*ما الذي يمكن استبناطه في الآية من العمل الصالح لموسى وابنة الرجل الصالح في سورة القصص ما هو العمل الصالح الذي فعله موسى حتى يرزقه الله تعالى الزوجة الصالحة؟ وكذلك ذكر تعالى مواصفات الزوجة الصالحة فرزقها الله تعالى موسى النبي؟(د.فاضل السامرائى)
عند مدين ابتدأت الرحلة إلى مدين بقوله تعالى (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ (22) القصص) استعان ربه وطلب منه الهداية وهو فارّ ولم يكن يعلم أنه متوجه إلى مدين لا يعلم إلى أين يذهب مشى على غير هدى لكن الله تعالى لحكمة أرادها هداه أن يتجه إلى مدين، (عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ) فهداه هذا الدرس الأول. ورد ماء مدين (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ (23)) الأمة أي الخلق من الناس الكثير، (مِن دُونِهِمُ) يعني بعيدتين عنهم لم يقل معهم أو فيهم اللتان تفيدان الاختلاط، (مِن دُونِهِمُ) ليس هناك اختلاط وهذا يدل على عفتهما وحيائهما. (تَذُودَانِ) يعني تمنعان الماشية من أن تختلط بالآخرين. استغرب الرجل الفارّ خاصة أنه لم يوجد نسوة أخريات يسقون فقال (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا (23)) لعله أن يعينهما. الخطب يعني الشأن، مبلغ سؤاله أن يساعدهما والظاهر أن في نفس موسى النزعة لمساعدة الآخرين والرحمة بالضعفاء. قالتا (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)) حتى لا يصير كلام طويل وحوار جاء بالعذر حتى لا يصير سؤال وجواب وهذا يدل على فطنتهما وحسن أدبهما وعفتهما. السبب أبونا شيخ كبير، لم تقولا شيخ فقط وإنما شيخ كبير يعني طاعن في السن ولم يدر أي حديث بينهما بعد ذلك. لك يكن هناك تبسط في الحديث، موسى وقف عند المقدار الذي ينبغي وهما كذلك، (فَسَقَى لَهُمَا (24)) على السرعة جاء بالفاء الدالة على التعقيب ولم ينتظر حتى يستريح من عناء السفر، على السرعة من دون مهلة سقى لهما وهذا يدل على كرمه وسرعة نجدته. ثم نلاحظ أنه لم يذكر ماذا كان الرعاء يسقون (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) وقال (تَذُودَانِ) لم يقل ماذا تذودان؟ لو ذكر المفعول تدل على أنه سقى لهما لهذا النوع وقد لا يسقي لغير نوع، لم يذكر المفعول حتى يصير إطلاق. لو قالتا لا نسقي الإبل وقال فسقى لهما لدلت على أنه سقى الإبل فأراد بهذا الحذف الإطلاق. ثم قال (ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) مما يدل على أنه سقى لهما في الشمس والحر، إذن تعب وشمس وحر وعجّل لهما بالسقي، هذا يدل على شهامته ونجدته ودعا ربه (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) الخير يعني العافية والقوة فكان الفرج في الحال والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا (25)) تمشي على استحياء والقول على استحياء لذلك هم يقفون فيها مرتين (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء/ قالت) المشي على استحياء والآخر (وجاءته إحداهما تمشي/ على استحياء قالت) يعني القول على استحياء، لم يعتذر موسى وقال لا أبغي أجراً وإنما كان يحتاج لمن يتكلم معه، ولم يجري حديث بينهما كل الحديث إن أبي يدعوك فتبعها وهو يمشي أمامها وهي توجهه، أول مرة مشت أمامه فرأى الرياح تلعب في ثوبها فقال لها امشي خلفي وأرشديني. (فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)) والخائف يحتاج إلى من يؤمنه وأطعمه (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) قريش) آمنه وأطعمه. (قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وصف القوم بالظلم وهذا رجل يقال أنه شعيب وهو نبي، وصفهم بالظلم بما ذكر عنهم من أفعالهم وأنهم أرادوا قتله مع أن كان فعله خطأ (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ (15) القصص) لم يكن قاصداً قتله هذا لا يُقتل ومن أراد قتله فهو ظالم، موسى كان مصدَّقاً عن الرجل الصالح.
ذكرنا خروج سيدنا موسى من مصر متوجهاً إلى مدين ثم كيف ورد ماء مدين ووجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد امرأتين من دونهم بعيدتين عنهم تذودان أغنامهما فسقى لهما ثم دعا ربه فقال (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) القصص) ثم ربنا سبحانه وتعالى أعانه مباشرة فجاءته إحداهما تمشي على استحياء (الاستحياء يكون للمشي أو للقول وهذا من باب التوسع في المعنى لا توجد قرينة سياقية تحدد معنى من المعاني لكن الوقف والابتداء فيه معنى من القرائن الدالة على المعنى هو الوقف والابتداء (فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) القصص) هل فلا يصلون إليكما بآياتنا؟ أو فلا يصلون إليكما، بآياتنا أنتم الغالبون؟ الوقف يحدد المعنى.) ثم جاء إلى الرجل الصالح فتحدث إليه فأمّنه الرجل وقال (قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) القصص). إحداهما طلبت من أبيه أن يستأجره (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) القصص) (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) هذه كلمة جامعة ذكرت القوة والأمانة ولا يُزاد عليهما في كل عمل وأي عمل لا يصلح من دونهما القدرة والتمكّن أي القوة والأمانة أو (الكفاية التي يسمونها الآن الكفاءة والكفاءة ليست بهذا المعنى وإنما لها معنى آخر). الناس يقولون الكفاءة وهي حقيقة الكفاية وليست الكفاءة لأن الكفاءة لها معنى آخر، الكفؤ هو النظير، الكفاءة الزواج يكون شرطه الكفاءة يعني متناظرين (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) الإخلاص) هي كفؤاً وحذفت الهمزة للتخفيف. الكفاءة أن يكون هذا نظير هذا ولذلك يقولون من شرط الزواج الكفاءة. في اللغة وما يستعمله القدامى في كلامهم الكفاية. الكفاية والأمانة هذان أمران. ثم نلاحظ أنه عرض عليه الزواج لبّى رغبة ابنته وهذا أنسب عرض لأن موسى محتاج إلى مأوى إلى أنيس وإلى إسرة والرجل الصالح يحتاج إلى من معين قوي وأمين. هي قالت استأجره وهو قال أزوجك إحدى ابنتي فالعبد الصالح رأى أن هذا أنسب لأن الاستئجار قد يكون متعباً له فموسى هو رجل غريب وماذا يفعل له؟ كيف يدخل؟ كيف يخرج؟ موسى حدّثه وعرف منه الرجل الصالح القوة والأمانة من تصرفاته عندما لم يكثر الكلام مع ابنتيه وعندما رأى موسى الريح تلعب بثوبها قال لها امشي خلفي ثم وجهيني، عرف من تصرفاته، ثم أعانها رغم تعبه وعنائه إذن الصفات هذه واضحة أنه قوي وأمين. إذن صاحب مدين يحتاج إلى قوي وأمين وموسى يحتاج إلى مأوى وإلى أنيس وإلى أسرة فلما كان الرجل قوياً وأميناً خطبه لابنته لأن الرجل يخطب لابنته. عندها سيدنا موسى لم يكن مكلفاً بالرسالة بعد. خيّره الرجل بين امرأتين قد رآهما هناك (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ (27) القصص) والزواج مبدأه النظر إن هذا الأمر الأول تحقق، تخيّر. ابنته لم تمانع فإذن الموافقة حاصلة من ولي الأمر ومن المرأة ومن موسى، هذه شروط. وذكر مهر المرأة أن يشتغل عنده ثماني حجج (عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (27)) فإذن كل أركان الزواج متحققة. ثم يشتغل عنده ثماني حجج فإن أتمها عشراً فمن تفضله وإحسانه ثم ذكر أنه لا يريد أن يستغله أو يشق عليه سيجده إن شاء الله من الصالحين في كل ما ينبغي أن يكون عليه الصلاح ليس في شيء معين أطلق الصلاح (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) القصص). موسى أيضاً عنده شرط قال (قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ (28) القصص) ليس عليه حرج في قضاء أيما الأجلين ووافقا على ذلك وأشهدا الله على هذا الاتفاق (وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) القصص).
سؤال: لِمَ قال (فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ) وقد رأى كل منهما الأمانة في صاحبه؟
لما قال (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ) يعني ما ترغمني على غير ذلك. فهذا عموم ما ورد في قصة موسى في مدين.
* ما الفرق اللغوي بين الأجر والثواب؟ (د.فاضل السامرائى)
الأجر هو جزاء العمل لكن يقال في الغالب لما فيه عقد أو شبيه بعقد يجري مجرى العقد، هذا الأجر. (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (27) القصص) الأجر مقابل العمل في الأصل (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (6) الطلاق). الثواب هناك فرق بين اللغة والاستعمال القرآني. الثواب في اللغة يقال في الخير والشر لكن القرآن فلم يستعملها إلا في الخير ومنها المثوبة أيضاً (فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ (153) آل عمران) لكن القرآن لم يستعمل كلمة ثواب إلا في الخير أما المثوبة (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ (60) المائدة) (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ (103) البقرة) الثواب خصصها في الخير وأكثر ما تستعمل في الخير. الأجر عقد، جزاء. فالأجر فيه نفع لأنك تتعاقد مع أحد على شيء. الثواب في الإستعمال القرآني هو جزاء على العمل لكن في اللغة ليس بالضرورة أن يكون في الخير لكن في القرآن فرّق بين (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) المطففين)، المثوبة استعملها القرآن في الخير والشر، أثاب يستعملها في الحزن. الأجر في الغالب يكون في الأعمال البدنية في الطاعات.
*هل نستطيع أن نقول أن هنالك بين كلمات اللغة العربية المتقاربة في الدلالة أو التي تنتمي إلى حقل دلالي فوارق دلالية أم حدود واضحة المعالم؟
أحياناً تتقارب تقارباً كبيراً ولذلك حصل الاختلاف بين اللغويين هل هناك ترادف أو لا.
*هذه قضية شائكة اختلف فيها علماء اللغة، إلى أي الرأيين تميل؟
في الحقيقة فيما كان من لغتين يمكن أن يكون ترادف مثل السكين والمدية لغتان كل واحدة تستعمل كلمة في الإشارة على مسمى واحد، هذه لغتين، هذه تُجمع تصير ترادف لأنها نفسها. فيما كان لغة واحد يجب أن يكون هناك فرق.
*ماذا تقصد باللغة؟ نقول لغة تميم ولغة كذا، هل هي لغات قبائل العرب أم لغة غير العربية؟
لغات قبائل العرب.
*ما يصطلح عليه الآن لهجات؟
الآن هم ما كانوا يقولون في السابق، ما كانوا يقولون لهجات مع أن اللهجة موجودة في اللغة لكن النحويين يقولون لغة قريش، لغة الحجاز ، هم كانوا يستعملون لغة ونحن الآن نقول لهجات.
*هل في القرآن الكريم ترادف؟
لا ترادف في القرآن أبداً لا بد أن يستعمل كل كلمة بفارق لغوي معين. هي مسألة خلافية لكن هذا الذي يقوى في نفسي أنه لا يوجد.
*هل هذا مقصود في ذاته؟
طبعاً نلاحظ أنه مقصود لأنه يأتي على نسق واحد في مواطن.في مواطن كل ما يرد في القرآن تجد له ظاهرة معينة ولو جاء في مواطن متعددة معنى أن هذا الشيء مقصود.
*هل عوام المسلمون مطالبون بفهم دقائق اللغة كما تفهمها حضرتك وأنت نتعامل مع ىي القرآن بهذه الكيفية؟ وهل نُسأل في هذا يوم القيامة؟
لا، نحن مطالبون يقولون هناك فرض كفاية وفرض عين، فرض العين على كل واحد أن يقوم به مثل الطاعات الصلاة والصيام وإذا حصل عندك نصاب زكاة فأنت مكلّف بالزكاة. لست مكلفاً أن تعرف هذه الأمور الدقائق، لكن الله أعلم وأنا لست مفتياً في هذه المسألة ولكني أعتقد أن هذه من فروض الكفاية يعني لا بد أن يكون في المجتمع المسلم من يعلم هذه الأمور حتى يرد الشبهات إذا حصلت.
*إذن هو علم مطلوب في حد ذاته؟
نعم، علم مطلوب لكن ليس من الجميع، هو مطلوب من الأمة أن تجعل هنالك جماعة ينصرفون لهذا العلم (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ (122) التوبة).
*(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) القصص) أليس في الثماني حجج مشقة على سيدنا موسى فكيف قال الرجل الصالح لا أريد أن أشق عليك؟(د.فاضل السامرائى)
الآية الكريمة (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)) العقد شريعة المتعاقدين وهذا عقد ولو كان موسى يرى فيه مشقة لطلب تقصير المدة أو طلب فرصة للتفكير فالأمر يعود إلى موسى وليس لسائل السؤال ليس هو صاحب الشأن فالذي يقدر الأمر ويرى إن كان فيه مشقة أو لا هو سيدنا موسى فلو كان يرى أن فيه مشقة لقال اجعلها أربع سنين أو ست أو دعني أفكر وأذكر لك الجواب بعد أيام مثلاً. ثم إن موسى فارّ خرج من قومه خائفاً يترقب لأنه قتل أحدهم (إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) القصص) فوجد زوجة ومسكناً وأماناً هذه نعمة من نعم الله تعالى عليه وليس من المعقول أن القاتل الفارّ يعود لمن يتقاضاه بعد مدة قصيرة ينتظر المدة أن تطول لعلها تُنسى أو يسقط الحكم في هذه المدة. ثم إن الله تعالى ذكرها من باب المنّة على موسى (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) طه) هذه من المنة يعني أن موسى كان مقراً بهذه المنة وما كان يرى فيها غير ذلك ولم يعتبرها موسى مشقة وإنما اعتبرها مِنّة من الله تعالى ثم صار له غنم ومال. ثم الأمر الظاهر جداً هو أنه قضى أبعد الأجلين كما في الحديث فلو كان يرى فيها مشقة ما كان يقضي أبعد الأجلين (الأبعد هو عشر حجج) لو كان يرى فيها مشقة أو حيف كان يقضي الثمانية ويذهب، لماذا قضى أبعد الأجلين؟ لأن ليس فيها مشقة ووجد حسن المعاملة من هذا الرجل الصالح ومن الراحة ومن السكن ما جعله يقضي أبعد الأجلين وليس فيها مشقة كما تصور السائل. (فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)) موسى قصّ على الرجل الظروف التي دفعته إلى الفرار فقال له لا تخف فرعون ليس له على هذه المدينة سلطة، فالرجل الصالح أمّنه وزوّجه وجعل له عملاً مقابل مدة والمدة ليست بكثيرة وإلا اعترض موسى . حينما قال (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) يقصد بالمشقة أن يختار موسى كما يشاء ولا يريد أن يلزمه الرجل الصالح بالمدة.
