قوله تعالى: (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا ما كُنَّا مُشْرِكينَ) . كذبوا في قولهم ذلك، مع معاينتهم حقائق الأمور، ظناً منهم أنهم يتخلَّصون به.
فإِن قلت: كيف الجمعُ بين هذا وبين قوله " ولا يَكْتُمُون اللَّهَ حَدِيثاً "؟
قلتُ: في القيامة مواقف مختلفة، ففي بعضها لا يكتمون، وفي بعضها يكتمون، بل يكذبون ويحلفون، كما في قوله تعالى " فَوَربِّكَ لَنَساَلَنَّهُمْ أجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ " مع قوله تعالى " فَيوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنسٌ وَلَاجان "
قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتمعُ إِلَيكَ. .) الآية. قال هنا " يَسْتمعُ " بالإِفراد، وفي يونس " وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ إِليْكَ " بالجمع، لأنَّ ما هنا نزل في قومٍ قليلين، وهم " أبو سفيان " و " النّضر بن الحارث " و " عتبة، وشيبة، وأمية، وأبيّ بن خلف " فنُزِّلوا منزلة الواحد، فأعيد الضميرُ على لفظ " مَنْ ". وما في " يونس " نزل في
جِميع الكفار، فناسب الجمع، فأعيد الضميرُ على معنى " من ".
وإنما لم يُجمع ثَمَّ في قوله تعالى: " ومنهم من ينظر إليكَ " لأن الناظرين إلى المعجزات، أقلُّ من المستمعين للقرآن.
قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النارِ. .) . وفي أُخْرى بعدها " وَلَوْتَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهمْ " لأنهم أنكروا وجود النَّار في القيامة، وجزاء ربهم وَنَكاَله فيها، فقال في الأولى " على النار " وفي الثانية " إذْ وقفُوا على ربهم " أي على جزاء ربِّهم، ونكاله في النَّار.
قوله تعالى: (وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) . قاله هنا بدون " نموتُ ونحيا " وفي " المؤمنون " و " الجاثية " به، لأنهم في القيامة قالوه بموقفٍ ولم يقولوه بآخر، فأشار إلى الأمرين بما ذكر.
قوله تعالى: (وَلَلدارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلَا تَعْقِلُونَ) ؟.
خصَّ المتَّقينَ بالذِّكر، مع أنّ غيرهم كذلك، لأنهم الأصل وغيرُهم تبعٌ لهم، وقرىء هنا " وللدَّارُ الآخرِةُ " بلاميْنِ ثَانيهما مدغمةٌ في الدَّار، ورفع الآخرة بجعلها صِفةٌ للدار، وبإِضافة الدَّار إليها بلام واحدة، تبعاً لاختلاف المصاحف في ذلك. وفي " يوسف " بالوجه الثاني فقط تبعاً للمصاحف ".
قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهلِينَ) .
إن قلتَ: كيف قال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وهو أغلظُ خطاباً من قوله لنوحٍ " إِنّي أعِظُكَ أنْ تكُونَ مِنَ الجَاهِلينَ " مع أنَّ محمداَ - صلى الله عليه وسلم - أعظمُ رتبةً؟
قلتُ: لأن نوحاً كان معذوراً بجهله بمطلوبه، لأنه تمسَّكَ بوعدِ الله تعالى، في إنجاء أهله، وظنَّ أنَّ ابنه من أهله.
بخلاف محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يكن معذوراً، لأنه كَبُر عليه كفرُهم، مع علمه أنَّ كفرهم وإيمانهم بمشيئة الله تعالى، وأنَّهم لا يهتدون إلَّا أن يهديهم الله تعالى.
قوله تعالى: (وَالمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) .
إن قلتَ: ما فائدة ذكرِه، مع أنه مفهوم من قوله قبله: " والموتَى يَبْعثهُم اللَّهُ " لأنهم إذا بعثوا من قبورهم، فقد رجعوا إليه بالحياة بعد الموت؟
قلتُ: ليس مفهوماً منه، لأن المراد به، وقوفهم بين يديه للحساب والجزاء، وهو غير البعث الذي هو إحياءٌ بعد الموت.
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُنَزِّلَ آيةِ. .) . وقع جواباً لقولهم: " لولا نُزِّل عليهِ آيةٌ من ربهِ ".
فإن قلتَ: لو صحَّ جواباً له، لصحَّ من كلِّ من ادَّعى النبوَّة، وطولب بآيةٍ أن يُجيب بذلك؟!
قلتُ: يلزم ذلك أن تَثْبُتَ نُبوَّتُه بمعجزة، كما ثبت للنبي - صلى الله عليه وسلم - بها، وإلّاَ فلا يصحُّ الجوابُ بذلك.
قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ. .) الآية، فائدةُ ذكْرِ " في الأرْضِ " بعد دابةٍ، مع أنها لا تكون إلَّا في الأرض، وِذكرِ " يطيرُ بجناحيْه " التأكيدُ، كما في قوله تعالى " لا تَتَخذُوا إلهَيْنِ اثْنَينِ "، أو زيادة التعميم والِإحاطة.