها بقيت زمانًا طويلاً على الجودي يشاهدها المارة (1).
ولم يذكر ذلك في موطن آخر.
فذكر أمر الفلك في الشعراء عند النجاة ووصفه بأنه مشحون.
وذكره هنا بعد خلوه مما فيه وأنه جعله آية للعالمين.
وأما في سورة الصافات فقد قال: {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} [الصافات: 76 - 77] فذكر نجاته وأهله ولم يذكر من معه.
وهذا من دقيق مراعاة المقام، فإن المقام لا يناسب ذكر من معه، وذلك أنه قال: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} أي جعل ذريته هم الباقين على قيد الحياة، وأما من نجا معه من المؤمنين فقد هلكوا وبادوا، وإن البشر بعدهم إنما هم من ذرية نوح فهو أبو البشر الثاني والأول هو آدم.
فلو قال: {وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} ثم قال بعد ذلك: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ} لدل ذلك على أنه أهلك من معه من المؤمنين، وأبقى أهل نوح وذريته، وهذا لا يناسب مع ذكر النجاة، إذ سيكون المعنى أنه أنجاهم من الماء ليهلكهم على اليابسة ويبقي ذرية نوح وحده.
فلما ذكر أنه أبقى ذريته وحدهم ناسب ذكر نجاة أهله وعدم ذكر الآخرين.
وأما في سورة القمر فقد ذكر أن نوحًا دعا ربه {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فذكر نجاته ولم يذكر أحدًا معه، ذلك أنه دعا لنفسه فذكر نجاته فقط.
ثم ذكر السفينة التي حملته فقال هي: {ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} ولم يذكر ذلك في موطن آخر. وهذه هي المرة الوحيدة التي ذكرت فيها صفة السفينة وأنها تجري برعاية الله، ثم ذكر مآلها بعد ذلك فقال: {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ}.
فذكر في سورة هود حال نوح وهو يصنع الفلك ومرور قومه عليه ساخرين.
وذكر هنا حال السفينة وشأنها. فكأن ما ذكره في سورة القمر استكمال لما ورد في السور قبلها.
وقد تقول: لقد دعا نوح في سورة القمر لنفسه فقال: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} فذكر نجاته ولم يذكر أحدا معه.
وقد دعا في سورة المؤمنون لنفسه أيضًا فقال: {رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} فذكر نجاته ونجاة أهله وذكر من معه، فما الفرق؟
فنقول: لقد دلّ السياق في سورة المؤمنون على أن هناك مؤمنين.
فقد قال: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ}، فذكر قول الذين كفروا من قومه، ومعنى ذلك أن هناك من قومه من آمن.
وقال: {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} ومعنى ذلك أنه من لم يكن من الذين ظلموا لا يغرق، فدل ذلك على أن هناك صنفًا غير المذكورين.
ثم أمره ربه إذا استوى هو ومن معه على الفلك أن يقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} فذكر أن هناك من استوى معه على الفلك وليس هو وحده.
وطلب أن يكون الدعاء بصيغة الجمع {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ووصف القوم الذين نجاه منهم بأنهم ظالمون.
فالأمر مختلف عما في سورة القمر.
فإنه لم يذكر في سورة القمر أن معه من آمن، ولم يجعل قومه على قسمين:
قسم مؤمن وقسم ظالم ولو على سبيل التضمن أو الإشارة.
وإنما ذكر تكذيب قومه على جهة العموم فقال: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ}
وقال: {فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ}، وهذا قولهم على العموم وليس كما قال في المؤمنون: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ}
فهو وحده بإزاء قومه فناسب ذكره هو.
فكان كل تعبير مناسبًا لسياقه الذي ورد فيه.
وأما سورة نوح فقد ذكرنا ما فيها.
فتبين أن القصة ليست مكررة وأنه ذكر في كل مكان أمرًا لم يذكره في فتبين المواطن الأخرى.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 85 إلى ص 107.
(1) انظر روح المعاني 20/143، تفسير ابن كثير 3/407.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} [هود: 25 – 26]
الواو في قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا} ابتدائية.
وقوله: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} على إضمار القول (1) أي فقال: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ}.
وقوله: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} يحتمل أن يكون معلقًا بـ (أرسلنا) أي أرسلناه بأن لا تعبدوا إلا الله كما في قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [المؤمنون: 32] أي أرسلناه بهذا الأمر.
كما يحتمل أن يكون معلقًا بقوله: (نذير) أي إني لكم نذير بأن لا تعبدوا إلا الله، كما في قوله تعالى: {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [نوح: ٢ - 3] والمعنى أني أنذركم بهذا الأمر.
