تفسير و تدارس

٤٣١ التعليق علي تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٣٢ التعليق علي تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٣٣ التعليق على تفسير ابن كثير الوقفة كاملة
٤٣٤ التعليق علي تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٣٥ برنامج يا بني إسرائيل الوقفة كاملة
٤٣٦ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٣٧ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٣٨ التعليق علي تفسير القرطبي . الوقفة كاملة
٤٣٩ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة
٤٤٠ التعليق على تفسير القرطبي الوقفة كاملة

أسرار بلاغية

٤٣١ {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26)} أمره بالذكر والتسبيح والصلاة بعد أمره بالصبر ونهيه عن إطاعة الآثم والكفور، وربنا يأمر بالإكثار من ذلك عند الوقع في الأزمات ومضايق الأمور والمواطن التي تحتاج إلى الصبر، وذلك نحو قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 97 – 98]، وقوله عند اللقاء في الحرب: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45]، وقول يونس في بطن الحوت: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] ونحو ذلك من المواطن، فإن مداومة التسبيح تفرج الكروب وتنجي من المضايق، وهي أزكى الأعمال وأرفعها عند المليك، ولذا طلب منه مداومة التسبيح في الليل والنهار. جاء في (روح المعاني): "أراد سبحانه أن يرشده إلى متاركتهم عقب ذلك بالأمر باستغراق أوقاته بالعبادة ليلًا ونهارًا بالصلوات كلها من غير اختصاص وبالتسبيح بما يطيق على منوال قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}" (1). وقدم الجار والمجرور (من الليل) على قوله: (فاسجد) لما في التهجد من أجر عظيم، ولما في ذلك من المشقة والكلفة، فإن صلاة الليل ثقيلة. وهذا التقديم نظير قوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17 – 18]، وقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]. جاء في (تفسير البيضاوي): "وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد الكلفة والخلوص" (2). كما أن هذا التقديم يدل على علو منزلة السجود وفضله على غيره، ذلك أن تقديم الجار والمجرور سوّغ إدخال الفاء على الفعل (اسجد) وهذا الفاء على كل ما قيل فيها تفيد التأكيد، سواء قلنا: إنها جواب شرط مقدر، أي مهما كان فلا تدع السجود، أو قلنا: هي زائدة للتوكيد. ولو لم يتقدم الظرف لم تصح زيادة الفاء، فلا يصح القول: (وفاسجد له من الليل)، وبهذا يتضح أن هذا التقديم أفاد أكثر من فائدة. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 262 إلى ص 264. (1) روح المعاني 29/166. (2) أنوار التنزيل 774. الوقفة كاملة
٤٣٢ {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27)} وقال: {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ} مع أن يوم القيامة أمامهم، قيل: لأنهم نبذوه وراء ظهورهم وتركوه خلفهم استخفافًا به، ولو أنهم أهمهم الأمر وعناهم شأنه لجعلوه نصب أعينهم لا يغفلون عنه. "فهم كمن ينبذ الشيء وراء ظهره تهاونُا به واستخفافًا بشأنه، وإن كانوا في الحقيقة مستقبلين له وهو أمامهم" (1). وجاء في (التفسير الكبير): "لم قال: (وراءهم) ولم يقل: (قُدَّامهم)؟ الجواب من وجوه: أحدها: لما لم يلتفتوا إليه وأعرضوا عنه فكأنهم جعلوه وراء ظهورهم. وثانيها: المراد: ويذرون وراءهم مصالح يوم ثقيل، فأسقط المضاف. وثالثهما: أن (وراء) يستعمل بمعنى (قُدَّام) كقوله: {مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ}، {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ}" (2). وجاء في (الكشاف): {وَرَاءَهُمْ} قدامهم، أو خلف ظهورهم لا يعبؤون به. {يَوْمًا ثَقِيلًا} استعير الثقل لشدته وهوله من الشيء الثقيل الباهظة لحامله. ونحوه {ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}" (3). وقد تقول: ولم قال في سورة القيامة: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ}، وقال ههنا: {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} فذكر أن اليوم ثقيل؟ فنقول: أما قوله في سورة الإنسان: {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} ولم يقل مثل ذلك في سورة القيامة، فالسبب أنه تكرر ذكر اليوم المشعر بالثقل في هذه السورة، فقد قال: {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا}، وقال: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} ولم يذكر مثل ذلك في سورة القيامة. وقد يقول قائل: ولم كان الكلام موجهًا بأسلوب الخطاب في سورة القيامة فقال: {وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ}، وبأسلوب الغيبة في سورة الإنسان فقال: {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا}؟ والجواب: أن المقام لا يناسب الخطاب في سورة الإنسان؛ لأنه ذكر أن قسمًا منهم لم يذر الآخرة، بل أخبر عنهم أنهم يخافون يومًا كان شره مستطيرًا. وقال على لسان بعضهم: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} وذكر أنه وقاهم شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورًا، فهم إذن لم يذروا الآخرة فلا يناسب الخطاب بذلك. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 264 إلى ص 265. (1) فتح القدير 5/343. (2) التفسير الكبير 30/260. (3) الكشاف 3/300. الوقفة كاملة
