عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ ﴿١٣﴾    [الواقعة   آية:١٣]
  • ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ ﴿١٤﴾    [الواقعة   آية:١٤]
برنامج لمسات بيانية سورة الواقعة اية 13
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴿٣﴾    [التحريم   آية:٣]
برنامج لمسات بيانية *مطلع سورة التحريم ورد فيها فعل نبأ (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)) ثلاث مرات وردت نبّأ ومرة وردت أنبأ فما اللمسة البيانية في هذا؟ السؤال في آية التحريم (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)). نبّأ يقتضي التنبيء أكثر من أنبأ مثل علّم وأعلم، أعلم مرة واحدة لكن علّم يقتضي وقتاً علّمته النحو. إذن التنبيء وقته أو ما يُذكر فيه أكثر من أنبأ مثل علّم وأعلم. إذن نبّأ أكثر، هو قال (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ) قالت (قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا) يعني بهذا الجزء؟ ليس كله، لو قالت من نبّأك؟ يعني كله، هو قال (قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) يعني كله نبّأه به ربه. قال (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ) أعرض يعني لم يذكره ما أراد أن يحاسبها حساباً عسيراً فذكر قسماً منه وأعرض عن الباقي ذكر جزءاً من الحديث إذن هو أنبأها جزءاً الإنباء أقل من التنبيء هي قالت (مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا) وهو قال (نَبَّأَنِيَ) نبّأني كله لم ينبئها بكل ما حدث مع علمه به وإنما أنبأها بجزء فقالت (مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا) لأنه جزء والإنباء أقل من التنبيء مثل علّم وأعلم.
روابط ذات صلة:
  • ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴿٥﴾    [يس   آية:٥]
برنامج لمسات بيانية (تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) فكرة عامة عن الآية : لاحظ أن هذه الآية الكريمة وردت بعد القسم بالقرآن (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) . هو بعد أن عظّم القرآن بالقَسَم به (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) عادة أنت تُقسم بما هو معظّم إذن هو بعد هذا التعظيم بالقسم في القرآن ثم وصفه بالحكمة (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) إذن هو الآن عظّمه بالقسم وبوصفه بالحكمة. بعد هذا عظّمه بإضافته إلى نفسه، إلى ذاته العليا قال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) والكتاب يُعظّم من ناحيتين إما من حيث ما أُودع فيه (محتواه) هذا من حيث التعظيم لذاته ومن حيث مرسله، يأتي من جهتين. إما من حيث محتواه، ما هو فيه ومن حيث المرسل إن كان المرسل عظيماً فالكتاب يُعظم، قد يكون الكتاب ليس ذي قيمة لكن يعظم بسبب مرسِله وصاحبه، صاحبه يكون معظّماً لسببين إما أن يكون مرهوباً مخوفاً أو أن يرجى خيره، أحد أمرين. جمع الله ذلك بقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) جمع بين الترغيب والترهيب، مصدر التعظيم. العزيز معناه نافذ الأمر مرهوب، الرحيم يعني ذو رحمة ليس متجبراً ولا عاتياً. إذن هو فخّم الكتاب وعظّمه من ناحيتين من حيث الذات باعتباره حكيم، ذات الله عز وجل وذات الكتاب لأنه قال الحكيم وصفه بالحكمة وهي أمر نفيس وعادل. إذن هو عظم الكتاب من ناحيتين من حيث ذات الكتاب لأنه قال عنه حكيم ومن حيث مرسله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) إذن هو من ناحيتين. وهناك تعظيم آخر للقرآن في السياق وهو المكان المحفوظ فيه قال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) تنزيل يعني كان في مكان عالي قال (تنزيل) إذن كان في مكان عالي محفوظ ثم نُزّل إلى الرسول تنزيلاً. ثم هذا يدل على أمر آخر يدل على رفعة القرآن وعلو مكانته، التنزيل. إذن هو أشار إلى تعظيم القرآن من عدة نواحي القسم به (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) هذا تعظيم ثم وصفه بأنه حكيم (وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) هذا تعظيم بذاته وأنه في مكان عالي وقد نُزّل، هذا تعظيم آخر، ثم أضافه إلى نفسه بصفتي الترهيب والترغيب يعني لم يترك جهة من جهات التعظيم إلا وأشار إليها وذكرها. آية (5): (تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) فكرة عامة عن الآية : لاحظ أن هذه الآية الكريمة وردت بعد القسم بالقرآن (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) . هو بعد أن عظّم القرآن بالقَسَم به (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) عادة أنت تُقسم بما هو معظّم إذن هو بعد هذا التعظيم بالقسم في القرآن ثم وصفه بالحكمة (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) إذن هو الآن عظّمه بالقسم وبوصفه بالحكمة. بعد هذا عظّمه بإضافته إلى نفسه، إلى ذاته العليا قال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) والكتاب يُعظّم من ناحيتين إما من حيث ما أُودع فيه (محتواه) هذا من حيث التعظيم لذاته ومن حيث مرسله، يأتي من جهتين. إما من حيث محتواه، ما هو فيه ومن حيث المرسل إن كان المرسل عظيماً فالكتاب يُعظم، قد يكون الكتاب ليس ذي قيمة لكن يعظم بسبب مرسِله وصاحبه، صاحبه يكون معظّماً لسببين إما أن يكون مرهوباً مخوفاً أو أن يرجى خيره، أحد أمرين. جمع الله ذلك بقوله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) جمع بين الترغيب والترهيب، مصدر التعظيم. العزيز معناه نافذ الأمر مرهوب، الرحيم يعني ذو رحمة ليس متجبراً ولا عاتياً. إذن هو فخّم الكتاب وعظّمه من ناحيتين من حيث الذات باعتباره حكيم، ذات الله عز وجل وذات الكتاب لأنه قال الحكيم وصفه بالحكمة وهي أمر نفيس وعادل. إذن هو عظم الكتاب من ناحيتين من حيث ذات الكتاب لأنه قال عنه حكيم ومن حيث مرسله (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) إذن هو من ناحيتين. وهناك تعظيم آخر للقرآن في السياق وهو المكان المحفوظ فيه قال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) تنزيل يعني كان في مكان عالي قال (تنزيل) إذن كان في مكان عالي محفوظ ثم نُزّل إلى الرسول تنزيلاً. ثم هذا يدل على أمر آخر يدل على رفعة القرآن وعلو مكانته، التنزيل. إذن هو أشار إلى تعظيم القرآن من عدة نواحي القسم به (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) هذا تعظيم ثم وصفه بأنه حكيم (وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) هذا تعظيم بذاته وأنه في مكان عالي وقد نُزّل، هذا تعظيم آخر، ثم أضافه إلى نفسه بصفتي الترهيب والترغيب يعني لم يترك جهة من جهات التعظيم إلا وأشار إليها وذكرها. *ألا يعطي عدم الجمع بينهما نفس الدلالة؟ لا فالعزيز ليس بالضرورة رحيماً والرحيم ليس بالضرورة عزيزاً عنده مال وأشياء أخرى وليس بالضرورة أنه قوي أو أنه صاحب جيش. في الجمع بين العزيز الرحيم دلالة معينة القوة وهي مصدر الرهبة والنِعمة ووالخير والإفاضة على الآخرين مصدر الرحمة. وهناك أمر آخر وهو التعظيم بدليل كلمة (تنزيل) تنزيل أنه في مكان عالي محفوظ، التنزيل يكون من علو وإلا كيف تكون تنزيلاً؟ الكتاب إذا كان ثمين حُفِظ في مكان أمين لا تمسه الأيدي ولا يعبث به العابثون فأشار أنه نزل إلى رسوله تنزيلاً هو في مكان مرتفع في مكان عالي لا تمسه الأيدي (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) الشعراء) في مكان عالي إذن نزّله. القرآن عُظِّم من أكثر من ناحية أولاً القسم به (والقرآن) ووصفه بأنه حكيم وأنه في مكان عالي وأضافه الله إلى ذاته باسمي العزيز الرحيم والترغيب والرهيب. إذن جمع كل ما يفيد التعظيم من حيث دلالته ومن حيث صفاته ومن حيث مرسِله ومن حيث مكانه والقسم به، الذات والمرسِل والصفة والمكان جمع فيه كل أمور التعظيم. * هنا اختار ربنا تبارك وتعالى (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) هل لهذين الإسمين دلالة خاصة وما علاقتهما بالآية والسياق؟ هذان الإسمان إختيارهما له أكثر من دلالة في السورة وأيضاً في السياق، العزيز هو الغالب كما هو معروف وهذا كما قلنا ترهيب لعباده والرحيم الرحمة. نلاحظ هذه السورة مطبوعة بطابع هذين الإسمين الكريمين (العزة والرحمة). أولاً العزة تظهر بنصر أوليائه ومحق أعدائه فذكر أنه أهلك أصحاب القرية بصيحة واحدة (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)) وذكر أن آلهتهم التي يعبدونها لا تغني شفاعتهم شيئاً ولا يتمكنون من إنقاذ من يريدون إنقاذه، إذن هذه الآلهة ليس لها وجاهة لأن لا تُغني الشفاعة والشفيع وجيه لا تغني شفاعته إذن ليس لها وجاهة ولا ينقذون إذن ليس لها قوة، إذن فآلهتهم ليس لها وجاهة ولا قوة (إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23)). وذكر أنه إن شاء أغرقهم فلا معين لهم ولا يتمكن أحد من إنقاذهم إلا إذا أراد هو (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43)) لا صريخ لهم يعني لا معين لهم لا أحد يُصرخهم. (إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا) الرحمة، ثم ذكر أنهم ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم جميعاً فلا يبقى منهم أحد وأنه يحييهم أيضاً بصيحة واحدة (مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49)) ثم قال (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)) كيف تكون العزة؟. ثم ذكر أنه لو شاء أن يطمس على أعينهم أو يمسخهم على مكانتهم لفعل ولا رادّ لمشيئته (وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (67)) ذكر أن أمره ينفذ بكلمة واحدة لا رادّ لها يكون ما يريد وأنه بيده ملكوت كل شيء وليس لأحد سواه شيء (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)) هل هناك أكبر من هذه العزة؟! كلها عزة، إذن السورة مطبوعة بطابع العزة من أولها إلى آخرها ثم الرحمة. (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) هذه العزة في السورة، الرحيم تردد ذكر الرحمة والرحيم أكثر من مرة قال (تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ (11)) (وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ (15)) (إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ (23)) (إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44)) (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45)) (هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ (52)) (سَلَامٌ قَوْلًا مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ (58)) هذه من ناحية الأسماء. ثم ذكر عدداً مبثوثاً من مظاهر الرحمة سبحانه، ذكر ما جعل في الأضر لعباده من جنات وأنهار وما أخرج لهم من حبّ يأكلون منه قال (وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33)) وأنه حمل ذريتهم في الفلك المشحون (وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41)) وأنه خلق لهم من مثله ما يركبون (وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42)) وأنه خلق لهم أنعاماً فهم لها مالكون (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)) وأنه ذللها لهم فمنها ركوبهم وجعل لهم فيها منافع ومشارب تستوجب شكره أفلا يشكرون؟ وجعل لهم من الشجر الأخضر ناراً (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)) وأنه أرسل لهم رسلاً فحذّرهم من عبادة الشيطان وهداهم الصراط المستقيم وغير ذلك من مظاهر الرحمة أيضاً فمظاهر العزة مبثوثة. *إذن مظاهر الرحمة بها مصرَّح وبها ملمّح؟ وكذلك العزة؟ إذن تنزيل العزيز الرحيم تتناسب مع جو السورة على العموم . *لكن أليس هنالك تناقض بين العزة والرحمة في آن واحد؟ الجمع بينهما هذا من أحسن ما يكون . *مرة يخوّف ويرغِّب ويرهِّب هل في هذا دلالة معينة دكتور؟ سأذكرها بعد أن أبيّن أن العزة إذا لم تكن رحمة كانت وبالاً إذا كان الحاكم ليس رحيماً وكان متغطرساً سيكون متجبراً سيهلك الآخرين كلها عذاب فإن لم تكن فيها رحمة فهي وبال وهي صفة نقص. *العزة وحدها لا تكفي صفة مدح؟ لا، حتى تكون معها رحمة. ثم نلاحظ هنالك أمر في ارتباط هذين الإسمين الكبيرين بما بعده في السياق. أولاً نحن لاحظنا اجتماع هذين الإسمين في غير هذه السورة يعني يذكرهم بعد ذكر عدم إيمان الخلق يذكر (العزيز الرحيم)، نلاحظ أمراً هو قال بعد هذه الآية (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) بعد أن قال (تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5)) نلاحظ علاقة هذين الإسمين بهذه الآية (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ) من الأمور الواضحة الظاهرة في القرآن الكريم أنه يذكر هذين الإسمين بعد ذكر عدم إيمان الأكثرين، في سورة الشعراء مثلاً نلاحظ بعد قصة كل نبي مع قومه يقول (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)) ثماني مرات في سورة الشعراء كل مرة يذكر قوم نبي ثم بعد أن يذكر عدم إيمانهم يقول (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ). ليس هذا فقط، وإنما ُُذكر هذان الإسمان تعقيباً على موقف أهل مكة من الرسول صلى الله عليه وسلم قال (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) الشعراء) إذن هي مرتبطة بسياقها ومرتبطة بجو السورة. حقيقة من أسرار هذا الذكر طبعاً من مقتضيات إسم العزيز أن ينصر المؤمنين ويعزّهم ويذل الكافرين ويهلكهم ويمحقهم، مقتضيات الرحمة أن يرحم المؤمنين ويكرمهم وينجيهم ويدخلهم الجنة، هذا من رحمته، ويرحم الكافرين بإلزامهم الحجة لا يعذبهم من غير حجة (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) النساء) هذا من رحمته بهم بعد إقامة البينة عليهم لا يعذبهم من دون بينة، وإنذارهم وتبصيرهم بما سيكون لهم من عاقبة وأن عليهم أن يأمنوا عذابه ويتقوا ناره وأنه أبلغ هؤلاء الكفرة كما أبلغ المؤمنين هذه من رحمته وهم مع كل ذلك يرزقهم ويتقلبون في نعمته كيف يتكون الرحمة؟ هكذا. الحقيقة نأتي إلى السؤال الذي أثرته عن العزة والرحمة كيف تكون، ربنا ذكر ثلاثة أسماء واحداً بالتضمّن وإثنان بالتصريح، التصريح (العزيز الرحيم) والتضمّن (الحكيم) لأنه لما قال (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2)) القرآن هو كلامه موصوف بالحكمة، أليس المتكلم بالحكمة حكيماً؟ بلى، إذن ذكر الحكيم بالتضمّن عندما قال (والقرآن الحكيم) وهو كلامه فيه إشارة إلى حكمته تبارك وتعالى، إذن ذكر إسمين تصريحاً (العزيز الرحيم) وذكر إسماً بالتضمن وهو (الحكيم)، كمال الإتصاف أن تكون هذه من حيث أن العزيز إذا لم يكن حكيماً كان متهوراً يعني تكون العزة من صفات نقصه، العزة تسيطر عليها حكمة، العزة من دون حكمة تهور، هذا نقص، من دون رحمة تسلّط ووبال على الآخرين وأيضاً نقص. الرحمة من دون عزّة ضعف ومن دون حكمة نقص لا يعرف أين يضعها. *من مقتضيات الحكمة أن يعرف كيف يضع عزته ورحمته في مكانها! يعني أن يرحم في مكان الرحمة أما أن يرحم في غير مكان الرحمة هذا لا يصح، ويعزّ في مكان العزة، كل واحد في مقتضاه، الرحمة من دون عزّة ضعف يسخرون منه ومن دون حكمة نقص لأن هناك مواطن ينبغي أن يكون فيها عقوبة. إذن هذه الصفات كلها يكمل بعضها بعضاً. الحُكم من الحكيم وقد تكون من الحُكم . * الحكيم من الحِكمة ومن الحُكم؟ إذن لا تعيين ولا تخصيص دلالة معينة؟ الحكيم من الحكمة ومن الحُكم. لا تعيين ولا تخصيص هو يجمعهم لأن الحكيم في الحكمة والحكيم قال (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ (48) المائدة) الكتاب. * هل المادة اللغوية واحدة (حَكَم)؟ نعم الأصل هو حَكَم وتأتي الحُكم والحكمة هذا من قبيل التوسع في المعنى. في القرآن حكيم وحاكم (وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) هو الحاكم لأنه ناسخ وربنا حكيم وحاكم (إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) الأنعام) (وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) هود) إذن الحكيم فيها حكمة وفيها حُكم والحُكم من دون عزة ولا رحمة لا يصح، هذا من مقتضيات الحكم العزة والرحمة والحكمة فإذن لاحظ هذه الصفات. * يعني بالحكمة تتواءم مع العزة والرحمة والحُكم مع العزة والرحمة والحكمة أيضاً ؟ والعزة معهما والرحمة معهما. * ولو أفرد واحدة دون الاثنتين الأخريين كان هنالك نقص حاشا لله؟ حاشا لله ، له صفات الكمال. * إذن هذه الكلمات مقصودة موضوعة في مكانها لدلالات معينة لا ينبغي أن نحذف كلمة أبداً ليس لأنه كلام الله سبحانه وتعالى لكن هذا سوف يُحدث خللاً في السياق. إذا نزعنا الحِكمة لا يصح العزيز الرحيم فقط ؟ لا يصح. في العقل، في أمور العقل والمنطق لا يصح.
روابط ذات صلة:
  • ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴿٦﴾    [يس   آية:٦]
برنامج لمسات بيانية (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) فكرة عامة عن الآية: (لتنذر) هذه اللام حرف جر وما بعدها منصوب، هذه لام التعليل هي حرف جر وكل لام تنصب المضارع هي حرف جر، كل لام ينتصب بعدها المضارع هي حرف جر لأن النصب بـ(أن) المضمرة بعدها فيكون مصدراً مأولاً (لأن تنذر) فحذف (أن) وكل لام ينتصب بعدها مضارع هي حرف جر هذا عند الجمهور لأن النصب سيكون بتقدير (أن) وأن مصدرية يكون مصد مأول مجرور باللام. الفعل هنا ليس منصوباً باللام وإنما بـ (أن) مضمرة، (أن) والفعل مصدر مجرور باللام إذن هذه اللام حرف جر وكل لام ينتصب بعدها المضارع هي حرف جر هذه قاعدة سواء كان الإضمار واجباً أو جائزاً. إذن أصبح عندنا الآن جار ومجرور، هذا الجار والمجرور متعلق بشيء إما متعلق بنزّل أو تنزيل يعني نزّله لتنذر، أو تنزيل العزيز الرحيم لتنذر، أو بالفعل المحذوف (تنزيل) نعربه مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره نُزِّل تنزيل العزيز الرحيم اللام إما متعلقة بالمصدر أو بالفعل المقدر ويجوز الوجهان. أو يمكن الاحتمال أن يكون متعلقاً بالمرسلين (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3)) لماذا أُرسِل؟ لينذر قوماً. إذن فيها احتمالان أنه نُزِّل لينذر وأنت من المرسلين لتنذر، ليست هناك قرينة سياقية تحدد مهنى معيناً لأن القرآن أُنزل لينذر والرسول  ليُنذر، لماذا أنزل القرآن؟ لينذر، ولماذا أرسل الرسول؟ لينذر، لا نحتاج لقرينة سياقية، هذا توسع في المعنى. الخطاب في الآية للرسول  (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)). إذن إما من المرسلين لتنذر وإما أنزل لينذر. و(ما) نافية (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) يعني لم ينذر أباؤهم فهم غافلون. * ربما هذا يوضح الفرق بين النبي والرسول، النبي يبشر دون كتاب؟ النبي قد يكون لنفسه وقد يكون رسولاً، الرسول هو مبلِّغ الرسالة لأن الرسول قد يكون له كتاب وقد يكون ليس له كتاب ربنا أخبر عن الكتب المعروفة أنها صحف إبراهيم وذكرنا الكتب المعروفة لكن باقي الأنبياء ذكرهم ولم يذكر لهم كتب، لم يذكر عن ذي النون أن له كتاب ولا عن صالح أن له كتاب ولا عن هود أن له كتاب وينذر ويبشّر. فإذن كونه رسول يُنذر وكونه أُنزل له كتاب أيضاً الكتاب يُنذر إذن الإنذار من جهتين. *من هم الغافلون؟ هؤلاء القوم المنذَرين ما أنذر آباؤهم، آباؤهم عبدة أصنام. *ألم يكن لديهم نبي؟ أقرب واحد هو سيدنا عيسى وبينه وبين الرسول أكثر من 500 عام 570 سنة هؤلاء سموهم أهل الفترة ثم عيسى جاء لبني إسرائيل قسم من العرب كان له علاقة معهم ولم يبعث للعرب تحديداً فهم غافلون. * إذن هو يتحدث تحديداً عن قوم سيدنا محمد ومن سبقهم (أهل الفترة) ؟ نعم، هؤلاء لم ينذر آباؤهم فهم غافلون. * إذن غفلتهم من كون آبائهم لم يُنذروا ولو أُنذر آباؤهم لأنذروا أولادهم ونشأوا هكذا؟ ربما عصوا أو خالفوا أو اهتدوا كبقية الأقوام (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)). *غافلون عن ماذا؟ غافلون عن الدين الحق، ربنا تعالى قال للرسول  (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) يوسف) هذا قبل أن تأتيه النبوة الغفلة عن الحق وعن الطريق المستقيم ليس كوصف عام لأن هذا هو المقصود ما يتعلق بالشريعة الحقة الطريق المستقيم الذي يريده ربنا، من أين يعلم هذا الشيء؟ *إذن (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) لا نأخذها على مدار السب والقذف لكنها توصيف حالة بأنهم غافلون عن طريق الله ؟ لا شك هم غافلون عن الشرائع الحقة الني أنزلها ربنا وهي متضمنة في قوله (لِتُنْذِرَ) يعني هم غافلون عن هذا النذير الذي أتى به سيدنا محمد  حتى يذكرهم ويهديهم إلى الطريق لأنهم غافلون عن هذه الطريق لا يعلمون. إذن سبب الغفلة أنهم لم يُنذر آباؤهم، هذا سبب الغفلة عاشوا على ما عاش عليه الآباء وهم لم يُنذروا هم قالوا (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (22) الزخرف) لم يُنذروا. هذا أرجح قول وقسم ذهب أن (ما) إسم موصول أو مصدرية وهذا يحتاج إلى تكلّف كثير هذا يعني أهل اللغة ولا يعني المشاهدين كثيراً. (ما) إسم موصول بمعنى الذي أي الذي أنذر آباؤهم، قالوا لتنذر آباؤهم يعني الذي أنذر آباؤهم الأقدمون إسماعيل لكنهم غفلوا فهم غافلون يعني نفس الإنذار الذي أنذر به آباؤهم الأولون لكنهم غافلون كما تقول إنصح فلاناً كما نصحت أباه فإنه غافل عن ذلك، الغفلة هنا يقصد بها القوم وأنا أميل أن (ما) نافية.