*ما معنى حجج في الآية (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (27) القصص)؟(د.فاضل السامرائى)
الحجج يعني سنوات وقد ذكرنا الفرق بين السنة والعام والحجة والحول وذكرنا معناها، الحجج معناها سنوات وذكرنا في حينها سبب اختيار ثماني حجج دون ثماني سنوات. قلنا أصل الحجة من الحج القصد والزيارة ومنها حج بيت الله هذا الأصل ثم صارت العبادة المعروفة. الزائر أو الذي يقصد بيت الله لا يلبث والمفروض أن يعود لأهله وبالنسبة لموسى لم تكن مدين دار إقامة، هو فرّ من مصر وفرّ إلى مدين فهي ليست مقر إقامته الدائمة ولذلك استعمل الحجة لأنه كالزائر. لما كان الحج بمعنى القصد والزيارة استعمل حجج لأنه لم يمكث فيها وإنما عاد إلى أهله (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ (29) القصص) كما يعود الحاج الزائر لأهله. الحجة معناها السنة ولكن الأصل معناها القصد والزيارة. لو قيل سنوات ليس بالضرورة أن نفهم أن موسى سيعود.
العرب كانوا يفهمون هذه المعاني وكل لكمة في القرآن لها سياقها ومعناها وهذا الكلام موجود في الكتب ويذكرون الفرق بين السنة والعام ولما يذكر في معنى أصل الحجة يذكرون معنى الزيارة.
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)) تأمل في حال النفس المؤمنة الأوابة فهي تحيل كل خير أتاها إلى ربها. فها هو موسى عليه السلام يبدأ بدعاء ربه بصيغة استرحام واستعطاف واعتراف بالجميل (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ). فما أن استراح من مشقة السقي لماشية المرأتين وما إن ركن إلى الظل ووجد برده يسري في عروقه حتى تذكر صاحب الفضل عليه وجالت في خاطره نِعَم الله السابقة التي أسداها له. فجاء عليه السلام بجملة جامعة للشكر والثناء والدعاء (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ).
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء (25)) لو قال الله تعالى "فجاءت إحداهما مستحية" لحصل المراد ولكن الله تعالى عبّّر عن ذلك بقوله (تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء) ليبين أنها كانت تمشي الهوينا برفق وأدب جمّ. وأكّد ذلك بقوله (عَلَى اسْتِحْيَاء) دون مستحية لأن (على) تفيد الاستعلاء والتمكن من الوصف. فالاستحياء أصيل فيها وقوي مكين.
آية (43):
*ما اللمسة البيانية في استخدام اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول فى قوله تعالى (لا عاصم اليوم من أمر الله الا من رحم)؟ (د.فاضل السامرائى)
قسم من المفسرين يرون أحياناً في الإستعمالات القرآنية أن اسم الفاعل يكون بمعنى اسم المفعول كما في قوله تعالى (لا عاصم اليوم من أمر الله) بمعنى لا معصوم، ومن الممكن تخريجها على صورتها الظاهرة ويبقى المعنى. وقد ذكر المفسرون آراء أخرى تؤكد الإقرار على المعاني والصيغ اسم الفاعل واسم المفعول ويستقيم المعنى.
والمصدر قد يأتي بمعنى اسم الفاعل أو اسم المفعول في القرآن مثل كلمة (خلق) فهي تأتي بمعنى مخلوق أحيانأً.
وفي قوله تعالى في سورة هود (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) تحتمل معنيين: لا عاصم إلا الراحم وهو الله، ولا معصوم إلا الناجي فقد يختلف التأويل لكن المعنى يحتمل هذه التأويلات لأن لا عاصم إلا من رحمه الله تعالى أي ليس هناك من ينجيه إلا الله الراحم وتأتي الآية بعده (وحال بينهما الموج فكان من المغرقين) لا تمنع كلا التفسيرين وهذا ما يُسمى من باب التوسع في المعنى.
هل يوجد اختلافات دلالية بين المشتقات وبعضها؟
أحياناً الصيغة الواحدة يمكن تخريجها على أكثر من دلالة كما في كلمة (حكيم) فقد تكون اسم مفعول مثل قتيل أو حكيم بمعنى ذو حكمة (حكيم عليم). وفي سورة يس (يس* والقرآن الحكيم) هل المقصود أنه مُحكم أو هو ينطق بالحكمة فيكون حكيم؟ يحتمل المعنى كل هذه التفسيرات.
آية (44):
* ما هو إعراب وما هي اللمسات البيانية في الآية (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) هود)؟
الإعراب: قيل فعل مبني للمجهول ويا حرف نداء وأرض منادى مبني على الضم محل النصب وابلعي فعل أمر مبني على حذف النون وماء مفعول به والكاف مضاف إليه والواو عاطفة ويا سماء مثلها يا حرف نداء وسماء منادى مبني على الضم وأقلعي فعل أمر مبني على حذف النون والجملة كلها (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي) في محل رفع نائب فاعل لفعل (قيل) هذا مقول القول، لو كان الفعل مبنياً للمعلوم تصير الجملة مفعولاً به ولما يكون الفعل مبني للمجهول تصير نائب فاعل. (وَغِيضَ الْمَاء) الواو عاطفة وغيض فعل ماضي مبني للمجهول والماء نائب فاعل و (وَقُضِيَ الأَمْرُ) الواو عاطفة وقضي فعل ماضي مبني للمجهول والأمر نائب فاعل واستوت فعل ماضي والتاء تاء التأنيث، على الجودي جار ومجرور وقيل مثل قيل الأول وبعداً مفعول مطلق لفعل محذوف وجوباً للقوم الظالمين جار ومجرور يقال الظالمين صفة مجرور بالياء مذكر سالم.
اللمسات البيانية: هذه الآية كتبت فيها رسائل من الناحية البيانية، يقولون "أجمع المعاندون على أنه ليس في طوق البشر أن يقولوا مثل هذه الآية". نحن الآن نذكر شيئاً من هذه الأمور البيانية.
أولاً بدأ بفعل القول (قيل) والقول يقال لمن يسمع ويعقل. ثم نادى (يا أرض ويا سماء) والمنادى أيضاً ينبغي أن يعلم أنه نودي لسماع شيء ما أو عليه أن يفعل شيئاً ما خاصة إذا كان نداء حقيقياً ليس مجازياً، النداء المجازي ليس له علاقة (ألا يا ليل طُل، ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي) هذا مجازي لكن في الآية يتكلم عن أمر حقيقة عندما تنادي المنادى ينبغي أن يكون يسمع ويعقل وإذا نودي لطلب شيء يلبّي. ثم أمر (ابلعي واقلعي) وأيضاً الأمر هنا على سبيل الحقيقة وليس المجاز وأيضاً المأمور ينبغي أن يكون عالماً بما أُمر به خاصة إذا طلب الآمر منه شيئاً. إذن هذا يدل على أن الأرض والسماء سمعتا (لأنه يقول لهما ويناديهما)، عقلتا، وامتثلتا. وهذا كله القول والنداء والأمر كله على سبيل الحقيقة. مع أن النداء للأرض والسماء وهما ما هما من الكبر والعظمة الفعل كان مبنياً للمجهول لم يفصح القائل عن نفسه (قيل) معناه أن السماء والأرض تعلم من هو هذا القائل الذي يقول فيجاب له وإن لم يذكر اسمه هذا يدل على عظمته أن السماء والأرض علمت من القائل فاستجابت له، أنت لو قلت للأرض والسماء لا تفعل شيئاً. قيل فاستجابتا له وإن لم يذكر اسمه معناه أن السماء والأرض علمتا هذا القائل الذي نادى من وراء حجاب.
سؤال: في مكان آخر قال تعالى (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ (116) المائدة)؟
هذا في غير مقام ليس في هذا المقام الذي يدل على العظمة والأمر الشديد ويدل على سطوته تستجيب الأرض والسماء لمن ينادي.
سؤال: إذن لا ينبغي أن نقطع آية ونفهمها في سياقيات آية أخرى؟
لا، كلٌ في سياقه هو والمقام.
سؤال: ولا يجوز لي أن أجمع كل (قيل) وأقول قال هنا وقال هنا؟
لا، ضعها في سياقها ومقامها، قد يكون في مقام التعظيم (قلنا) وفي مكان آخر في مقام التوحيد يقول قال أو قلت.
ثم لاحظ النداء قال (يا أرض) ناداه بحرف النداء (يا) وفي القرآن لم يرد غير (يا) للنداء ناداها باسم الجنس.
سؤال: حروف النداء هل ترتبط ببُعد أو قرب المسافة من المنادى؟
(يا) يقولون في أصلها للبعيد وقد تكون للجميع و(أي) للقريب، (أيا وهيا) للبعيد لأن فيها مد الصوت.
هذا النداء (يا أرض) هذا يدل على عظمة المنادي لأنه ناداها باسم الجنس (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ) كما تقول يا رجل افعل كذا، يا أرض، يا رجل افعل كذا أو لا تفعل كذا ولم يقل يا أرضي بالتكريم أو يا أرض الخير أو يا سماء الخير وإنما ناداها مجرّدة يا أرض ويا سماء دلالة على عظمة المنادي وكلها في مقام عظمة المنادي بعد هذا الذي حصل في قصة نوح (قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ (43) هود). يعني (يا أرضي) فيها مقام ترقيق كما نقول يا أخي، يا صديقي، فيها تودد وتقرب، يا رجل الخير، قال يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي فيها قوة وشدة. ثم لم يقل يا أيتها الأرض لو قالها تصير (أي) منادى لكن الغرض منها التوصل للمنادى يا أيها الرجل والهاء للتنبيه حتى إذا كان غافلاً ينتبه. لم يقل يا أيتها الأرض (ها) للتنبيه و(أي) يعني هي ليست غافلة ينبغي أن تكون واعية لكل ما يقول ليس هناك داعي للتنبيه، السماء والأرض نحن نقول الهاء للتنبيه فإذا كان غافلاً فالذي قبله ينبهه لكن الأَوْلى أن تكون واعية لكل حرف يصدر عن هذا الخالق العظيم وكأنها جاهزة للأمر وهي ليست غافلة حتى تحتاج إلى التنبيه، هذا أمر إضافة أن الآية بنيت على الإيجاز. ثم قال ابلعي ولم يقل ابتلعي لأن ابتلعي فيها مدة طويلة وجهد لكن الآن ابلعي في أقصر وقت. ابتلعي فيها وقت أطول من قبيل زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ابلعي وابتلعي من حيث الدلالة واحدة وإنما من حيث الزمن مختلف، ابلعي الأمر ينفذ بسرعة وابلعي أوجز من ابتلعي. ثم قال ابلعي ماءك لم يقل ابلعي كما قال أقلعي بل ذكر مفعول البلع لأن بلع الماء هو المقصود لو قال ابلعي تبلع الأشجار والناس وما عليها هي تنفذ ما تسمع لذلك حدد ما تبلعه (ماءك).
سؤال: بلع فعل متعدي وأقلع فعل متعدي بحرف الجر (عن) لكن قال في السماء أقلعي؟ هل تقلع عن المطر؟
في السماء قال أقلعي في الأصل السماء فيها مطر ليس فيها غير المطر.
ثم قال (ماءك) أضاف الماء إليها لأن الماء أصبح ماءها هي لأنه ما نزل من السماء هو لها سيكون في الأرض وهو في الأصل من الأرض تبخر وصعد من البحار ورجع لها فالماء ماءها سواء كان نازلاً من السماء أو كان فيها لم يقل ابلعي الماء وإنما ماءك. قبلها قال (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ (43) هود) لأن الموج عامة للبحار. ولكن قال ابلعي الماء ولم يقل ماء الموج وإنما الماء عموماً الذي نزل من السماء والذي تفجر من الأرض. نادى السماء فقال اقلعي يعني أمسكي وكُفّي لأنه معلوم القصد منه.
نلاحظ قدّم أمر الأرض ببلع الماء ثم السماء (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي)، ابلعي ماءك حتى ترسو الفينة هذا هو الأول وهذا المهم حتى ينزل الركاب فبدأ بما هو مطلوب لهم فقدّم البلع حتى السفينة ترسو إذا لم تبلع الأرض فما ترسو السفينة ثم إن الماء بدأ من الأرض أصلاً (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ (40) هود)
سؤال: في موقع آخر قال (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) القمر) هنا قدم السماء على الأرض؟
في سورة القمر (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ). حتى تستكمل القصة لماذا بدأ بها (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) القمر) الآية هي (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ) دعا ربه والداعي تفتح له أبواب السماء، دعا ربه ففتح أبواب السماء بماء منهمر هذه الإجابة كانت فعلية، الدعوة تفتح لها أبواب السماء دعا ربه ففتحنا أبواب السماء هذه الإجابة، في سورة هود ليس هناك أصلاً دعاء؟ (فَدَعَا رَبَّهُ) هذه الإجابة والفاء للسرعة، هذه الإجابة لم يقل فتح أبواب السماء لدعوته فاستجبنا له وإنما قال (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ). في سورة هود ليس هناك دعاء (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ (40) هود).