٤٣٣ {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28)} قال: {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ} بعد قوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا} ليعلمنا أن الذي خلقهم وشد أسرهم هو الذي أنزل القرآن، فينبغي لهم أن يسمعوا لكلام خالقهم ويطيعوا تنزيل ربهم، وليعلمهم أن خالقهم أعلم بمصالحهم وما هو خير لهم. وقدم (نحن) على الفعل ليُعلم أنه وحده الخالق لا خالق غيره، فالتقديم هنا يفيد الحصر، فينبغي أن يعبدوه وحده وألا يشركوا به غيره ولا يتخذوا معه إلهًا. ومعنى {وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} أحكمنا خلقهم ووصّلنا عظامهم بعضها ببعض ووثقنا مفاصلهم. جاء في (الكشاف): "الأسر: الربط والتوثيق ... والمعنى شددنا توصيل عظامهم بعضها ببعض وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب، ومثله قولهم: جارية معصوبة الخلق ومجدولته" (1). وأكد الضمير بان في أول السورة فقال: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} ولم يؤكد ههنا، وذلك أنه ذكر في أول السورة خلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا، وهذا أصعب من خلق الإنسان فيما بعد، فإن الإيجاد الأول أصعب من الخلق فيما بعد، فإنه ذكر في هذه الآية خلقهم هم، وذكر في أول السورة خلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن إخبارهم بأن الله خلقهم غير منازع فيه عندهم، فإنهم يعتقدون أن الله خلقهم، ولكنهم لا يعلمون أو ينازعون في أن الخلق لم يكن ثم كان، فإن قسمًا من الناس يرون أن سلسلة الوجود ليس لها بداية، بل هي متسلسلة منذ الأزل، فالمسألة هذه متنازع فيها. وهناك أمر آخر حسن التوكيد في أول السورة، وهو أنه ذكر أن الخلق إنما هو للابتلاء، إذ ليس كل أحد يعلم أن الإنسان خلق ليبتليه ربه ويختبره، بل هذا الأمر منازع فيه، وهو مجهول عند أكثر الناس. ولذا حسن التوكيد في أول السورة دون هذا الموطن. {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} جاء بـ (إذا) ولم يقل: (وإن شئنا)، ذلك أن (إذا) تستعمل للدلالة على المتيقن والمقطوع بحدوثه، أو الكثير الحدوث. وهذا إشعار بأن الله سيبدل أمثال هؤلاء الكفرة في الخلقة ويأتي بمؤمنين يؤمنون بما نزَّل خالقهم مطيعون له. فالمشيئة حاصلة بذاك وستتم وقد تمت. جاء في (التفسير الكبير): "لما كان الله تعالى عالمًا بأنه سيجيئ وقت يبدل الله فيه أولئك الكفرة بأمثالهم في الخلقة وأضدادهم في الطاعة لا جرم حسن استعمال حرف (إذا)" (2). والمجيء بـ (إذا) ههنا نظير قوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} [عبس: 21 – 22]، وقوله: {وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى: 29] فالمشيئة حاصلة ولابد، فإن الموتى سيبعثهم الله، فجاء بـ (إذا) للدلالة على تيقن الحصول. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 265 إلى ص 267. (1) الكشاف 3/300. (2) التفسير الكبير 30/261، وانظر أنوار التنزيل 776. الوقفة كاملة
٤٣٤ {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29)} هذه الآية نظير قوله تعالى في أول السورة: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} والتخيير ههنا كالتخيير ثم، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا فيكون شاكرًا وإلا فهو كفور. وقوله: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ} نظير قوله تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} فهذه التذكرة هي الهداية. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 267 إلى ص 267. الوقفة كاملة
٤٣٥ {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30)} والمعنى: - والله أعلم – أنكم لا تشاؤون إلا أن يشاء الله أنكم تشاؤون، أي أن مشيئتكم واختياركم كانا بمشيئة الله وإرادته، فإنه شاء لكم أن تختاروا ولو شاء لم يمنحكم هذه المشيئة، وذلك أن الله عليم بما يخلق وكيف يخلق، وكل ذلك لحكمة أرادها سبحانه. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 268 إلى ص 268. الوقفة كاملة
٤٣٦ {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)} قد تقول: كيف يدخل من يشاء في رحمته وربما كان فيهم من لا يستحق الرحمة؟ والجواب: أنه لما قال: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} علم أنه يفعل ذلك لعلم وحكمة، وأنه لا يدخل في رحمته إلا من علم الله أنه يستحق ذلك واقتضت ذلك حكمته. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه لما قال: {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} علم أن من يدخلهم في رحمته هم من غير الظالمين. وقد يقول قائل: ولم قال في أول السورة: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا} وقال هنا: {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} فإن العذاب الأول أشد؛ لأن العذاب الأليم قد لا يكون بالسعير والنار والسلاسل والأغلال؟ والجواب: أنه ذكر العذاب الأول للكافرين، وهذا العذاب للظالمين، والظالم قد لا يكون كافرًا، فإن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافرًا، قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] فاقتضى أن يكون العذاب الأول أشد؛ لأن صاحبه كافر ظالم والثاني ظالم. إن هذا الآية هي خاتمة السورة، وقد ارتبطت ببداية السورة ارتباطًا لطيفًا، فقد بدأت السورة بالإنسان وهو لم يكن شيئًا مذكورًا، وانتهت بخاتمة هذا الإنسان ومصيره، فبدأت ببدئه وختمت بخاتمته. وكما ذكر صنفين من الناس في أول السورة وهما الشاكر والكفور، ذكر صنفين في خاتمتها وهما المرحوم والمعذب. إن لهذه السورة خطوطًا تعبيرية ظاهرة فيها؛ فمن الخطوط التعبيرية فيها أنها بنيت على التثنية، فإنها ترد الأشياء فيها صنفين، ومن ذلك على سبيل المثال: 1- أنه ذكر صنفين من الناس: الشاكر والكفور {إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}. 2- ذكر صنفين من العذاب: القيود والسعير: والقيود نوعان: وهما السلاسل والأغلال. 