ذكر ابن كثير أن بعض الشيوخ قال لصاحبه: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يجب! فتلا الشيخ: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم)، علق ابن كثير قائلًا: «وهذا الذي قاله حسن».
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ) الغاية، و (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) الوسيلة، فلن تستطيع أن تعبد الله إلا بالله، فالبداية من الله والنهاية إلى الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
إذا تخاذل الناس فليكن لك موقفُ صدقٍ، تأمَّل في قصة فتح بيت المقدس وكيف قال بنو إسرائيل لموسى: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ)، فحفظ القرآن موقف رجال الصدق في هذا المشهد المليء بالتخذيل: (قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ).
تأمل هاتين الآيتين: (فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً) و (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) تدرك أن (الأربعين) قد انقرض فيها جيل الهزيمة (إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ونشأ جيل بلغ الأشد والاستواء؛ فكان على أيديهم فتح بيت المقدس، بقيادة يوشع بن نون، أحد الرجلين المتفائلين الواثقين بنصر الله، فلا يأس من روح الله.
(وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) إذا كان هذا جزاء من أحيا إنسانًا حياةً بدنيةً، فكيف سيكون جزاء مَن أحيا غيرَه حياةً إيمانيَّة روحيَّة؟!
درتان من عقد بيان ابن تيمية:
الأولى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ): ففيها إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية: غمًا وحزنًا وظلمة قلب، فللكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم؛ ولذا نجد غالب هؤلاء لا يطيبون عيشهم إلا بما يزيل العقل، ويلهي القلب: من تناول مسكر، أو سماع مطرب، ونحو ذلك..
الدرة الثانية: وفي مقابل ما حكاه الله عن الكافرين، قوله في المؤمنين: (أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) (التوبة:٧١) فإن الله يعجل للمؤمنين من الرحمة في قلوبهم، وغيرها، بما يجدونه من حلاوة الإيمان ويذوقونه من طعمه، وانشراح صدورهم للإسلام، إلى غير ذلك من السرور بالإيمان، والعلم، والعمل الصالح، بما لا يمكن وصفه.
قد لا تُختم الآية الكريمة بأسماء الله الحسنى صراحة، ولكن قد تذكر فيها أحكام تلك الأسماء، كقوله تعالى -لما ذكر عقوبة السرقة، فإنه قال في آخرها-: (نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، أي: عز وحكم فقطع يد السارق، وعز وحكم فعاقب المعتدين شرعًا، وقدرًا، وجزاء.
هدايات متجددة: (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) من علم حقيقة الهداية وحاجة العبد إليها؛ أدرك أن الذي لم يحصل له منها أضعاف ما حصل له، وأنه كل وقت محتاج إلى هداية متجددة.
يخلط كثيرون بين الحذر وبين الخوف، والمتدبر للقرآن يجد أن الحذر جاء بصيغة الأمر (فَاحْذَرُوا)، وأن الخوف جاء بصيغة النهي (أَلَّا تَخَافُوا) (فصلت: ٣٠)، والفرق بينهما أن الحذر يكون مع العمل والإقدام، والخوف يولد القعود والإحجام، فجاء الأمر في (الأول)، والنهي عن (الثاني) فتأمل.