ثم قال (وَغِيضَ الْمَاء) أي ذهب ونشف ما يقول استجاب على الفور. (غيض) فعل مبني لما لم يسمى فاعله أصله غاض متعدي الملازم، غاض الماء وغاض الله ماءً وأغاض موجود أيضاً، (وَغِيضَ الْمَاء) كلها على الإيجاز. الماء نائب فاعل، هم يقدروها غاض الله ألرض أو غاضت الأرض الماء. كل الأفعال مبنية للمجهول (قيل وغيض واستوت) وهذا كله في باب الإيجاز في باب العظمة. لما قال (وَغِيضَ الْمَاء) معناه أن السماء والأرض امتلثتا واستجابتا على الفور لم يقل فبلعت الأرض ماءها وأقلعت السماء. (وَغِيضَ الْمَاء) أيضاً البناء للمجهول. ثم قال (وَقُضِيَ الأَمْرُ) الأمر الذي أراده ربنا (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ) الأمر هذا نجاة من نجى وإهلاك من هلك بأوجز عبارة (قضي) بمعنى انتهى.
سؤال: هذا هو المقصود بقوله (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ (40) هود)؟
هذا هو الأمر نجاة من نجى وإهلاك الظالمين.
ثم قال (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) أيضاً لم يذكر الفاعل لأنه معلوم (السفينة) وهو ذكر (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ (42) هود) ذكر الفاعل في الأول فقال (وَاسْتَوَتْ) وكان استواؤها بعد انقضاء الأمر، استوت بمعنى وقفت، رست. والجودي قالوا جبل قالوا في الموصل أو تركيا. استوت على الجودي بعد قضاء الأمر. (وَقُضِيَ الأَمْرُ) يدل على الأمان. (وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أيضاً بنى الفعل للمجهول، من القائل؟ القائل هو الله والملائكة والصالحين كلهم يقولون بعداً للقوم الظالمين،
سؤال: ما دلالة هذا التركيب (وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)؟
بعداً يعني هلاكاً وبعداً وسحقاً لهم. (بعداً) أيضاً على الإيجاز لم يأت بالفعل وإنما جاء بالمصدر بدون ذكر فاعل وهي أوجز حالة. بعداً (المصدر) أبلغ من يبعد (الفعل). ثم قال (لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) وصفهم بالظلم كما وصف في الأول (وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (27) المؤمنون). ولم يقل بعداً لهم وإنما قال (بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) ذكر الوصف الذي استحق به القوم العقوبة وهو الظلم أعاد التأكيد على أن ما حصل لهم بسبب ظلمهم. هذه أبرز الأشياء المهمة في الآية على وجه السرعة
*إجابة عن نفس السؤال
هناك فرق هائل. ألفينا أنا أقول ألفيت أخي مريضاً، عندما يكون الشيء لا يعجبك إما لتفاهته أو لضعفه أو لا تحبه تقول ألفيت، يقول تعالى (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ (25) يوسف) يعني هل كانوا سعداء عندما وجدوا سيدها لدى الباب؟ كانت كارثة فقال ألفيا.
فلألفينك بعد الموت تندبني وفي حياتي ما زودتني زادي
هذا وضع سيء أنت حارمني من فضلك وأنت عاق وإبن عاق وعندا مت بكيت عليّ! ما قال ما وجدتني. لما قال ما ألفينا عليه آباءنا ما كانوا سعداء بآبائهم وكانوا يعلمون أن آباءهم ضالين والله تعالى شتمهم (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) أناس أغبياء. في الآية الأخرى آباؤهم محترمين قال (ما وجدنا) وما سب آباءهم وإنما الشيطان هو الذي يخزيكم (أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) فكلمة ألفى للشيء الذي لا تحبه وفيه مشكلة وكلمة وجدنا للشيء الذي تحبه (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا (44) ص) ذهبت فوجدت زيداً يصلي، (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا (65) الكهف) ما هذا المقام الرفيع؟. ذهبت فألفيت زيداً يشرب الخمر. رب العالمين رسم بهذه الكلمة ما قيمة آباء هؤلاء وما قيمة آباء هؤلاء؟ هؤلاء آباؤهم كانوا خياراًأهل كرم أهل ذوق لكن ضحك عليهم الشيطان لكنهم كانوا سريعي الإستجابة أما هؤلاء فأي كلام هناك آباء تفتخر بهم وهناك آباء تسحي منهم فلما يكون الآباء تفتخر بهم تقول (وجدنا) تقول آباؤنا فلان وفلان والنبي عندما رجع من بدر بانتصار كاسح وقتلوا شخصيات عربية هائلة تاريخية وواحد من جيش المسلمين خفيف الظل قيل له أين كنتم؟ قال ذهبنا رأينا خرافاً ذبحناها وعدنا فقال له يا بني هؤلاء الناس هذه الأمة الراقية هذه الشخصيات الهائلة نحن ذهبنا نأخذ القافلة ونحن غير مستعدين للقتال مدحهم النبي (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) القلم) ومن الخلق العظيم أن لا بتخس العدو حقه. حينئذ كلمة ألفينا لما تكون غير واثق والوضع ليس مؤاتياً وألفى من اللفاء واللفاء الشيء الخسيس الضعيف أو الذي لا يسرك من أجل هذا فرق الله عز وجل في حالتين قال ألفينا هنا وقال وجدنا هناك وعليك أنت أن تفهم أن آباء هؤلاء قوم كرام وآباء هؤلاء قوم على قد حالهم.
آية (29):
*ما الفروق الدلالية بين فعل سار ومشى؟(د.فاضل السامرائى)
السير غير المشي في اللغة ويقال سار القوم إذا امتدّ بهم السير من جهة إلى جهة معينة في الخصوص. والسير في القرآن الكريم قد يكون لغرض وفي جهة وهو إما للعظة والإعتبار أو للتجارة أو غير ذلك كما في قوله تعالى (فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله) سورة القصص فالسير هنا ممتد من مدين إلى مصر وهو ليس مشياً. وقد يكون معنى السير السير لفترة طويلة للعبرة والإتّعاظ كما في قوله تعالى (قل سيروا في الأرض ثم انظروا) وقد ورد هذا المعنى للسير في 11 آية قرآنية (أفلم يسيروا في الأرض) (قل سيروا في الأرض فانظروا) والسير هنا هو الإمتداد وكما قلنا يكون في القرآن الكريم إما لمسافة طويلة بغرض التجارة وإما لغرض العبرة والإتّعاظ.
أما المشي فهو مجرد الإنتقال وليس بالضرورة توجّه إلى هدف محدد كما في قوله تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا).
* ما الفرق بين النبأ والخبر؟(د.فاضل السامرائى)
النبأ كما يقول أهل اللغة أهم من الخبر وأعظم منه وفيه فائدة مهمة (وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) النمل) وفي القرآن النبأ أهم من الخبر (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) ص) (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) النبأ). والنبأ في اللغة هو الظهور وقد استعمل القرآن الكريم كلمة خبر مفردة في موطنين في قصة موسى (قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) القصص) (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) النمل) وهناك فرق بين الخبر والنبأ العظيم. وفي أخبار الماضين والرسل استعمل القرآن نبأ (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) التغابن) (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) ابراهيم) (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) يونس) (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) هود).
والمُراد من هذا كله أن النبأ أعظم من الخبر.
د.فاضل السامرائى :
قصة موسى وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم وقد أثير سؤال قديماً وقد جدد هذا السؤال أنه هنالك تشابه واختلاف بين القصتين في سورتي النمل والقصص فأحبوا أن نبين اللمسات البيانية في هاتين القصتين.
ما ورد في سورة النمل قوله تعالى (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)) هذا كل ما ورد في النمل، القصة بكاملها.
في سورة القصص قال تعالى بما يقابل هذا المشهد (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33))
من هذين النصين تتبين طائفة من الاختلافات في التعبير:
النمل القصص
إني آنست نارا آنس من جانب الطور نارا
ـــــــ امكثوا
سآتيكم منها بخبر لعلي آتيكم منها بخبر
أو آتيكم بشهاب قبس أو جذوة من النار
فلما جاءها فلما أتاها
نودي أن بورك من في النار نودي من شاطئ الواد الأيمن
وسبحان الله رب العالمين ـ
يا موسى أن يا موسى
إنه أنا الله العزيز الحكيم إني أنا الله رب العالمين
وألق عصاك وأن ألق عصاك
يا موسى لا تخف يا موسى أقبل ولا تخف
إني لا يخاف لدي المرسلون إنك من الآمنين
إلا من ظلم ـــــ
وأدخل يدك في جيبك اسلك يدك
في تسعِ آيات فذانك برهانان
ـ واضمم إليك جناحك ممن الرّهْب
إلى فرعون وقومه إلى فرعون وملئه
إن الذي أوردته من سورة النمل، هو كل ما ورد عن قصة موسى في السورة. وأما ما ذكرته من سورة القصص فهو جزء يسير من القصة، فقد وردت القصة مفصلة ابتداء من قبل أن يأتي موسى إلى الدنيا إلى ولادته، وإلقائه في اليم والتقاطه من آل فرعون، وإرضاعه ونشأته وقتله المصري وهربه من مصر إلى مدين، وزواجه وعودته بعد عشر سنين وإبلاغه بالرسالة من الله رب العالمين، وتأييده بالآيات، ودعوته فرعون إلى عبادة الله إلى غرق فرعون في اليم، وذلك من الآية الثانية إلى الآية الثالثة والأربعين.
فالقصة في سورة القصص إذن مفصلة مطولة، وفي سورة النمل موجزة مجملة. ونلاحظ أن كل تعبير يتناسب مع هذا الأمر الأول وهذه سمة عموماً الإيجاز والتفصيل.
هذا أمر، والأمر الآخر أن المقام في سورة النمل، مقامُ تكريم لموسى أوضح مما هو في القصص نذكر الموطنين لأنها ستفسر الخلافات، ذلك أنه في سورة القصص كان جو القصة مطبوعا بطابع الخوف أما في النمل فليس مطبوعاً بطابع الخوف. في القصص من أولها جو القصة مطبوع الذي يسيطر على موسى عليه السلام وأم موسى بل إن جو الخوف كان مقترنا بولادة موسى عليه السلام، فقد خافت أمه فرعونَ عليه فقد قال تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي (7) القصص)، ويستبد بها الخوف أكثر حتى يصفها رب العزة بقوله (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا (10) القصص) ثم ينتقل الخوف إلى موسى عليه السلام، ويساوره وذلك بعد قتله المصري (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ (18)) فنصحه أحدُ الناصحين بالهرب من مصر لأنه مهدد بالقتل (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ (21))، وطلب من ربه أن ينجيه من بطش الظالمين (قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)) . فهرب إلى مدين وهناك اتصل برجل صالح فيها وقصّ عليه القصص فطمأنه قائلاً (لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25))
وهذا الطابع ـ أعني طابع الخوف ـ يبقى ملازماً للقصة إلى أواخرها، بل حتى إنه لما كلفه ربه بالذهاب إلى فرعون راجعه وقال له: إنه خائف على نفسه من القتل (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33))، وطلب أخاه ظهيراً له يعينه ويصدقه لأنه يخاف أن يكذبوه (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34))
إذن الأمر في القصص أمرين التفصيل والخوف وفي النمل الإيجاز والتكريم. أصلاً في قصة النمل لم يذكر الخوف إلا في مقام إلقاء العصا ألقى العصا وخاف منها ثم ولى مدبراً (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)). بينما القصص من قبل أن يأتي موسى إلى تبليغه بالرسالة وهو خائف. إذن هناك أمرين في سورة القصص التفصيل والخوف.
فاقتضى أن يكون التعبير مناسبا للمقام الذي ورد فيه. وإليك إيضاح ذلك:
قال تعالى في سورة النمل: (إِنِّي آنَسْتُ نَاراً) وقال في سورة القصص: (آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً)
ذكر المكان (مِنْ جَانِبِ الطُّورِ) وذلك لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة في سورة القصص.
قال في سورة النمل: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً) وقال في سورة القصص: (قَالَ لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً) بزيادة "امْكُثُوا". وهذه الزيادة نظيرة ما ذكرناه آنفا، أعني مناسبة لمقام التفصيل الذي بنيت عليه القصة بخلاف القصة في النمل المبنية على الإيجاز.
قال في النمل: (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ). وقال في القصص (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) لم يقطع. فبنى الكلام في النمل على القطع والوثوق في النفس (سَآتيكُم) وفي القصص على الترجي (لعَلّي آتيكُمْ). وذلك أن مقام الخوف في القصص لم يدعه يقطع بالأمر فإن الخائف لا يستطيع القطع بما سيفعل بخلاف الآمن. ولما لم يذكر الخوف في سورة النمل بناه على الوثوق والقطع بالأمر.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن ما ذكره في النمل هو المناسب لمقام التكريم لموسى بخلاف ما في القصص.
سؤال: هذه إشكالية المشكلات ماذا قال موسى هل قال (سأتيكم) أو (لعلي آتيكم)؟
قال كليهما ونحن في حياتنا اليومية تقول أنا ذاهب في أمر لعلي أستطيع أن آتيكم قبل المغرب، لا، لا، سأتيكم قبل المغرب، إذن أنت قلت الاثنين أنت قطعت وترجيت في وقت واحد، هذا يحصل. موسى قال الاثنين لكن ربنا تعالى ذكر كل موطن في مقامه.
استطراد من المقدم: إذن يجوز لمن يحكي عني أن يقول هو قال كذا وقال كذا ولا يكذبه أحد لأنه قال الاثنين.
سؤال: قال إني آنست وهناك قال امكثوا؟
ليس فيها إشكال أحياناً تختصر الأشياء تقولها على السريع وأحياناً تفصّل. لم يذكر المكان في القصص، هذا ليس مخالفاً. نحن في حياتنا اليومية أقول ذهبت أنا إلى مكان، سافرت إلى مصر أو إلى الأردن ولقيت جماعة وأتكلم عن مشهد أحياناً أفصل كل جزئياته وقد يكون كثير من الأمور التي شاهدتها في سفري لم أذكرها لأنه ليس لها علاقة وقد أذكرها في وقت آخر، فالله سبحانه وتعالى يذكر حيث يقتضي المقام الذكر وهذا شأننا في الحياة الحادثة الواحدة تذكرها في أكثر من صورة لكنك أنت لم تكذب ولم تغير لكن كل مرة تذكر أموراً ذهبنا وتكلمنا عن كذا وكذا وعن الأبناء والأولاد وماذا حصل وأحياناً لا تذكر هذا الشيء، فما الإشكال في هذا؟
سؤال: بعض المغرضين يوجه نقداً للقرآن الكريم ويقول هذا تناقض واضح لماذا قال آنست من جانب الطور وفي مكان قال امكثوا، سأتيكم، لعلي آتيكم فماذا قال تحديداً؟
قال كليهما.