3- ذكر صنفين من أصحاب الجنة: الأبرار وعباد الله وهم السابقون {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ}. 4- ذكر نوعين من الشراب الممزوج: شرابًا ممزوجًا بالكافور، وآخر ممزوجًا بالزنجبيل. 5- ذكر نوعين من العبادات الظاهرة: وهما الوفاء بالنذر والإطعام. 6- ذكر نوعين من العبادات القلبية: الخوف والإخلاص {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا} {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}. 7- نفى المطعمون عن أنفسهم إرادة شيئين: الجزاء والشكور، والجزاء: هو المكافأة بالفعل، والشكور: هو الثناء باللسان. 8- ذكر تعالى أنه لقاهم شيئين: النضرة والسرور، والنضرة تكون في الوجوه، والسرور في القلب. 9- ذكر أنه جزاهم بصبرهم شيئين: جنة وحريرًا، والجنة للأكل، والحرير للبس. 10- ونفى عنهم رؤية شيئين: الشمس والزمهرير. 11- وذكر دنو شيئين منهم: الظلال والقطوف {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا}. 12- وذكر الطواف بشيئين: الآنية والأكواب {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ}. 13- وذكر الشرب بصورتين: من الكأس ومن العين {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} 14- وذكر نوعين من الشرب من الكأس: الشرب دون ساق، والسقي { إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ} {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا}. 15- ذكر نوعين من الثياب: السندس والإستبرق. 16- وذكر نوعين من الزينة: اللباس والأساور. 17- ذكر أنه قال لهم شيئين: {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً}، {وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا}، وهذا بمقابل قولهم: {لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}. 18- نهى رسوله عن إطاعة صنفين من الناس: الآثم والكفور {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا} 19- طلب منه التسبيح والصلاة في النهار والليل، فالبكرة والأصيل في النهار، وقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} في الليل. 20- ذكر وقتين من أوقات النهار: وهما البكرة والأصيل {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}. 21- ذكر عبادتين في الليل: السجود والتسبيح. 22- ذكر الحياتين: الدنيا والآخرة {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا}. 23- ذكر الحب والترك: {يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ} 24- وذكر أمرين من أمر الإنسان: الخلق وشد الأسر {نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} 25- ذكر مشيئتين: مشيئة الله ومشيئة الإنسان {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 26- ختم السورة بذكر صنفين من الناس: المرحوم والمعذب {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} وهناك خط آخر في ذكر الأحداث، وهو ذكر الأحداث المستقبلة بالفعل الماضي، ومن ذلك قوله تعالى: 1- {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ} 2- {يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} 3- {وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} 4- {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ} 5- {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا} 6- {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا} 7- {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا} 8- {وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ} 9- {قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} 10- {كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا} 11- {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} 12- {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} 13- {إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} 14- {وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} 15- {وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} إلى غير ذلك من الخطوط والله أعلم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 268 إلى ص 272. الوقفة كاملة
٤٣٧ {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)} التسبيح: هو التنزيه، فمعنى {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} أن هؤلاء نزهوه عما لا يليق من الصفات، وأنهم ذكروا ذلك بما يليق من حالهم مما نفقه من التسبيح ومما لا نفقه. لقد ورد فعل التسبيح في القرآن الكريم معدّى بنفسه ومعدّى باللام، فمما ورد معدى بنفسه قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 – 42]، وقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49]. ومما ورد معدّى باللام هذه الآية التي افتتح بها السورة. ونظيرها في مفتتح سورة الحديد وسورة الحشر، وقوله: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [الإسراء: 44] وغيرها. إن معنى (سبّحه): نزّهه – كما ذكرنا – ومعنى (سبّح له): أي فعل ذلك لأجله، فاللام تفيد التعليل، فالتسبيح هو الفعل، والتسبيح له هو الفعل لأجله، كما تقول: صلّى وصلّى له، ونسك له. ولا ينفع الفعل حتى يكون له سبحانه، فكل فعل أو عبادة لا تنفع حتى تكون له وحده وإلا كان ذلك ضلالاً. فكل فعل لا يكون له باطل، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]. فمن سبّح رياء فليس بمسبّح لله، ومن صلى رياء فليس بمصل له، فالتسبيح ينبغي أن يكون له تعالى خالصًا كسائر العبادات. فالتسبيح هو الفعل، والتسبيح له هو إخلاص النية والعمل لله. جاء في (البحر المحيط): "واللام في (لله) إما أن تكون بمنزلة اللام في (نصحت لزيد) يقال: (سبح الله) كما يقال: (نصحت زيدًا) فجئ باللام لتقوية وصول الفعل إلى المفعول، وإما