روابط ذات صلة:
  • ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٧﴾    [يس   آية:٧]
برنامج لمسات بيانية (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) * ما معنى حق القول؟ حق القول في القرآن معناه ثبت لهم العذاب. القول هو قوله تعالى (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة). كلمة حق القول إشارة إلى حق القول مني. الذي ورد في القرآن الكريم طبعاً عموم النحاة كلهم يذكرون أن حق القول المقصود به (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) أو (قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) ص) حق القول في القرآن الكريم وكذلك حقت الكلمة لم ترد إلا في ثبوت العذاب هذا يمتد في جميع القرآن استقصاء بإلا بمعنى وجب لهم العذاب أو ثبت لهم العذاب مثال (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) القصص) (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) فصلت) (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) الأحقاف) (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) السجدة) (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) يس) (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) يس) (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) الصافات) (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19) الزمر) (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) الزمر) (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) غافر) (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (97) يونس) (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (33) يونس) كلها لم ترد في القرآن لم ترد إلا بهذا المعنى وهذه الدلالة، حق القول أو حقت الكلمة لم ترد إلا بهذه الدلالة. (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) ذكرنا في الآية الكريمة معنى حق القول قلنا أنه ثبت لهم العذاب ووجب لهم العذاب كما في (حقت كلمة ربك) كما ذكرنا في حينها، وقال (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) ما قال فهم لم يؤمنوا ولم يقل فهم غير مؤمنين، فهم لا يؤمنون يعني في المستقبل، حق القول ثبت العذاب أنهم لا يؤمنون طالما ثبت العذاب عليهم وحقّ ووجب ولو آمنوا في المستقبل لما حق القول، وهذا ما حصل فإن أكثرهم لم يؤمنوا. * ربنا يستشهد بعضهم هنا أن الإنسان لا دخل له؟ ليس للإنسان، هو يتكلم عن كفار قريش عن فئة محددة (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) الكلام إخبار عن أمر معين في مجموعة معينة في قريش وهذا ما حصل فإن أكثرهم لم يؤمنوا وهذا يعتبر إعجازاً لأنه إخبار بشيء قبل حصوله وحصل وهذا يؤيد جانب النبي  ونبوّته لأنه لو آمن أكثرهم لكُذِّبت هذه الآية، هو ما قال فهم لم يؤمنوا هذا كلام عن الماضي لم يؤمن ولكن قد يؤمن في المستقبل، لم يقل فهم غير مؤمنين الإخبار عن لحال غير مؤمنين في الحال لكن قد يؤمنون في المستقبل وإنما قال (فهم لا يؤمنون) إذن هو إخبار (لقد) لام القسم وجواب القسم وقد التحقيق (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) يعني هذا الأمر مفروغ منه، هذا الأمر مقسم عليه وهذا إخبار بالغيب قبل وقوعه وهذا من الأدلة الكثيرة على صدق الرسول . وقال (أكثرهم) للدقة لأن قسم منهم آمنوا وهم قِلّة. * وبرّر أنهم لا يؤمنون؟ ليس فقط لم يؤمنوا لكن أحب أن أذكر أمراً آخر: في القرآن الكريم هذا التعبير (حق القول) أو (حقت الكلمة) هذه لم ترد في ثبوت العذاب في القرآن الكريم، كلمة (حق القول) أو حق عليهم القول أو حقت كلمة ربك لم تأتي إلا بثبوت العذاب. مثلاً (قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) القصص) حق عليهم العذاب، (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) فصلت) (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) الأحقاف) (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) يس) (فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) الاسراء) (لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (72) يس) (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) الصافات) (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19) الزمر) (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) الزمر) (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (33) يونس) (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) يونس) و (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) غافر). نأتي إلى ما ذكرته الآن (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) يس) لم يقل فلم يؤمنوا، هو الآن إخبار بما سيكون لهم في المستقبل وهذا إعجاز إخبار بالأمر قبل أن يقع. * حق القول فيها عذاب؟ (فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) هؤلاء قومك أكثرهم لا يؤمنون حق على أكثرهم فهم لا يؤمنون وفعلاً أكثرهم ماتوا على الكفر. * حتى نطمئن ونهدأ بالاً العبرة هنا بعموم اللفظ أم بخصوص السبب؟ هل هذه فئة معينة من الناس؟ (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) هو يتكلم عن هؤلاء تحديداً (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) وأكثرهم مات على الكفر. لم يقل فهم لم يؤمنوا لو قالها بالماضي يكون إخبار عن أمر وقع، ولم يقل فهم غير مؤمنين. * ألا يُحتج بأن ذلك كتبه الله تبارك وتعالى عليهم وسطّره في قرآنه؟ علِم بذلك، هذا إخبار عن علمه سبحانه وتعالى كما أخبر عن علمه بما سيقع في المستقبل وأخبرهم كما قال (غُلِبَتِ الرُّومُ (2) الروم) وما إلى ذلك من أخبار أخبر بها أنها ستقع ووقعت. * العبرة أنه سبق في علمه تبارك وتعالى، ما كتب هذا بداية وأوقعه على الناس. لا، الآن أخبره بعلمه سبحانه وتعالى وهذا قد تحقق فهذا من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أنه أخبر به ووقع فيما بعد فهذا من الإعجاز. * إذن نظرنا إلى هذه الآية (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) نجد القول تقدّم الجار والمجرور في قوله تبارك وتعالى (عَلَى أَكْثَرِهِمْ) مع أننا نجد أنه ربما يحدث العكس في قوله تبارك وتعالى (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم (25) فصلت) أو (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) يونس) فما سر التقديم والتأخير في هذه الآية؟ في آية سورة يس قدّم القول على الجار والمجرور (أكثرهم) وفي مواطن أخرى قدّم الجار والمجرور فقال (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ (25) فصلت) (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) يونس) التقديم والتأخير كما هو مقرر في علم البلاغة حسب العناية، السياق، ما كانت العناية به أكثر هو مدار التقديم والتأخير عليه، يقدم ما كان مدار العناية إذا كان الاهتمام بالقول أكثر قدم القول وإذا كان الاهتمام بمن حق عليهم القول أكثر يقدم من حق عليهم القول (عليهم). إذن إذا كان الاهتمام بالقول يقدم القول وإذا كان الاهتمام بمن حق عليهم القول بالأشخاص، بالمجموعة يقدّم (عليهم). مثال: قال تعالى (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) فصلت) قدّم (عليهم) من حق عليهم القول لأن سياق الناس فيمن حق عليهم القول الأقوام الذين حق عليهم القول الكلام على أعداء الله ابتداءً في عشر آيات في هذا السياق من الآيات 19 إلى 29 في سورة فصلت (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) الكلام كله عمن حق عليهم القول (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)) كل الكلام على أعداء الله وليس هناك كلام عن القول أو من قال (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24)) إلى أن يقول (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)) السياق كله فيمن حق عليهم القول، في أعداء الله إذن ناسب تقديم (عليهم). في حين قال (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (33) يونس) قدم (كلمة) على الجار والمجرور لأن الاهتمام ليس منصرفاً إلى هؤلاء وإنما الكلام على الله صاحب الكلمة ونعمه واستحقاقه للعبادة فناسب تقديم (كلمة) نذكر السياق (فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)) الكلام عن الله سبحانه وتعالى (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)) الكلام عن الله فذكر كلمته، (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35)) فلما كان الكلام عن الله واستحقاقه للعبادة قدّم (كلمة) ولما كان الكلام على أعداء الله قدّمهم. في آية يس (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)) قدّم القول لأنه لم يقل فيهم إلا (فَهُمْ غَافِلُونَ (6)) والباقي كله ما يفعله الله يعني استحقاق هذه الكلمة أنه جعل في أعناقهم وجعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً، فِعْل ربنا بما تستحقه الكلمة فإذن كل تعبير في مكانه المناسب. حقّ القول يعني ثبت لهم العذاب. * قد يقول قائل حتى في اللغة خارج القرآن محمد بالداخل أو بالداخل محمد، المهم أن محمد بالداخل فما الفرق بين السياقين؟ من الناحية البلاغية أو من مجرد الإفهام العام؟ أنا لو أخطئ في اللغة الآن وأقول حضر محمداً ومحمد حضر فتقول لو قلت محمدٌ!. إذن لا بد أولاً أن تجري على سنن اللغة وليس على مجرد الإفهام العام. حضر محمداً لا تصير على هذا، لا يجوز مع أن السامع يفهم المقصود أن محمد حضر. * خرق الثوبُ المسمارَ، هذا شاهد نحوي؟ عند بعض أهل اللغة هذه لا تقال إلا فيما يتضح فيه الفاعل قطعاً، عند أمن اللبس، (ورد الحوضُ الفرسَ) عند أولئك يجوز هذه لغة خاصة العرب لم يستعملوها وإنما استعملها قوم من العرب قِلّة ولم يستعملوها إلا فيما أُمن فيه اللبس فقط ما استعملوا أكرم محمد خالد. * عندما نقول ضرب موسى عيسى فمن الذي ضرب؟ هنا يجب تقديم الفاعل إذا لم يتبين الفاعل من المفعول إلتزم تقديم الفاعل وتأخير المفعول هذا قاعدة، هذا من حيث اللغة. "أكرم أخي صديقي" من الذي أكرم؟ المقدّم قطعاً هو الفاعل. من حيث الدلالة اللغوية الحقيقية أما أن يتكلم كلاماً هكذا، محمد في الداخل هذا إخبار والمخاطَب خال الذهن لا يعلم أين محمد، في الداخل محمد هو يظن أنه ليس في الداخل وإنما في مكان آخر، هذا جواب لسؤال أين محمد؟ محمدٌ في الداخل هو يسأل عن مكانه فقدّم المكان. أين محمد؟ محمد في الداخل، ذاك إخبار أولي تخبره إخباراً. في الداخل محمد قد يظن أنه في المدرسة وليس في داخل البيت قد يظن أنه في السوق، إذا كان المبتدأ معرفة أما إذا كان نكرة فيجب تقديم الجار والمجرور (ولا يجوز الابتدا بالنكرة ما لم تفد). * إذن يمكن أن نستقرئ مسرح الحالة من خلال الكلمات المكتوبة؟ نستقرأ حال التصور الذهني للمتحدثين والمخاطبين من خلال ما قيل من كلام؟ وعلى هذا النحو جاء القرآن الكريم يقدم ويؤخر؟ صح. وعلى هذا النحو جاء القرآن الكريم لأن هذا من الناحية البلاغية تغني عن النغمة الصوتية لأن أحياناً النغمة الصوتية تؤدي معنى معيناً. من عناصر الجملة النغمة الصوتية، القدامى فطنوا لها يقول إبن جنّي محمد عــالم يمد الألف ويقولون محمد عالم عنده علم قليل، يقولون (عنده علم) يفخمون الصوت في (عنده) للدلالة على علمه الكبير بينما يقولون (عنده علم) بدون تفخيم للدلالة على علمه القليل. *إذن هنالك بعض الرسائل التي تقول الدعـــاء أعذب نهر جرى، هذا له صدى في الدراسات القديمة؟ يقولون سألنا فلاناً فوجدناه إنســاناً (بمد الألف وتفخيم الصوت). نحن نقرأ القرآن بما ورد إلينا من قواعد. * سياق الآية يدلنا دلالة كاملة؟ يغني لأن القراءة ليست فقط تخاطب وإنما كتابة، التخاطب يكون بين اثنين موجودين، المكتوب الآن أكثر من المسموع فاللغة العربية تعطيك المعنى بهذه الجوانب التقديم والتأخير والقطع وما إلى ذلك وهذه المعاني تعطيك المقصود بينما في اللغات الأخرى ليس فيها تقديم وتأخير.