ويحتمل أيضًا أن تكون مفسرة للإرسال، أي لقد أرسلنا نوحًا والرسالة هي {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}.
كما يحتمل أن تكون مفسرة للإنذار (2) أي قال لهم: إني لكم نذير مبين. وإنذاري لكم هو {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ .....} والمعنى أنه سبحانه أرسل نوحًا بعبادة الله وعدم عبادة غيره، وأن نوحًا بلغهم وأنذرهم بذلك.
فدلت الآية على ما قاله نوح وما أرسل به وما أنذرهم به.
قد تقول: لقد قال تعالى في سورة الأعراف: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59].
فصرح بالقول وذلك قوله: {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} وكذا قال في سورة المؤمنون ۲۳.
وقال ههنا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ …. أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} فجاء بـ (أن) فما الفرق؟
ما الفرق بين قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} بالتصريح بالقول.
وقوله في سورة المؤمنون مثلاً: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} بذكر (أن)؟
والجواب: أنه إذا صرح بالقول فقال: {فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} فذلك ما قاله لقومه وبلغهم به.
وأما إذا ذكر (أن) فالمعنى مختلف.
فقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ …. أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}، أي أرسلنا بهذا الأمر، أي إن هذه هي الرسالة التي أرسلناه بها وليس هذا قوله.
وكذا قوله في سورة المؤمنون: {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، أي أرسلناه بهذا الأمر، أي هذه هي الرسالة التي أرسلناه بها، فـ (أن) مصدرية أو مفسرة.
فقوله في الأعراف: « أعبدوا الله ما لكر من إله غيره "هو قول نوح لقومه. وقوله في المؤمنون: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون: 32] هو الرسالة التي أرسلناه بها إليهم وليس قول نوح.
وكذا قوله في سورة هود كما أوضحنا.
قد تقول: لقد ذكرت أن قوله تعالى: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} في قوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} على إضمار القول، فما الدليل على ذلك؟ ولم لم تعلقه بـ {أَرْسَلْنَا} كما في قوله: {أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}؟
والجواب: أن الدليل على إضمار القول هو كسر همزة (إنّ)، ولو كان معلقًا بـ {أَرْسَلْنَا} لفتحت الهمزة كما هو معلوم.
وهناك قراءة متواترة بفتح الهمزة أيضًا، فيكون المعنى على التعليق بـ {أَرْسَلْنَا} ويكون المعنى على ذلك أنه أرسله بالإنذار وما بعده.
وقد أنزلت هاتان القراءتان المتواترتان لتدلا على أن نوحًا أرسل بذلك وأنه بلغهم بما أرسل به.
قد تقول: ولم حذف القول في قوله: {أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ.} ولم يصرح به فيقول: (فقال إني لكم نذير مبين)؟
والجواب: أنه لو ذكر القول لوجب كسر همزة (إن) كما هو معلوم، ولكان المعنى أن ذلك قوله، ولا يفيد معنى آخر.
فلما حذف القول صح أن تفتح همزة (إن) وأن تكسر فيكون لكل منهما معنى.
فالكسر يدل على القول،
والفتح يدل على التعليق بالإرسال، فجمع بين المعنيين، فدل ذلك على أن هذا ما أرسل به وهو ما بلغه.
وهو الأولى.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 107 إلى ص 110.
(1) انظر روح المعاني 12/35 – 36، البحر المحيط 5/214.
(2) انظر الكشاف 2/94، البحر المحيط 5/214، روح المعاني 12/36.
{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ}
لقد وصف اليوم بأنه أليم، واليوم لا يكون أليمًا وإنما يقع فيه الألم. وهو تعبير مجازي يدل على اتساع الألم وشدته في ذلك اليوم ووقوعه فيه على سبيل الاستغراق بحيث يكون اليوم كله شاملًا للألم.
ولو قال: (إني أخاف عليكم عذابًا أليمًا) لاحتمل أن يكون ذلك في وقت من الأوقات دون سائر اليوم.
فلما قال: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} دل على أن الألم شامل لليوم كله وليس في وقت منه.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه إذا ذكر اليوم مع العذاب كما في الآية كان العذاب عامًا وليس خاصًّا بفرد. وإذا لم يذكر اليوم فقد يكون العذاب واقعًا على فرد واحد وذلك نحو قوله تعالى: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25].
ومن الملاحظ أنه لم يوصف اليوم بأنه عظيم أو كبير أو محيط إلا في سياق العذاب ولم يرد في الجزاء الحسن أو في الجنة. فلم يقل في يوم دخول الجنة يوم عظيم أو كبير.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 110 إلى ص 111.