أن تكون لام التعليل، أي أحدث التسبيح لأجل الله، أي لوجهه خالصًا" (1). ومن الملاحظ في هذين الاستعمالين في القرآن الكريم، أي في نحو (سبح لله) و(سبحه) أنه يستعمل اللام مع العاقل وغير العاقل، وأما المتعدي بنفسه فلا يستعمله إلا للعقلاء. قال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [الحديد: 1]، وقال: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [الإسراء: 44] فهذا لغير العاقل والعاقل. وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ } [النور: 41] فهنا اختلط العقلاء بغيرهم. وقال: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ} [النور: 36 – 37]، وقال: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] وهذا خاص بالعقلاء. أما المتعدي بنفسه فلم يرد إلا للعاقل، قال تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 – 42]: فتسبيح غير العقلاء لم يرد إلا باللام، أما تسبيح العقلاء فقد ورد باللام وبدونها. وثمة ملاحظة أخرى في استعمال هذين التعبيرين، وهي أنه يستعمل اللام مع ما هو أعم وأشمل، سواء كان ذلك من حيث المسبحون أم من حيث أوقات التسبيح، فقد قال الله: إنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض، وإنه تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وهذا أعم تسبيح وأشمله. في حين أنه قد يستعمل المتعدي بنفسه للواحد أو للجماعة التي لا تبلغ ذلك المبلغ في الشمول والسعة، قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40]، وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 – 42]. ولم يرد في المتعدي بنفسه نحو ذلك الشمول في المسبحين. ويكفي ذلك بيانًا أن الفعل مع اللام يستعمل للعقلاء وغيرهم، أما المتعدي بنفسه فلم يستعمله إلا للعقلاء. ومثل ذلك الاتساع في الأوقات، فما ورد من الأوقات مع اللام أكثر اتساعًا وأعم وأشمل. قال تعالى مع المتعدي بنفسه: {وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9]، وقال: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42]. في حين قال مع اللام: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36) رِجَالٌ} [النور: 36] فذكر ذلك بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد، فالغدو جمع غدوة، والآصال جمع أصيل. وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40]، وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49]، وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26] ففي كل ذلك قال: (من الليل) بـ (من) التبعيضية، ثم ذكر وقتًا آخر ليس طويلًا وهو (أدبار السجود) أو (إدبار النجوم) حتى أنه في آية الإنسان لم يذكر غير الليل. في جين قال: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] فقال: {بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} بإطلاق الليل والنهار من دون تقييد، ولم يذكر (من) الدالة على البعضية، بل ذكر الباء التي تفيد الظرفية. ثم قال: {وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} للدلالة على مداومة التسبيح وطوله. لقد ورد التسبيح في القرآن الكريم بصور شتى، فقد ورد بالفعل الماضي نحو {سَبَّحَ لِلَّهِ}، وورد بالمضارع نحو {يُسَبِّحُ لِلَّهِ} وورد بالأمر نحو {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] وقوله: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}. كما ورد باسم المصدر وهو (سبحان) وذلك ليشمل الأزمنة كلها ويستغرقها. فالفعل الماضي يستغرق الزمن الماضي، والمضارع يستغرق الحال والاستقبال، والأمر يفيد طلب التسبيح في المستقبل، والمصدر على حدوث التسبيح سواء كان هناك من يسبحه أم لا، فاستغرق ذلك الأوقات كلها، وأفاد أنه مستحق التسبيح على الدوام سواء كان هناك من يسبح أم لم يكن. جاء في (التفسير الكبير): "ثم إنه تعالى قال في البعض في السور: {سَبَّحَ لِلَّهِ}: وفي البعض (يسبّح)، بصيغة الأمر، ليعلم أن تسبيح الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان، والأمر يدل عليه في الحال" (2). لقد افتتحت السورة بالتسبيح بالفعل الماضي {سَبَّحَ لِلَّهِ} شأن سور أخرى، وقد افتتح قسم آخر من السور بالفعل المضارع، أي {يُسَبِّحُ لِلَّهِ}. ومن الملاحظ أن كل سورة تبدأ بالفعل الماضي، أي {سَبَّحَ لِلَّهِ} يجري فيها ذكر للقتال، بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع، أي {يُسَبِّحُ لِلَّهِ}، فقد قال في سورة الحديد: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ} [الحديد: 10]. وذكر في سورة الحشر إخراج الكافرين من حصونهم وتكرر في السورة ذكر القتال (انظر على سبيل المثال الآيات 10، 11، 13). وقال في سورة الصف: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}، وذكر الجهاد بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ}، وكل تلك السور تبدأ بالفعل الماضي (سبّح)، ولم يرد مثل ذلك فيما بدأ بالفعل المضارع. ومن الملاحظ أيضًا أنه في قسم من الآيات يكرر (ما) فيقول: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ولا يكرر في قسم آخر فيقول: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، وقد كرر (ما) في هذه الآية فقال: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} فكرر (ما) فقال: {وَمَا فِي الْأَرْضِ}. وحيث كرر (ما) في آيات التسبيح أعقب ذلك بالكلام على أهل الأرض، وإذا لم يكرر (ما) فإنه لا يذكر شيئًا يتعلق بأهل الأرض بعدها. وقد ذكر بعد هذه الآية أمرًا يتعلق بأهل الأرض فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ} فكان تكرار (ما) هو المناسب (3). وقد قدم الجار والمجرور (لله) على الفاعل وهو {مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} وذلك