الإفطار والقضاء
وعرفنا أن الحائض والنفساء يحرم عليهما الصوم، ولا يصح منهما لو صامتا، الحامل والمرضع إذا خشيتا على نفسيهما فإنهما يفطران، وفي ذلك الحديث: ((إن الله -جل وعلا- وضع عن المسافر شطر الصلاة، ووضع عن الحامل والمرضع الصوم)) لكن هذا الوضع في الشطرين في السفر، وفي الحمل مع الرضاعة، الحمل والرضاعة، المسافر يسقط عنه شطر الصلاة، والحامل والمرضع وضع عنهما الله -جل وعلا- الصيام، ففيها وجه شبه، أو فيهما وجه شبه للمسافر، في الصيام لا في الصلاة، إيش معنى هذا الكلام؟ قد يفهم، وقد فهم بعض الناس أن الحامل والمرضع تفطران لا إلى بدل، ولا يلزمهما القضاء، يعني كشطر الصلاة الذي وضع عن المسافر، يعني هل المسافر إذا رجع إلى بلده يقضي الركعتين اللتين وضعتا عنه؟ لا، يقول: الحامل والمرضع مثل ما وضع للمسافر شطر الصلاة إذاً لا قضاء، وقد قيل بهذا، ولكن عامة أهل العلم على خلافه، وأن الحامل والمرضع كالمسافر فيما يخص الصيام، المسافر يفطر، ما دام الوصف قائماً بشروطه عند أهل العلم يفطر، لكن {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [(184) سورة البقرة] يعني يلزمه عدة من أيام أخر، وكذلك الحامل والمرضع، فتشبيهها بالمسافر من هذه الحيثية بوجوب القضاء، وأنه لا يلزمها في الوقت، {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [(185) سورة البقرة] وجد مانع يمنع من هذا الوجوب وهو الحمل والرضاعة، فعليهما أن تقضيا، من أفطر لعذر شرعي من سفر أو كبر أو مرض أو حمل أو رضاع، المسافر عليه عدة من أيام أخر، يلزمه أن يقضي العدد، وكذلك المريض الذي يرجى برؤه عليه أن يقضي، وأما المريض الذي لا يرجى برؤه فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً نصف صاع من طعام، من بر أو رز أو ما أشبه ذلك، من غالب قوت البلد، إذا كان لا يرجى برؤه، وقل مثل هذا في الحامل تقضي، والحائض والنفساء تقضيان.
ووقت القضاء متسع إلى رمضان الآخر الذي يليه، وعائشة --رضي الله تعالى عنه-ا- تقول: "كان يكون علي القضاء من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان" لمكانه -عليه الصلاة والسلام- منها، فلا تقضي إلا في شعبان، فوقته متسع، ولا يجوز لمن أفطر بعذر أن يؤخر القضاء إلى رمضان الآخر.
من أفطر في رمضان لعذر إما سفر أو مرض أو حمل أو رضاعة أو حيض أو نفاس، أما بالنسبة للمرض فذكرنا أنه إذا كان يرجى برؤه فإن عليه القضاء، وإذا كان لا يرجى برؤه فإنه يطعم.
وأما من عداه فإن عليه القضاء، ووقت القضاء متسع إلى رمضان الذي يليه، فإذا دخل رمضان فعليه أن يشتغل بصيام رمضان الحاضر، ويؤجل القضاء، إلى ما بعد رمضان، وأكثر العلماء، أو كثير من أهل العلم يرون أن عليهم مع القضاء كفارة، واختيار الإمام البخاري أنه لا كفارة عليه؛ لأن الله -جل وعلا- إنما ذكر {فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [(184) سورة البقرة] ولم يذكر سواها، ولا شك أن الأحوط أن يدفع هذه الكفارة، وقال بها كثير من أهل العلم، وأفتى بها جمع الصحابة، وإلا من حيث الاستدلال الدليل المرفوع إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فلا دليل عليها.
الرَّفَاهِيَة الزَّائِدَة في بعضِ حَمَلات الحج!
