قوله تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِكُّمْ غَالِبُونَ) .
هو من مقول الداخلين.
فإن قلتَ: من أين عَلِما أنَّهم غالبون حتَّى قالا ذلك؟!
قلتُ: من جهةِ وُثوقِهم بإخبار موسى عليه السلام بقوله " ادخلُوا الأرْضَ المقدَّسَةَ التي كَتَبَ اللَّهُ لكُمْ ". وقيل: عَلِمَا ذلكَ بغلبة الظنِّ، وما عهداه من صُنْعِ الله تعالى بموسى عليه السلام من قهر أعدائِهِ.
قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ) .
إن قلتَ: كيف يصحُّ جواباً لقوله " لأقْتُلنَّكَ "؟
قلتُ: لمَّا كان الحسدُ لأخيه على تقبُّل قربانه، هو الحاملُ له على توعُّده بالقتل، قال: إنما أتيتَ من قبَل نفْسِك، لانسلاخها من لباس التَّقوى، فلم يُتقبَّلْ قُربانُك.
قوله تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُؤَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ. .) الآية.
أي بإثم قتلي، وإثمكَ الذي ارتكبتَه من قِبَلي، وهو توعُّدك بقتلي.
فإن قلتَ: كيف قال " هابيلُ " لقابيلَ ذلكَ، مع أنَّ إرادةَ الشخصِ السُّوءَ، والوقوعَ في المعصية لغيره حرام؟!
قلتُ: في ذلك إضمارُ " لا " تقديره: إني لا أريد أن تبوء بإِثمي، كما في قوله تعالى " تَاللَّهِ تَفْتَأ تَذْكُرُ يوسفَ " أي لا تفتأ، أو إضمارُ مضاف تقديره: إني أريد انتفاء أن تبوء كما في قوله تعالى: " وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ " أي حبَّه.
قوله تعالى: (فَأصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)
إن قلتَ: هذا يقتضي أن " قابيل " كان تائباً، والنَّدمُ توبةٌ لخبرِ " النَّدَمُ تَوْبَةٌ " فلا يستحقُّ النَّارَ؟!
قلتُ: لم يكن ندمُه على قتلِ أخيهِ، بل على حمْلهِ
على عنُقهِ، أو على عدم اهتدائه للدَّفن الذي تَعلَّمه من الغراب، أو على فقدِهِ أخاه، أو على قتلِ أخيه، لكنَّ مجرَّد النَّدمِ ليس بتوبةٍ، إذِ التوبةُ إنَّما تتحقق بالإِقلاع، وعزم ألَّا يعود، وتدارك ما يمكن تداركه.
قوله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف يكون قتلُ الواحدِ كقتل الكُلِّ، مع أن الجناية إذا تعدَّدت كانت أقبح؟!
قلتُ: تشبيهُ أحد الشيئين بالآخر، لا يقتضي تساويهما من كلّ وجه، ولأن المقصود من ذلك المبالغةُ، في تعظيم أمر القتلِ العمدِ العدوانِ.
أو لأن المعنى: من قَتَل نفساً بغير حقٍّ، كان جميع النَّاس خصومَه في الآخرة مطلقاً، وفي الدُّنيا إن لم يكن له وليٌ.
أو المعنى: من قَتَل نبيّاً، أو إماماً عادلًا، كان كمن
قتل الناس جميعاً، من حيث إبطال المنفعة عن الكلّ.
قوله تعالى: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الِإنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الإِنجيل منسوخٌ بالقرآن؟!
قلت: معناه " وليحكمْ أهل الِإنجيل بما أنزل اللَّهً فيه بما لم يُنسخ بالقرآن ".
أو المعنى: لمَّا أنزلنا الِإنجيل قلنا: (وليحكمْ أهل الِإنجيل بما أنزل اللَّهُ فيه) .
قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أنْزَلَ اللَّهُ فَأوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرونَ) .
كرَّره ثلاث مراتٍ، وختم الأولى بقوله " الكَافِرونَ " والثانية بقوله " الظَّالمونَ " والثالثة بقوله " الفَاسِقونَ "!!
قيل: لأنَّ الأولى في حُكَّام المسلمين، والثانية في حُكَام اليهود، والثالثة في حُكّام النَّصارى.
وقيلَ: كلُّها بمعنى واحد وهو " الكفرُ " عبَّر عنه بألفاظٍ مختلفة، لزيادة الفائدة، واجتناب التَّكرار. وقيل: " ومن لم يحكم بما أنزل اللَّهُ " إنكاراً له فهو
كافرٌ، ومن لم يحكم بالحقِّ، مع اعتقاده للحقِّ، وحَكَم بضدِّه فهو ظالمٌ، ومن لم يحكم بالحقِّ جهلاً وحكم بضدِّه فهو فاسقٌ.
وقيل: ومن لم يحكم بما أنزلَ اللَّهُ فهو كافرٌ بنعمة الله، ظالمٌ في حكمه، فاسقٌ في فعله.
قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْض ذُنوبِهِمْ. .) الآية.
قلت: أراد به عقوبتهم في الدُّنيا، على تولّيهم عن الِإيمان، بالسَّبْيِ، والجزية وغيرهما، وهذه العقوبة
منقطعة، بخلاف عقوبة الآخرة، فإنها على جميع الذنوب، من تولِّيهم عن الإِيمانِ، وعن جميع فروعهِ، ودائمةٌ لا تنقطع.