الوقفة كاملة
|
| ٤٤٩ |
{وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [هود: 36]
بعد أن أغلقوا باب الجدل بينهما وتحدوه أن يأتي بما يعدهم إن كان صادقًا أوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد أمن، فلا يدخل أحد في دينه بعد.
وقد تقول: لقد قال ههنا: {وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ} ببناء الفعل للمجهول: (أوحى).
وقال في سورة المؤمنين: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ} [المؤمنين: 27] بالبناء للمعلوم فلم ذاك؟
والجواب من أكثر من وجه:
من أن نوحًا دعا ربه في سورة المؤمنين لينصره {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ} [المؤمنين: 26] فاستجاب له ربه فقال: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ} فالذي طلب منه النصر استجاب له فقال: {فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ} ولم يقل: (فأوحي) بحذف فاعل الاستجابة.
والأمر الأخر: أنه حيث جاء فعل أمر متصل بالإيحاء لم يقل: (أوحي) بالبناء للمجهول، وإنما يذكر الفاعل فيقول: (أوحينا) أو (أوحيت) أو ( أوحى ربك) ونحوه.
قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ} [الأعراف: 117].
وقال: {ثمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123].
وقال: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} [طه: 77].
وقال: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111].
وقال: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} [النحل: 68].
ولما جاء أمر بعد الإيحاء في آية المؤمنون وهو قوله: {أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ} ناسب ذلك قوله: {وَأَوْحَيْنَا} من هذا الوجه أيضًا.
{لَنْ يُؤْمِنَ}
نفى فعل الإيمان بحرف الاستقبال (لن) للدلالة على أنه لا يؤمن له أحد في المستقبل، فإن الأمر انتهى ولا فائدة من دعوتهم.
{فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}
أي لا تحزن لما كانوا يفعلونه من استهزاء وتكذيب وإيذاء (1).
وقال ههنا: {بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} يذكر الفعل (يفعلون).
وقال في سورة يوسف: {إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فقال: {يَعْمَلُونَ} فذكر العمل، ذلك أنه يستعمل الفعل (فعل) مع الإهلاك ولم يستعمل الفعل (عمل). قال تعالى: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155].
وقال: {أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 173].
ولم يرد في نحو هذا (عمل).
ثم إن ربنا يستعمل الفعل (فعل) في عقوبات الأقوام وإهلاكهم ولم يستعمل (عمل)
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ} [الفجر: 6].
وقال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1].
وقال: {وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} [إبراهيم: 45].
وقال: {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآَخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ} [المرسلات: 16 - 18].
ولم يقل في نحو هذا: (عمل).
فلما قضى ربنا إهلاك قوم نوح استعمل الفعل الذي يستعمله في الإهلاك فقال: {فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} أي إن فعلهم يقتضي إهلاكهم كما قال: {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} فإن فعل هؤلاء يقتضي إهلاكهم.
وليس الأمر في قصة يوسف كذلك، فاستعمل فعلًا أخر يؤدي المعنى المقصود. والله أعلم.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 143 إلى ص 146.
(1) انظر روح المعاني 12/49.
الوقفة كاملة
|
| ٤٥٠ |
{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49]
لقد تحدى القرآن أهل الكفر قبل هذه الآية في السورة نفسها بقوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: 13 - 14].
ولم يستجيبوا لهذا التحدي فلم يأتوا بما طلب وانقطعوا فألزمهم الحجة.
وفي هذه الآية دليل وبرهان من نوع أخر، فإنه بعد أن سرد أحداث قصة نوح مفصلة أعلن على الناس جميعًا أن هذه المعلومات إنما هي من أنباء الغيب أوحاها الله إليه، وأنه لم يكن يعلمها هو ولا قومه من قبل هذا التنزيل.
ولم ينكر ذلك أحد من قومه، ولم يدع أحد أنه كان يعلمها أو أنه أخبر محمداً بها فألزم الناس جميعهم الحجة.
فمن أعلمه بها إذن إن لم يكن ذلك وحيًا من عند الله؟
لا يمكن أن يقال: إنما علمه بشر، أو علم ذلك من أي مصدر غير الوحي، فقد قال: إنما من أنباء الغيب أوحاها الله إليه.
فلو كان قومه أو أحد من قومه يعلمها لرفع صوته وقال: أنا أعلمها، ولو كان علمه أحد لقال: أنا علمته، ورفع صوته بذلك والقرآن يتلى في مكة والمدينة، والأعداء متربصون وهم كثر.
والأن لننظر في هذه الآية وتأليفها:
1- وقال: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْب} ولم يقل: (تلك من الأنباء نوحيها إليك) فتكون نبأ من الأنباء علمه الناس أو جهلوه، بل ذكر أنها من الغيب الذي لم يكن يعلمه هو ولا قومه.