صحَّ عن النبي -عليهِ الصّلاة والسَّلام- في البُخاري وغيره أنَّهُ حجَّ على رَحْل، ما مَعْنَى حجَّ على رَحْل؟ يُوضِّحُهُ بقيَّةُ الحديث: ((..وحَجّ أنسُ بن مالك على رَحْل ولمْ يَكُن شَحِيحاً))، ((حجّ النبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- على رَحْل، وحَجّ أنسُ بن مالك على رَحْل ولمْ يَكُن شَحِيحاً)) هذا فيهِ دليلٌ على عدم التَّرَفُّه، ولم يفعلُهُ النبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- ولا خِيَارُ هذهِ الأُمَّة، فعلى الإنسان أنْ يَتَوسَّط في أُمُورِهِ كُلِّها، في حَجِّهِ وفي غير حَجِّهِ؛ لكن في أوقاتِ العِبادات والأزمان الفاضِلَة ينبغي أنْ يَنْكَسِر الرَّجُل، ويَخْرُج عنْ مَأْلُوفِهِ بالقُرب من الله -جلَّ وعلا-، وكُل ما تَواضَعَ الإنْسَان، وانْكَسَرَ قَلْبُهُ كانَ أقْرَب إلى رَبِّهِ؛ ولِذا أقْرَب ما يكُون العَبْدُ إلى رَبِّهِ وهو ساجِد، بعضُ النَّاس يبحث عن أفضل الحملات، أفضل من ناحية إيش؟ من ناحِية الخدمات، وبعضُهُم يبحث عن أَفْخَر الفنادق، ما أدري كيف يَسْتَحْضِر ويَسْتَشْعِر لَذَّة العُبُودِيَّة، رايح لِيَتَعَبَّد في العشر الأواخر من رمضان ويبحث عنْ أفْخَر الفنادق التِّي لا يسكُنُها إلاّ طبقة من النَّاس قد لا يُناسِبُونَهُ! ويمر بأُمُور لا تُناسب لا الوقت ولا الزَّمان ولا المكان، ويَنْظُر عن يمينِهِ وعن شِمالِهِ أُناس لا يُناسِبُونهُ، فمثل هذا عليهِ أنْ يَتَواضع لله -جلَّ وعلا- لا سِيَّما في هذهِ الأماكن المُقدَّسة والأوقات الفاضِلَة، فإذا كان النبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- كَادَت الخَمِيصَة أنْ تَفْتِنَهُ، الخَمِيصَة ثُوب مُخَطَّط فماذا عنْ غَيْرِهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-؟! وماذا عن ما هُو أعظم من الخَمِيصَة؟! لا بُدَّ أنْ يَبْذُل الإنْسَان كل ما يستطيعُهُ لِحِماية جناب العِبادة، الخَمِيصَة كَادَت أنْ تَفْتِن النبي -عليهِ الصَّلاة والسَّلام- وصِلَتُهُ بِرَبِّهِ –عليه الصلاة والسلام- أَقْوَى الصِّلات فكيفَ بِغَيْرِهِ؟! لو تَحَرَّكَ الباب نَسِيَ كُلّ شيء كما هي حَالُنا!!! وبعض المساجد الذِّي لهُ أدْنَى ذَوْق بالخط والرَّسم لنْ يُدْرِك من صَلاتِهِ شيء!!! هذا إذا كان لهُ أدْنَى ذَوْق!!! فكيفَ بمن يَتَذَوَّق أمثال هذهِ الخُطُوط والرُّسُوم والنُّقُوش، وصَارت مساجِد المُسلمين تُشْبِه الكَنائِس!!! فما بالُك بالفنادق الخمس نجوم وأحياناً يقولون بعد الآنْ ظَهَر سَبع نُجُوم أو ما أدري كم!!! {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل/8 ]، ما تدري!!! هل يَسْتَشْعِر الإنْسَان الصِّلَة بالله -جلَّ وعلا- وبينَ هذهِ الزَّخَارف؟! والمساجد حالُها كما تَرَوْن، والمساجد النَّهي عن زَخْرَفَتِها وأنَّها مِنْ عَلامات السَّاعة معرُوف، كُل هذا من أجل حِمَاية العِبادة، جَاءَ في الأثَر: ((لا تُحَمِّرُوا ولا تُصَفِّرُوا)) وإذا نَظَرْت إلى أكثر المساجد، الألوان فيها الأحمر والأصفر، اللهُ المُستعان.
قراءة الإمام بعد الفاتحة.