إذن أيها المناسب للخوف لعلّي أو سآتيكم؟ (لعلي) أنسب فجاء بها في مقام الخوف وفي مقام الثقة والقطع قال (سآتيكم) وقد قال كليهما.
ومن ناحية أخرى، فإن كل تعبير مناسبٌ لجو السورة ليس فقط القصة ذلك أن الترجي من سمات سورة القصص، والقطع من سمات سورة النمل عموماً كسمة عامة. فقد جاء في سورة القصص قوله تعالى: (عَسى أن ينْفَعَنا أوْ نَتّخِذَهُ وَلَدا) وهو ترَجٍّ. وقال (عَسَى رَبّي أَن يَهْدِيَني سَوَاءَ السّبيلِ) وهو ترجٍّ أيضا. وقال (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ) وقال (لَعَلّكُم تَصْطَلونَ)، وقال (لَعَلّي أَطّلِعُ إلى إِلَهِ موسَى)، وقال (لَعَلّهُمْ يَتَذكّرونَ) ثلاث مرات قالها في الآيات 43، 46، 51، وقال (فَعَسَى أَنْ يَكونَ مِنَ المُفْلِحينَ)، وقال (ولَعَلّكُم تَشكُرونَ) هذا كله ترجّ. وذلك في عشرة مواطن في سورة القصص في حين لم يرد الترجي في سورة النمل، إلا في موطنين وهما قوله (لَعَلّكُمْ تَصْطَلونَ)، وقوله (لَعَلّكُمْ تُرْحَمونَ).
ومن ناحية أخرى إضافة إلى هذا الترجي مناسب لجو سورة القصص والقطع مناسب لجو سورة النمل المبنية أصلاً على القطع من ذلك قوله تعالى على لسان الهدهد (أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ (22) النمل)، وقوله على لسان العفريت لسيدنا سليمان (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) النمل) وقوله على لسان الذي عنده علم من الكتاب (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ (40) النمل) من ناحية السمة إضافة إلى ما ذكرنا فانظر كيف ناسب الترجي ما ورد في القصص، وناسب القطع واليقين ما ورد في النمل.
سؤال: هذا من حيث البيان ما ذكرناه تحت ماذا يُدرس؟
مناسبة السورة لبعضها، مناسبة الآيات، سمة تعبيرية، سمة سياقية.
استطراد من المقدم: إذن كل آية في القرآن تتناسب مع السمة العامة للسورة.
استطراد من المقدم: وأنت تتحدث سرحت بذهني كم من الوقت يسغرقكم لتحضير هذه المادة د. فاضل؟
أحياناً وقت طويل جداً أيام وأسابيع للنظر في مسألة أحياناً هكذا لأنه ليس كل ما يدور في الذهن ينقدح في رأسك فوراً وإنما يحتاج لتقليب ونظر.
سؤال: عندما سألتك لم قال هنا سأتيكم ولعلي آتيكم فقلت السمة التعبيرية العامة في السورة فلا بد أن هذه الأسئلة انقدحت في ذهنك كثيراً وأنت تبحث هذه وتعيد قراءة السورة مرات ومرات؟ نعم.
نلاحظ أنه كرّر فعل الإتيان في النمل، فقال (سَآتيكُمْ مِنها بِخَبَر أوْ آتيكُمْ بِشِهابٍ)، ولم يكرره في القصص، بل قال (لَعَلّي آتيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ) لم يقل أو آتيكم بجذوة، فأكد الإتيان في سورة النمل لقوة يقينه وثقته بنفسه، والتوكيد دلالة على الثقة بالنفس وعلى القوة، في حين لم يكرر فعل الإتيان في القصص مناسبة لجو الخوف. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن فعل (الإتيان) تكرر في النمل اثنتي عشرة مرة (انظر الآيات: 7 مرتين، 18، 21، 28، 37، 38، 39، 40، 54، 55، 87) وتكرر في القصص ست مرات (انظر الآيات 29، 30، 46، 49، 71، 72) فناسب السمة التعبيرية في السورة إضافة إلى موقف الثقة بالنفس وموقف القوة والتوكيد فناسب السمة التعبيرية أيضاً.
وقال في سورة النمل (أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) وقال في القصص (نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) الشهاب هو شعلة من النار ساطعة فيها لهب والقبس يعني تؤخذ، قبس أي أخذ إذن الشهاب هو شعلة من النار ساطعة ومأخوذة. النعبير بشهاب قبس فيها أمرين.
وأما (الجذوة) فهي الجمرة أو القبسة من النار والجمرة هي عود فيه نار بلا لهب. أيُّ الأفضل المجيء بالشهاب أو المجيء بالجمرة؟ المجيء بالشهاب أحسن من المجيء بالجمرة، لأن الشهاب يدفئ أكثر من الجمرة لما فيه من اللهب الساطع، كما أنه ينفع في الاستنارة أيضا. فهو أحسن من الجذوة في الاتضاءة والدفء، الجذوة ليس فيها هذا الشيء وربما يكون فيها دفء فقط. أيُّ يدل على الثبات واليقين والقوة؟ الشهاب القبس، إذن مناسبة لسورة النمل إذن شهاب مقبوس ليس مختلساً وليس محمولاً وإنما هو يذهب فيقبس يأتي بالشهاب بعود ويذهب إلى النار ويقبس منها ويأتي أما الجذوة يمكن أن يختلسها ويعود، ما وضح طريقة أخذ الجذوة وهذا يتناسب مع السمة التعبيرية لسورة القصص أيضاً مع الثبات والقوة بينما في النمل جو الخوف قال (جذوة). هو موسى قال الاثنين والقولان ليسا مختلفين، هو يقول لهم آتيكم بشهاب، بقبس، بجذوة إذن هو قطعاً قال الاثنين.
* في سورة النمل (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)) بينما في سورة القصص (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)) فما الفرق بين الآيتين؟ (د.فاضل السامرائي)
الشهاب هو شعلة من النار ساطعة. القبس اي شيء يؤخذ من النار سواء كان جذوة أم شهاب، قبس تقبسه تأخذه، هذا القبس ما يؤخذ من النار أياً تأخذ هو القبس. الجذوة هي الجمرة.
*بغض النظر عن الحجم؟
هي جمرة، عود فيه نار بلا لهب هذه جذوة. إذا صار فيه لهب يصير شهاباً.
* الشهاب إذن نار فيها لهب. والشعلة؟
كما الشعلة الموجودة في الألمبياد أي شعلة من النار هو شهاب، الجذوة لا، بلا لهب هي جمرة، القبس هو ما تقبسه من النار سواء كان شهاباً أم جذوة.
* شهاب قبس؟
شهاب تأخذه من النار.
*يعني قطعة مشتعلة من النار؟
نعم، قطعة مشتعلة تأتي بعود على النار، على الشهاب فيلتهب تأخذه صار شهاباً قبساً.
*إذا أخذنا منها عوداً كان ملتهباً يكون شهاباً قبساً وإذا لم يكن ملتهباً يكون جذوة أو جمرة أو قبس؟
القبس عام للجذوة وللشهاب، ما تقبسه ما تأخذه من النار
*يعني القبس هو عبارة عن شهاب وجذوة؟
نعم، ممكن هذا وممكن هذا، كل هذا قبس.
* والفرق أنه إذا كان ملتهباً فهو شاب وإذا لم يكن مشتعلاً فهو جذوة أو جمرة.
*مرة يقول في سيدنا موسى شهاب قبس ومرة جذوة من النا، موسى ماذا أخذ؟ وخصوصاً في ظل هذا الفرق الدلالي أن هذا فيه اشتعال وهذا ليس فيه اشتعال؟
لا، عندما قال قبس قال (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)) لكن قال في الثانية (آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)). سأتيكم قطع، لعلي احتمال. في سورة النمل قال (سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ) سآتيكم قطع. في القصص قال (آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)) ليس متأكداً والإنسان أحياناً يقول هذا ويقول ذاك، سآتي اليوم لعلي أستطيع. أنا الآن عندي سفرة إلى مكان قريب سآتيكم مساء هذا اليوم لعلي أستطيع، مرة قطعت ومرة احتمال. أنت قلت الاثنين أول مرة قلت سآتيكم قطعت والثانية قلت لعلي أستطيع، لعلي آتيكم. موسى قال (سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ) (لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ) ففي مكان القوة لأنه في سورة النمل كان قوياً أما في القصص فهي في الخوف من أولها إلى آخرها، قال (لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ) لعلّي. وقال (سآتيكم). هو قال الاثنين سآتيكم، لعلي آتيكم فذكر في كل موطن ما يناسبه من السياق.
*هل هذا يؤثر على الذي يأتي به؟ مرة يأتي بشهاب قبس فيه التهاب ومرة يأتي بجذوة ليس فيها التهاب؟
ماذا يستطيع هو أن يفعل؟
*لا شيء.
هو سيرى ماذا يستطيع أن يفعل.
هكذا نفهم الآيات، هو سيرى يذهب وينظر
ولذلك هو قال في طه (لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)) لا قال شهاب ولا قال جذوة، هذا هو العام، والقبس قد يكون شهاب وقد يكون جذوة.
*هو أتى بالثلاثة؟
قبس تجمع الاثنين ليس هناك تناقض في المسألة، قال قبس وهو عامّ
*هو في واقع الأمر ماذا قال؟
قال الاثنين كما نقول الآن سآتيكم هذا اليوم لعلي أستطيع. سآتيكم بشهاب لعلي أستطيع فإن لم أستطع آتيكم بجذوة.
*هو ماذا قال لأهله؟ سآتيكم بقبس أم سآتيكم بشهاب أم سآتيكم بجذوة؟
قال الاثنين لكن قال إحداها على القطع والأخرى على الاحتمال. سأرجع هذا اليوم، لعلي أرجع، لا، سأرجع، وهذه نفس الشيء، لعلي أستطيع آتيكم بجذوة، لا، شهاب. نقول الظرف هو الذي يحكمه لكنه قال الاثنين سآتيكم بكذا، لعلي آتيكم.
* لا يظنن ظان أن القرآن فيه تضارب أو أن كلامه تغيّر؟
لا، كيف يكون فيه تضارب؟! هذا واقع الحياة أحياناً نذكر الأمرين واحد بالقطع وواحد بالاحتمال، هذا يحصل.
*** قال الراغب الأصفهاني مفرقا بين الإتيان والمجيء: الإتيان مجيءٌ بسهولة، ومنه قيل للسيلِ المارّ على وجهه أتي" (المفردات في غريب القرآن 6). وقال: "المجيء كالإتيان، لكن المجيء أعم، لأن الإتيان مجيء بسهولة" (المفردات 102)
ولم يذكر أهل المعجمات ما ذكره الراغب، وإنما هم يفسرون واحا بالآخر، فيفسرون جاء بأتى، وأتى بجاء، غير أنهم يذكرون في بعض تصريفات (أتى) ما يدل على السهولة، فيقولون مثلا في تفسير الطريق الميتاء من (أتى) "طريق مسلوك يسلكه كل أحد" وذلك لسهولته ويسره. ويقولون : "كل سيل سهلته الماء أتيّ" و "أتّوا جداولها: سهلوا طرق المياه إليها" يقال: (أتّيت الماء) إذا أصلحت مجراه حتى يجري إلى مقارّه .. ويقال: أتّيت للسيل، فأنا أؤتّيه إذا سهلت سبيله من موضع إلى موضع ليخرج إليه .. وأتّيت الماء تأتيةً وتأتياً، أي: سهلت سبيله ليخرج إلى موضع"( لسان العرب (أتى) 18 / 14)
والذي استبان لي أن القرآن الكريم يستعمل المجيء لما فيه صعوبة ومشقة، أو لما هو أصعب وأشق مما تستعمل له (أتى) . ويستعمل (أتى) لما هو أخف وأيسر.
ولعل من أسباب ذلك أن الفعل (جاء) أثقل من (أتى) في اللفظ بدليل أنه لم يرد في القرآن فعل مضارع لـ (جاء) ولا أمر ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول، ولم يرد إلا الماضي وحده بخلاف (أتى) الذي وردت كل تصريفاته، فقد ورد منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل واسم المفعول. فناسب بين ثقل اللفظ وثقل الموقف في (جاء)، وخفة اللفظ وخفة الموقف في (أتى) والله أعلم.
قال في سورة النمل (فَلَمّا جاءَهَا نُودِيَ) وقال في سورة القصص (فَلَمّا أَتاها نُودِيَ) فما الفرق بينهما؟
(فلما جاءها) إذن موطن الخوف وضع كل واحد في مكانه، (فلما جاءها) (فلما آتاها) وذكرنا في أكثر من مناسبة أن الإتيان فيه سهولة وحتى قسم من أهل اللغة يقولون الإتيان المجيء بسهولة. الإتيان والمجيء بمعنى لكن بفوارق دلالية وقسم من أهل المعجمات يفسروا الواحد بالآخر جاء بمعنى آتى وأتى بمعنى جاء لكن يذكرون بعض التصريفات والراغب الأصفهاني يقول الإتيان المجيء بسهولة. والمجيء عام لكن حتى لو نظرنا في المعجمات تذكر أموراً تدل على أن الإيتاء فيه سهولة فيقولون مثلا في تفسير الطريق الميتاء من (أتى) "طريق مسلوك يسلكه كل أحد" معناه مذلل، وذلك لسهولته ويسره. ويقولون "أتّوا جداولها سهلوا طرق المياه إليها" يقال: (أتّيت الماء) إذا أصلحت مجراه حتى يجري إلى مقارّه. فيها سهولة حتى من لم يصرِّح بذلك لكن عندما ينظر في ما يأتي فيها من مفردات يتضح منها السهولة.
والذي استبان لي أن القرآن الكريم يستعمل المجيء لما فيه صعوبة ومشقة، أو لما هو أصعب وأشق مما تستعمل له (أتى).