لأن المجرور أهم، فإن السياق ليس على الفاعل، وإنما هو على مستحق التسبيح وهو الله، ولذا ذكر بعد ذلك قسمًا من صفاته فقال: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، ثم قال بعدها: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} فذكر ما يحبه الله وما لا يحبه، فقدم ما هو أهم وأولى. وقدم {مَا فِي السَّمَاوَاتِ} على {وَمَا فِي الْأَرْضِ}؛ وذلك لأن أهل السماوات أسبق في التسبيح من أهل الأرض، فإنه لما أراد خلق آدم قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] فقدم ما هو أسبق. وهناك أمر آخر، وهو أنه قدم ما هو أدوم تسبيحًا، فما في السماوات أدوم تسبيحًا، قال تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 20]. ولا تقل: إن (ما) لغير العاقل فلا تشمل الملائكة، فإن (ما) – كما هو معلوم – تكون لذوات غير العقلاء ولصفات العقلاء، كقوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 – 8] فاتضح ما قلناه. {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} العزيز: هو الغالب الممتنع من أن يغلبه أحد، والحكيم قد يكون فعيلاً من الحكم، وقد يكون من الحكمة. والعزيز إذا حكم كان ذلك منتهى العزة، فقد يكون العزيز حاكمًا وقد يكون غير حاكم، وقد ذكر هنا أنه جمع العزة والحكم فكان ذلك غاية الكمال فيهما. وإذا كان (الحكيم) من الحكمة فذلك منتهى الكمال أيضًا، ذلك أنه يكمل عزته بالحكمة، فقد يكون العزيز متهورًا فيكون ذلك نقصًا فيه. والراجح أن كلا المعنيين مراد، فهو حكيم من الحكم، وحكيم من الحكمة، فهو العزيز الحاكم ذو الحكمة. وقال: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} بتعريف الوصفين ليدل على أنه لا عزيز في الحقيقة سواه، ولا حاكم ولا حكيم في الحقيقة سواه، فإن كل عز يناله غيره فمن عزته سبحانه، وكل حكم أو حكمة لغيره فذلك منه سبحانه، كما قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]، وقال: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 269]. إن قوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ} يعني أن ما في السماوات وما في الأرض نزهوه عن صفات النقص وأثبتوا له صفات الكمال. وقوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} يدل على الوحدانية وإبطال الشرك، إذ لا عزيز سواه ولا حاكم غيره، فهذه الآية تدل على توحيد الله سبحانه واتصافه بصفات الكمال وتنزيهه عن النقص، وتفيد إقرار ما في السماوات وما في الأرض له بذلك وخضوعهم له دون غيره خضوع قهر وعبادة. فإن الخضوع قد يكون خضوع قهر وغلبة لا خضوع عبادة وتقديس، أما خضوع ما في السماوات وما في الأرض فهو خضوع قهر وعبادة، فخضوع القهر يدل عليه قوله: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ويدل عليه وصفه نفسه بـ (القهار)، وخضوع العبادة والاستحقاق يدل عليه قوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ} فدل ذلك على الكمال المطلق له سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): "{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض، و(العزيز) من عز إذا غلب، وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ذلك الغير ولا يمكن أن يغلب عليه غيره. و(الحكيم) من حكم على الشيء إذا قضى عليه، وهو الذي يحكم على غيره أي شيء كان ذلك الغير ولا يمكن أن يحكم عليه غيره، فقوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} يدل على الربوبية والوحدانية إذن" (4). لقد ارتبط هذان الاسمان الكريمان بما ورد في السورة على العموم، فقد شاع فيها جو العزة والحكم والحكمة. فقد ارتبط باسمه العزيز واسمه الحكيم من معنى الحكم قوله تعالى: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} ولا يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط بهما أيضًا قوله: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} وقوله: {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ}، وقوله: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط باسمه (الحكيم) من الحكمة قوله تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} فإن نور الله إنما هو للهداية، والهداية من الحكمة، والذي يهدي إنما هو الحكيم. وارتبط به أيضًا قوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} والهدى من الحكمة، والحق إنما يدل عليه الحكيم. وارتبط به أيضًا قوله تعالى: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} والذي يدل على ذلك حكيم، وقوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} والذي يعلم إنما هو حكيم لأن من مقتضيات الحكمة العلم، والذي لا يعلم لا يكون حكيمًا، وذلك من لطيف الارتباط. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 274 إلى ص 281. (1) البحر المحيط 10/100. (2) التفسير الكبير 29/311. (3) انظر معاني النحو 1/79! وما بعدها. (4) التفسير الكبير 29/311. الوقفة كاملة
٤٣٨ {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} أي ونعمة أخرى محبوبة عندكم وهي النصر من الله والفتح القريب، ومعنى ذلك أن النصر لا يأتي من دون جهاد. وقوله: (تحبونها) له دلالته الخاصة في السورة، ذلك أنه قول في أول السورة: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ} فكأنه: افعلوا ما يحبه الله يعطكم ما تحبون، هو النصر والفتح القريب. وقوله: (تحبونها) دلالة أخرى، ذلك أنه لم يقل: (هل أدلكم على تجارة تحبونها) فإن في بعض تلك التجارة كرهًا وهو القتال، فكأنه قال: أطيعوا الله بما يحب وتكرهون يعطكم ما تحبون. ثم إنه قال: {نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ} ليدل على أن النصر إنما هو من الله وليس بجهادكم وعدتكم، كما قال تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126] ووعدهم إن فعلوا ذلك بأمرين محبوبين: النصر والفتح القريب، ثم قال: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} للدلالة على أن ذلك كائن وحاصل. لقد أمر الله رسوله أن يبشر المؤمنين بالنصر والفتح القريب. ولم يجعل البشارة داخلة في جواب الشرط أو الطلب، وإنما هي أمر بالتبليغ لما هو حاصل قطعًا، ومعلوم أن البشارة لا تكون إلا لما هو حاصل قطعًا، وقد حصل ما بشر به، فدل على صدقه  . ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 319 إلى ص 319. الوقفة كاملة