لم يكن يداوم -عليه الصلاة والسلام- على قصار المفصل, يعني إذا عرفنا أنه قرأ الأعراف, وهي سورة طويلة, وقرأ بالمرسلات, وقرأ –أيضاً- بالطور, وقرأ بالقصار، فعلى الإمام ألا يشق على المأمومين, يأخذ هذه القاعدة عامة: ((إذا أم أحدكم الناس فليخفف, فإن فيهم الكبير، والضعيف، وذا الحاجة)) هذه القاعدة مطردة, لا يشق على الناس, ولا يمل الناس من الصلاة, ولا يجعل الناس يستثقلون الصلاة فيكرهونها, لكن يأتي بالسنة, يأتي بالطوال أحياناً, يفعل السنة أحياناً, ويلاحظ أحوال المأمومين, هذا هو الأصل.
يقرأ في صلاة المغرب في الركعتين الأوليين بالفاتحة، وسورة, وفي الركعة الثالثة ثبت عن أبي بكر -رضي الله عنه- في الركعة الثالثة من صلاة المغرب أنه كان يقرأ فيها بعد الفاتحة بقوله -جل وعلا-: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً...} [(8) سورة آل عمران] إلى آخر الآية, هذا ثابت عن أبي بكر الصديق, رواه الإمام مالك.
ويرون أن هذا بمثابة القنوت؛ لأنها آية تتضمن دعاء, والمغرب ثبت أنها وتر النهار, وهذا عمل من هذا الخليفة الراشد المسدد الذي أُمِرنا بالاقتداء به, فلو فُعِلَت اقتداءً بهذا الخليفة الراشد فلا بأس, لا سيما أحياناً, يعني لو لم يداوم عليها الإنسان, ولو تُرِكَت باعتبارها لا يثبت فيها شيء مرفوع فالأمر فيه سعة.
فضل الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر.
الأُمَّة إنَّما فُضِّلت على غيرها بالأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر، الأمر بالمعروف والنَّهي عن المُنكر شأنُهُ عظيم، لماذا لُعن لأيِّ شيءٍ لُعن بنو إسرائيل: {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ}[(79) سورة المائدة] هذا السَّبب، فإذا وجدنا المُنكر ولا نُنكِرُهُ، ولا يعني هذا إنَّ الواحد يأخذ عصا ويطلع يضرب هذا وهذا، لا لا أبداً، الشَّرع -ولله الحمد- جعل لك فُسحة، لا تستطيع أنْ تُغيِّر بيدك، وكُلُّ إنسان في بيتِهِ يستطيع التَّغيير بيدِهِ، ومن لهُ ولاية على شيء يستطيع التَّغيير بيدِهِ؛ لكنْ إذا لم يستطع فالخِيَار الثَّاني التَّغيير باللِّسان، وهذا مقدُورٌ عليه في بلادنا -ولله الحمد- ولا يُوجد من يمنع من التَّغيير باللِّسان إذا لم يُوجد هُناك مُشكلة أو مَفسدة أعظم من هذا التَّغيير.
المقصُود أنَّ علينا أنْ نتكاتف على هذا المرفق العظيم، وننُوء بالحمل مع إخواننا الرَّسميين، ولعلَّ الله -جل وعلا- أنْ يدفع عنَّا، فالمُنكرات لاشكَّ أنَّها سبب لمَقْتِ الله وغَضَبِهِ، ففي الحديث الصَّحيح: "أنهلكُ وفينا الصَّالحُون؟ قال: ((نعم، إذا كَثُر الخبث)) يعني عندنا صالحُون كُثُر -ولله الحمد- عندنا عُلماء عاملُون، عندنا دُعاة و قُضاة، وعندنا أخيار، عندنا زُهَّاد عندنا عُبَّاد؛ لكنْ الخَبُث كَثُر فيُخْشَى علينا، ولا نستطيع أنْ نَرُد هذا الخبث إلاَّ بالأمرِ بالمعرُوف والنَّهي عن المُنكر، ولذلك قُدِّم على الإيمان {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}[(110) سورة آل عمران] فقُدِّم الأمر بالمعرُوف والنَّهي عن المُنكر على الإيمان، و الأمر بالمعرُوف والنَّهي عن المُنكر لا يصِحُّ بُدون إيمان إلاّ أنَّهُ من أجل أنَّنا فُضِّلنا بِهِ على سائر الأُمَم قُدِّم؛ و إلاَّ فالأُمَم السَّابقة كُلُّهُم يُؤمنُون بأنبيائِهِم، يعني من كُتِبَ لهُ إتِّباع الأنبياء يُؤمنُون.