وهذه حجة ملزمة.
2- وقال: {نُوحِيهَا إِلَيْكَ} أي نحن الذين أخبرناك بها ولم تعلمها من طريق أخر.
وهذه حجة وإلزام اخر.
جاء في (روح المعاني) : "{نُوحِيهَا} والتعبير بصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية ...
والمقصود من ذكر كونها موحاة إلجاء قومه صلى الله تعالى عليه وسلم للتصديق بنبوته عليه الصلاة والسلام وتحذيرهم مما نزل بالمكذبين" (1).
3- وقال: {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا} فنفى بـ (ما)، ولم يقل: (لم تكن تعلمها) وذلك أن نفي الماضي بـ (ما)أكد، فإنه نفي لـ (لقد فعل) (2).
وهي تقع في جواب القسم المنفي إذا كان الفعل ماضيًا.
فأفاد ذلك توكيد عدم علمه هو وعدم علم قومه.
4- وقال: {مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْت} فأكد الفاعل المستتر بـ (أنت) ولم يقل: (ما كنت تعلمها ولا قومك) مع أنه يصح أن يقال ذلك لوجود الفاصل وهو الضمير (ها)، ووجود فاصل أخر وهو (لا) وكل منهما مسوّغ للعطف على الضمير المتصل ظاهرًا أو مستترًا.
وفي القرآن نظير لكل منهما (3). ولكنه جاء بـ (أنت) توكيدًا لعدم العلم.
5- وقال: {وَلَا قَوْمُكَ} فجاء بـ (لا) النافية، ولم يقل: (ماكنت تعلمها وقومك)
و(لا) هذه تفيد التوكيد وتفيد القطع بعدم علمه وعلمهم بها لا على سبيل الإفراد ولا سبيل الاجتماع. فأنت لا تعلمها، وقومك لا يعلمونها.
ولو قال: (ما كنت تعلمها وقومك) لاحتمل أن نفي العلم إنما هو عن المجموع وقد يعلمها أحد الطرفين.
6- وقال: {مِنْ قَبْلِ هَذَا} فجاء بـ (من) ليدل على أن علمهم بها إنما جاء الأن بعد الإيحاء.
ولم يقل: (قبل هذا) فيحتمل القبلية القريبة والبعيدة.
7- وقال: {فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} فأمره بالصبر لينال الخاتمة المحمودة في الدنيا والأخرة، وذلك بعد أن ذكر قصة نوح وصبره على قومه لتكون له عبرة ولئلا يضيق صدره بأذى قومه، ومن المحتمل أن يكون قد حصل له ذلك وقد أشار به إلى هذا الأمر فيما تقدم من السورة بقوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ} [هود: 12]
جاء في (تفسير الرازي): "{فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} والمعنى: يا محمد اصبر أنت وقومك على أذى هؤلاء الكفار كما صبر نوح وقومه على أذى أولئك الكفار.
وفيه تنبيه على أن الصبر عاقبته النصر والظفر والفرح والسرور كما كان لنوح عليه السلام ولقومه" (4).
8- وقال: {إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} وكان المظنون أن يقال: (فاصبر إن العاقبة للصابرين) وذلك أن المتقين يشملون الصابرين وزيادة. فلما ذكر المتقين دخل فيهم الصابرون، ويدل على ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].
فذكر أن الصبر في البأساء والضراء وحين البأس إنما هو وصف واحد من أوصاف المتقين المذكورة في الآية.
فناسب أن يقول: {إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} فدخل في ذلك الصابرون.
هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى أنه لم يرد مثل هذا التعبير في القرآن مع غير المتقين، فلم يرد مثلًا (إن العاقبة للصابرين) أو (للمؤمنين) أو غيرهم من غير أصحاب هذا الوصف.
وقد ورد نحو هذا التعبير في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم وهي قوله: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128]، [القصص: 83]
وقوله: {إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} وهي آية هود هذه.
وورد تعبير قريب من هذا وهو قوله: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132].
9- وقال: {إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} بالتوكيد بـ (إن)، في حين ورد نحو هذا التعبير من غير توكيد في موضعين من القرآن وهما قوله: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} في سورة الأعراف: 128، والقصص: 83.
أما آية القصص فهي قوله: {تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83].
وهي ترى في الدار الآخرة، والعاقبة الحسنة في الدار الآخرة ليست للمتقين فقط بل لعموم المؤمنين وإن لم يكونوا متقين. فقد تكون لعصاة المسلمين ولمن لم يبلغ درجة المتقين أيضًا. فلم يؤكد أن العاقبة للمتقين. والمقام ليس مقام توكيد كما ترى.