سؤال: من حيث اللغة عموماً هل تفرق بينهما؟ وهل هذه خصوصية في القرآن مثلاً؟
يمكن في جاء وأتى لكن في بعض التصريفات والتقليبات فيها لما يقول الميتاء والأتي وأتّى، اللغة تعي هذا حق الوعي. ربنا قال مثلاً (فَإذا جَاءَ أَمْرُنا وَفارَ التّنّورُ (27) المؤمنون)، وذلك لأن هذا المجيء فيه عقوبة ومشقة وشدة وقال (وجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالحَقّ (19) ق) وقال (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئا إمْرَا (71) الكهف) وقال (لقَدْ جِئْتَ شِيْئا نُكْرا (74) الكهف) وقال (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً (27) مريم) وقال (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) مريم). وقال (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً (81) الاسراء) وقال (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) عبس). وقال (فإذا جاءَت الطّامّةُ الكُبْرَى (34) النازعات). وهذا كله مما فيه صعوبة ومشقة.
وقد تقول: وقد قال أيضاً (هَلْ أَتاكَ حَديثُ الغَاشِيَة) والجواب: أن الذي جاء هنا هو الحديث وليس الغاشية في حين أن الذي جاء هناك هو الطامة والصاخة ونحوهما مما ذكر. لم يقل أتتكم الغاشية وإنما حديث الغاشية، حديث يعني الكلام، هناك جاءت الصاخة أو الطامة وليس الحديث عنها. لم تأت الغاشية وإنما هناك جاءت، هذا الكلام في الدينا (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3)) لأن الحديث عنها أما (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) عبس) ليس الحديث عنها. (أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ (1) النحل) يعني قرب موعده فلا تستعجلوه، إذن لم يقع بعد. يقول تعالى (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ (78) غافر)، أتى وجاء وأمر الله، أتى أمر الله فإذا جاء أمر الله، نكمل الآية حتى تتضح المسألة ونحو قوله (جَاءَهُمْ نَصْرُنَا (110) يوسف)، (لَجَاءهُمُ الْعَذَابُ (53) العنكبوت). قال تعالى (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) النحل). وقال (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) غافر). فقد قال في النحل: "أَتَى أَمْرُ اللهِ"، وقال في غافر: "جاءَ أَمْرُ اللهِ". أتى وجاء وأمر الله، أتى أمر الله فإذا جاء أمر الله، نكمل الآيتين حتى تتضح المسألة (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) النحل) (فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) غافر)، في النحل لم يأت بعد (فلا تسعجلوه) أما في غافر (قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) هذا قضاء وخسران، أكمل الآيات حتى يتضح الفرق بينهما ويصير الفرق بائناً.
وقوله (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ (34) الأنعام) وقوله تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) أتاهم نصرنا في الأنعام وجاءهم نصرنا في يوسف، نضعها في مكانها (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) و (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ (34) الأنعام) نلاحظ استيأس الرسل فصبروا على ما كذبوا، أيها الأكثر استيأس الرسل أو صبروا على ما كذبوا؟ استيأس الرسل وصلوا لمرحلة الاستيئاس. (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) وقال في الأنعام (حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا). أي الموقفين أشد؟ موقف الإستيئاس.
وقفنا عند قوله تعالى (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) النمل) ولم يذكر مثل ذلك في القصص فقط ذكر جهة النداء (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)) أما (أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ) هذا كلام للتعظيم (أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) هذا موقف تعظيم.
سؤال: لِمَن التعظيم للنار أم لمن حولها أو لله تعالى؟
الكلام كان من هو الذي في النار ومن حولها؟ ذُكر عدة أقوال فيها قيل من في النار يعني موسى ومن حولها يعني الملائكة، هي ليست ناراً وإنما نوراً وقسم قال من في النار هم الملائكة وموسى حولها ليس هناك نص يُعيّن، وقيل النور هو نور رب العالمين ومن حوله الملائكة. هو رأى ناراً لكن حقيقة الأمر أنها ليست ناراً وإنما نور وقيل نور رب العالمين. واضح فيها تعظيم قد يكون التعظيم لموسى باعتبار من حولها إذا هو حولها أو للملائكة أو لله سبحانه وتعالى (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) المقام كله مقام تعظيم ولم يرد في القصص مثل هذا وهذا مناسب لجو التعظيم والتكريم الوارد في النمل.
ونعود إلى ما نحن فيه من قصة موسى عليه السلام، فقد قال في سورة النمل: "فلما جاءها" وقال في سورة القصص: "فَلمّا أتاها" ذلك أن ما قطعه موسى على نفسه في النمل أصعب مما في القصص، فقد قطع في النمل على نفسه أن يأتيهم بخبر أو شهاب قبس، في حين ترجى ذلك في القصص. والقطع أشق وأصعب من الترجي. وأنه قطع في النمل، أن يأتيهم بشهاب قبي، أي: بشعلة من النار ساطعة مقبوسة من النار التي رآها في حين أنه ترجّى في القصص ان ياتيهم بجمرة من النار، والأولى أصعب. ثم إن المهمة التي ستوكل إليه في النمل أصعب وأشق مما في القصص، فإنه طلب إليه في القصص أن يبلغ فرعون وملأه. وتبليغ القوم أوسع وأصعب من تبليغ الملأ، ذلك أن دائرة الملأ ضيقة، وهم المحيطون بفرعون في حين أن دائرة القوم واسعة، لأنهم منتشرون في المدن والقرى، وأن التعامل مع هذه الدائرة الواسعة من الناس صعب شاق، فإنهم مختلفون في الأمزجة والاستجابة والتصرف، فما في النمل أشق وأصعب، فجاء بالفعل (جاء) دون (أتى) الذي هو أخف. ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة طه: "فلما أتاها نُودِيِ يا موسى" ذلك لأنه أمره بالذهاب إلى فرعون ولم يذكر معه أحدا آخر: "اذهب إلى فرعون إنه طغى 24 قال رب اشرَحْ لي صَدْري 25 ويسّر لي أمري 26"
فانظر كيف لما أرسله إلى فرعون قال: "أتاها"، ولما أرسله إلى فرعون وملئه قال (أتاها) أيضا في حين لما أرسله إلى فرعون وقومه قال: "جاءها" وأنت ترى الفرق بين الموطنين ظاهرا.
ذكر في القصص جهة النداء فقال: "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ " ولم يذكر الجهة في النمل، وذلك لأن موطن القصص موطن تفصيل، وموطن النمل موطن إيجاز كما ذكرت.
قال في النمل: " نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" ولم يذكر مثل ذلك في القصص، بل ذكر جهة النداء فقط، وذلك لأن الموقف في النمل موقف تعظيم كما أسلفنا وهذا القول تعظيم لله رب العالمين.
قال في النمل "يا موسَى" وقال في القصص: "أَنْ يا موسَى" فجاء بـ (أن) المفسرة في القصص، ولم يأت بها في النمل، وذلك لأكثر من سبب:
منها أن المقام في النمل مقام تعظيم لله سبحانه، وتكريم لموسى كما ذكرنا فشرفه بالنداء المباشر في حين ليس المقام كذلك في القصص، فجاء بما يفسر الكلام، أي: ناديناه بنحو هذا، أو بما هذا معناه، فهناك فرق بين قولك: (أشرت إليه أن اذهب) و (قلت له اذهب) فالأول معناه: أشرت إليه بالذهاب، بأيّ لفظ أو دلالة تدل على هذا المعنى. وأما الثاني فقد قلت له هذا القول نصا، ومثله قوله تعالى: "وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ104 قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ 105"الصافات
أي: بما هذا تفسيره أو بما هذا معناه بخلاف قوله: "قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ" هود
ومنها أن المقام في سورة القصص مقام تبسّط وتفصيل فجاء بـ (أن) زيادة في التبسط.
ومنها أن ثقل التكليف في النمل يستدعي المباشرة في النداء، ذلك أن الموقف يختلف بحسب المهمة وقوة التكليف كما هو معلوم.
قال في النمل: "إنّهُ أَنا اللهُ العَزيزُ الحَكيمُ"، وقال في سورة القصص: "إِنّي أَنا اللهُ رَبُّ العالَمينَ"
فجاء بضمير الشأن الدال على التعظيم في آية النمل: "إِنّه أنا" ولم يأت به في القصص، ثم جاء باسميه الكريمين "العَزيزُ الحَكيم" في النمل زيادة في التعظيم.
ثم انظر إلى اختيار هذين الاسمين وتناسبهما مع مقام ثقل التكليف، فإن فرعون حاكم متجبر يرتدي رداء العزّة، ألا ترى كيف أقسم السحرة بعزته قائلين: "بِعِزّةِ فِرعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغَالِبونَ 44" الشعراء. فاختار من بين أسمائه (العزيز) معرفا بالألف واللام للدلالة على أنه هو العزيز ولا عزيز سواه، و(الحكيم) للدلالة على أنه لا حاكم ولا ذا حكمة سواه، فهو المتصف بهذين الوصفين على جهة الكمال حصرا. وفي تعريف هذين الاسمين بالألف واللام من الدلالة على الكمال والحصر ما لا يخفى ما لو قال (عزيز حكيم) فإنه قد يشاركه فيهما آخرون.
ثم انظر من ناحية أخرى كيف أنه لما قال: "أَنا اللهُ العَزيزُ الحَكيمُ" لم يذكر أن موسى سأل ربه أن يعزّزه ويقويه بأخيه، ولما لم يقل ذلك ذكر أنه سأل ربه أن يكون له ردءا، يصدقه ويقويه وهو أخوه هارون.
وقد تقول: ولكنه قال في القصص "إنّي اَنا اللهُ ربّ العالمينَ" وفي ذلك من التعظيم ما لا يخفى
ونقول: وقد قال ذلك أيضا في النمل، فقد قال: "وسبحان الله ربّ العالمين" وزاد عليه: "إنّهُ أنا الله العَزيزُ الحَكيمُ" فاتضح الفرق بين المقامين.
وقد تقول: ولم قال في سورة طه: "إنّي أَنا ربّك فاخلعْ نَعلَيْكُ" بذكر ربوبيته له خصوصا، ولم يقل كما قال في سورتي النمل والقصص "ربّ العالمين"؟
والجواب: أنه في سورة طه كان الخطاب والتوجيه لموسى عليه السلام أولا فعلمه وأرشده فقال له: " إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي 14 إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى 15" طـه، فطلب منه العبادة وإقامة الصلاة
وقال بعد ذلك: "لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنا الكُبْرى 23" طه، ثم ذكر منته عليه مرة أخرى فقال: "وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى37 إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى 38" طـه
ويمضي في ذكر منته عليه ولم يرد مثل ذلك في النمل، ولا في القصص. فإنه لم يذكر توجيها له أو إرشادا لعبادته في النمل، ولا في القصص فلم يأمره بعبادة أو صلاة أو تكليف خاص بشأنه. ثم إنه في سورة القصص وإن كان قد فصّل في ذكر ولادته ونشأته وما إلى ذلك فقد ذكرها في حالة الغيبة لا في حالة الخطاب: "وأوحينا إلى أمّ موسَى أَنْ أَرْضِعيهِ" "إنْ كادَتْ لَتُبدي به .. فرددناه إلى أمه .. ولمّا بلَغَ أشُدّه .. ودَخَل المَدينةَ .. "
في حين كان الكلام في سورة طه بصورة الخطاب. فناسب أن يقول له في طه: "أنا ربّك" بخلاف ما في النمل والقصص، والله أعلم.
في النمل قال (يَا مُوسَى (9)) وفي القصص قال (أَن يَا مُوسَى (30)) هذه (أن) المفسِّرة يعني وقعت بمعنى القول دون حروفه يعني ناديناه أن يا موسى، نودي أن يا موسى، هذه أن المفسرة تأتي بعد ما فيه معنى القول دون حروفه مثل نادى ووصّى، معنى القول دون حروف قال أو يقول فتسمى مفسِّرة لأنها تفسر القول والفحوى، فرق بين أن المفسرة والقول لما قلت له افعل أو وصيته أن افعل لو أعربناها مفسرة لأنه يمكن إعرابها أيضاً أن مصدرية لو احتملت المصدرية فيكون هناك تأويل مصدر. على سبيل المثال لما أقول قلت له إفعل يعني أنت قلت له هذا القول (إفعل) هذا مقول القول، ناديته أن افعل ناديته بالفعل أن يفعل لكن هل ناديته بهذا؟ أنت ذكرته بالفحوى وليس نصاً. قلت له اذهب قلت له هذه اللفظة (اذهب)، وصّيته أن اذهب يعني وصيته بالذهاب، فإذن (يا موسى) هو القول، (أن يا موسى) هذه بالفحوى أو قد يكون بنفس اللفظ أو بغيره. ما الفرق بينهما؟ أولاً إذا كان في مقام التفصيل (أن يا موسى) مفرداتها أكثر فإذن (يا موسى) أوجز إذن (يا موسى) أنسب في مقام الإيجاز و(أن يا موسى) أنسب في مقام الإطالة والتفصيل. إذا كان في مقام التعظيم والتكريم الكلام المباشر هو أهم عندما تقول قلت له كذا وكذا أو قل لفلان كذا وكذا بالأقوال هذا معناه أن المهمة أعظم يعني إحرص على كل كلمة وكل شيء، إذا في مقام التبسط هذا مقام التبسط وإذا كان في مقام التكليف وثقل التكليف - لأنه سيأتي أن مقام ثقل التكليف أكثر في النمل - فإذن أيضاً جاء بالمباشرة لأن ثقل التكليف يستدعي المباشرة (يا موسى)، إذن من أي ناحية نأخذها إذا من ناحية التبسط والتبسيط وإن كان ناحية ثقل التكليف سيكون (يا موسى) كما سنرى أنسب. ثم لما قال ربنا (يا موسى) يعني شرّفه بالنداء المباشر هذا أمر آخر ذكر اسمه مباشرة وليس بالفحوى وسيأتي أمر آخر نذكره فيما بعد.
في النمل قال (إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)) وفي القصص (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)) (إنه أنا الله) فيها مقام تفخيم وتعظيم لأنه جاء بضمير الشأن (إنه) إنه غائب، الله تعالى هو المتحدث هذا كلام قاله بضمير المتكلم. أنت عندنا تقول عن نفسك إني مسافر يمكن أن تقول إنه أنا مسافر، ما الفرق؟ هذا ضمير الشأن يؤتى بضمير الغيبة المفرد مذكر أو مؤنث بحسب السياق.
