قوله تعالى: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَن اعْبُدُوا اللَّهَ رَبَي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْت فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَني كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ. .) .
فإن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنه غير لهم أيضاً غير ما ذُكِر؟
قلتُ: معناه " ما قلت لهم فيما يتعلَّقُ بالِإله.
فإن قلتَ: عيسى حيّ في السَّماءِ، فكيف قال (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي "؟
قلتُ: المرادُ بالتوفّي النوم كمُا ما مرَّ، مع زيادة في قوله في آل عمران: " إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعكَ إِلَيَّ ".
مع أنَّ السؤال إنَّما يتوجَّهُ، على قول منْ قال: إنَّ السؤال والجواب، وُجدا يوم رفعِه إلى السَّماء، وأمَّا من قال: إنهما يكونان يوم القيامة - وعليه الجمهورُ - فلا إشكال.
قوله تعالى: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ. .) الآية، أي يوم القيامة.
فإن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنَّ الصِّدقَ نافعٌ في الدُّنيا أيضاً؟
قلتُ: نفعُه بالنسبة إلى نفعِ يومِ القيامة، الذي هو الفوزُ بالجنَّة، والنَّجَاةُ من النَّار كالعَدَم.
فإن قلتَ: إن أراد بالصِّدقِ صدقُهم في الآخرة،
فالآخرةُ ليست بدار عمل، أو في الدنيا، فليس مطابقاً لما ورد فيه، وهو الشهادة لعيسى بالصِّدق، بما يُجيب به يوم القيامة؟
قلتُ: أراد به الصِّدق المستمرَّ بالصادقين، في دنياهم وآخرتهم.
قوله تعالى: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السموَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلمَاتِ والنُّورَ. .) جَمَع السَّماء دون الأرض، لِمَا مرَّ في البقرة. . وَجَمع الظّلمة دون النُّور، لأنها اسم جنس، والنُّورُ مصدرٌ، والمصدرُ لا يجمع.
وقيل: لكثرة أسبابها، بخلاف النُّور.
و" جَعَلَ " تأتي لخمسةِ معانٍ:
فتأتي: بمعنى " خَلَقَ " كما هنا، وكما في قوله تعالى " وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا ".
وبمعنى: " بَعَثَ " كما في قوله تعالى " وَجَعَلْنَا مَعَه
أَخَاهُ هَارونَ وَزيراً ".
وبمعنى: " قال " كما في قوله تعالى " وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الذينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ إِنَاثاً ".
وبمعنى: " بَيَّنَ " كما في قوله تعالى " إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبياً " أي بيَّناهُ بحلاله وحرامه.
وبمعنى " صَيَّر " كما في قوله تعالى " وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِم أَكِنَةً " وقوله تعالى: " وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرينِ حَاجِزاً ".
قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمواتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ. .) .
فائدةُ: ذكرِ الجهر بعد السرِّ، مع أنه مفهومٌ منه بالأوْلى، المقابلةُ و " التأكيد " كما في قوله تعالى " فمنْ تَعجَّلَ في يَومَيْن فَلا إِثْمَ عليه ومن تأخَّر فلا إثم عليه " 3 - قوله تعالى: (فَقَدْ كذَّبُوا بِالَحقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأتِيهِمْ أنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهنرئُونَ) بَسَط هنا،
واختصر في الشعراء فقال: " فَقَدْ كذَّبُوا فسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا به يَسْتهْزِئُونَ " لأنَّ ما هنا سابقٌ على ما هناك، فناسب البسط هنا، والاختصارُ ثمَّ.
قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْاكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ. .) الآية، قاله هنا وفي النحل، بلا عاطفٍ من واوٍ أو فاء عقب الهمزة، وفي الشعراء بواوٍ، وفي سبأ بفاء. . لأنَّ مثل هذا الكلام يأتي للِإنكار، فإِن اعتُبر فيه الاستدلال، لم يؤت بواوٍ ولا فاء، ليكون كالمستأنف.
وإن اعتُبرتْ فيه المشاهدة أُتي بالواو والفاء، لتدلَّ الهمزة على الِإنكار، والواو أو الفاء على عطف ما بعدها، على مقدَّر قبلها يناسبه في المعنى، المناسب لمعنى ما قبل الهمزة، لكنَّ الفاء أشدُّ اتصالًا بما قبلها من الواو، والتقديرُ في الشعراء: " أكذَّبوا الرسُّلَ ولمْ يروْا "؟.
وفي سبأ: " أكفَروا فلم يروْا "؟
قوله تعالى: (قُلْ سيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا. .) الآية. قاله هنا بـ " ثمَّ " الدَّالة على التراخي، وفي غير هذه السورة بالفاء، الدَّالة على التعقيب، مع اشتراكهما في الأمر بالسير، لأن ما في هذه السورة، وقع بعد ذكر القرون، في قوله: " كَمْ أهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ " وقوله " وَأنْشَاْنَا مِنْ بَعْدِهمْ قَرْناً آخَرِينَ " فتعدَّدت القرونُ في أزمنةٍ متطاولة، فخُصَّت الآيةُ هنا بـ " ثُمَّ "، بخلاف ما في غير هذه السورة، إذْ لم يتقدَّمه شيءٌ من ذلك، فخُصَّت بالفاء.
قوله تعالى: (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) .
خصَّ السَّاكن بالذِّكر دون المتحرك، لأن السَّاكنَ من المخلوقات، أكثرُ عدداً من المتحرّك.
أو لأن كل متحرك يصير إلى السُّكون، من غير عكس.
أو لأن السُّكون هو الأصل، والحركةُ حادثةٌ عليه.
قوله تعالى: (قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْني وَبَيْنَكُمْ. .)
إن قلتَ: كيف اكتُفي من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجواب بقوله " اللَّهُ شَهِيدٌ بَيني وبينكُمْ " مع أنَّ ذلك لا يكفي من غيره؟
قلتُ: لأنه قادر على إقامة الحجة، علم أنه شهيد له، وقد أقامها بقوله " وَأوحِيَ إِليَّ هَذَا القُرْآنُ لأنْذِركُمْ بِهِ " بخلاف غيره لا يقدر على ذلك.
قوله تعالى: (وَمَنْ أظْلَمُ مَمنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أوْكَذَّبَ بآياتِهِ إِنَّه لا يُفْلحُ الظَّالمُونَ) . بدأ الآية هنا بالواو، وختمها بقوله: " إِنَّهُ لا يفْلِحُ الظالمونَ ". وبدأها في يونس بالفاء، وختمها بقوله: " إِنَّه لا يُفْلِحُ المجرمون ".
لأن ما قبلها ثَمَّ سببٌ لها، ومعطوف بالفاء، ومذكورٌ فيه المجرمون، فناسب فيها ما ذكر، بخلاف ما هنا، فإِن
المتقدّم فيه معطوف بالواو، ولم يُذكر فيه المجرمون.