٤٣٩ {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)} {هُوَ الْأَوَّلُ} أي ليس لوجوده بداية وهو قبل كل شيء. (والآخر) أي ليس لوجوده نهاية وليس بعده شيء، وهذا مقتضي قوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]. (والظاهر) أي الذي تجلى للعقول ونصب الدلائل الظاهرة على وجوده، وهو الغائب العالي على كل شيء وفوق كل شيء، فليس معه شيء وليس فوقه شيء، من الظهور وهو الغلبة، كما قال تعالى: {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14]، فالظاهر معنيان كلاهما مراد: الظاهر بدلائله، الغالب على كل شيء. (والباطن) أي غير المدرك بالحواس المحتجب عن الأبصار، كما قال تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، وهو الذي يعلم بواطن كل شيء وخفاياه. فللباطن معنيان: المحتجب عن الأبصار، والذي يعلم باطن كل شيء، وكلاهما حق، وإن كان أحد المعنيين أظهر من الآخر. وتعريف الصفات بـ (أل) يفيد القصر، فلا يشاركه شيء في هذه الصفات، فليس معه أول ولا آخر، وليس معه ظاهر ولا باطن، فهو أول كل شيء وآخر كل شيء، يزول كل شيء ولا يزول وليس معه أحد في كونه ظاهرًا أو باطنًا. ولم يفيد هذه الصفات بشيء، ولا بإضافة ولا بوصف أو أي تقييد آخر، وذلك للدلالة على أنه الأول المطلق والآخر المطلق، والظاهر المطلق والباطن المطلق، لا بحسب شيء من الأشياء. لقد دلت هذه الآيات على إبطال الشرك، فليس معه شريك، كما دلت على أنه الغني المطلق فلا يحتاج إلى شيء لأنه كان قبل كل شيء، وأنه الخالق وأنه القادر، ودل قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} على علمه المطلق فهو الإله الحق.جاء في (التفسير الكبير): "أنه الأول ليس قبله شيء، والآخر ليس بعده شيء ... وأنه ظاهر بحسب الدلائل، وأنه باطن الحواس محتجب عن الأبصار ... وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر: هو الغالب العالي على كل شيء، ومنه قوله تعالى: {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} اي غالبين عالين ... وهذا معنى ما روي في الحديث( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء). وأما الباطن فقال الزجاج: إنه العالم بما بطن، كما يقول القائل: فلان يبطن أمر فلان، أي يعلم أحواله الباطنة" (1).وجاء في (الكشاف): "{وَالظَّاهِرُ } بالأدلة الدالة عليه {وَالْبَاطِنُ} لكونه غير مدرك بالحواس ... وقيل (الظاهر) العالي على كل شيء الغالب له، من: ظهر عليه إذا علاه وغلبه، والباطن الذي بطن كل شيء أي علم باطنه، وليس بذاك" (2). وجاء في (البحر المحيط): "{هُوَ الْأَوَّلُ} الذي ليس لوجوده بداية مفتتحة ... وقيل: الأول الذي كان قبل كل شيء ... (الظاهر) العالي على كل شيء الغالب له، من: ظهر عليه، إذا علاه وغلبه، و(الباطن) الذي بطن كل شيء، أي علم باطنه" (3). وجاء في (التحرير والتنوير): في قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ} أنه "لم يذكر لهذا الوصف هنا متعلق (بكسر اللام) ولا ما يدل على متعلق لأن المقصود أنه الأول بدون تقييد. ويرادف هذا الوصف في اصطلاح المتكلمين صفة (القدم). واعلم أن هذا الوصف يستلزم صفة الغنى المطلق، وهي عدم الاحتياج إلى المخصص، أي مخصص يخصه بالوجود بدلًا من العدم، لأن (الأول) هنا معناه: الموجود لذاته دون سبق عدم، وعدم الاحتياج إلى محل يقوم به قيام العرض بالجوهر، ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود؛ لأنه لو كان غير الله واجبًا وجوده لما كان الله موصوفًا بالأولية ... فلذلك تثبت له الوحدانية ... فلما تقرر أن كونه (الأول) متعلق بوجود الموجودات اقتضى أن يكون وصفه بـ (الآخر) متعلقًا بانتقاض ذلك الوجود، أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض" (4). {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي المحيط علمه بكل شيء وأنه وسع كل شيء علمًا. وقال: (عليم) ولم يقل: (عالم) للدلالة على بالغ علمه وسعته. ومن دقيق الاستعمال القرآني وطريفة أنه خصص اسم الفاعل (عالم) بعلم الغيب مفردًا والشهادة مفردة فيقول: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أو {عَالِمُ الْغَيْبِ} ولم يذكر مرة لفظ (عالم) مع الجمع، فإذا جمع الغيب أتى بـ (علام) الدال على المبالغة والكثرة فيقول: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ}، فخصص اسم الفاعل (عالم) بالمفرد، وقرن صيغة المبالغة (علام) بالجمع، فهو يقول: {عَالِمُ الْغَيْبِ} وذلك في ثلاثة عشر موضعًا (5)، وقال: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} في أربعة مواضع من القرآن الكريم (6). فناسب بين الصيغة ومتعلقها. بل إنه خصص لفظ (عالم) بعلم الغيب أو علم الغيب والشهادة، وخصص (علام) بجمع الغيب فلم يستعمله مع غيره. أما (عليم) فقد أطلق استعماله فلم يقيده بمعلوم معين، بل يذكره مع جميع المعلومات، فهو يقول مثلًا: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29، 231]، {وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 79]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95، 