أعظم حقوق الجار
الجار له حقوق ومن أعظم حقوقه: إسداء النصيحة له، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وتوجيهه وتسديده، وإعانته على حوائجه، فضلاً عن كف الأذى عنه، فعلى الجار أن ينصح جاره، إذا لحظ عليه شيء، تقصير في باب من الأبواب في أمر من أمور الدين عليه أن يبين له، تفوته صلاة الجماعة يبين له، يتساهل في أداء الصلاة في شأن بعض المحرمات على الجار أن يمحض جاره النصيحة، وهذا من أعظم الحقوق؛ لأن تخليصه مما يضره في الآخرة من أعظم الأمور، وجاء في بعض الآثار أن الجار يتعلق برقبة جاره يوم القيامة، ويقول: إنه رآه على معصية ولم ينهه، والارتباط بين الجيران موجود، وأحياناً يكون في بيت الجيران ما لا ترضاه أنت لجارك فضلاً عن أهلك، بعض الناس مع وجود هذه الحقوق يريد أن يوصل الثقة، ويقوي هذه الثقة، لكن المقرر في الشرع أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، عليك أن تزور جارك، وأهلك يزورون جيرانهم، لكن إذا لم يكن هناك منكر ومفسدة فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإذا كان عنده شيء لا ترضاه لنفسك ولا لولدك لا يجوز لك أن تترك ولدك يزور هذا الجار الذي أنت حريص على تربية ولدك وجارك متساهل في هذا الباب، فعليك أن تنتبه لهذا، وإذا كانت الدعوة لوليمة العرس إجابتها واجبة عند أهل العلم فهم يشترطون أن لا يكون ثم منكر لا يمكن إزالته، نعم إذا كان هناك منكر وبالزيارة يزول هذا مقصد وهدف، تكرر عليه الزيارة حتى يزول، لكن إذا كان ميئوس من إزالته فإن مثل هذا لا تجوز زيارته، ويقتصر من صلته ونفعه على ما يحقق المصلحة ولا يترتب عليه مفسدة.
فالجار له حق وله شأن، وجاء في حقه من النصوص ما سمعنا بعضه، لكن يبقى أن الدين هو رأس المال، لا يخدش دينك بسبب صلتك لجارك، ولا لصلتك لقريبك، ولا... {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} [(15) سورة لقمان] ولو كان أبوك أو أمك، نعم إذا أمروك بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والمقرر في الشرع أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
أعظم حِكَم الصيام تحقيق التقوى.
ذكر ابن القيم في كتاب الهدي في حِكَم وأسرار الصيام أنه: (من أكبر العون على التقوى) وهذه في الحقيقة أعظم الحكم؛ لأن الله -جلَّ وعلا- يقول: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، ولأهمية هذه العلة وهذه الحكمة جاءت منصوصًا عليها في القرآن مذيلًا بها آية إيجاب الصيام، فالصيام خير معين على التقوى؛ لأنه يُعدّ نَفْسَ الصائم لتقوى الله تعالى بترك شهواته المباحة الميسورة؛ امتثالًا لأمره –سبحانه-، واحتسابًا لثوابه، فتتربى بذلك إرادته على مَلَكَة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها، فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتنشط نفسه على النهوض بالطاعات والصبر عليها، فالتقوى هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
جماع الصائم ناسيًا
جماع الصائم ناسيًا، بعض أهل العلم يستثنيه من العذر ويُلزم من وقع فيه بالقضاء، وبعضهم يُلزمه بالكفارة كذلك؛ لأنه يَستبعد أن يقع من الصائم على سبيل النسيان، لكن الجادة المطردة عند كثير من أهل العلم أن حكم النسيان واحد في المفطرات كلها لعموم قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286].
مضاعفة الحسنات المبدلة من سيئات.
