*تناسب خواتيم النمل مع فواتح القصص*
قال تعالى في أواخر النمل (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92))، (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ) هذا قصص (تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) القصص) القرآن هو الكتاب المبين. (فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92)) وذكر من اهتدى ومن ضلّ وهم موسى ومن آمن به وفرعون من اتبعه.
**هدف سورة القصص : الثقة بوعد الله تعالى**
سورة القصص سورة مكيّة تركّز في آياتها على قصة سيدنا موسى في مرحلة الولادة، النشأة، الزواج، العودة إلى مصر وتحقق وعد الله ولم تركّز السورة على بني إسرائيل. وقد نزلت هذه السورة وقت هجرة الرسول من مكة إلى المدينة وكان حزيناً لفراق مكة كما قال : "والله إنك أحبّ بلاد الله إلى قلبي ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت". فأنزل الله تعالى هذه السورة تطميناً لرسوله بأن وعده ستحقق تماماً كما تحقق وعد الله تعالى لموسى .ففي قصة سيدنا موسى قال تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) آية 7 وفي قصة سيدنا محمد قال تعالى (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) آية 85 وهذا تطمين من الله تعالى لرسوله الذي خرج من بلده بعدما ناله قومه بشتى أنواع الأذى وأخبره تعالى أنه كما عاد موسى إلى مصر منصوراُ كذلك سيعود الرسول إلى مكة فاتحاً منتصراً مصداقاً لوعد الله تعالى. ومن المفارقات في قصة موسى ورسولنا أن موسى مكث خارج مصر بين 8 و10 سنوات التي كانت مهر ابنة شعيب، والرسول عاد لفتح مكة في السنة الثامنة واخننمت الرسالة في السنة العاشرة، والرسول خرج من مكة متخفياً وكذلك خرج موسى من مصر خائفاً يترقب، فكأنما القصتان متشابهتان إلى أبعد الحدود. وفي هذه السورة توجيه لأمة الإسلام أنه مهما كانت الظروف صعبة فعليهم أن يثقوا بوعد الله تعالى لهم (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) سورة النور آية 55.
تبدأ السورة (نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) آية 3 : الخطاب موجّه للمؤمنين لأنهم يؤمنون ويثقون بوعد الله.
عرض الواقع الصعب لموسى : (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) آية 4، فالوضع قاتم والظروف المحيطة صعبة للغاية.
مراد الله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) آية 5 و6 فهو سبحانه يريد أن يمنّ على عباده.
الخطوة الأولى في تحقيق مراد الله تعالى الذي يتم عبر عدة خطوات ويستغرق زمناً طويلا فقد رجع موسى نبياً لقومه بعد 10 سنوات من خروجه من مصرً (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) آية 7. فالخطوة الأولى تبدأ بأم ترضع أبنها وبقصة مولد أمّة بطفل يرمى في البحر بعدما أرضعته أمه، فما هذه الثقة بوعد الله من أم موسى التي يوحي لها تعالى أن إذا خفت عليه ألقيه في اليم؟ أي أمٍ يمكن أن تفعل هذا؟ هي أم موسى لأنه تعالى قال وقوله حق ووعده حق: (إنا رادّوه إليك) ثم يلتقط موسى الرضيع أشد أعدائه فيقذف تعالى حب موسى في قلب زوج فرعون. وهنا لا بد من الإشارة أن للمرأة في قصة سيدنا موسى دور كبير بارز ومؤثر جداً: من أمه التي أطاعت وحي الله، إلى زوجة فرعون التي ربّته كابنها، إلى أخت موسى (فبصرت به عن جنب) التي دلّت آل فرعون على أهل بيت يكفلونه (اي أمه)، إلى دور ابنة شعيب التي تزوجها فيما بعد لما قالت لأبيها (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) وهكذا هي الحال مع الرسول فقد كان لدور السيدة خديجة رضي الله عنها أبلغ الأثر في بداية الدعوة والوحي.