وأما آية الأعراف فهي قوله: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 128 - 129].
وأنت ترى أن القائل هو موسى لقومه بني إسرائيل.
فإذا كان المقصود بالعاقبة وراثة الأرض المذكورة في الآية، أعني قوله: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} فالمقام ليس مقام توكيد فإن موسى لم يعدهم بذلك وعدًا قاطعًا، وإنما قال: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129].
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه ليس استخلافًا على الدوام، وإنما هو استخلاف زائل. بخلاف أمة محمد الذين وعدوا بالاستخلاف في الأرض وعدًا قاطعًا من الله وهو قوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55].
فأكد العاقبة للمسلمين بقوله: {إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} بتوكيدها لنبيهم، ولم يؤكد موسى لقومه. وهو المناسب.
وإن كان المقصود بالعاقبة الحسنة في الآخرة فإن المتقين من أمة محمد أكثر بكثير من بني إسرائيل، فإن اليهودية دين منسوخ نسخته النصرانية ونسخهما الإسلام، والإسلام باق إلى يوم القيامة، وأتباعه باقون حتى نهاية الدنيا، فلا شك أن العاقبة سواء كانت في وراثة الأرض أو في الآخرة فهي في أتباع الرسول محمد أكثر وأتم وأوسع ولذا فهي أكد.
فناسب التوكيد في خطاب الرسول دون الموطنين الآخرين.
وقد ذكرنا أمة محمد وبني إسرائيل؛ لأن أية هود إنما هي في خطاب نبي الإسلام محمد والوعد يشمله ويشمل أمته.
وإن آية الأعراف إنما هي في خطاب بني إسرائيل كما نصت عليه الآية.
ثم هناك أمر آخر حسن التوكيد في آية هود دون آية الأعراف وهو أن الخطاب في آية هود إنما هو الله سبحانه لرسوله محمد.
وأن الخطاب في آية الأعراف إنما هو من موسى لبني إسرائيل.
ولا شك أن خطاب الله أكد من خطاب موسى، فناسب التوكيد في آية هود من جهة أخرى.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 191 إلى ص 196.
(1) روح المعاني 12/75.
(2) انظر كتاب سيبويه 1/460، الاتقان 1/176، معاني النحو 4/227.
(3) قال تعالى: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ} [الرعد: 23] فعطف (من صلح) على الواو في (يدخلونها)، والفاصل الضمير (ها).
وقال: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا} فعطف (آباؤنا) على الضمير (نا)، والفاصل (لا). والضمير المستتر من الضمائر المتصلة، وأما المحذوف فقد يكون متصلًا وقد يكون منفصلًا.
(4) تفسير الرازي 6/361.
قصة هود
كما ذكرنا في قصة نوح فإن قصة هود في القرآن في مواضع متعددة ولكنها ليست متطابقة، بل قد يذكر في موضع ما لا يذكره في المواضع الأخرى، وذلك بحسب السياق وبحسب ما يريد التركيز عليه.
لقد وردت هذه القصة في الأعراف وفي سورة هود والشعراء وفضلت والأحقاف والذاريات والقمر والحاقة والفجر.
وهي قد يكون فيها تفصيل في موضع، وفي موضع آخر يذكر جانبًا من جوانبها بإيجاز.
وإليك إيضاح ذلك:
1- فقد جاء في سورة الأعراف - وهي أول سورة وردت فيها هذه القصة - أن هودًا دعا قومه إلى عبادة الله وتوحيده: {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65].
فتصدى له الملأ الذين كفروا من قومه وسفهوه واتهموه بالكذب {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [الأعراف: 66].
فنفى أن يكون به سفاهة وأكد لهم أنه رسول من رب العالمين وأنه لهم ناصح أمين.
فرفضوا ادعاءه قائلين: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف: 70].
فاشتد عليهم نبيهم قائلًا: {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف: 71].
ويظهر أن قوله: {فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} إنما هو جواب لتحديهم {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}
فهم قالوا له: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} وهو أجابهم بقوله: {فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ }
ثم جاء الأمر الحاسم بنجاته ومن وإهلاك المكذبين تصديقًا لما وعدهم به { فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 72].
2- وفي سورة هود ذكر أيضًا أنه دعاهم إلى عبادة الله وتوحيده{ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ }[هود: 50] غير أن ما قاله في هود لا يطابق ما قاله في الأعراف. فإنه قال لهم في الأعراف: {أَفَلَا تَتَّقُونَ}.
وقال في هود: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ}.