سؤال: ما معنى ضمير الشأن؟
مثلاً إنه محمد مسافر، يعني القصة، الشأن، الأمر، الحكاية محمد مسافر. (قل هو الله أحد) هذا تعظيم يؤتى به في مواطن التفخيم والتعظيم، الأصل هو أو هي ضمير الشأن وقد تتصل بالنواسخ. (إنه) هذه إنّ ناسخة والهاء ضمير الشأن والخبر هو الجملة التي بعدها (أنا الله العزيز الحكيم) لأن ضمير الشأن لا بد أن يُخبر عنه بجملة ولا يُخبر عنه بمفرد لأنه الشأن، القصة، الحكاية وتذكر ما هي.
استطراد من المقدم: الشأن هنا أن الله هو العزيز الحكيم.
فيها موطن التفخيم والتعظيم. (إني) إخبار عنه بالتوحيد. (إنه أنا الله) هذا في مقام التفخيم، (قل هو الله أحد) لا يمكن أن يقال قل الله أحد، قل هو الله أحد هذه فيها تفخيم تأتي بضمير يسميه ضمير الشأن ويخبر عنها بجملة.
هو ضمير الشأن مبتدأ والجملة (الله أحد) في محل رفع خبر هو. إذن ضمير الشأن أفخم ويؤتى به للتفخيم والتعظيم.
سؤال: في سورة النمل قال (أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)) لماذا هذان الإسمان تحديداً؟
اختيار هذين الإسمين له سبب ومناسبة: أولاً هذا متناسب مع ثقل التكليف، فرعون حاكم متجبر يرتدي رداء العزة والسحرة أقسموا (وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) الشعراء) لما قال بعزة فرعون ربنا قال (الْعَزِيزُ) لا عزيز سواه، ليس هو عزيز وإنما هو العزيز وحده قصراً العزّة له كاملة. تأتي الحكيم، الحكيم يعني لا حاكم ولا ذا حكم سواه، الحكيم من الحكم والحكمة كلاهما وقد تأتي الحكيم لأكثر من ذلك لكن هنا يجتمع الأمران لأن الحكيم تأتي بمعنى المحكم. حكيم بمعنى المحكم وهنا تجمع معنيين من الحُكم والحكمة الحاكم أيضاً حكيم هذه مبالغة، ليس بالضرورة أن يكون الحاكم حكيماً والآية توسعت في المعنى ولم تقيد معنى معيناً لكلمة حكيم. إذن لا حاكم ولا ذا حكم سواه وهذا رد على فرعون أيضاً لأن فرعون قال (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) الزخرف) إذن هو حاكم وقال (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) غافر) إذن هو حكيم فلما صوّر فرعون نفسه أنه حاكم وحكيم ربنا قال هو العزيز الحكيم لا عزيز الذي أقسم بعزته السحرة ولا حاكم ولا حكيم كما ادّعى فرعون (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) هذا حكيم، الحكمة أن يرى الأمور في نصابها قولاً وفعلاً، الحكمة توفيق العلم بالعمل، الحكمة وضع الأمور في موضعها فعلاً وقولاً. من قال حكمة ولم يفعل فليس بحكيم ومن فعل ولم يقل لم ينطق بالحكمة.
سؤال: ماذا قال ربنا تبارك وتعالى تحديداً (إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)) أم (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)) ؟
قال كلاهما لأنه حتى في سورة النمل قال (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)) زاد عليها مقام التعظيم وقال في القصص (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)). قال في النمل (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) إذن ذكر ما ذكره في القصص بالتسبيح والتعظيم والتنزيه وزاد عليه (إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)) إذن قال الأمرين قال هذا وقال ذاك، في الموطنين قال. (سبحان) تنزيه لله وهي إسم مصدر وهي مضاف ولفظ الدلالة الله مضاف إليه، (سبحان) مفعول مطلق فعله سبّح، التسبيح هو المصدر وسبحان إسم المصدر وقالوا (سبحان) علم على التسبيح أو قالوا إسم مصدر يعني لم يجمع كل حروف المصدر.
إذن ربنا تعالى قال لسيدنا موسى كل هذا (إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)) و(إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)) لكن في النمل زاد عليه فيما يتناسب مع مقام التفخيم والتعظيم التي بنيت عليها القصة (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8))
قال في النمل (وَأَلْقِ عَصَاكَ (10)) وفي القصص قال (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ (31)) أن المفسِّرة أو المصدرية نظير يا موسى وأن يا موسى، ألق عصاك قول مباشر من الله وأن ألق عصاك تفسير كما ذكرنا. وهنالك أمر آخر سنذكره فيما بعد في حينه.
في النمل قال (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ (10)) وفي القصص قال (يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ (31)). أولاً في مقام الإيجاز قال (لا تخف) وفي مقام التفصيل قال (أقبل ولا تخف) ثم ذكرنا أن القصص فيها شيوع جو الخوف يدل على أن موسى أوغل في الهرب فقيل له أقبل ولا تخف، أقبل تدل على أنه جد في الهرب وأوغل فيه وهذا يتناسب مع أمرين مع مقام التفصيل ومع شيوع الخوف.
سؤال: هل هناك فرق دلالي بين أقبل ولا تخف وأقبل لا تخف؟
أقبل ولا تخف هذه عطف ويجوز لغوياً أقبل لا تخف.
في النمل قال (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)) وفي القصص قال (إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)) لأن الخائف يحتاج إلى تأمين فقال له (إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) أمّنه لأنه يحتاج إلى تأمين.
استطراد من المقدم: مع أنه خاف في النمل أيضاً؟
شيوع الخوف في النمل ليس كشيوعها في القصص في النمل لم يذكر الخوف إلا هاهنا بينما في القصص الخوف من أولها لآخرها عندما هرب وخرج خائفاً يترقب، لا تخف نجوت من القوم الظالمين فالسمة العامة الخوف حتى في التبليغ كان هناك خوف (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (34)) بينما في النمل لم يقل هذا، القرآن الكريم يراعي الحالة النفسية بحسب ما يريد أن يفصله أو يلقي الضوء عليه.
في القصص قال (إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) تتناسب مع (أقبِل) مع الخوف وشيوع الخوف ومقام الخوف أما في النمل مقام تكريم وتشريف (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)) يعني ألمح أنه منهم أنه مرسل وهذا تكريم وتشريف ثم لاحظ كيف قال (لدي) ليشعر بالقرب وزيادة في التكريم هذا في الحضور يعني عندي معناه أنه حاضر قريب. (لدي) ظرف يعني حاضر جاهز وهناك فرق بين لدي وعندي في المعنى العام، (عندي) سواء كان حاضراً أو غائباً أقول عندي قلم ربما أن لا يكون معي الآن لكن لدي قلم لا بد أن يكون معك الآن (هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) ق) يعني حاضر. إذن البعيد عنك تقول عندي إذن (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)) هذا قُرب مرسَل ولديّ، إذن لدي تفيد القرب ولما قال (لدي) قال يا موسى ولم يقل أن يا موسى لأن أن يا موسى فصل بين المنادى (موسى) والمنادي (الله سبحانه وتعالى) بـ (أن) إذن بينهما بُعد الآن، (أن) بعيد (لديّ) القرب. إذن لما كان قريباً منه لم يصل بين المنادى والمنادي ولم يقل وأن ألق عصاك وإنما قال وألق عصاك، لديّ يشعر بالقرب وقرب بين النداء والأمر إذن كم فائدة جمعنا في (أن) المفسِّرة؟!
ثم قال (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)) لم يقل لا يخاف مني لأن المرسلين يخافون منه، المرسلون هم أشد الناس خوفاً بحضرته، يخافون منه ولكن يخافون لديه. ما ذكر ما الذي يخاف منه المرسلون، لا يمكن هذا لأن المرسلين يخافون من الله لكن لا يخافون لديه إذا كانوا معه فلن يخافوا من أحد ولا يخافوا من شيء.
سؤال: الخوف هنا هل هو من الله أو من الرعيّة؟
الخوف في مطلقه، الخوف من كل شيء ولكنهم يخافون من الله تعالى بالأساس وفي الحديث "أنا أخشاكم لله" إذن هم لا يخافون لديه ولكنهم أشد الخلق خشية منه. قال (لديّ) وليس مني وكأنهم بحضرة الله سبحانه وتعالى لا يخافون شيئاً أبداً فهم في معية الله.
في سورة النمل قال (إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11)) لم يقل كذلك في القصص لأنه لا يحسن أن يقول إنك من الآمنين ثم يقول ثم إلا من ظلم بدل حسناً بعد سوء لا يستقيم الكلام أصلاً. (إِلَّا مَن ظَلَمَ) هذه عامة غير محددة بالأنبياء (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) النمل) (إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
قال في النمل: "إلّا منْ ظَلَمَ ثمّ بَدّلَ حُسنا بَعدَ سوء فإنّي غَفورٌ رحيمٌ" ولم يقل مثل ذلك في القصص، لأنه لا يحسن أن يقال: (إنك من الآمنين إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء) ولو قال هذا لم يكن كلاما.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ناسب ذلك قول ملكة سبأ: "ربّ إني ظلَمْتُ نَفسي وأسْلَمْتُ مَع سُلَيمانَ لله ربّ العَالمينَ" النمل، فإنها ظلمت نفسها بكفرها وسجودها للشمس منجون الله، ثم بدلت حسنا بعد سوء، فأسلمت لله رب العالمين فلاءم هذا التعبير موطنه من كل ناحية.
وقد تقول: لقد ورد مثل هذا التعبير في سورة القصص أيضا وهو قوله تعالى: "قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ 16" القصص
والحق أن المقامين مختلفان، فإن القول في سورة القصص هو قول موسى عليه السلام حين قتل المصري، وموسى لم يكن كافرا بالله، بل هو مؤمن بالله تعالى، ألا ترى إلى قوله منيبا إلى ربه بعدما فعل فعلته: "قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي" وقوله حين فر من مصر: "رَبّ نَجّني مِنَ القَوْمِ الظالِمينَ" وقوله: "قال عَسى ربي أن يَهْدِيَني سَواء السّبيل"
فإن موسى لم يبدل حسنا بعد سوء، ذلك انه عليه السلام لم يكن سيئا بخلاف ملكة سبأ، فإنها كانت مشركة، وقد بدلت حسنا بعد سوء. فما جاء من قوله: "إلّا من ظَلَمَ ثُمّ بَدّل حُسنا بَعدَ سوء.. " أكثر ملاءمة للموضع الذي ورد فيه من كل ناحية.
سؤال: (إلا) الاستثانئية هل هذه مستثنى؟
هذا مستثنى وليس مستثنى منه. هذه عامة على جميع المكلفين البشرية إنس وجن من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فالله يغفر له هذا حكم عام ليس خاصاً بأحد (إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11)) ليست خاصة بأحد.
قال في النمل: "وَأدخِلْ يَدَكَ في جَيْبِك" وقال في القصص: "اسْلُك يَدَكَ في جَيْبِك"
اسلك يدك في جيبك لا تناقض أدخل يدك في جيبك لكن يمكن أن نسأل ما سبب الاختيار؟ أصلاً (اسلك) إدخال بيسر وسهولة عموماً وأدخل يدك، كله إدخال لكن يبقى السؤال لماذا هنا اختار اسلك وهنا اختار أدخل؟ لاحظ السلوك كثيراً ما يتعمل في سلوك السهولة مثل سلك الطريق (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) نوح) (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً (69) النحل)، الدخول لا يستعمل لهذه الصورة. نلاحظ في سورة القصص تردد سلوك الأمكنة والسُبل يعني سلوك الصندوق بموسى، سلوك أخته، سلوك موسى في الطريق إلى مدين عندما فرّ، سلوكه إلى العبد الصالح (قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا (25))، سلوك الطريق بالعودة إلى مصر فإذن أنسب استخدام (اسْلُكْ يَدَكَ)، في سورة النمل لم يرد كل هذا السلوك. من ناحية أخرى لو عرضنا هذه المسألة سنلاحظ أنه في القصص الجو في السورة السورة كلها مطبوعة بطابع الخوف كان مقترناً بأم موسى (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)) ثم انتقل الخوف إلى موسى لما قتل واحداً (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ (18)) (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ (21)) الصالح قال (قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)) حتى لما كلفه سبحانه وتعالى قال (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33)). في سورة النمل ليس فيها خوف وإنما قوة. إذن حالة الخوف واضحة في قصة موسى في سورة القصص أما في سورة النمل فمطلقة، السلوك أيسر من الدخول (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً (69) النحل)أيسر، (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ (21) الزمر) أيسر. أين نضع اليسر مع الخوف أو مع الشدة؟ اليسر مع الخوف أن ييسر عليه المسألة. ففي حالة الخوف ذكر أخفّ الفعلين (اسلك) مع حالة الخوف ذكر أخف الفعلين، مناسبة ومناسبة أيضاً لسلوك الطرق فمن كل ناحية أنسب والمعنى لا يختلف كلاهما يقال لكن اختيار بياني.
لقد استعمل في سورة القصص أمر الفعل (سلك) الذي يستعمل كثيرا في سلوك السبل فيقال: سلك الطريق والمكان سلكا، قا تعالى: "والله جَعَلَ لَكُم الأرْضَ بِساطا 19 لتَسْلُكوا مِنها سُبُلا فِجاجا 20" نوح، ذلك لأنه تردد سلوك الأمكنة والسبل في قصة موسى في القصص، بخلاف ما ورد في النمل. فقد ورد فيها، أي: في سورة القصص سلوك الصندوق بموسى وهو ملقى في اليم إلى قصر فرعون، وسلوك أخته وهي تقص أثره. وسلوك موسى الطريق إلى مدين بعد فراره من مصر، وسلوكه السبيل إلى العبد الصالح في مدي، وسير موسى بأهله وسلوكه الطريقَ إلى مصر، حتى إنه لم يذكر في النمل سيرَه بأهله بعد قضاء الأجل بل إنه طوى كل ذكر للسير والسلوك في القصة فقال مبتدئا: "إذْ قالَ موسَى لأهْلِهِ إنّي آنَسْتُ نارا سآتيكُمْ مِنها بِخَبر" بخلاف ما ورد في القصص، فإنه قال: "فلمّا قّضى موسى الأجَلَ وسارَ بأهلِهِ آنَسَ منْ جانِبِ الطورِ نارا" فحسن ذكر السلوك في القصص دون النمل.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن الفعل (دخل) ومشتقاته تكرر خمس مرات ( انظر الآيات 12، 18، 19، 34، 44 ) في النمل في حين لم يرد هذا الفعل ولا شيء من مشتقاته في القصص، فناسب ذكره في النمل دون القصص.