جاء في الحديث «فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة» [أحمد: 21393]، وكذلك قوله تعالى في آخر سورة الفرقان: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} [الفرقان: ٧٠]، فهل هذه الحسنات المُبّدَلة تضاعف -الحسنة بعشر أمثالها- أم لا؟ من أهل العلم من يرى أن هذه الحسنات المُبّدَلة عن سيئات مضاعفة كذلك -الحسنة بعشر أمثالها-، وإلى هذا يميل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، ومنهم من يرى أنها لا تضاعف لأنه قال في الحديث هنا: «أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة» يعني واحدة، والبدل له حكم المبدل، فشيخ الإسلام –رحمه الله- ومن قال بقوله اعتمدوا ونظروا إلى سعة رحمة الله -جل وعلا- وعظيم منّه وعطائه، ومن رأى أنها لا تضاعف قال بأن عدله -جل وعلا - يقتضي أن تكون هذه الحسنة المبدلة بحسنة واحدة، إذ كيف يستوي من كان مشغولاً طول عمره بطاعة الله -عز وجل-، ومن كان مسرفاً عاصياً مفرطاً ؟!
وهذا هو الموافق لعدل الله -جل وعلا- وهو أن السيئة المبدلة بحسنة واحدة، والنصوص الشرعية تدل على التفريق بين من كان مستمراً على الطاعة ناشئاً فيها وبين غيره، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يعجب ربك لشاب ليست له صبوة» [أحمد: 17371]، فهذا المقتضي لرحمة الله وعدله، وإن كان فضله وكرمه سبحانه لا يحده حد.
فضل الاجتماع في الجهاد.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] أي: يقاتلونَ حالَ كونِهم صفًّا واحدًا كأنهم بُنْيانٌ مَرصوصٌ، من شدةِ الالتصاقِ والتلاحمِ الظاهريِّ الذي يدلُّ على التلاحمِ الباطني، يفعلون ذلك؛ ليرى العدُوُّ اتِّحادَهُم واتحادَ كلمتهم، ولا شكَّ أن التصرفاتِ الظاهرةَ لها دلالاتُها على الصفاتِ الباطنةِ؛ فإذا تلاحَمَ الناسُ والتصَقَ بعضُهم ببعضٍ دلَّ ذلك على أن قلوبَهم متقاربةٌ، بخلافِ ما إذا تَنافروا. وقد جاءَ في وصفِ المؤمنين أنهم «كالبُنْيانِ يَشُدُّ بعضُه بعضًا» [البخاري: 481]، وهذا الوصفُ في عمومِ الأحوالِ، فكيفَ بالحالِ التي يُطْلَبُ فيها التلاحُمُ والتَّراصُّ؛ مثلُ الصلاةِ والجهادِ، فهذا من بابِ أَوْلَى.
مشروعية الرمل في الطواف.
في عمرة القضية جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- هو وأصحابه وطافوا، وقال المشركون ما قالوا: من أنه يقدم محمد وأصحابه «وقد وهنتهم حمى يثرب» [البخاري: 1602]، فأمرهم النبي –صلى الله عليه وسلم- بالرمل في تلك العمرة، من الحجر الأسود إلى الركن اليماني، ويمشون بين الركنين؛ لأن المشركين لا يرونهم. فهل نقول: إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- راءى المشركين بهذا العمل، أنه لما خفي عن أنظارهم مشى فكان الرمل من أجلهم؟، نقول: الرمل لذاته ليس بعمل شاق في الأصل، وإنما فعله النبي -عليه الصلاة والسلام- لإغاظتهم، وإغاظتهم مشروعة. وكونهم لا يرونه رَفِق بأصحابه فأمرهم أن يمشوا بين الركنين. بينما في حجة الوداع ولا يوجد من يقول: إن محمدًا وأصحابه قد وهنتهم حمى يثرب، فإنه قد رمل من الحجر إلى الحجر، فاستوعب الشوط بالرمل، وبقي حكم الرمل مشروعًا مسنونًا اقتداءً بفعله -عليه الصلاة والسلام-. وهذا من الأحكام التي شرعت لعلة وارتفعت العلة وبقي الحكم، كالخوف بالنسبة للقصر، شرع لعلة {إِنْ خِفْتُمْ} [سورة النساء: 101]، ومع ذلك ارتفع الخوف وبقي الحكم، ولهما نظائر كثيرة. وإن كان بعضهم يقول: ما ارتفعت علته يرتفع حكمه، وهذا قول ضعيف جدًا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كرر الرمل في حجة الوداع.