روابط ذات صلة:
  • ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴿٨﴾    [يس   آية:٨]
برنامج لمسات بيانية آية (8): (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) فكرة عامة عن الآية: قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) الأغلال جمع غُلّ حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد أو تجمع بينهما بقصد التعنيف والإذلال والمقمح الذي يرفع رأسه ويغض بصره لأن الأغلال عريضة في أعناقهم إلى الأذقان وهي ضيقة، * من الأيدي إلى الأذقان؟ ذكر الأعناق هنا فقط لم يذكر الأيدي هنا. * سواء كان في الأيدي أو الأعناق فهو غل؟ نعم، لكن عندما قال (إلى الأذقان) يعني هي شملت كل العنق، عريضة لم تترك شيئاً إلى الذقن، وهي ضيقة عريضة فلا تدعه يتحرك لا يستطيع أن يحرك رأسه ولا أن يطأطئ عنقه ولذلك قال (فهم مقمحون). * ما معنى الأغلال وما معنى مقمحون؟ الأغلال جمع غُل وهو حلقة من حديد تحيط بالعنق أو باليد، قَيْد، أو تجمع بينهما (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ (29) الإسراء). المُقمَح الذي يرفع رأسه ويغضّ بصره. لأن الغلّ يمنعه لا يستطيع أن يتحرك فهو إذن في حالة رافع رأسه لكن يغض البصر لا يستطيع أن يتحرك. جعل في أعناقهم أغلال ثقال أطواق من حديد غلاظ عراض المساحة تستوفي كل العنق فيبقى هكذا لا يستطيع أن يحرك رأسه، مرفوع الرأس مغمض العينين. لا يستطيع أن يلتفت لأن الأغلال تقيّد حركته. هؤلاء إذن لا يتمكنون من الرؤية ولا البصر ولا يهتدون لأنه هذه حالهم فكيف يهتدون؟ فإذن هم بهذه الصورة العنق كله في طوق ثقيل غليظ ليس واسع المساحة إلى العنق بحيث لا يتمكن أن يلتفت ويطأطئ رأسه إذن هو رافعاً رأسه (فهم مقمحون) بيان لحالتهم أن هؤلاء لا يهتدون لأنهم لا يبصرون، لا يبصر فكيف يهتدي؟! هذه حالتهم ولا يمكن حتى أن يلتفتوا لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، يتخبط، هذه حالهم. ذكرنا في قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8)) فبيّنا الغُل وقلنا هو حلقة من حديد وذكرنا أنه جعل في أعناقهم أغلالاً يعني طوق من حديد، هذه الأطواق ثِقال عِراض من حيث تشمل الرقبة كلها ليست واسعة الفتحة فهم لا يستطيعون الإلتفات يميناً أو يساراً أو أن يطأطئ رأسه فيبقى رافع الرأس، المقمح هو الرافع رأسه الغاضّ بصره. * إذا نظرنا في هذه الآية سيدي الدكتور فاضل في قوله (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً) نعلم أن المفعول به غالباً يكون مرتبطاً بفاعله فلِمَ التقديم والتأخير بين (في أعناقهم أغلالاً)؟ التقديم والتأخير بحسب السياق والمقام الذي يرد فيه كما هو معلوم. فالكلام الآن عن الأغلال أو عن هؤلاء الناس؟ لم يذكر شيئاً من صفات الأغلال ولا شيء وإنما هو كل الكلام عنهم (في أعناقهم، فهم مقمحون، وجعلنا من بين أيديهم سداً، لقد حق القول على أكثرهم،) إذن ليس الكلام عن الأغلال وإنما الكلام عليهم، هكذا هو السياق (لقد حق القول على أكثرهم، وسواء عليهم أأنذرتهم) فلما كان الكلام عليهم قدّمهم، ليس الكلام عن الأغلال ليس هناك صفة للأغلال ولا ذكر شيئاً متعلقاً بها قال فقط (أغلالاً) ولم يقل فهي إلى الأذقان وإنما قال فهم مقمحون. لما كان الكلام عليهم هم قدّم ما يتعلق بهم. * هل هذا الأسلوب مُتّبع في اللغة الأعلى؟ هذه في اللغة العليا في البلاغة والتقديم والتأخير بحسب ما يقتضيه المقام والسياق فمرة يقدم الأفضل ومرة يقدم المفضول ومرة يقدم الأضعف ومرة يقدم الأقوى ومرة يقدم الأسبق في التربة وهكذا بحسب السياق. * تسمح لي كإبن لك يتعلم منك، إذا قيل مثلاً إنا جعلنا أغلالاً في أعناقهم سنوجد المبررات لهذا أيضاً ونقول أنه اهتم بالأغلال فقدّمها؟ لكن لم يذكر شيئاً يتعلق بها، * إذن حتى الإهتمام لا بد له من قرينة سياقية؟ (لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) كل الكلام وكل السياق يتعلق بهم وليس بالأغلال ليس إلا هذه العبارة (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) الباقي أولها وآخرها وكل السياق هو الكلام عنهم. * إذن فهم الكلمة القرآنية يتأتى من خلال نظم الكلمات داخل الآية ليست مجرد وجهات نظر؟ أحياناً تكون مثل القانون الرياضي، أحياناً تكون الأمور ليس فيها اجتهاد - لمن يعلم- ، مثل الحكم النحوي مثلاً فاعل مرفوع، أحياناً تكون هكذا كأنه هو حُكم رياضي. * في الآية التي تفضلت بها (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) نلاحظ سيدي أن الله سبحانه وتعالى قال (من بين أيديهم) ولم يقل وجعلنا بين أيديهم سداً فماذا أفادت (من) هنا؟ حتى قبلها قال (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ (8)) أكّد بـ(إنّ) وأسند الجعل إلى نفسه حتى تأتي كلها (وجعلنا) لم يقل لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً نسبه إلى نفسه دلالة على أنه لا يتمكن أحد من إزالة هذا الأمر أو من فك هذه الأغلال، إنا جعلناها هكذا مؤكدة بنسبة الجعل إليه سبحانه هو. لو قال لقد جُعلت في أعناقهم أغلالاً يأتي واحد ويقول نفك الأغلال هذه، * السياق يحتمل هذا؟ لو قال هكذا، لكن عندما أسندها مؤكد إلى نفسه معناها ما قدّره الله حصل
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴿٩﴾    [يس   آية:٩]
برنامج لمسات بيانية (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) * لماذا بدأ تعالى بقوله (من)؟ الآن في ذهني أنك سألت عن التقديم والتأخير قبل قليل في الآية التي سبقت (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا) قدّم الأعناق على الأغلال لأن الكلام عليهم وليس عن الأغلال، لم يتكلم عن الأغلال شيئاً بينما الكلام عليهم هم. في هذه الآية تكلم تعالى عن الذين لا يؤمنون أنهم مقمحون وصف حالتهم فقدّمهم ولم يتكلم عن الأغلال. نأتي للآية الكريمة (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) أيضاً بالمناسبة لم يقل سداً من بين أيديهم لأن الكلام عليهم وليس عن السد، لم يتكلم عن السد وإنما الكلام عنهم مثل الآية السابقة (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا). يبقى السؤال لماذا ذكر (من)؟ لماذا لم يقل جعلنا بين أيديهم سداً؟ (من) تفيد ابتداء الغاية يعني جعل السد ليس بينهم وبين السد أي فاصل، (مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) يعني ليس هناك فاصل بين السد وبين أيديهم لو قال بين أيديهم تحتمل المسافة القريبة أو البعيدة (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6) ق) كم بينك وبين السماء؟! كثير، ما قال من فوقهم لا يصح. (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) الملك)، (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (10) فصلت). (من) كما ذكرنا تفيد ابتداء الغاية فلما قال (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا) يعني متصل بهم ليس بينهم وبين السد مسافة وإنما السد ملتصق بهم لو قال (بين أيديهم) تحتمل هذا وتحتمل المسافة البعيدة وذكرنا مثالاً (أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ (6) ق) لم يقل من فوقهم لأنها مسافة بعيدة. (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) الملك)، وقال تعالى في فصلت يتكلم عن الأرض (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (10) فصلت) لأن الجبال هي ملتصقة بالأرض ليس بينها وبين الأرض فاصل لذلك لم يقل رواسي فوقها، (فوقها) تحتمل الملاصقة وعدمها أما (من فوقها) فتهني الملاصقة. وفي مناسبة ذكرنا العرش في يوم القيامة (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ (75) الزمر) ليس بينهم وبين العرش فراغ ولو قال حول العرش تحتمل. إذن عندما قال (من بين أيديهم ومن خلفهم) يعني سد من بين أيديهم ليس بينهم وبينه فاصل ومن خلفهم سد ليس بينهم وبينه فاصل فيمنعهم من الحركة، هم بين سدين. المراد بالمعنى البسيط من الآية أنهم لا يمكن أن يتحركوا فيهتدوا إلى الطريق، هذه حالهم هم محجوزون، في هذه الحالة الطوق في عنقه ومقمح الرأس فكيف يهتدي؟! (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) الصراط يراد له سالك هؤلاء كيف يسلكون؟! كيف يهتدون؟ هؤلاء معناه أنهم لا يمكن أن يهتدوا، هؤلاء مثلهم كمثل هذا فكيف ينتقل من الكفر إلى الإيمان؟ قال تعالى (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) الصراط يراد له مشي وهنا ذكر ما يمنع السير، السد يمنع السير وعدم النظر يمنع السير. *ما دلالة تقديم (من بين أيديهم) على السد؟ ذكرنا أن الكلام عليهم هم وليس على السد لم يتكلم عن السد سوى أنه جعله بين أيديهم ومن خلفهم. فلما كان الكلام عليهم والسياق فيهم هم قدّم ما يتعلق بهم قال (من بين أيديهم) الكلام ليس على السد وإنما عليهم هم. * ما دلالة (ومن خلفهم سداً) مع أنه ذكر أنه جعل من بين أيديهم سداً وهذا يمنعهم من الحركة؟ لم يقل هذا فقط وإنما قال (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)، يعني هو ليس فقط جعل السد وإنما أغشاهم فكيف يبصرون؟! زيادة في عدم الإهتداء. منع طريقة أن يجوزوا على الصراط بالأغلال في الأعناق وبالسد من بين أيديهم ومن خلفهم وأغشاهم فهم لا يبصرون. لماذا ذكر السد من خلفهم؟ الآن سائر في طريق فانقطع عليه الطريق ماذا يفعل؟ يرجع إلى مكانه، لكن إذا جعل من خلفه سداً لا يستطيع العودة إذن هو في مقام الهلكة، لا يستطيع أن يذهب إلى الأمام ولا أن يرجع إلى مكانه إذن جعل السد من خلفهم حتى يمنعه من العودة إلى مكانه فهو قطع الطريق عليه من الأمام فأراد أن يرجع إلى مكانه لم يستطع لأن هناك سد من خلفه إذن هو بقي في مكانه حتى يهلك لأن هذا المكان هو مهلكة يبقى في مكانه إلى أن يهلك لم يرجع إلى مكانه ولم يتقدم. * قال (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا (9)) لماذا ترك الجانبين ولم يأت بأربع جهات؟ هو قال (فأغشيناهم) يعني غطاهم أيضاً فهم لا يبصرون. ثم نأتي للسؤال لماذا ترك الجانبين؟ * فأغشيناهم بمعنى عشّينا عليهم؟ نعم جعل عليهم غشاوة إما بالسدّين أو إضافة إلى السدّين غطاهم كلهم. أما السؤال لماذا ترك الجانبين؟ هو عندما قال (مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) فهم لا يستطيعون الحركة منهم من الحركة إذا هم لا يستطيعون الحركة لا إلى اليمين ولا إلى اليسار لما كان السدين ملتصقين بهما كيف يتحركوا؟ لا يستطيعوا أن يتحركوا. ثم أغشاهم لا يبصرون كيف يتحركون؟ لا يعلمون أين يذهبون، ومنعهم من الحركة أصلاً. وقالوا إذا اتجهوا إلى اليمين سيكون السدّ أمامهم جعلهم بين أيديهم وإذا اتجهوا إلى اليسار أيضاً سيكون السد من أمامهم ومن خلفهم لأنه ملتصق بهم، انتهت المسألة والتكرار لن يضيف شيئاً. فهو منعهم من الحركة والإبصار في كل الأحوال لا يبصرون ولا يتحركون. * هل تكرار كلمة السد له دلالة معينة؟ طبعاً، السد الثاني غير السد الأول، هذا غير هذا، هذا نكرة فتكرارها له دلالة، مثل: رأيت رجلاً وأكرمت رجلاً يعني الرجل الثاني غير الأول وإلا قلنا رأيت رجلاً وأكرمت الرجل هو كما في قوله تعالى (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (16) المزمل) هو نفسه لو قال فعصى فرعون رسولاً لكان غيره. إذن السد من خلفهم غير السد من بين أيديهم سد من الأمام وسد من الخلف السدان منفصلان تماماً والتنكير هنا له دلالة معينة. لو قال (السد) لدل على أنه نفسه. * ما الفرق بين دلالة كلمة (خلفهم) و(بعدهم) ؟ بعد نقيضة قبل وأظهر استعمال لها في الزمان. أما خلف فهي نقيضة قُدّام (وهي في الغالب للمكان) هذا من حيث اللغة. والخلف في اللغة هوالظهر أيضاً. أحياناً لا يصح وضع إحداهما مكان الأخرى فلا يمكننا أن نضع خلف مكان بعد ففي هذه الآيات لا يمكن أن تحلّ خلف محل بعد (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) البقرة) (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) البقرة) (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ (230) البقرة) (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) آل عمران) لأن كلها متعلقة بالزمان. أما خلف فهي في الأصل للمكان، (ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) الأعراف) (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) يس) (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) البقرة) (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) النساء) أي يلونهم مباشرة كأنهم واقفين خلفهم وكذلك قوله تعالى (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)). * قال تعالى في سورة البقرة (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ (7)) لم يقل هذا في سورة يس مع أن المعنى واحد فما دلالة هذا؟ في يس ضمن ما ذكر في البقرة لأنه عندما قال (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) كأنما ختم على ابصارهم غشاوة، عندما جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم معناه أنهم لا يسمعون أغشاهم لأن السد عالي فكيف يسمعون؟ أغشاهم إما بالسد أو بغشاء آخر فكيف يسمع؟ إذن ذهب السمع وذهب البصر إذن كيف يفقه؟ منافذ العلم سُدّت إذن هو لا يسمع ولا يبصر ولما كانت منافذ العلم مسدودة معناه لا يفقه بمعنى أن الله ختم على قلوبهم لكن لماذا كان التعبير بصورة أخرى؟ لماذا هناك قال ختم الله على قلوبهم تصريحاً وعلى سمعهم وهنا قال (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) مع أن هذا يفضي إلى ما في البقرة؟ ذكرنا قبل قليل ربنا تعالى قال في سورة يس (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) والصراط للسير فذكر ما يمنع السير مناسبة لذكر الصراط وهو يفضي إلى ما في البقرة لكن هو المناسب، ذكر ما يمنع السير وهو السد الذي يمنعه من الذهاب إلى الصراط، يمنعه أن يسير في ، أليس الصراط للسير؟ هو ذكر ما يمنع السير فهو أنسب لذكر الصراط فلما قال (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) ذكر ما يمنع السير الأغلال التي تمنع والسد. بينما في البقرة قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)) هذا يتعلق بالإيمان بالغيب والتقوى، إذن المسألة متعلقة بالإيمان والتقوى في سورة البقرة والتقوى محلها القلب كما قال  التقوى هاهنا وأشار إلى قلبه فقال (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ) فكيف يتقون؟ هو قال (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) والتقوى هاهنا فكيف يتقي؟! لا يستطيع. ثم ذكر أنه ختم على السمع وعلى الأبصار غشاوة فكيف يؤمن إذا ليس له قلب؟ إنسدت منافذ العلم والتقوى والهدى كلها انسدّت، إنسدت منافذ التقوى السمع والبصر والقلب كما إنسدت الطرق أمام الذي على الصراط فلما كان الكلام على الصراط ذكر ما يمنع من الصراط ولما كان الكلام على التقوى والإيمان ذكر ما يمنع من الإيمان والتقوى. مع أن أحدها يفضي إلى الآخر لكن كل واحد أنسب لسياقها فواحدة أنسب للصراط والثانية أنسب للتقوى والإيمان فكل واحدة مناسبة لمكانها. * هل الغشاء متصل بالسمع أم متصل بعدم الإبصار؟ هو قال (فأغشيناهم) إذا أغشاهم إذن فكيف يسمع؟ * ربما نفهم (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) لا يبصرون نتيجة الغشاوة الموجودة؟ تمام، والسمع أيضاً السمع واضح أنه لا يكون. * إذن هم في عزلة؟ هم في عزلة وإذا انسد السمع والبصر كيف يفقه؟! لكن يبقى السؤال لماذا هذا الاختيار؟ما السبب في أنه اختار، هذا السؤال الذي تفضلت به؟ (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9)) ما سبب الإختيار في كل من الموضعين؟ لماذا لم يقل كما قال في ختام آية البقرة (ختم على قلوبهم)؟ هذا السؤال. طبعاً لو قرأنا الآيات في كل موطن من الآيتين قال (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) ما الغرض من الصراط؟ الصراط هو الطريق والغرض أن يسير عليه، ذكر الصراط للسير وهو ذكر في يس ما يمنع السير (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9)) قال (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) فذكر ما يمنع السير على الصراط. وجود السد من بين ايديهم ومن خلفهم سيمنعهم من السير فمناسب مع ما ذكر (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) لأن الغرض من ذكر الصراط هو السير فيه، الآن ذكر ما يمنع السير على الصراط المستقيم وهو السدّ، قطع الطريق عليهم بينما في البقرة قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)) إذن يتعلق الأمر بالإيمان والتقوى ليس في السير، * سياق مسرح الأحداث أو سياق الحالة تحتلف. (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)) هذا غير أمر، ذاك السير والصراط وهذا ما يتعلق بالإيمان والتقوى. والتقوى في القرآن وفي حديث يقول (التقوى هاهنا) في القلب فقال (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7)) فمن أين تأتيهم التقوى؟! وذكر انسداد منافذ العلم والإيمان (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)) إذن منافذ الإيمان انسدت والتقوى ختم على قلوبهم فمناسب كل واحدة مناسبة للسياق الذي ورد فيه لما قال (عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (4)) ذكر ما يمنع السير على الصراط (السد) وعندما ذكر التقوى ذكر ما يمنع من التقوى والقلب. * يعني هو في الحالين ذكر ما يمنع من المراد الموجود في السياق؟ مع العلم أن المفهوم العام هو أيضاً كل واحدة تؤدي لكن ذكر كل واحدة بما هو مناسب للسياق الذي ورد فيه. * والله هناك سؤال يحيرني أسأل أم لا أسأل وليعذرني المشاهدون وليعلمني الدكتور: هل الله سبحانه وتعالى كان يقصد كل هذا الذي نفهمه الآن ونفسره؟ هذه الكلمة هنا وتلك توضع هنا وهذه لا توضع هنا؟ هل هو مقصود في حد ذاته؟ كل لفظة وكل تغيير في لفظة أو اختيار مرادف على آخر أو اختيار لفظة على أخرى هو مقصود قصد تام دقيق حتى الكلمة لما يحذف منها أو يجعلها كما هي (توفّاهم – تتوفاهم) (تنزّل – تتنزل) (يضّرعون – يتضرعون) كله مقصود كل حرف كل اختيار كل كلمة لا نعلم إلا الأمر القليل من ذلك وما أودعه من الأسرار هذا أكبر مما عندنا بكثير ولذلك في الأثر يقولون أن ربنا يجمع المفسرين يوم القيامة في الجنة ثم يبدأ يفسر فكأنهم لم يعلموا شيئاً ولم يعرفوا شيئاً. * يفسره الله تبارك وتعالى؟ نعم يجمع المفسرين فيفسره لهم. * ويبدو أنهم لا يعلمون شيئا؟ لا إله إلا الله. إذن هذا الكلام مقصود لذاته؟ طبعاً. ومقصود ما هو أكثر من ذلك ونحن لا نعلم إلا القليل. *(وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)) لماذا لم يتكرر فعل (جعلنا) كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) النبأ)؟ التكرار يفيد التوكيد في الغالب. هل المطلوب السير إلى الأمام أو الرجوع؟ السير إلى الأمام، إذن ليسا بمنزلة واحدة الرجوع ليس كالسير إلى الأمام. السير إلى الأمام يكون عندك هدف والأهم هو السير إلى الأمام قال (وجعلنا) إذن العودة إلى الخلف ليست بمنزلة السير إلى الأمام فلم يقل (جعلنا) لأنهما ليسا بمنزلة واحدة ولو قال (وجعلنا من خلفهم سدا) يدل على أنهما بمنزلة واحدة بينما إلى الأمام ليس كـ إلى الخلف. بينما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) النبأ) كلاهما لا تقوم الحياة إلا بهما وهما بمنزلة واحدة لا تصلح الحياة بأحدهما لا تصلح الحياة بليل لا نهار فيه أو نهار لا ليل فيه وقال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) القصص) هذان بمنزلة واحدة للحياة الليل والنهار لا تصلح الحياة بأحدهما فكرر (جعلنا) أما في سورة يس فليسا بمنزلة واحدة. * ولما قال (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا)؟ الليل والنهار كلاهما للإنسان لا بد كلاهما لا يمكن أن تكون حياة بلا ليل ولا نهار. * هنا لو قال (وجعلنا الليل لباسا والنهار معاشا)؟ لا كلاهما بنفس المنزلة ولو قال هذا لكان المعنى أن الليل أهم من النهار. (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) القصص) النوم والحركة كلها مطلوبة لا بد منها فهما بمنزلة واحد فكرر جعلنا. * تكرار الفعل جعلنا يدل على أنهما بنفس المنزلة؟ توكيد. * وذكره أمامه واحدة وعدم ذكره أمام الثانية؟ ليسا بنفس المنزلة.