ومن ناحية أخرى إن الإدخال أخص من السَّلك أو السلوك اللذين هما مصدر الفعل سلك، لأن السَّلك أو السلوك قد يكون إدخالا وغير إدخال، تقول: سلكت الطريق وسلكت المكان، أي: سرت فيه، وتقول: سلكت الخيط في المخيط، أي: أدخلته فيه. فالإدخال أخص وأشق من السلك والسلوك. فإن السَّلك قد يكون سهلا ميسورا، قال تعالى في النحل: "فاسْلُكي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً 69" فانظر كيف قال (ذللا) ليدلل على سهولته ويسره، وقال: "ألمْ تَرَ أنّ الله أنْزَلَ مِن السّماءِ ماء فَسَلَكَهُ ينابِيعَ في الأَرْضِ 21" الزمر. وهل هناك أيسر من سلوك الماء في الأرض وغوره فيها؟
فناسب وضع السلوك في موطن السهولة واليسر، ووضع الإدخال في موطن المشقة والتكليف الصعب. لقد ناسب الإدخال أن يوضع مع قوله: "سآتيكُمْ مِنها بِخَبَرٍ" وقوله: "فَلَمّا جاءَها" ومهمة التبليغ إلى فرعون وقومه.
وناسب أن يوضع السلوك في مقام الخوف، وأن يوضع لإدخال في مقام الأمن والثقة.
وناسب أن يوضع الإدخال وهو أخص من السلوك مع (الشهاب القبس) الذي هو أخص من الجذوة، وأن يوضع السلوك وهو أعم من الإدخال مع الجذوة من النار التي هي أعم من الشهاب القبس. فكل لفظة وضعت في مكانها الملائم لها تماما
سؤال: ماذا قال ربنا في واقع الأمر: اسلك أو أدخل؟
هي لا تختلف، جاء أو أتى لما أترجم جاء أو أتى، قلت له إذهب أو امضِ، لكن اختيار إذهب أو امضِ، الإنسان البليغ يختار لسبب لكن المعنى لا يختلف، ماذا قال إذهب أو أمضِ أترجمها حسب قدرتي البيانية والبلاغية أقول إذهب أو امضِ.
ذكرنا في حلقة قريبة أنه تردد في القصص السلوك كثيراً (سلوك الصندوق بموسى، سلوك أخته وهي تقصه، سلوك موسى الطريق إلى مدين، سلوكه إلى الرجل الصالح، سلوكه وهو عائد بأهله) إذن السلوك مناسب في سورة القصص ولم يرد أي ذكر للسير والسلوك في النمل مطلقاً حتى ما قال يقل سار بأهله وإنما قال (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ (7)) أما في القصص (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا (29)) أصلاً لم يذكر السلوك في القصة في النمل في كل أحوالها بينما تردد السلوك في القصص. سلك يعني دخل في الطريق، سار فيه هو قريب الدلالة من أدخِل وأحياناً يأتي بمعنى الدخول وفيها يُسر لأن سلك تستعمل في الإدخال أيضاً يقال سلك الخيط في المخيطة. إذن الإدخال أخص وسلك عامة تستعمل في الطرق وفي سلوك السبل وتستعمل لادخال شيء في شيء لكن الإدخال أخص.
سؤال: هل العرب كانت تفهم هذا الكلام مراعاة الكلام لمسرح الحالة والبعد النفسي للمخاطَب؟
هم لماذا بهروا بها؟ الاختيار والكلام العام هذا ما بهرهم في القرآن.
قال في القصص (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ (32)) الرهب الخوف لم يذكر هذا في النمل، إذن هذا مناسب الخوف المتردد في القصة. في النمل قال (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ (12)) في القصص قال (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) إذن في النمل أعطاه تسع آيات وفي القصص آيتين، لما كان المقام مقام ثقة وقوة وسّع الأمر. في القصص ذكر اليد والعصا. إذن نلاحظ في مقام الثقة والقوة وثقل التكليف وسّع الآيات جعلها تسع وجعلها إلى فرعون وقومه (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ). لما كان المقام مقام خوف ضيّق المهمة (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ). (ذانك) (ذلك) المشار إليه مفرد والمخاطَب مفرد في الغالب، (ذانك) المشار إليه اثنان والمخاطَب واحد.
قال في النمل (إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ) وقال في القصص (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ)، المهمة أوسع تبليغ القوم أوسع القوم، بلّغ كل القوم أما الملأ فهم خاصة الملك الحاشية فلما كان المقام ثقة كلّفه هو مكّلف بتبليغ الرسالة للإثنين العامة والخاصة لكن كل واحدة تتناسب مع الحالة لكن ذكر هنا الملأ وهناك القوم لأن السياق غير السياق والمقام غير المقام، إتسعت الآيات اتسع المبلغ، قلّت قل، وليس في هذا تعارض بالمرة الأمر له أن يبلغ الرسالة وهو مكلف بالملاً ومكلف بالقوم لكن يذكر ملمحاً خاصاً في كل سورة.
وقال في النمل (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (13)) معنى ذلك أن موسى قبِل المهمة ونفّذها هو قبل المهمة ولم يذكر أنه تردد، هذا الاختصار يفيد أنه نفّذ بدون مراجعة قام بالمهمة بينما في القصص فقال (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (34)) مراجعة وخوف على نفسه من القتل وهذا مناسب لجو الخوف وذاك مناسب لجو الثقة والتكريم كلٌ مناسب لما وضعت له، هذا على العموم.
قال في القصص: "واضْمُم إلَيْكَ جَناحَكَ مِن الرّهْب" ولم يذكر مثل ذلك في النمل. و(الرهب) هو الخوف ، وهو مناسب لجو الخوف الذي تردد في القصة، ومناسب لجو التفصيل فيها بخلاف ما في النمل.
قال في النمل: "في تِسْعِ آياتٍ" وقال في القصص: "فَذانِكَ بُرهانانِ"
فقد أعطاه في النمل تسع آيات إلى فرعون، وذكر في القصص برهانين، وذلك لما كان المقام في النمل مقامَ ثقة وقوة وسّع المهمة، فجعلهما إلى فرعون وقومه، ووسّع الآيات فجعلها تسعا، ولما كان المقام مقام خوف في القصص، ضيّق المهمة وقلل من ذكر الآيات. وكل تعبير وضع في مكانه المناسب.
ثم إن استعمال كلمة (الآيات) في النمل مناسب لما تردد من ذكر للآيات والآية في السورة فقد تردد ذكرُهما فيها عشر مرات، في حين تردد في القصص ست مرات. فناسب وضع (الآيات) في النملووضع البرهان في القصص الذي تردد فيها مرتين، في حين ورد في النمل مرة واحدة، فناسب كل تعبير مكانه.
قال في النمل: "إلَى فِرْعَوْنَ وَقوْمِهِ" وقال في القصص: "إلى فِرْعَوْنَ ومَلئِهِ"
فوسع دائرة التبليغ في النمل كما ذكرنا، وذلك مناسب لجو التكريم في القصة، ومناسب لثقة موسى بنفسه التي أوضحتها القصة. ولما وسّع دائرة التبليغ وسّع الآيات التي أعطيها، بخلاف ما ورد في القصص
قال في النمل: "فلَمّا جاءَتْهُم آياتُنا مُبْصِرَة ً قالوا هذا سِحْرٌ مُبينٌ"
ومعنى ذلك أن موسى قبل المهمة ونفذها من دون ذكر لتردد أو مراجعة، وهو المناسب لمقام القوة والثقة والتكريم، في حين قال في القصص: "قال ربّ إني قتلت منهم نفسا فأخافُ أن يَقتُلونِ"، فذكر مراجعته لربه وخوفه على نفسه من القتل، وهو المناسب لجو الخوف في السورة ولجو التبسط والتفصيل في الكلام. وكل تعبير مناسب لموطنه الذي ورد فيه كما هو ظاهر. والله أعلم
*ورد في القرآن الكريم ذكر عصى موسى بأوصاف مختلفة مرة جان ومرة ثعبان ومرة حية فما الفرق بينها؟(د.فاضل السامرائى)
المعنى اللغوي للكلمات: الجان هي الحية السريعة الحركة تتلوى بسرعة، الثعبان هو الحية الطويلة الضخمة الذَّكَر، الحية عامة تشمل الصغيرة والكبيرة فالثعبان حية والجان حية. الحية عامة تطلق على الجميع أما الثعبان فهو الذكر الضخم الطويل والجان هو الحية سريعة الحركة. ننظر كيف استعملها؟
كلمة ثعبان لم يستعملها إلا أمام فرعون في مكانين (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (107) الأعراف) (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (32) الشعراء) وذلك لإخافة فرعون ثعبان ضخم يُدخل الرهبة في قلبه فذكر الثعبان فقط أمام فرعون.
كلمة الجان ذكرها في موطن خوف موسى في القصص (وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)) وفي النمل (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)) تتلوى وهي عصا واختيار كلمة جان في مقام الخوف (يَا مُوسَى لَا تَخَفْ) في القصص (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) عصا يلقيها تكون جان واختيار كلمة جان والإنسان يخاف من الجان والخوف والفزع. الجان دلالة الحركة السريعة، عصاه تهتز بسرعة. الجان يخيف أكثر من الثعبان فمع الخوف استعمل كلمة جان وسمي جان لأنه يستتر بمقابل الإنس (الإنس للظهور والجن للستر) هذا من حيث اللغة.
سؤال: كيف رآها وفيها معنى الإستتار؟ قد يظهر الجان بشكل أو يتشكل بشكل كما حدث مع أبو هريرة، قد يظهر الجان بشكل من الأشكال. كلمة (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ) إضافة إلى أنها حية صغيرة تتلوى بسرعة إضافة إلى إيحائها اللغوي يُدخل الفزع لذلك استعملها في مكان (يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ). كلمة ثعبان أو حية لا تعطي هذه الدلالة. أناس كثيرون يمسكون الحية أو الثعبان ويقتلونها وفي الهند يمسكون بالثعبان. كل كلمة جعلها تعالى في مكانها.
الحية جاءت في مكان واحد لبيان قدرة الله تعالى (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) طه) لم يقل أن موسى هرب أو فزع. ذكر ثعبان مع فرعون لأنه مخيف وذكر جان مع موسى لأنها تدخل الرعب على قلب موسى. ذكر ثعبان مرتين أمام فرعون وجان مرتين أمام موسى.
سؤال: لماذا لم يذكر جان مع فرعون؟ لأنه مع الملأ الموجودين إذا كانوا مئات وتأتي بجان واحد ماذا يؤثر؟ لذا اختار ثعبان لأنه يحتاج إلى ضخامة وقوة.
*فى إجابة ل(د.أحمد الكبيسى)عن الفرق بين قوله تعالى(بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴿112﴾ البقرة) - (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿22﴾ لقمان)
قال تعالى (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴿112﴾ البقرة) لله لام حرف جر لله، أخرى (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿22﴾ لقمان) مرة لام ومرة إلى، هناك واحد أسلم وجهه إلى الله والآخر أسلم وجهه لله طبعاً ربما لم تخطر على بال أحد لماذا؟ مرة واحد أسلم وجهه إلى الله وواحد أسلم وجهه لله. مثلاً أنا أقول أعطيت ألف درهمٍ إلى فلان أو أقول أعطيت ألف درهمٍ لفلان ما الفرق؟ حروف الجر هذه معجزة اللغة العربية هذه هي العكوس للحنفيّات يعني هذا البوري الذي تشرب أنت منه الماء هذا يخرج يمين ويسار ويصعد هذا يربط بعكس هذا العِكس هو الذي يوجه الماء بدونه الماء لا يصل ينفرط الماء في كل مكان الذي يمسك الماء ويوجهه توجيهاً صحيحاً هذه العكوس التي تربط المواسير ببعضها هذا العكس الصغير كحرف الجر هو الذي يوجه معنى اللغة العربية وخاصة لغة الكتاب العزيز. فرق كبير بين كما علمتم (أُنزِل علينا) على حرف جر و(أُنزِل إلينا) إلى حرف جر هنا أيضاً فرق كبير بين أسلمت وجهي لله للذي فطرني وبين أسلمت وجهي إلى الله. كما قلنا أعطيت إلى فلان ألف درهم أنت لم تعطيه بيدك ولكن بعثته مع شخص يا فلان خذ هذا المال وأعطه إلى فلان فالعطاء تم لكن طريقته أني أرسلته إليه من بعدي بواسطة من بعيد وقد يكون لم يصل بعد. لكن لما أقول أعطيته لفلان وصل ووضعه في جيبه. هذا الفرق بين كما يقول الدكتور نجيب الفرق بين أسلمت وجهي إلى الله واحد أسلم حديثاً هو مسلم لكن إلى الآن لم يصل فلا يزال في بداياته تعلم كيف يصلي وتعلم كيف يتوضأ وكيف يتقرب من رب العالمين وكيف يتقدم درجات درجات ويتدرج من مسلم عام إلى مسلم كذا إلى مؤمن عام إلى مؤمن خاص إلى تقي إلى أن ينتقل من البعد إلى العند إلى أن يصير (الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ (206) الأعراف) وصلوا من هذا الطريق إلى أن صار عند ربك. هذا طبعاً من البداية اسلم وجهه إلى الله ولكن بعد ما وصل ولكن عندما يقول (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) هذا وصل. حينئذٍ هذا وصل للقمة بدليل الإحسان حينئذٍ عندما تقرأ (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ). الأخرى (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) ما زال متمسكاً وانظر القرآن هذا نهايات الآيات أعجوبة (إِلَى اللَّهِ) يعني هو ما زال بادئاً يقول (اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) ما زال هو بتسلق يعني أنت ما زلت تصعد لكن هذا بأسلوب عروة وثقى وأنت ماسك ويسحبونك أو أنت تندفع بمصعد كهربائي إلى الجبال كما رأينا هذا في بعض دول العالم تطلع هكذا بشكل عامودي حينئذٍ هذا إلى الله متجه إلى الله متوجه حينئذٍ كما قلنا عن إلينا وعلينا. فحينئذٍ إذا قرأت في القرآن الكريم (أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) سيدنا إبراهيم بعد ما عرف قال (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿79﴾ الأنعام) للذي وليس إلى الذي هذا في البداية عندما كان يبحث عن ربه كان إلى الله إلى ربه الآن وصل. لاحظ هذا الفرق بين (وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ) وبين (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) كما قال سيدنا إبراهيم (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿99﴾ الصافات) إلى لسه في الطريق في الأخير وصل (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي) مش إلى الذي هكذا وعلى هذا النسق نفس الآيتين واحدة تقول (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) الحج) وتقول الأخرى (وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) الذي قال (لله) وصل أمري الآن بيد الله وأنا معه أنا مع عبدي (الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) وصل هذا (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) الحج). الآخر (وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) لسه عاد لما نوصل الأمور تعود إلى الله في النهاية. هذا الفرق بين التعبير القرآني المعجز.