تحقيق وعود الله: الوعد الأول (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) آية 7 تحقق في (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) الآية 13 والوعد الآخر (جاعلوه من المرسلين) آية 7 تحقق الوعد في قوله (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) آية 30. ثم وعد آخر في قوله (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ) آية 35 ويتحقق هذا الوعد في (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) آية 40 فوعد االه تعالى تحقق بغرق فرعون وقيادة موسى لبني إسرائيل. فالسورة عبارة عن وعود من الله تعالى لموسى ثم تتحقق هذه الوعود.
وكذلك بالنسبة إلى رسولنا الكريم وعده الله تعالى (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ) آية 85 وقد تحقق هذا الوعد وفتح الرسول مكة وأسلمت الجزيرة العربية وتحقق وعد الله تعالى لرسوله كما تحقق وعد الله لموسى وأمه.
لمن تتحقق الوعود؟ تأتي الآية 83 (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) في نهاية السورة تخبرنا أن وعد الله تعالى يتحقق لعباده المتقين والذين لا يريدون الإستعلاء في الأرض. وهذه هي الآية التي قالها عمر بن عبد العزيز وهو يسلم الروح. إن وعد الله تعالى يتحقق للمؤمنين من عباده.
سميّت السورة بـ (القصص): قصّ لغة هو اتباع الأثر حتى نهايته (وقالت لأخته قصّيه) (ولمّا جاءه وقصّ عليه القصص) فلو تتبعنا القصص في هذه السورة سنجد أن وعد الله يتحقق دائماً.
ملحوظة: السورة تؤكد على أن الملك كله لله، وبين هذه السورة وقصة موسى مع الخضر في سورة الكهف تشابه فكل القصص التي استنكرها موسى واعترض عليها وهو بصحبة الخضر حصلت له في حياته في سورة القصص: اعترض على خرق السفينة وهو رمي في البحر، واعترض على قتل الغلام وهو قتل رجلاً، واعترض على عدم استضافة أهل القرية لهم وموسى استضافه شعيب وأهله.
توجيه: إذا كانت الدنيا صعبة والظروف قاسية فثقوا في وعد الله إذا كنتم مؤمنين وإذا كان الله تعالى وعد أمة الإسلام أنه سيستخلفهم في الأرض ويمكن لهم دينهم فثقوا أن هذا الوعد سيتحقق بإذن الله وقد قال في الحديث الشريف: "إن الله زوى الأرض لي فوجدت أن ملك أمتي سيبلغ ما زوى الله لي من الأرض". فصدق الله تعالى بوعده وصدق رسوله الكريم . فهما كان حال الأمة المسلمة هذا الزمان فلا بد لنا من الثقة بوعد الله لكن علينا أن نكون مؤمنين حقاً ليتحقق لنا وعده جلّ وعلا.
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ (68) الفرقان) عندما ذكرت الآيات السابقة صفات عباد الرحمن تكرر إسم الموصول عند كل خصلة من خصالهم فقال تعالى (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)) (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ (65)) (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا (67)) ولكن عندما عرض تخليهم عن الجرائم اقتصر على الإسم الموصول في أول الآية ولم يكرر فقال (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ (68)). فلِمَ اقتصر على الإسم الموصول عند وصفهم بعدم الإشراك بالله ولم يكرره؟ لقد جمع التخلي عن الجرائم الثلاث وهي عدم الإشراك بالله وعدم قتل النفس إلا بالحق وعدم الزنى ولم يكرر الإسم الموصول لأنهم لما أقلعوا عن الشرك ولم يدعوا مع الله إلهاً آخر فقد أقلعوا عن كل ما يعارض وحدانية الله وكل ما له صلة بالشرك من قتل وزنى. فجُعلت تلك الخصال وكأنها خصلة واحدة.