وذلك أنهم قالوا في الأعراف: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا} [الأعراف: 70] فقال لهم: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} أي إنهم افتروا على الله. فقال لهم في هود: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ} فكان ما ذكره في هود إنما هو تعقيب على ما قالوه في الأعراف و استكمال له.
ثم إنه قال لهم إنه لا يسألهم على دعوته أجرًا.
ولم يقل مثل ذلك في الأعراف.
ووعدتهم بالخير الكثير إن هو أطاعوه، فإن ربه سيرسل السماء عليهم مدرًارًا ويزيدهم قوة إلى قوتهم.
ولم يقل مثل ذلك في الأعراف.
فردوا عليه قائلين إنه لم يأتيهم ببينة، وإنهم لا يتركون آلهتهم بسبب قوله. غير أنه لم تكن المواجهة بينهما على نحو ما ورد في الأعراف، بل كانت أخف، ذلك أن ما ورد في الأعراف إنما هو قول الملأ الذين كفروا من قومه خاصة.
وأما المواجهة في هود فقد كانت مع عموم القوم، وعموم القوم ليسوا كالملأ الذين كفروا، أي أشراف قومه الكافرين، فهم متفاوتون في الإجابة.
وعلى كل حال فهم أخف من الملأ الذين كفروا، ولذا لم يصفوه بالسفه ولم يصرحوا بكذبه، وإنما قالوا له: { يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [هود: 53 - 54].
أي أصابك سوء من بعض الآلهة فتقول ما تقول، ولم يصرحوا بأنه أصابه جنون مع أنهم يعنون ذلك، وإنما خففوا في المواجهة فقالوا: (أصابك سوء).
ولذا كان جوابه لهم مناسبًا لما قالوا فيه. فقد قال لهم: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} فقد تحداهم وتحداهم وتحدى آلهتهم بأن يكيدوه ولا يمهلوه.
ولم يرد نحو ذلك في الأعراف.
ولما كانت المواجهة في الأعراف أشد وإنهم تحدوه كانت العقوبة أشد، فقد قال فيها: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِين} [الأعراف: 72].
ولم يقل مثل ذلك في هود، وإنما قال: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود: 58] ولم يذكر أنه قطع دابر الذين كذبوه.
فهم في الأعراف تحدوه، وفي هود هو تحداهم.
فأنت ترى أنه ذكر في كل موطن جانبًا لم يذكره في الآخر.
3- وفي سورة الشعراء بدأ القصة بقوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِين} [الشعراء: 132].
وهذا ما تبدأ به جملة من القصص في هذه السورة.
فالقصة هنا متناسبة مع القصص في السورة من ناحية، ومن ناحية أخرى كأنها استكمال لما ورد في الأعراف وهود، وذلك بعد تكذيب عاد لرسولهم الأعراف وهود قال في الشعراء: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِين}.
ولم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله وتوحيده كما فعل في الأعراف وهود، وإنما ذكر ما بعد ذلك فقال: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 123 - 127].
وهذه العبارات قالتها عموم الرسل لأقوامهم في هذه السورة، فقد قالها نوح لقومه، وقالها هود وقالها صالح وقالها لوط وقالها شعيب.
ثم بكتهم بما يفعلون قائلًا: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} [الشعراء: 128 - 130] وذكرهم بالنعم التي أمدهم بها رب العالمين.
ولم يرد مثل ذلك في قصة هود في المواضع الأخرى من القرآن الكريم. وهذا متناسب مع سائر القصص في السورة.
فرد عليه القوم قائلين: {سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [الشعراء: 136 - 138] فأهلكهم رب العزة وجعلهم آية فقال: {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 139 - 140].
وهذا التعقيب جرى بعد عموم القصص في الشعراء.
فأنت ترى أنه ذكر الجواب من القصة لم يذكرها فيما سبق من القصص.
4- وأما في سورة فصلت فقد ذكر استكبارهم واعتدادهم بقوتهم واغترارهم بها حتي قالوا: {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}، ثم ذكر عقوبتهم وأنه أرسل عليهم ريحًا صرصرًا أذاقتهم عذاب الخزي في الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى.
وهذا أول موضع يذكر فيه نوع العذاب الذي حل بهم وأنه بالرياح.
ولم يذكر دعوة رسولهم لهم ولا موقفًا منه، وإنما لخص قصتهم لأهل مكة ولمن يعتبر. فهي تختلف عن كل ما مر من القصص.
وهذا ما رود من هذه القصة في فصلت:
{فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} [فصلت: 15 - 16].
