{ قال فمن ربكما يا موسى }
أعرض عن أن يقول: فمن ربي؟ إلى قوله (فَمَن رَّبُّكُمَا) إعراضاً عن الاعتراف بالمربوبية ولو بحكاية قولهما؛ لئلا يقع ذلك في سمع أتباعه وقومه، فيحسبوا أنه متردد في معرفة ربّه، أو أنه اعترف بأنّ له ربّاً.
{ واصطنعتك لنفسي }
إذا كان الحبيب إذا أراد اصطناع حبيبه من المخلوقين، وأراد أن يبلغ من الكمال المطلوب له ما يبلغ، يبذل غاية جهده، ويسعى نهاية ما يمكنه في إيصاله لذلك، فما ظنك بصنائع الرب، القادر، الكريم، وما تحسبه يفعل بمن أراده لنفسه، واصطفاه من خلقه؟!!
[وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى]
خواطر نفسك بكل تفاصيلها = يعلمها الله علما دقيقا محيطا، ومن رحمة الله بنا أنه عفا عن خواطر السوء مالم يتكّلم بها المرء، أو يعمل بموجبها.
{ الذي جعل لكم الأرض مهدا }
أي: فراشاً، وانظر كيف وصف موسى ربه- تعالى- بأوصاف لا يمكن فرعون أن يتصف بها، لا على وجه الحقيقة، ولا على وجه المجاز، ولو قال له: هو القادر، أو الرازق، وشبه ذلك؛ لأمكن فرعون أن يغالطه، ويدعي ذلك لنفسه.
"التسهيل لعلوم التنزيل"
{ فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى } ومعنى جمع الكيد: تدبير أسلوب مناظرة موسى، وإعداد الحيل؛ لإظهار غلبة السحرة عليه، وإقناع الحاضرين بأنّ موسى ليس على شيء . وهذا أسلوب قديم في المناظرات؛ أن يسعى المناظر- جهده- للتشهير ببطلان حجّة خصمه بكلّ وسائل التلبيس والتشنيع والتشهير، ومبادأته بما يفتّ في عضده، ويشوش رأيه؛ حتّى يذهب منه تدبيره.
التحرير والتنوير