*كيف أضيفت كلمة ألدّ إلى كلمة بمعناها وهي الخِصام؟
قال تعالى (وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) البقرة) إضافة كلمة (ألدّ) إلى الخصام مع أن معنى ألدّ شديد الخصومة هذا من باب مبالغة القرآن الكريم ليصف لنا ربنا مدى الخصومة التي تسكن قلب المخاصِم فهو ليس مخاصِماً وحسب ولكنه مخاصِم وخصامه غريب فظيع. ألا ترى كيف تقول لفلان وقد غضب" جُنّ فلان ولكنه إذا كان كثير الغضب تقول جُنّ جنونه ونقول خصامه شديد الخِصام.
آية (5) :
* ما الفرق بين الضعفاء والمستضعفين؟ (د.فاضل السامرائى)
المستضعفين الذين يستضعفهم غيرهم أما الضعيف فهو ضعيف. المستضعف من غيره، بني إسرائيل استضعفهم أى تسلّط عليهم
فرعون (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ (5) القصص) حاكم أو سلطان استضعفه، الضعيف هو ضعيف بنفسه (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء (266) البقرة).
*بغض النظر إن كان ضعيفاً أو لم يكن ضعيفاً. لكن هناك قوة جائرة جبارة أملت شروطها عليهم!
نعم، مثلاً حكمتهم بالحديد والنار وأذلتهم، هضمتهم حقوقهم، كلفتهم واجبات لا يطيقونها.
*يعني بني إسرائيل ليسوا ضعفاء لكن فرعون استضعفهم بما له سلطة وغلبة وقوة!
لو تدخل الآن في السياسة وتنظر، هنالك جماعات في دول تستضعفهم الدولة وتستغلهم لسبب من الأسباب وتجور عليهم فهؤلاء مستضعفين (قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ (97) النساء).
*أليست السين والتاء تدل على الطلب؟
هذا واحد من المعاني.
آية (70)-(71):
* ما الفرق بين الآيتين في سورة الفرقان (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70)) و (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71))؟ (د.فاضل السامرائى)
في عموم القرآن إذا كان السياق في العمل يقول (عملاً صالحاً). ننظر إلى السؤال وإلى السياق الذي وردت فيه الآيات: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) السيئات هي أعمال غير صالحة والحسنة عمل صالح (فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) هذه أعمال سيئة وحسنة. ثم يختم الآية (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) غفور يغفر الأعمال السيئة. نكمل الآية الأخرى (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا) هذا تائب أصلاً يتوب إلى الله متاباً وليس هناك عمل، في الآية الأولى الله تعالى يتكلم عن العمل يبدل سيئاتهم حسنات يبدلها، يغيرها، هذه أعمال سيئة وأعمال حسنة وكان الله غفوراً رحيماً يغفر لهم الأعمال السيئة. أما في الآية الثانية ليست في ذلك وإنما في التائب (فإنه يتوب إلى الله متاباً) تلك في العمل: سيئات وحسنات وغفران للعمل وهذه في التائب ولذلك لما كان السياق في العمل قال عملاً صالحاً ولما كان السياق في التائب لم يكررها وقال عمل صالحاً (تاب وعمل صالحاً). إذن لما يكون السياق في العمل يقول عملاً صالحاً كما في آخر سورة الكهف أيضاً (مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110)) لأنه تكلم عن الأشخاص الذين يعملون أعمالاً سيئة ويكون السياق في الأعمال (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)) والسورة أصلاً بدأت بالعمل (وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)).
مع العمل يقول عملاً أما مع التائب فلا يذكرها فإذا قال خارج القرآن (ومن تاب وعمل عملاً صالحاً) هذا يسموه التوكيد وبيان النوع. لم يقل عمل عملاً صالحاً هذا مصدر مؤكّد مع بيان النوع أفاد فائدتين التوكيد والنوع. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) البقرة) ليست في سياق الأعمال.
آية (6):
*(وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) القصص) ما هو إعراب (منهم) وما هي اللمسة البيانية في هذه الآية؟(د.فاضل السامرائى)
إعراب (منهم) جار ومجرور متعلقات بـ (نُري) نري فرعون منهم، (منهم) يعود على بني إسرائيل المستضعفين (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)) (منهم) أي من الذين استضعفوا. وأنه هؤلاء الذين استضعفوا في الأرض يُري فرعون وهامان وجنوده منهم ما كانوا يحذرون.
