"ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم" وقال في سورة الإسراء: "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق"، أي: لا تقتلوهم خوفا من الفقر في الآجل؛ ولهذا قال هناك: "نحن نرزقهم وإياكم" فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي: لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم، فهو على الله، وأما في هذه الآية فلما كان الفقر حاصلا قال: "نحن نرزقكم وإياهم"؛ لأنه الأهم ههنا.
"وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون" فيه الدعوة إلى اتباع القرآن، يرغب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره والعمل به والدعوة إليه، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة؛ لأنه حبل الله المتين.
"ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا" ليس يلزم من كونه أمر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها؛ لأنه عليه السلام قام بها قياما عظيما، وأكملت له إكمالا تاما لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال.
"والوزن يومئذ الحق.." الذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال.. وقيل: يوزن كتاب الأعمال، كما جاء في حديث البطاقة..وقيل: يوزن صاحب العمل.. وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها.
"فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين" أخبر تعالى هاهنا أنهم أخذتهم الرجفة؛ كما أرجفوا شعيبا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة "هود" فقال: "ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة.." والمناسبة في ذلك -والله أعلم -أنهم لما تهكموا بنبي الله شعيب في قولهم: "أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد" فجاءت الصيحة فأسكتتهم. وقال تعالى إخبارا عنهم في سورة الشعراء: "فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة.." وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: "فأسقط علينا كسفا من السماء"..وقد اجتمع عليهم ذلك كله: أصابهم عذاب يوم الظلة.. ثم جاءتهم صيحة من السماء ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس وخمدت الأجساد، "فأصبحوا في دارهم جاثمين".