وَرَفَعْنا (لَكَ) ذِكْرَكَ" إن قيل: لِم قال: "لك ذكرك" و"لك صدرك" مع أن المعنى مستقل دون ذلك؟ فالجواب: أن قوله: "لك" يدل على الاعتناء به والاهتمام بأمره.
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" الضمير في أنزلناه للقرآن، وفي ذلك تعظيم للقرآن من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ذكر ضميره دون اسمه الظاهر؛ دلالة على شهرته والاستغناء عن تسميته، الثاني: أنه اختار لإنزاله أفضل الأوقات، والثالث: أن الله أسند إنزاله إلى نفسه.
وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ" هذا تعظيم لها، قال بعضهم: كل ما قال فيه "ما أدراك" فقد علمه النبي صلى الله عليه وسلم، وما قال فيه "ما يدريك" فإنه لا يعلمه.
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ" إن قيل: لِم ذكره الله بكنيته دون اسمه؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أن كنيته كانت أغلب عليه من اسمه..، الثاني: أنه لما كان اسمه عبد العزى؛ عدل عنه إلى الكنية، الثالث: أنه لما كان من أهل النار واللهب، كنّاه أبا لهب، وليناسب ذلك قوله: "سيصلى ناراً ذات لهب".
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ" إن قيل: لِم قدّم وصفه تعالى: "برب" ثم بـ"ملك" ثم بـ"إله"؟ فالجواب: أن هذا على الترتيب في الارتقاء إلى الأعلى؛ وذلك أن (الرب) قد يطلق على كثير من الناس، فيقال: فلان رب الدار، وشبه ذلك، فبدأ به لاشتراك معناه، وأما (الملك) فلا يوصف به إلا أحد من الناس، وهم الملوك، ولا شك أنهم أعلى من سائر الناس؛ فلذلك جاء به بعد الرب، وأما (الإله) فهو أعلى من الملك، ولذلك لا يدعي الملوك أنهم آلهة، فإنما الإله واحد لا شريك له ولا نظير؛ فلذلك ختم به.
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ" إن قيل: لِم قال: "في صدور الناس" ولم يقل: في قلوب الناس؟ فالجواب: أن ذلك إشارة إلى عدم تمكن الوسوسة، وأنها غير حالّة في القلب بل هي محوّمة في صدور حول القلب.
"الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ" أربع جمل متناسقة تقرر اللاحقة منها السابقة، ولذلك لم يدخل العاطف بينها. فـ (الم): جملة دلت على أن المتحدى به هو المؤلف من جنس ما يركبون منه كلامهم، و(ذلِكَ الْكِتابُ): جملة ثانية مقررة لجهة التحدي، و(لا رَيْبَ فِيهِ): جملة ثالثة تشهد على كماله بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال؛ إذ لا كمال أعلى مما للحق واليقين، و(هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) بما يقدر له مبتدأ جملة رابعة تؤكد كونه حقاً لا يحوم الشك حوله بأنه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، أو تستتبع السابقة منها اللاحقة استتباع الدليل للمدلول، وبيانه أنه لما نبه أولاً على إعجاز المتحدى به من حيث أنه من جنس كلامهم وقد عجزوا عن معارضته، استنتج منه أنه الكتاب البالغ حد الكمال واستلزم ذلك أن لا يتشبث الريب بأطرافه؛ إذ لا أنقص مما يعتريه الشك والشبهة، وما كان كذلك كان لا محالة هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، وفي كل واحدة منها نكتة ذات جزالة؛ ففي الأولى: الحذف والرمز إلى المقصود مع التعليل، وفي الثانية: فخامة التعريف، وفي الثالثة: تأخير الظرف حذرا عن إبهام الباطل، وفي الرابعة: الحذف والتوصيف بالمصدر للمبالغة، وإيراده منكراً للتعظيم، وتخصيص الهُدى بالمتقين باعتبار الغاية، تسمية المشارف للتقوى متقياً، إيجازاً وتفخيما لشأنه.