روابط ذات صلة:
  • ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠﴾    [يس   آية:١٠]
  • ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ﴿١١﴾    [يس   آية:١١]
برنامج لمسات بيانية (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10)) هما أمرين، هذه أو تلك السواء تقتضي هذه أو تلك. * إذا كان الإنذار وعدمه سواء فلماذا ينذر؟ أولاً ربنا أجاب عن هذا فألزمهم الحجة (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) الأعراف) حجة عليهم، إذن الغرض إقامة الحجة والإعذار، هذا من ناحية ثم إذا كان الوعد والإنذار بالنسبة إليهم فليسا سواء بالنسبة إليه لم يقل سواء عليك أأنذرتهم وإنما قال سواء عليهم أأنذرتهم، هو مكلف بالدعوة حتى لمن لا يستجيب لا تسقط عنه حتى لمن علم أنه لا يستجيب فعليه أن يدعو ليس عليه سواء ولكن عليهم سواء هو لا يقف عن الدعوة هذا الأمر وهذا الإنذار في غاية الأهمية لا يسقط حتى لو علم أن هؤلاء سواء عليهم الإنذار لأنه هؤلاء المنذورن المكذبون قد يستهزئون أمام آخر فيسمع فيدخل في عقله شيء مما يسمع، وقد ينقلون شيئاً إلى شخص آخر من باب النقل فيقتنع، قد لا يقتنعون هم لكن قد يقتنع من يسمع. إذن يكون سواء الإنذار عليهم وليس عليه، الإنذار لا يسقط ولا بد أن ينذرهم سواء كان الإنذار عليهم وعدمه سواء أو لم يكن، هم لا يلقون بالاً لهذا ولكن هذا يدخل في صحيفة أعماله أنه بلّغ وفيه حسنات حتى هو ليس مكلفاً أن يستجيب هؤلاء أو لا يستجيبون وإنما هو مكلف بالتبليغ. هذا توصيف لحالهم وليس إلزاماً لهم لكي يقيم الحجة عليهم ولذلك (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10)) بالنسبة إليه إذا أنذر هذا دخل في صحيفة أعماله أنه بلّغ فتكتب له حسنات، هذا المبلِّغ الذي يبلّغ تكتب له الأجور وإن لم يستجب أولئك (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ (33) فصلت) إذا كان الإنذار وعدمه سواء عليهم فليس سواء عليه فهو في كل حال مستفيد دخلت في قائمة حسناته حسنات إذن هي ليست سواء عليه وإنما عليهم سواء هو يبلّغ في كل الأحوال حتى لو علم أن هؤلاء لن ينفع معهم يبلِّغ فيقيم الحجة وتكتب له حسنات وإشارة إلى أن الدعوة إلى الله لا تسقط في حال من الأحوال وتقام الحجة عليهم وهو منتفع ترتفع درجاته ومنزلته في الجنة وقد يستفيد عن طريق هؤلاء بالنقل قد ينتفع آخر بما يقوله هؤلاء سواء عن طريق الاستهزاء أو القول أو التندر قد يستفيد غيرهم. * هذا السياق بهذا التركيب (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10)) ألا يجعلنا نفهم أن الأمر للرسول من قبل الله عز وجل طالما أنه ختم عليهم هكذا فلا يبلغهم والدليل (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)) هذا قصر لمن يبلغ ولمن ينذر (صلى الله عليه وسلم)؟ ذاك تنذر إنذاراً نافعاً ولا تعني لا تبلِّغ إلا أولئك لأن هؤلاء لا يسقط عنهم الإنذار وإنما ينفع الإنذار من اتبع الذكر وخشي الرحمن إن كان هؤلاء لا ينتفعون. هذه قصر الفائدة وليس قصر الإنذار والتبليغ (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)) هؤلاء يستفيدون من الإنذار وليس قصر الإنذار على هاتين الطائفتين. الإنذار ينفع صنفين صنف الذين اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب والصنف الآخر الذي ليس مقمحاً وإنما من يسمع ويقبل من كان حياً يسمع النصيحة ويقبل ولذلك هم قالوا من اتبع أكثر المفسرين قالوا معناها من اتبع ومن يتّبع لأن الفعل الماضي قد يأتي للمستقبل (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ (149) البقرة) خرجت فعل ماضي ولكنها تفيد المستقبل. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) البقرة) هذه أفعال ماضية، التوبة قبل الكتمان أو بعد الكتمان؟ بعد الكتمان، وقال (يكتمون) ما قال كتموا. هذا موجود في اللغة قد يأتي الماضي للدلالة على المضارع. * ما معنى للإعذار؟ للعذر، قد يقولون أنت لم تنذرنا فكيف تقيم علينا الحجة؟! حتى تقيم الحجة عليهم (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ) لتقيم الحجة عليهم (قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ) من حيث البلاغ بلّغنا. ثم إذا كان الإنذار وعدمه سواء بالنسبه لهم فليسوا سواء بالنسبة إليه * بالنسبة لمن؟ بالنسبة للمنذِر، للرسول. * الخطاب لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؟ طبعاً، هو قال سواء عليك أو سواء عليهم؟ سواء عليهم إذن ليس عليك سواء أنت هذه المهمة لا بد أن تقوم بها. * وكونهم يؤمنوا أو لا يؤمنوا هذا أمر آخر؟ هذا أمر آخر أنت مكلّف بالدعوة هذه لا تسقط، الإنذار لا يسقط حتى لو علمت أنهم لا يستجيبون. الإنذار عظيم ولذلك لم يقل سواء عليك فيكون عمله هباء ثم يدخل هو في صحيفة الأعمال الحسنة له سواء استجابوا أم لم يستجيبوا هو دوّن حسنات، إذن ليسوا سواء بالنسبة لهم. * هو حجة له وحجة عليهم؟ وأحياناً قد يستفيد آخر سامع قد يكون بالنسبة لهؤلاء سواء عليهم لكن حتى لو نقل هذا أو سمع أحد هذا عن طريق الاستهزاء قد يقتنع شخص آخر، محتمل. أحياناً أنت تنقل كلاماً عن شخص وأنت كأنما تستهزئ به لكن السامع يقتنع به فقد ينتفع آخر بهذا الإنذار إن لم ينتفع هؤلاء فقد ينتفع آخر مما يسمعون. ثم أنت عليك أن تبلِّغ سواء استجابوا أم لم يستجيبوا (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ (40) الرعد) وهذه في قائمة حسناته على كل حال. * هل نفهم من هذا أن الله تبارك وتعالى قضى عليهم أنهم لن يؤمنوا أبداً؟ علِم ذلك. * ربما في خارج القرآن نقول أنذرتهم أو لم تنذرهم؟ لا، بعد همزة التسوية تأتي أم وليس أو، هذه قاعدة وأم غير أو أصلاً. لاحظ سندخل في حكم نحوي: أنت تقول هل عندك فلان أو فلان؟ لا يجوز أن تقول عندك فلان أم فلان؟ لا يصح. لما تقول هل عندك فلان أو فلان؟ تقول نعم أو لا، يعني هل عندك أحدهما؟ * يعني هل عندك محمد أو أحمد؟ هل عندك واحد منهما؟ * هذا أو ذاك. بماذا ستجيب؟ * نعم عندي فلان. هذه للتصديق، بينما (أم) للتعيين أعندك فلان أم فلان؟ تقول عندي فلان ما تقول نعم. * إذن الأول للاستخبار هو موجود أو غير موجود هذا أو ذاك، لكن الثانية يحتمل أن أحدهما موجود؟ تعيين طبعاً، (أم) للتعيين ولذلك تقع بعد الهمزة لا تقع بعد (هل). قال تعالى (هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ (93) الشعراء) لم يقل (أم) يعني لا هذا ولا ذاك، هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ لا هذا ولا ذاك، هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟ لا هذا ولا ذاك، (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) مريم) ستجيب عنها لا، أما (أم) فهي للتعيين.
روابط ذات صلة:
  • ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿١٦﴾    [يس   آية:١٦]
  • ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿١٧﴾    [يس   آية:١٧]
برنامج لمسات بيانية آية (16): (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)) فكرة عامة عن الآية: بعدما بالغ أصحاب القرية في تكذيبهم وردهم رداً غير جميل لم يتركهم رسل الله ولم يرحلوا عنهم وإنما أقسموا على صدقهم واستمروا على إبلاغهم دعوة ربهم قائلين (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) وفي هذا توجيه للدعاة أن لا يسأموا إذا جوبهوا بما يكرهون أو رُدوا رداً غير جميل أو اتهموا باتهامان باطلة بل عليهم أن يعيدوا النصح والتبليغ. وقولهم (ربنا يعلم) يجري عند العرب مجرى اليمين ويجاب بما يجاب به القسم فقوله (علم الله) و(ربنا يعلم) وما إلى ذلك هو نوع من القسم في كلام العرب ولذا أجيب بما يجاب به القسم وهو الجملة الإسمية المؤكدة بـ(إن واللام). * هذا قسم بمثابة (والله)؟ المسألة ليست مثل (والله). أصلاً هم يقولون من قال (ربنا يعلم) وهو غير صادق فقد كفر ليست مثل حنث اليمين لأنه نسب الجهل إلى الله. كثير من المفسرين يقولون إذا قلت ربنا يعلم وعذا الكلام غير صحيح فقد نسبت الجهل إلى الله فقد كفرت يعني ليست مثل (والله). * ليست مجرد حنث اليمين. يعني لو سألتني عن شيء من أمور الحياة وقلت ربنا يعلم؟ لا إذا إذا كنت تنوي القسم واستبدلت، يعلم الله وأنت تعلم أن هذا غير صحيح وأنت تعلم أن هذا غير صحيح، كأنك نسبت الجهل إلى الله تعالى أنت قلت ربنا يعلم فكأنه هو جاهل عنها لا يعلم. * سلِّم يا رب. إذن هي ليست مجرد القسم؟ ليست مجرد قسم وإنما هي مسألة خطيرة ولذلك هم قالوا (ربنا يعلم) نسبوا العلم إلى الله. واختيار هذا التعبير أنسب شيء هنا فإنه إضافة إلى القسم الذي فيه فإنهم نسبوا العلم إلى الله فقالوا (ربنا يعلم ذلك) فإنهم أرسلوا بأمره وبعلمه. وهو ههنا أبلغ من مجرد القسم بأن نقول (والله) أو (وربنا) فإن أصحاب القرية قالوا إن الرحمن لم ينزل شيئاً وإنكم تكذبون فيما ادعيتم به فرد عليه الرسل بأن ربنا يعلم صدقنا وإننا مرسلون إليكم. وقيل إن من قال (يعلم الله ذلك) وهو غير صادق فيما يقول فقد كفر لأنه نسب إلى الله الجهل بخلاف اليمين الكاذبة. * مثل ذا النون (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا (87) الأنبياء)؟ كلا، هم لم يتركوهم ولم يرحلوا عنهم بل استمروا على تبليغهم بالدعوة وهذا توجيه للدعاة أن لا يسأموا إذا أجيبوا إجابة شديدة أو ردوا رداً غير جميل أو اتهموا اتهامات باطلة عليهم أن يثبتوا، عليهم أن يعيدوا النصح ويثبتوا. هذا توجيه لكل متصدي للدعوة أن لا يترك بمجرد أنه سمع كلاماً. * يعني لا نقول (اللهم قد بلغت اللهم فاشهد) من أول مرة نقول هذا الكلام! سيدنا النبي عليه الصلاو السلام قالها بعد 23 عاماً! علينا أن نكرر، هذه فيها درس كبير للدعاة. * اختيار الرب قالوا (رَبُّنَا يَعْلَمُ) ولم يقولوا الله يعلم؟ اختيار (الرب) مع الرسالة أنسب شيء فإن الرب هو المربي والهادي والهداية هي المقصودة من الرسالة ولذلك كثيراً ما يقترن الإرسال بالرب وذلك نحو قوله تعالى (لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا (134) طه) وقوله (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا (47) القصص) وقوله (لقد أبلغتكم رسالة ربي (79) الأعراف) وقوله (إني رسول رب العالمين (46) الزخرف). وإضافته إلى ضمير المتكلمين (ربنا) يعني أن ربهم الذي خلقهم وله كمال الصفات هو الذي أرسلهم وأيدهم بالمعجزات ولو قالوا (ربكم يعلم...) لاحتمل أن يقولوا لهم: إن ربنا لا يرسل الرسل. ثم إنهم اتخذوا أرباباً لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه فكيف ترسل الرسل؟ ثم إن ذلك يعني أن ربهم هو الذي أرسلهم إلى أهل القرية لأنه ربهم أيضاً ولو لم يكن ربهم لم يعنه أمرهم فإضافة الرب إلى ضمير المتكلمين له أكثر من مناسبة ودلالة. وتقديم الرب على الفعل يفيد التوكيد والتقوية. وتقديم الجار والمجرور (إليكم) يفيد التخصيص أي إنا أرسلنا إليكم على وجه الخصوص لنبلغكم رسالة ربنا. وقال ههنا (لمرسلون) باللام وقبلها (مرسلون) بلا لام وذلك زيادة في التوكيد لزيادة الإنكار. فقد أكد العبارة الأولى بـ(أن) بعد التكذيب فلما زاد التكذيب والإنكار بثلاث جمل كل منها غاية في التكذيب والإنكار زاد في التأكيد. فقد قال في المرة الأولى (إنا إليكم مرسلون) وفي المرة الأخرى (ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) فأكد بالقسم وهو قوله (ربنا يعلم) وبالجملة الإسمية وهو تقديم ربنا على الفعل وبإنّ واللام فكان كل تعبير المناسب للمقام. جاء في التفسير الكبير في قوله تعالى (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) إنه "إشارة إلى أنهم بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا بل أعادوا ذلك وكرروا القول عليهم وأكدوه باليمين و (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) وأكدوا باللام لأن (يعلم الله) يجري مجرى القسم لأن من يقول (يعلم الله) فيما لا يكون فقد نسب الله إلى الجهل وهو سبب العقاب كما أن الحنث سببه". وجاء في روح المعاني "استشهدوا بعلم الله تعالى وهو جار مجرى القسم في التأكيد والجواب بما يجاب به وذكر أن من استشهد به كاذباً يكفر ولا كذلك القسم على كذب وفيه تحذيرهم معارضة علم الله تعالى. وفي اختيار عنوان الربوبية رمز إلى حكمة الإرسال كما رمز الكفرة إلى ما ينافيه بزعمهم. وإضافة (رب) إلى ضمير الرسل لا يأبى ذلك ويجوز أن يكون اختياره لأنه أوفق بالحال التي هم فيها من إظهار المعجز على أيديهم فكأنهم قالوا: ناصرنا بالمعجزات يعلم أنا إليكم لمرسلون. وتقديم المسند إليه لتقوية الحكم أو للحصر أي ربنا يعلم لا أنتم لانتفاء النظر في الآيات عنكم.... وجاء كلام الرسل ثانياً في غاية التأكيد لمبالغة الكفرة في الإنكار جداً حيث أنه أتوا بثلاث جمل وكل منها دال على شدة الإنكار كما لا يخفى على من له أدنى تأمل". * في قوله تعالى (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16)) زاد التوكيد هنا كثيراً لماذا؟ ولماذا هذه الصيغة (إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ)؟ ما دلالة التقديم والتأخير؟ هما سؤالان: أما زيادة التوكيد أولئك لما أوغلوا في التكذيب (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15)) زاد التكذيب فاقتضى التوكيد والزيادة في التوكيد. لما قال (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا (14)) قال (فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14)) وهنا لما قال (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) . *ازدادت حدة التكذيب بالتالي تزداد توكيد الرسالة؟ (رَبُّنَا يَعْلَمُ) هذا قسم، وجملة إسمية وإنّا واللام (إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ). (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ) لما زاد التكليف زاد التوكيد. أما لماذا (إليكم) فهي تفيد الاختصاص لأنهم أرسلوا إليهم خاصة. *هم يؤكدوا الرسالة هم كذبوا كونهم رسل؟ لكن هنا أمرين أن الرسل قبل الخاتَم ترسل إلى قوم خاص. مبلّغ إنا إليكم لمرسلون إليكم تحديداً لا يذهبوا لمكان آخر وإنما تحديداً لهم لأن الرسل كانت ترسل إلى أقوامهم، أما هؤلاء إنا إليكم لمرسلون خاصة بكم
روابط ذات صلة:
  • ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٨﴾    [يس   آية:١٨]
  • ﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ ﴿١٩﴾    [يس   آية:١٩]
برنامج لمسات بيانية (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)) تطيرنا بكم أي تشاءمنا بكم فلم نر على وجوهكم خيراً في عيشنا. وقد تقول لقد قال في سورة النمل في قوم صالح (قالوا اطيرنا بك وبمن معك (47) النمل) فأبدل وأدغم فلم لم يقل ههنا كما قال ثمَّ؟ والجواب أنا ذكرنا في كتابنا بلاغة الكلمة في التعبير القرآني أن (اطّير) ونحوه كادّبّر واطّهّر أبلغ من (تطير) ونحوه لمكان التضعيف في الفاء زيادة على تضعيف العين فدل على أن التطير في سورة النمل أشد منه مما في هذه الآية، يدل على ذلك أنهم في هذه الآية هددوهم بالرجم والتعذيب إن لم ينتهوا. وأما في سورة النمل فقد تعاهدوا وتقاسموا بالله على قتله مع أهله (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله (49) النمل) فدل على أن تطيرهم في سورة النمل أقوى وأشد. * ما العلاقة بين التطير والتشاؤم؟ كانوا في الجاهلية إذا أرادوا سفراً ورأوا طيراً زجروه فإن طار على ميامنهم يتفاءلون يسموه السامح وإذا طار على يسارهم يتشاءمون ويسموه البارح. من هنا دخل معنى التشاؤم من الطير. يبقى اختيار الصيغة. إطّير أصلها تطيّر صار فيها تضعيفان، فيها تضعيف آخر إبدال وإدغام، إبدال التاء طاء. *إدغامهما في بعضهما بالتشديد وتشديد الياء؟ وتشديد الياء وفيه همزة وصل إذن هذا صار فيه من الإبدالات الجائزة والكثيرة فصار اطّيّر مثل تطهّر واطّهّر، تدبّر وادّبّر، تذكر واذكر، يدبرون يتدبرون، يطهرون يتطهرون، إطير يتطير، هذا إبدال جائز. لكن اطّيّر كما ذكرت فيها تضعيفان، الأصل تطيّر فيها تضعيف واحد، والتضعيف يفيد المبالغة والتكثير إذن صار التطيّر في النمل أشد من التطيّر في يس. كيف نعلم هذا؟ لو قرأنا ما في النمل (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ (47)). هنا هددوهم بالرجم والعذاب في يس (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)) نلاحظ في النمل قالوا (قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49)) يقتلوه هو وأهله، أيّ الأشد؟ القتل أشدّ، أي التطير أكثر؟ * الخاص بالقتل فلهذا قال (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ)؟ (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ) لأن ما أضمروا له كان أشد (لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ) يقتلونهم كلهم (ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ).النية المبيتة للقتل أقوى فكان التطير أقوى. وقد تقول إذا كان الأمر كذلك فلم إذن أكّد التطير بـ (إنّ) في سورة يس فقال (إنا تطيرنا بكم) ولو يؤكده في سورة النمل فإنه قال (قالوا اطيرنا)؟ والجواب أنه لا يلزم في الكلام توكيد كل فعل فيه مبالغة وشدة دوما فإنه إذا ذكر المتكلم فعلاً أقوى وأبلغ من فعل أو وصفاً أقوى من وصف لا يلزمه أن يؤكد الفعل أو الوصف الأقوى منهما وإنما يكون ذلك بحسب الغرض فله أن يؤكد أي واحد منهما بحسب ما يقتضيه الكلام فله أن يقول مثلاً (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) فيذكر الإصطبار من دون توكيد ويؤكد الصبر مع أن الاصطبار أبلغ وأقوى من الصبر لأن الغرض من العبارة أن يخبر باصطباره عليه ويؤكد صبره على الآخر. ولك أن تقول (إنه كاذب) فتؤكد إسم الفاعل وتقول (هو كذاب) فلا تؤكد صيغة المبالغة مع أن المبالغة أقوى من إسم الفاعل ولا يلزم من مبالغة الوصف التوكيد وإنما يكون ذلك بحسب الغرض. قال تعالى (وإنهم لكاذبون) في أكثر من موطن فأكّد بـ(إنّ) واللام. وقال (هذا ساحر كذاب (4) ص) و(بل هو كذاب أشر (25) القمر) ولم يؤكد مع أن (كذاب) صيغة مبالغة فأكد إسم الفاعل ولم يؤكد المبالغة. والذي أريد أن أخلص إليه أن المبالغة في الفعل والوصف لا تقتضي التوكيد دائماً وإنما ذلك بحسب الغرض والمقام فلك أن تؤكد أيّ فعل أو وصف أو لا تؤكده ولك أن تؤكد ما هو أقل مبالغة ولا تؤكد الأقوى وبالعكس فكل ذلك إنما يكون بحسب ما يقتضيه الكلام. وإيضاح ذلك أنك قد تذكر شخصاً هو موضع ثقة كبيرة عند من تخاطبه فتقول له (هو كاذب) فينكر ذلك عليك فتؤكد ذلك بقولك (إنه كاذب) ثم ينكر عليك قولك إنكاراً أشد ن الأول فتقول له (إنه لكاذب). وتقول عن شخص آخر معروف بكثرة الكذب (هو كذاب) فلا تحتاج إلى توكيد لأن مخاطبك لا ينكر ذلك عليك. فأنت احتجت إلى أن تؤكد إسم الفاعل دون المبالغة. ونعود إلأى الآيتين فنقول إن قوم صالح أخبروه بتطيرهم الشديد وأما أصحاب القرية فإنهم أكدوا تطيرهم وهو نظير قولنا (اصطبرت عليك وإني صبرت على فلان) أو (هو مكتسب وإن زيداً كاسب) فيؤكد الأقل دون الأقوى. إنه في آية يس قوله (قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم) أكد التطير بـ (إنّ) وفي آية النمل وهي قوله (قالوا اطيرنا بك وبمن معك) لم يؤكده ذلك أن كل موطن يقتضي ما ذكر فيه. فإن أصحاب القرية أطالوا في كلامهم ولم يكتفوا بذكر التطير وإنما هددوهمبالرجم والتعذيب فقالوا (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم) في حين كان الكلام موجزاً في سورة النمل فقد ذكروا التطير ولم يهددوهم بشيء فناسب الإيجاز الإيجاز وناسب التفصيل التفصيل. ولا شك أن القول (تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم) أطول من (اطيرنا بك وبمن معك). هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن أصحاب القرية هددوهم بالرجم والتعذيب مؤكدين ذلك بالقسم ونون التوكيد (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) فناسب ذلك توكيد التطير في حين أن قوم صالح لم يهددوهم بشيء فناسب التوكيد في آية يس دون آية النمل. وهناك أمر آخر وهو أن رهطاً من قوم صالح كانوا يدبرون له ولأهله أمراً خفياً لا يريدون إشاعته ولا أن يعلم به غيرهم وهو أن يبيتوه وأهله بليل أي أن يغيروا عليهم ليلاً ويقتلوهم من دون أن يعلم أحد ثم إنهم إن سئلوا عن ذلك أجابوا أنهم لا يعلمون ذاك وقد تعاهدوا على ذلك وأقسموا عليه (قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله) وهذا يقتضي عدم التهديد والتوعد المعلن لأنه سيفتضح أمرهم بل يقتضي عدم التوكيد في الكلام ولذا ذكروا أنهم متطيرون بهم ليس غير. فاقتضى كل موطن التعبير الذي ورد فيه. هذا علاوة على تردد التوكيد بـ(إنّ) في قصة أصحاب القرية أكثر من مرة (إنا إليكم مرسلون، إنا إليكم لمرسلون، إنا تطيرنا بكم، إني إذا لفي ضلال مبين، إني آمنت بربكم فاسمعون). في حين لم يرد ذلم في قصة صالح إلا قوله (وإنا لصادقون) فناسب كل تعبير موطنه وأما قوله (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51)) وقوله (إن في ذلك لآية (52)) فهذا من التعقيب على القصة وليس فيما دار فيها من كلام. جاء في التفسير الكبير: "لما ظهر من الرسل المبالغة في البلاغ ظهر منهم الغلو في التكذيب فلما قال المرسلون (إنا إليكم مرسلون) قالوا (إن أنتم إلا تكذبون) ولما أكد الرسل قولهم باليمين حيث قالوا (ربنا يعلم) أكدوا قولهم بالتطير بهم". (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) : بعد أن ذكروا تطيرهم بهم هددوهم بالرجم إن لم يكفوا عن دعوتهم وقد أكدوا ذلك بالقسم وبنون التوكيد ويدل على القسم اللام الداخلة على (إنْ) وهي اللام المطئة للقسم أي الدالة عليه وأكدوا تهديدهم بنون التوكيد الثقيلة الداخلة على الفعل (لنرجمنكم) فكما أكدوا تطيرهم بـ (إنْ) أكدوا تهديدهم بالقسم ونون التوكيد. وقد تقول لقد قال في مكان آخر (لتكونن من المرجومين (116) الشعراء) وقال في سورة مريم (لئن لم تنته لأرجمنك (46)) فلم لم يجعل التعبيرات على نمط واحد؟ والجواب أنه لا يصح جعلها على نمط واحد لأن المعنى مختلف والمقام مختلف ذلك أن قولك (لأرجمنك) يعني لأوقعن عليك الرجم ولا يعني أن هناك مرجومين معه أو نالهم الرجم. وقولك (هو من المرجومين) يعني أنه واحد ممن نالهم الرجم. فلا يصح في سورة يس أن يقال (لئن لم تنتهوا لتكونن من المرجومين) لأنه ليس هناك أشخاص آخرون غير هؤلاء نالهم الرجم فيكونون منهم. وكذلك في آية مريم فإنه قال (لئن لم تنته لأرجمنك) ولم يقل (لتكونن من المرجومين) لأنه ليس هنام آخرون معه نالهم الرجم أو سينالهم فإن هذا الكلام موجه من أبي إبراهيم لولده إبراهيم عليه السلام وحده. أما في سورة الشعراء فإنه تهديد لنوح ولمن معه (قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين) أي لئن لم تنته لتكونن من الذين ينالهم الرجم. ولو قال (لنرجمنك) لكان الرجم مختصاً بنوح دون من آمن معه. فإن قيل ولم لم يقل (لئن لم تنتهوا لنرجمنكم) كما قال في سورة يس؟ والجواب أن الرسل في سورة يس ثلاثة كلهم بمنزلة واحدة داعون إلى الله مبلغون لرسالته ولذلك جاء الكلام على أنفسهم بصيغة الجمع (قالوا إنا إليكم مرسلون، قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون، وما علينا إلا البلاغ المبين) وكان التطير بهم جميعاً (قالوا إنا تطيرنا بكم) فكان الخطاب لهم جميعاً. وأما نوح فهو رسول واحد يبلغ عن ربه أما البقية فهم أتباع وهو صاحب الدعوة والمبلغ فخوطب وطلب منه الكف فقالوا (لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين) أي لنرجمنك ومن معك فهذا تهديد له ولأتباعه. وهذا القول نظير ما قاله قوم لوط للوط (لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) الشعراء) أي لنخرجنك ومن معك بدليل قوله تعالى على لسان قومه (أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (82) الأعراف) وقوله (اخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) النمل) فلما واجهوا لوطاً قالوا له لتكونن من المخرجين أي لتكونن واحداً منهم وهو تهديد له ولأتباعه أيضاً. فكان كل تعبير هو المناسب في مكانه. (وليمسنكم منا عذاب أليم) : هددوهم بالعذاب الأليم إضافة إلى الرجم فإنهم لم يقولوا (أو ليمسنكم منا عذاب أليم) فيهددوهم بأحد الشيئين بل جاؤا بالواو التي تفيد الجمع قم أعادوا اللام الواقعة في جواب القسم (ليمسنكم) للدلالة على أن التهديد بالعذاب مؤكد كالمعطوف عليه لأنه أحياناً يكتفي باللام الداخلة على الفعل الأول أما الفعل الثاني فيكتفي فيه بنون التوكيد فيكون الثاني أقل توكيداً وذلك كقوله تعالى (لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحداً أبداً وإن قوتلتم لننصرنكم (11) الحشر) فإنه أدخل اللام الموطئة في قوله (لئن أخرجتم) ولم يدخلها على المعطوف وإنما اكتفى بتوكيد الفعل فقال (وإن قوتلتم لننصرنكم) فكان الثاني أقل توكيداً من الأول ذلك أنهم أكدوا الفعل الأول لأنه أيسر عليهم ولم يؤكدوا الثاني لأنه أصعب عليهم وأشق. وكان هناك خيار آخر وهو أن يخفف النون في الفعل المعطوف نظير قوله تعالى (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجننّ وليكوننْ من الصاغرين (32) يوسف) فيكون ما دخلت عليه النون الثقيلة آكد مما دخلت عليه النون الخفيفة ولكنه لم يفعل هذا ولا ذاك بل أعاد اللام وأتى بالنون الثقيلة للدلالة على أنهما بمنزلة واحدة في التوكيد وأنهم سيفعلونهما جميعاً. ثم قالوا (منا) للدلالة على الجهة التس ستقوم بالعذاب فالجهة التي ستقوم بالرجم والعذاب واحدة (لنرجمنكم وليمسنكم منا) فإنه لم يقل (وليمسنكم عذاب أليم) فيُبهم الجهة إذ لعله لو قالوا ذاك لفهم منه أنهم يقصدون أن آلهتهم هي التي ستمسهم بالعذاب. وقدم الجار والمجرور (منا) على العذاب لأكثر من سبب ذلك أن الكلام عليهم وهم مدار الإسناد (قالوا إنا تطيرنا، لنرجمنكم، وليمسنكم منا) فناسب تقديم ضميرهم فإنهم هم المتطيرون وهم الراجمون وهم المعذبون. ثم إن تقديم الجار والمجرور يفيد تعلقه بالفعل (ليمسنكم) أي (ليمسنكم منا) أي نحن الذين نعذبكم ونتولى أمر ذلك بأنفسنا ولا ندع ذلك لغيرنا ممن قد يرقّ لحالكم أو يخفف عنكم. ول قال (ليمسنكم عذاب أليم منا) لاحتمل أن يكون (منا) صفة لـ (عذاب) وعلى هذا الاحتمال يكون العذاب صادراً منهم أمره أما الذي يقوم بالتعذيب فهو غيرهم وهذا يكون نظير قولنا: "اتسعرت لمحمد كتاباً" و "استعرت كتاباً لمحمد" فإن الجملة الأولى يكون تعلق الجار والمجرور فيها بـ (استعرت) فتكون الإستعارة لمحمد أي "استعرت لمحمد" "كتاباً"، أما الجملة الثانية فتحتمل هذا المعنى وتحتمل معنى آخر وهو استعرت كتاباً عائداً لمحمد أي أن الكتاب هو كتاب محمد وأنت استعرته فيكون المعنى على النحو الآتي: (استعرت) (كتاباً لمحمد) فكان تقديم الجار والمجرور هو الأنسب. * في قوله تعالى (لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)) تكرار اللام في الفعلين (لنرجمنكم - ليمسنكم) هل لهذا التكرار فائدة نعمل على سبر أغوارها ونفهمها؟ وفي موطن آخر قال (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ (11) الحشر) لم يقل ولئن قتلتم؟ فكيف نفهم هذا التكرار وعدمه؟ هو أكّد في (لَنَرْجُمَنَّكُمْ) بالقسم ونون التوكيد الثقيلة. وكذلك في (وَلَيَمَسَّنَّكُمْ) أكد بالقسم ونون التوكيد الثقيلة. الأمر أنهم هددوهم بأمرين يعني ما قالوا لنرجمنكم أو ليمسنكم. أو واحد منهم، لكن هنا الاثنين. لكن يبقى السؤال الذي تفضلت به هو أعاد لام القسم بالاثنين والتوكيد كما هما في يس بينما في الآية التي ذكرتها (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ (11) الحشر) لم يقل لئن قوتلتم، لننصرنكم. تلك في المنافقين (أََلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ (11) الحشر). عندنا المنافقين يقولون (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ) أيُّ الأشد، الإخراج أو المقاتلة؟ القتال أشد والمنافقون ليس عندهم قتال. * حتى في كلامهم يُعرفون! الإخراج لا بأس فيه أما القتال فلا! لذلك هي دونها. * (أََلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ) هم يخافون من القتل والمواجهة فكان تأكيد الكلام أقل فقال (وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ) لكنهم أدخلوا اللام على (لننصركم) يعلمون أنه لن يحدث؟. ليست مثل تلك. * في يس قال (لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ) باللام والنون! هذا مصممين عليه وجاء بنون التوكيد الثقيلة ولم يأت بنون التوكيد الخفيفة. * بهذا المنطق (لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18)) ما فائدة (منّا) هنا، ما دلالتها؟ لو حذف (منا) في خارج القرآن لنرجمنكم وليمسنكم عذاب أليم؟ ممن يكون العذاب؟ قد يكون تحذير من الآلهة، يعني انتظروا قد يصيبكم من الآلهة ما يصيبكم من العذاب بينما هم لا يريدون هذا وإنما هم يريدون أن يباشروا الأمرين الرجم والمس منهم هم. لو لم يقل (منا) لاحتمل جهة أخرى قد يكون من باب التخويف والتحذير من الآلهة، انتبه الآلهة ستفعل بك كذا وكذا ليس نحن فقط، لا، هم حددوا جهة الرجم وجهة المسّ. * هل الفاعل واضح في الفعل لنرجمنكم وليمسنكم؟ نحن. * في سورة يس (قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18))، ماذا لو كانت الآية "ولنمسّنكم بعذاب أليم" هل كانت ستفيد معنى مختلفاً أم أن هنالك لمسة بيانية في الآية؟ الآية (وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) الفرق بين ليمسنكم ولنمسنكم. (وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) الفاعل هو العذاب، (لنمسنكم) الفاعل نحن، الضمير. الفاعل المسند إليه، الفاعل هو الأهم أنت تذكره. الآن هو يريد أن العذاب يمسنكم (وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ). (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ (41) ص) الشيطان فاعل، المهم هو الفاعل ، إلى من تسنده؟ (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ َ(17) الأنعام) الفاعل هو الله، لو مسه غيره؟! (فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُو) لكن إذا غيره محتمل هذا. إذن مدار الكلام على الفاعل وليس مجرد المسّ بالعذاب ، المهم الآن هو العذاب (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ) بالنسبة للعذاب. الفاعل هو المهم هو الذي يسند إليه الفعل، هو المهم، الفعل بما يقوم به الفاعل على قدر الفاعل. إذن تختلف المسألة
روابط ذات صلة:
إظهار النتائج من 7851 إلى 7860 من إجمالي 12325 نتيجة.