الله تعالى يريد أن يُري فرعون رئيس السلطة والسلطة التنفيذية (هامان) والقوة العسكرية ووزارة الدفاع والملأ الجنود كلهم ما كانوا يحذرون من بني إسرائيل لأنه في الأخبار أن الكهنة قالوا أنه سيلد من بني إسرائيل من يخرب ملك فرعون فبدأ يقتل المولود الذكر ويترك الأنثى فالله تعالى أراد أن يُري من هؤلاء المستضعفين الذين استضعفوا أن يُري المتغطرسين ما كانوا يحذرون بأنه ربّى هذا الشخص الذي يبدد ملكه في بيته وهو موسى. يريه من هؤلاء المستضعفين ما كانوا يحذرون أنه سوف يلد من بني إسرائيل مولود يهدم ملكه. يريد أن يريهم من هؤلاء المستضعفين ما كانوا يحذرون.
* (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) الفرقان) حرف الجر (من) هنا تفسيرية، ما دلالة (من)؟ ولكن لماذا لم يقل أئمة؟ فكيف يكون الجماعة إماماً واحداً؟(د.فاضل السامرائى)
الأشهر في (من) هنا أن تكون ابتدائية يعني هب لنا من جهتهم، من جهة الأزواج والذريات قرة أعين، من ناحيتهم فتكون (من) لابتداء لغاية لأنهم أقرب الناس لهم، من جهتهم، لا يأتيه الهم والزوجة إذا لم تكن صالحة تأتي بالغم والهم على زوجها والأولاد كذلك يكونوا فتنة، فيسأل أن يجعل من جهة هؤلاء من ذريتهم قرة أعين فيأتهم من جهتهم قرة الأعين فأرجح ما يقال فيها أن (من) هنا لابتداء الغاية.
*(وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًاً) وليس أئمة؟
فيها تخريجات كثيرة يمكن أن تكون اجعلنا قدوة، أو اجعل كل واحد منا إماماً.
*إمام بمعنى قدوة؟ اللغة تحتمل؟
طبعاً، يعني اجعلنا قدوة.
*عندما أقول لأحدهم أنت إمام يعني قدوة؟
نعم قدوة يؤتم به. أو كل واحد إمام يُقتدى به. للعلم (إمام) في اللغة جمع ومفرد. عندنا قسم من الكلمات تكون مفرد وجمع مثل شخص وطفل وضيف وخصم ورسول وكذلك إمام تأتي مفرد وجمع.
*إمام مفرد وجمع، من الذي يحدد أن هذه الكلمة مفرد أو جمع؟
هذه اللغة، ترجع إلى المعجم لسان العرب أو غيره.
*هل لنا أن نقول أن العرب أخطأوا في جعل هذه الكلمات مفرد أو جمع؟
هذه لغتهم أما أنت تتعلم العربية تدرسها وليست لغتك، أنت تدرس وهم أهل اللغة
*هم حجة إذن؟
مرة أحدهم اعترض هو لا يعلم اللغة الانجليزية ودرس في المدارس الدينية فاضطر إلى أن يبدأ بتعلم اللغة الإنجليزية فجاءني وتكلم أمامي وقال يا أستاذ هذه اللغة الإنجليزية غير صحيحة ولا بليغة فقلت له كيف؟ قال هم يقولون he is a boy لماذا يكون؟ هو ولد، كيف يكون ولد؟! هذا خطأ يجب أن تكون he a boy، هذه واقعة حقيقية هو لا يعرف اللغة ويعترض على أهل اللغة!.
*لكن ربما تكون الترجمة (هو ولد)
نعم لكن بالنسبة له هو هذا خطأ.