246]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154]، أو يطلق الاسم الكريم فلا يخصصه بشيء وذلك نحو {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 127]، {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 247، 268، آل عمران: 73]. ومن الملاحظ أيضًا أنه حيث ذكر اسمه (العليم) فإما أن يطلقه كما ذكرنا فلم يقيده بشيء نحو {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أو {السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، أو أن يجعله محيطًا بكل شيء نحو {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أو {بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} . أو أن يستعمله مع الجمع أو فعل الجمع وذلك نحو قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة: 95، 246]، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115]، {فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63] فاستعمله مع الجمع. ونحو {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] فقد جمع الصدر. وقوله: {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50] فأضاف الكيد إلى ضمير الجمع. أو أن يقول: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215]، ونحو {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 273]، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة: 283]. فقد جمع الفاعل فقال (تفعلوا) ولم يقل: (تفعل). ونحوه (تنفقوا) و(تعلمون). ولم يرد استعمال اسم الله (العليم) مع متعلق مفرد أو فعل فاعل مفرد، وهو تناسب لطيف بين المبالغة في الاسم الكريم وكثرة متعلقات الفاعلين. وبهذا يتبين أنه خصص اسمه: (العالم): بعلم الغيب المفرد، أو الغيب والشهادة المفردين. واسمه (العلام): بعلم الغيب مجموعًا فيقول: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ}.أما اسمه (العليم): فإنه أطلق فيه العلم بالمعلومات عمومًا ولم يخصصه بنوع من المعلومات ميعن. أو أن يطلق الاسم فلا يفيده بشيء، أو يستعمله مع الجمع أو فعل الجماعة. وأما إذا ذكر اسمه بصيغة الجمع (عالمين) فإنه للتعظيم كما هو معلوم، وهذا من دقيق الاستعمال القرآني وخواصه، وهو من أوضح الأمور على القصد في التعبير القرآني. إن هذه الآية – أعني قوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} - مرتبطة بما بعدها ارتباطًا وثيقًا. فقوله: {هُوَ الْأَوَّلُ} مرتبط بقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} فالذي خلق السماوات والأرض هو الأول. وقوله: (الآخر) مرتبط بقوله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} وقوله: (الظاهر) مرتبط بقوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} فالذي له الملك هو الظاهر الغالب في أحد معنييه، وفي المعنى الآخر مرتبط بقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} فهي آيات دالة على وجوده سبحانه. وقوله: (الباطن) بمعنى المحتجب الذي لا يدرك، مرتبط بقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، وبمعنى الذي بطن كل شيء، أي علمه مرتبط بقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وقوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 331 إلى ص 336. (1) التفسير الكبير 29/210 – 215. (2) الكشاف 4/61 (دار الفكر). (3) البحر المحيط 10/100، (دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع). (4) التحرير والتنوير 27/360 – 361 (دار سحنون) (5) انظر على سبيل المثال: الأنعام 73، التوبة 94، 105، سبأ 3، الجن 26. (6) انظر المائدة 109، 116، التوبة 78، سبأ 48. الوقفة كاملة
٤٤٠ {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)} لقد دل قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} على أنه هو المالك لهما، إضافة إلى دلالته على أنه الأول. ودل قوله: {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أنه الملك الحاكم المسيطر، فهو مالك الملك، أي أن الملك هو ملك له، فهو المالك والملك. جاء في (المصباح المنير): "(ملكته) ملكًا من باب ضرب، والملك بكسر الميم: اسم منه، والفاعل: مالك، والجمع: ملاك، مثل كافر وكفار ... وملك على الناس أمرهم: إذا تولى السلطنة، فهو ملك بكسر اللام، وتخفف بالسكون، والجمع ملوك، مثل: فلس وفلوس، والاسم: الملك، بضم الميم" (1). ولما كان كل من الملك والمالك ينبغي أن لا يند عنه شيء في ملكه ذكر أنه {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فكان ذلك الكمال الأعلى في الملك والتملك، فهو لا يند عنه شيء في ملكوته، وإنما يعلم كل شيء عن المسكن والساكن في السماء والأرض. وليس ذلك فقط، وإنما هو يبصر أيضًا ما فيهما، وهذه مرتبة فوق العلم، فإن الفرد قد يعلم عن طريق الإخبار، أما الله سبحانه فهو يعلمه ويشاهده، بل له مرتبة فوق ذلك وهي المعية والمصاحبة، فهو مع عباده أينما كانوا، وهذه مرتبة فوق المشاهدة، وهي مرتبة القرب. بل له مرتبة فوق ذلك أيضًا، وهي أنه بصير بما نعمل ظاهرًا وباطنًا، فهو يعلم عمل كل عامل، ويعلم لم عمله؟ وهذه مرتبة فوق المعية؛ لأنك قد تصاحب إنسانًا وتراه يعمل عملًا ما ولكنك لا تعلم لم فعل ذلك، فذكر أنه تعالى بصير بما يعمل العاملون، وأنه عليم بذات الصدور. فذكر كل مراتب العلم وهي: 1- أنه يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، فهو يعلم الداخل والخارج، والنازل والصاعد. 2- وأنه مصاحب لنا أينما كنا. 3- وأنه مبصر لأعمالنا. 