5- وأما في سورة الأحقاف فإنه ذكر مساكنهم، وهي أول مرة تذكر فيها المساكن وأنها بالأحقاف فقال: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف: 21]. والاحقاف في اليمن.
وقال لهم رسولهم منذرًا ومحذرًا: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأحقاف: 21].
فأجابوه قائلين: {أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأحقاف: 22].
فإنه لما خوفهم بعذاب يوم عظيم، تحدوه قائلين: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}
ثم ذكر كيف أنهم استقبلوا عارض العذاب فظنوه سحابًا ممطرًا وقالوا: {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا}
ثم ذكر مآلهم وأنه أرسل عليهم ريحًا دمرتهم فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم (الآية25).
وهذه أول مرة تذكر فيه مساكنهم المدمرة الخالية، كما أنه أول مرة ذكرت مساكنهم في الجزيرة.
6- وأما في الذاريات والقمر والحاقة والفجر فلم يذكر دعوة ولا موقفًا من رسولهم، وإنما ذكر عاقبتهم وهلاكهم.
وهو يذكر في كل موضع ما لم يذكره في الموضع الآخر من التفصيل وكيفية الإهلاك.
وكل منها مناسب لما ورد في موضعه.
وبهذا يتضح أن القصة ليست متماثلة في تفصيل أحداثها.
تذكيرهم بالنعم:
إن التذكير بالنعم في القصة ليس متماثلًا. فقد يذكّرهم في موضع على وجه الإجمال، وفي موضع آخر على وجه التفصيل.
وقد لا يذكر ذلك في مواضع أخرى إذ لا يقتضي السياق ذكره.
1- فقد قال في الأعراف: {وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: 69].
فذكرهم ببصطة أجسامهم وقوتها، وذكرهم بما أنعم الله عليهم على العموم.
2- وأما في سورة هود فإنه دعاهم إلى الاستغفار والتوبة ليمدهم ربهم ببركات السماء ويزيدهم قوة إلى قوتهم.
ومعنى ذلك أن الله قد أعطاهم قوة وأنه سيزيدهم قوة إلى قوتهم، فذكر أن لهم قوة على العموم ولم يخصصها.
لقد ذكر في آية الأعراف بصطة الجسم وقوته، وهنا ذكر القوة على العموم، قال تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52].
3- وقد ذكر في الشعراء شيئًا من مظاهر قوتهم وعدد آلاء الله عليهم، وكيف تصرفوا في هذه النعم فقال: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء: 128 - 134].
ففصل ما أجمله في الأعراف وهود من آلاء الله عليهم في أجسامهم وأنهم إذا بطشوا بطشوا جبارين.
وفصل فيما أنعم عليهم من الأنعام والبنين والجنات والعيون.
فكأن ما ورد في الشعراء تفصيل لما أجمله في الموطنين السابقين.
4- وفي فصلت ذكر استكبارهم في الأرض بغير الحق واعتدادهم بقوتهم واغترارهم بها والاستطالة على خلق الله. قال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} [فصلت: 15]
5- ولم يذكر شيئاً عن ذلك في الأحقاف ولا في الذاريات ولا في القمر ولا في الحاقة.
6- وكذلك في سورة الفجر، فإنه لم يذكرهم بالنعم وإنما وصفهم أو وصف بلادهم بأنها ذات العماد ثم ذكر صب العذاب عليهم وعلى الأقوام الكافرة الأخرى.
العاقبة والهلاك:
لم يكرر ذكر عاقبة عاد ولا كيفية هلاكهم، وإنما يذكر في كل موضع جانبًا من جواب العقوبة.
فقد يذكر العقوبة على وجه العموم في موضع ويفصل في موضع آخر، ولكنه لم يذكرها على نمط واحد، بل يذكر في كل موضع ما يناسب السياق وجو السورة.
1- فقد قال في الأعراف: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 72].
فذكر نجاته والذين معه، وذكر أنه قطع دابر الذين كذبوا، غير أنه لم يذكر نوع العقوبة ولا كيف قطع دابرهم.
2- وفي هود لم يذكر نوع العقوبة أيضًا وإنما ذكر الأمر بصورة أخرى، فقد قال إنه نجى هوداً والذين آمنوا من عذاب غليظ.
ولم يذكر نوع هذا العذاب ولا أنه قطع دابر الذين كذبوا، وإنما قال إنهم أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة.
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ} [هود: 58 - 60].
3- وأما في الشعراء فقد قال: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ} ولم يذكر كيفية الإهلاك، كما أنه لم يذكر نجاته ونجاه من معه، ذلك أنه خوفهم بالعذاب قائلًا: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} فقالوا له: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} فأهلكهم .