*حينما يقول بعض المشككين أن هؤلاء أخطأوا إمام تأتي مرة مفرد ومرة جمع
ضيف قد تكون مفرد وجمع، خصم قد تكون مفرد وجمع، عدة كلمات، رسول، طفل. أمر آخر، إمام ممكن أن تكون جمع كلمة آمّ من أمّ يؤم مثل (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ (2) المائدة) يعني قاصدين. آمّين جمع مذكر سالم جمع آمّ وإمام مثل صائم وصيام، قائم وقيام. لسان حادٌ، ألسنة حداد (بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ (19) الأحزاب)، آمٌ إمام. أيضاً هي إمام جمع كلمة آمّ بمعنى قاصد.
*هل الآية تحتمل كل هذه الدلالات؟
نعم، إجعلنا للمتقين إماماً يعني إجعلنا قدوة واجعلنا نأتمّ ونقصد المتقين، نأتم بهم ونقصدهم، لا نعتمد على أنفسنا فقط وإنما يستفيد بعضنا من بعض، نأتمّ بهم نقصدهم ونتّبعهم، إجعلنا قدوة واجعلنا نستفيد من المتقين نأتمّ بهم لا ننفرد بآرائنا، لا نقول نحن إمام أنت تجعل نفسك رسول لا تأخذ من أحد، اللهم اجعلنا قدوة واجعلنا أيضاً نذهب إلى المتقين وننتفع بعلمهم ونستفيد منهم ونسفيد من أخلاقهم، نحن نسأل الله أن نكون قدوة لهم كما نستفيد أيضاً أن نرجع إليهم وكلاهما مطلوب.
*والاثنان مرادان
إذن هذه الكلمة إمام جمعت المعاني ولو قال أئمة ما تجمع هذه المعاني كلها.
*ولو قال أئمة؟
لا تجمع هذه المعاني.
*تحدد المعنى وتعينه بدلالة واحدة، لا تجعل هنالك انزياحاً في كثرة الدلالات الموجودة في الكلمة.
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)) تأمل كيف يعلمك الله تعالى أن تكون طموحاً في بلوغ أقصى درجات التقوى والإيمان. فلم يقل واجعلنا متقين بل (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) وهذا يقتضي أنهم يسألون لأنفسهم بلوغ الدرجات العظيمة من التقوى. فالقدوة يجب أن يكون بالغاً أقصى غاية العمل والتمام. وقد وقع الإخبار بـ (إِمَامًا) وهو مفرد مع أن حقه من حيث الظاهر أن يكون واجعلنا للمتقين أئمة للإشارة بأن يكون كل واحد منهم إماماً يُقتدى به.
(وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)) الإمام أصله المثال والقالب الذي يُصنع على شكله ما يشابهه ويماثله. كما قال النابغة:
أبوه قبله وأبو أبيه بنوا مجد الحياة على إمام
ثم أُطلق الإمام على القدوة تشبيهاً بالمثال والقالب الذي يُتخَذ قدوةً يُحتذى به.
* ما دلالة الاختلاف بين قوله تعالى (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ) وبين (رددناه إلى أمه)؟(د.أحمد الكبيسى)
ما الفرق بين ردّ ورجع ؟ الرجوع عندما كنت تعرفه مقدماً أنت مسافر من هنا من دبي إلى الشام وأنت ناوي ترجع هذا رجوع يعني أنت أصلاً مقرر من ساعة ما إنطلقت من النقطة التي انطلقت منها أنت ناوي إلى الرجوع هذا رجع، وحينئذٍ كل مؤمن يؤمن بأننا سوف نرجع إلى الله عز وجل بعد أن نموت هذا رجوع. لكن واحد انطلق من دبي إلى الشام ومش ناوي يرجع كان مهاجراً ليس في خطته ولا في خريطته أن يعود انتهينا عوده يعني نهائي مهاجر كما يهاجر الكثيرون ولأمر ما أجبره على العودة هذا يسمى ردّ ولهذا فرق بين (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ) وبين (رددناه إلى أمه)، رددناه هذه أم موسى وضعت الطفل في صندوق والصندوق في نايلون وترميه في البحر ولا تعرف أين ذهب؟ قطعاً ولا في بالها أن هذا سيعود انتهى فلما الله قال (إِنَّا رَادُّوهُ) على خلاف ما ظننتي.