4- وأنه يعلم لم فعلنا ذلك. فاستوفى كل مراتب العلم، فناسب ذلك ختام الآية السابقة وهو قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 337 إلى ص 338. (1) المصباح المنير (ملك) 221. {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} قال: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ} ولم يقل: (ما يولج)، وقال: {وَمَا يَخْرُجُ} ولم يقل: (ما يخرج)، وقال: {وَمَا يَنْزِلُ} ولم يقل: (ما ينزل)، وقال: {وَمَا يَعْرُجُ} ولم يقل: (ما يعرج)، وهذا أدل على العلم؛ لأن الفرد في العادة يعلم ما يفعله هو ولكنه يجهل ما لم يفعله هو، أما ربنا فقد أخبر عن نفسه أنه يعلم ما يلج وما يخرج وما ينزل وما يعرج، وهذا أدل على العلم. وقد ما يلج في الأرض على ما يخرج منها، وقدم ما ينزل من السماء على ما يعرج فيها، فقد ما ينزل وما يلج وأخر ما يخرج وما يعرج، ذلك أن كثيرًا مما ينزل من السماء قد يلج في الأرض ثم يخرج بعد ذلك من الأرض ما يخرج بسببه أو بغيره من الأسباب كالنباتات والينابيع وغيرها، فالو لوج قد يكون سببًا للخروج. والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء، فالذي ينزل من السماء قد يلج ف الأرض، والذي يخرج من الأرض ومحيطها قد يعرج إلى السماء، وذلك أن قوله: {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} يحتمل معنيين: الأول: أنه يخرج من داخلها كالنباتات والحشرات وغير ذلك، والآخر: أنه يخرج من دائرتها ومحيطها. وبدأ بالأرض وأخر السماء؛ لأن السياق في الكلام على أهل الأرض وهو قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وهي مسكنهم. وقد تقول: لقد قال في سبأ نحو هذا، غير أنه لم يذكر {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ}، كما أن خاتمة كل من الآيتين اختلفت عن الأخرى، فقد قال في سبأ: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ: 2] فما السبب؟ والجواب: أن سياق كل من الآيتين يوضح ذلك. 1- فقد قال في سورة الحديد قبل هذه الآية: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3] فجاء في الآية التي قبلها بما يدل على علمه تعالى وإحاطته بكل شيء فقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وجاء بعد ذلك قوله: {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} مما يؤكد هذا المعنى. ولم يرد في سياق آية سبأ نحو ذلك، فناسب المجيء بذكر العلم في آية الحديد دون آية سبأ. 2- قال في آية الحديد: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} وهذا مما يدل على المراقبة، ولذا جاء بعدها بما يدل على معرفته بعملنا فقال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} . وقال في خاتمة الآية في سورة سبأ: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} فختمها بالرحمة والمغفرة، فكأنه أراد أن يرحمهم ويغفر لهم فرفع ذكر المراقبة، ولا شك أن عدم ذكر المراقبة أنسب مع ذكر الرحمة والمغفرة، وأن ذكره أنه بصير بعملنا أنسب مع ذكر المراقبة. 3- أنه ذكر الآخرة قبل الآية فقال: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ} وليست الآخرة وقت عمل أو مراقبة. كما أن الآية بعدها إنما هي في الساعة وهي قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} فلم يذكر المراقبة ولا أنه بصير بما نعمل في هذا السياق. وأما آية الحديد فهي في سياق بداية الخلق، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} وهو زمان بداية الأعمال واستمرارها ومراقبتها، بخلاف سياق آية سبأ فإنه في طي صفحة الأعمال والمراقبة، فناسب كل تعبير موطنه. 4- إن جو سورة الحديد تردد فيه ذكر العلم والمراقبة بصور شتى، فقد قال: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الآية: 3]، وقال: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الآية: 4]، وقال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الآية: 4]، {وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الآية: 6]، {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الآية: 10] {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الآية: 22]، {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} [الآية: 25]. وشاع في سورة سبأ ذكر الآخرة من مثل قوله: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ} [الآية: 1]، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} [الآية: 3]، {أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الآية: 4] {أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} [الآية: 5]، {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [الآية: 7]، {بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} [الآية: 8] {إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} [الآية: 21]، {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [الآية: 23]، {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} [الآية: 26]، {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الآية: 29] {قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ} [الآية: 30]، {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ ....} [الآيات: 31 - 33]، {فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الآيتان: 37 - 38]، {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ....} [الآيات: 40 - 42]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ} [الآيات: 51 - 54]؛ فناسب كل تعبير موطنه. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قدم {بِمَا تَعْمَلُونَ} على (بصير)؛ ذلك لأنه وردت بعد قوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} فقدم ما يتعلق بهم وهو عملهم. ** من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 338 إلى ص 341. الوقفة كاملة


إظهار النتائج من 431 إلى 440 من إجمالي 1052 نتيجة.