4- وأول موطن يرد فيه ذكر نوع العقوبة إنما هو في فصلت، فقد ذكر أنه أرسل عليهم ريحًا صرصرًا في أيام نحسات، ولم يذكر عدد الأيام تلك. ولم يذكر ماذا فعلت هذه الريح بهم أو بمساكنهم. قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُون} [فصلت: 16] ولم يذكر نجاة هود ومن معه، ذلك أنه حذر قريشًا أن تصيبهم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، فذكر عذابهم.
5- وأما في الأحقاف فزاد في وصف الريح وأنها جاءت على هيئة عارض، أي سحاب ممطر واستبشروا بها فإذا هي ريح مدمرة تدمر كل شيء فلم يبق منهم إلا مساكنهم.
قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [ الأحقاف: 24 - 25].
وهذا هو الموطن الوحيد الذي ذكر فيه محل سكناهم وأنه بالأحقاف، وأن الريح أهلكتهم فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.
وهذه هي المرة الوحيدة التي ذكرت فيها المساكن وأنها بقيت بعدهم خاوية خالية.
ولم يذكر في موضع آخر محل سكناهم ولا مساكنهم.
وذكر المساكن مناسب لذكر موضع سكناهم وهي الأحقاف.
ولم يذكر نجاته، وذلك أنه خوفهم بالعذاب قائلًا: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} فقالوا غير مبالين: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأحقاف: 22] فذكر هلاكهم على نحو ما ورد.
6- وأما في الذاريات فقد زاد في وصف الريح وعتوها وأنها عقيم لا تأتي بخير وأنها لا تأتي على شيء إلا دمرته دمارًا تامًا. قال تعالى: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} [الذاريات: 41 - 42].
7- وأما في القمر فقد ذكر عمل الريح في الناس فخصص الوصف.
ففي الأحقاف ذكر الدمار على العموم وذكر المساكن.
وزاد في وصفها في الذاريات.
وأما في القمر فخصص فعلها في الناس فقال: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ} [القمر: 19 - 21].
وهذا أول موطن يذكر فيه ما فعلته الريح في الناس وأنها تنزعهم كأنهم أعجاز نخل منقعر.
فخصص بعد العموم.
8- وأما في الحاقة فزاد في وصفها وذكر أنها عاتية وذكر مدتها. وهذا هو الموطن الوحيد الذي ذكرت فيه مدة الريح وأنها سبع ليال وثمانية أيام حسومًا.
ثم ذكر أنه لم يبق من عاد أحد.
قال تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقة: 6 - 8].
وانتهى المشهد وكانت الخاتمة ههنا، ولم يذكر بعد ذلك شيئًا عن نهاية عاد وعاقبتها، فقد انتهى كل شيء بقوله: {فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ}.
9- وختم ذكر عاد في سورة الفجر، فقد ذكر في هذه السورة اسم بلدهم على ما قيل ووصفها. وهو ما لم يرد في موطن آخر، فقد ذكر أنها {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ}.
ومما قيل في إرم "أنها مدينة عظيمة في اليمن، والوصفان لها و المراد ذات البناء الرفيع أو ذات الأساطين التي لم يخلق مثلها سعة وحسن بيوت وبساتين في بلاد الدنيا" (1).
وقيل: إن إرم هي اسم للقبيلة في عاد إرم (2).
وعلى كلا التفسيرين فقد ذكر في هذه السورة ما لم يذكره في أي موضع آخر من القرآن، سواء كانت إرم اسمًا لمدينتهم أم اسمًا لقبيلتهم.
ومن الملاحظ في هذه القصة أنه ذكر في الأعراف النجاة والإهلاك.
وفي هود ذكر النجاة ولم يذكر عقوبة غير قوله:{ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ }
وفي الشعراء وفصلت والأحقاف والذاريات والقمر والحاقة والفجر ذكر العقوبة والإهلاك ولم يذكر النجاة.
وكل ذلك متناسب مع السياق في كل سورة، ومع جو السورة وما ورد فيها.
ومن الملاحظ أيضًا في قصة عاد أنه لم يذكر أن نبيهم دعا على قومه أو دعا بالنجاة في كل ما ورد من القصة.
كما أنه لم يذكر أهله وكيف كانوا كما مر في قصة نوح.
فاتضح من ذلك أن القصة لم تتكرر وأنه في كل موطن يذكر ما لا يذكره في موطن آخر.
والآن نعود إلى آيات القصة في سورة هود لنتلمس شيئاً من جوانبها الفنية.
** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الثالث من ص 197 إلى ص 208.
(1) روح المعاني 30/123.
(2) فتح القدير 5/423، روح المعاني 30/123.
الوقفة كاملة
|