*في آية البقرة يقول تعالى (فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) ولم يقل في لقمان لا انفصام لها؟
السياق هو الذي يحدد، قال تعالى في سورة البقرة (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)) قال (فمن يكفر بالطاغوت) والطاغوت رأس كل طغيان من ظالم أو غيره، هذا معنى الطاغوت من كان رأساً في الطغيان مثل فرعون والشيطان وجمعها طواغيت. فمن يكفر بالطاغوت أحياناً الكفر بالطاغوت يؤدي إلى أذى شديد وهلكة إذن تحتاج إلى (لا انفصام لها) يعني لا يحصل فيها أي خدش أو انفصال أو شيء. لما ذكر الكفر بالطاغوت الذي قد يؤدي إلى مظلمة كبيرة أو إلى عذاب أو إلى هلكة أكّد ربنا تعالى فقال (لا انفصام لها) أما في لقمان فهي اتباع (ومن يسلم وجهه إلى الله فقد استمسك بالعروة الوثقى) لا تحتاج. لذلك لما ذكر الكفر بالطاغوت الذي قد يؤدي إلى هلكة (فرعون صلّبهم في جذوع النخل) قال (لا انفصام لها) تستمسك ولا تنفصم ولا تنفصل وكأنها تحفيز للإستعصام والاستمساك بالله سبحانه وتعالى.
*ما دلالة (فقد) في قوله تعالى (فقد استمسك بالعروة الوثقى)؟
(قد) حرف تحقيق على الماضي وإن كان على المضارع حصل أكثر من سؤال هل هي تفيد التقليل؟ هي من معانيها التقليل، (قد) إذا دخلت على المضارع تفيد التحقيق والتكثير ومن معانيها الشك. تفيد التوكيد والتكثير (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء (144) البقرة) (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا (18) الأحزاب). أحياناً يسألون أليست (قد) للتقليل إذا دخلت على المضارع؟ هذا من أحد معانيها وليس معناها الكامل كما يذكر النحاة. (قد نرى تقلب وجهك) هذا يقين، للتحقيق إذا عرفنا أن الفعل متحقق إذن (قد) تفيد التحقيق. الله تعالى يرى ويعلم سبحانه وتعالى. إذا دخلت (قد) على الماضي فهي للتحقيق أن الأمر تحقق وأحياناً قد تغير معنى الفعل من دعاء إلى خبر مثلاً تقول رزقك الله محتمل أنك تدعو له بالرزق وتحتمل أنك تخبر أن الله رزقه وأعطاه لكن لو قلت (قد رزقك الله) لا يمكن أن تكون دعاء وإنما إخبار لذا لا يصح أن تقول قد غفر الله لك وإنما تقول غفر الله لك أنت مخبر ولست داعياً. إذن (قد) تفيد التحقيق إذن (فقد استمسك بالعروة الوثقى) تعني تحقق استمساكه.
أيها الراكب الميمم أرضي أقري من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بأرضٍ وفؤادي وساكنيه بأرضِ
قد قضى الله بالفراق علينا فعسى باجتماعنا سوف يقضي
إن بيتاً أنت ساكنه غير محتاج إلى السُرُج
ومريضاً أنت عائده قد أتاه الله بالفرج
إذن (فقد استمسك) تحقق استمساكه، هذا تحقق لأنه في الغالب الفعل الماضي بعد جواب الشرط في الغالب استقبال (درست نجحت) إذا قلت فقد نجحت أي تحقق الأمر مثل الدعاء تقول: غفر الله له يعني تدعو له، قد غفر الله له تحقق. (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) المؤمنون) هذا إخبار وتحقق. إذن (فقد استمسك بالعروة الوثقى) تحقق استمساكه.
ذكرنا يسلم واختيار الفعل المضارع ووقفنا عند (فقد) وهو قال استمسك ولم يقل أمسك (فقد استمسك). استمسك استفعل قد تفيد المبالغة في التمسك والاستمساك، أحياناً إستفعل لها معاني قد تكون للطلب (الألف والسين والتاء) مثل استنصره أي طلب نصره (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ (72) الأنفال) استنجد به أي طلب النجدة، استغفر طلب المغفرة. وقد تكون للمبالغة مثل استيأس (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ (110) يوسف) فيها مبالغة في اليأس، ومثل استقر فيها مبالغة في الاستقرار (قرّ واستقرّ)، استمسك المبالغة في الاستمساك. قد تكون بمعنى الوجود على الشيء استصغره يعني وجده صغيراً. المحدِّد الدلالي هو السياق فاستمسك هنا للمبالغة في الإمساك. وثد تأتي للصيرورة بمعنى التحوّل مثل استنوق الجمل، لها معاني متعددة، مثل استحجر الطين أي صار حجراً. فإذن استمسك هو المبالغة في الاستمساك. للعلم الإستمساك في القرآن لا يأتي إلا في أمور الدين (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (43) الزخرف) كلمة استمسك هذه وردت في أمور الدين (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) الزخرف) وهذا من خصوصيات الاستعمال القرآني واستمسك في اللغة تأتي بمعاني عدة. ثم وصف العروة بأنها الوثقى ولم يقل الوثيقة لاحظ المبالغات لم يقل العروة الوثيقة وإنما هي أوثق العرى وهي أعلى درجات التفضيل. العروة هي ما يُمسك به والوثقى هي أقواها وأمتنها لم يقل وثيقة. وثيقة وثيق تأتي صفة مشبهة وتأتي صيغة مبالغة وتأتي فعيل بمعنى مفعول، وثقى فُعلى مؤنث الأوثق، مذكّر الوثقى الأوثق، الأعظم – العظمى، الأفضل – الفضلى، الأكبر – الكبرى (نقول الكبرى أو كبرى بالإضافة مثل كبرى النساء) الفُعلى تأتيث الأفعل، الأوثق هو الدرجة العليا في التفضيل تقول أكبر من فلان لكن تقول فلان الأكبر أي الأكبر من كل من عداه ولا يصح أن تأتي بـ (من) فلا يقال فلان الأكبر من فلان. الوثقى تأنيث الأوثق وليست تأنيث أوثق.
(وإلى الله عاقبة الأمور) تقديم الجار والمجرور للحصر لأن الأمور عاقبتها ترجع إليه وحده سبحانه وتعالى ولو قال عاقبة الأمور إلى الله لا تدل على الحصر. استمسك فيها مبالغة والوثقى فيها مبالغة والتقديم فيه حصر، من كل المؤشرات نستدل على أن نسلم وجوهنا إلى الله تعالى ونفوض أمورنا إلى الله ونسلم انقيادنا إليه مع الإحسان لأنه تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة تسلم وجهك ليس فقط في حالة وقوعك في أمر وإنما ينبغي أن تكون محسناً حتى يكون الاستمساك بالعروة الوثقى ينبغي أن لا يكون في حالة شدة فقط.
*ما الفرق بين قوله تعالى (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴿28﴾ آل عمران) - (إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ﴿53﴾ الشورى) - (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴿109﴾ آل عمران) - (وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿22﴾ لقمان)؟(د.أحمد الكبيسى)
(إلى الله المصير) فيما يتعلق بنهاية رحلتنا نحن كبشر من عباد الله من بني آدم رحلتنا طريقة وطويلة مما كنا في ظهور آدم في عالم الأمر ورب العالمين خاطبنا (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴿172﴾ الأعراف) ثم بقينا هناك إلى أن تزوج آباؤنا بأمهاتنا ثم حملوا بنا ثم ولدنا ثم مشينا في الطريق إلى أن متنا ثم ذهبنا إلى البرزخ والبرزخ عالم تحدثنا عنه طويلاً ثم سوف نبعث يوم القيامة ثم سوف نحشر مسيرة طويلة جداً إلى أن تصل أجسامنا وأجسادنا إلى ساحة المحشر هذا مصيرنا (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) تبقى الخطوة الأخيرة عندما نتوجه إما إلى الجنة وإما إلى النار ذاك ممشى آخر. إذاً صار (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿126﴾ البقرة) المصير في أجسادنا عندما نقف أمام الله وبين يديه (إلى الله المصير) انتهت الرحلة. عندما أصبحنا في المصير النهائي لمن تصير الأمور؟ في الدنيا كان الأمر لأبيك لأختك لأمك للملك للحاكم للمعلِّم للمدرس للمؤدب للأنبياء الخ، في تلك الساعة لمن تصير الأمور؟ أنت جسدك صار إلى النهاية (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) أمرك بيد من؟ مصيرك بيد من؟ بيد الله إذاً صار (إلى الله المصير) بجسدك (إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) بالحكم عليك وشؤونك وأحوالك كلها إلى ما لا نهاية. هذا الفرق بين مصيرك أنت كإنسان وبين أن تصير أمورك كلها مباشرة بدون أسباب بيد الله عز وجل هذا الفرق بين (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) وبين (إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ). نحن وقفنا أما رب العالمين فهذا المصير رب العالمين سبحانه وتعالى في تلك الساعة سوف يحاسبنا، من الذي يملك المحاكمة؟ ومن الذي يملك أن يحكم عليك بالخلود في النار أو بالخلود في الجنة؟ هذا يسمى مرجعية الحكم. من هي المرجعية التي يكون كلامها هي الفصل؟ عند الخصومة في الدنيا القاضي هو الذي ترجع إليه الأمور تذهب أنت والخصم عندك محامي وهو عنده محامي وتذهب إلى المحكمة وأوراق ودعاوى ثم يقف الخصمان أمام القاضي فالقاضي هو الذي يحكم بينكما فترجع الأمور إلى القاضي الذي يقوله القاضي هو الصح ليس هناك غيره، هذا في الدنيا إلى القاضي ترجع الأمور يوم القيامة لمن ترجع الأمور؟ إلى الله عز وجل. فهذه تتكلم لما رب العالمين ينزل كما في الحديث ثم بعد المحشر ينزل الله سبحانه وتعالى للفصل بين العباد، هذا الفصل الحساب ثم إصدار الحكم هذا (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ثم حكم عليه، صدر الحكم المرجعي صدر الحكم من مرجعيته المباشرة وهو الله عز وجل إلى أين نتوجه؟ قال ستتوجهون حتى النهاية (وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) إما خالدٌ في الجنة أو خالد في النار، فلما تمشي من ساعة الحساب ثم تعبر الصراط وعلى الصراط هناك مشاكل وبعد الصراط حوض الكوثر وبعد حوض الكوثر دخول الجنة ثم يستقبلونك على الباب ويكون لديك مدير أعمال يأخذوك إلى دارك هذا الممشى (وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) العاقبة آخر شيء، عقب الإنسان آخر شيء، إلى الله في الطريق وأنت ذاهب إلى أن تستقر استقراراً نهائياً إما في الجنة خالداً أو في النار خالداً (وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) الذي يدخل النار ثم يخرج منها هذا إلى العاقبة على أن يخرج من النار ثم يغتسل ثم يذهب إلى الجنة في الطريق كل هذا إلى الله (وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) المرحلة النهائية لما يصل كل واحد منا إلى داره إلى سكناه ويدخل القصر واستقبال حافل كما جاء في الكتاب والسنة (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿41﴾ الحج). هذا الفرق بين (وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) وبين (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ). وهناك انتهى الأمر وأصبحنا (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴿23﴾ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴿24﴾ الرعد) هذه العاقبة آخر شيء (فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) هذا هو الفرق بين (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) و (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ).
آية (29):
*ورد في القرآن الكريم ذكر عصى موسى بأوصاف مختلفة مرة جان ومرة ثعبان ومرة حية فما الفرق بينها؟د.حسام النعيمى :
هذا السؤال يجرنا إلى قضية جوهرية نحب أن نتكلم عليها في مقدمة الحديث عن هذا الموضوع. وهو أن القصة في القرآن الكريم نجدها أحياناً مكرّرة ترد هنا وترد هنا وترد هنا. والقصة ليست للتسلية يقيناً وإنما هي للتربية والعِظة وأحياناً للإجابة عن تساؤلات: أحياناً أسئلة توجّه للرسول وأحياناً سؤال في النفس الله سبحانه وتعالى يعلمه في نفوس الناس فيجيب عنه. قصة موسى من القَصص التي تتكرر بكثرة والسِرّ في ذلك هو أن حياة موسى والأحداث التي مرت بحياته متعددة ومتفرقة وطويلة تصلح أن تكون دروساً كثيرة للمجتمع المسلم سواء كان في زمن الرسول أو في الأزمان المقبلة إلى قيام الساعة. القرآن الكريم يأخذ لقطة من القصة أحياناً: لاحظ مثلاً قصة إبراهيم أيضاً تكررت لكن ليس بهذه الكثرة، قصة لوط موجزة جداً ومختصرة، قصة إبراهيم فيها طول وأطول القصص قصة موسى .
فلما نأتي إلى اللقطات من قصة موسى نجدها في كل موقع لها تخصصها ولها أهميتها. نحن الآن أمام لقطتين التي في السؤال: اللقطة الأولى في سورة النمل واللقطة الثانية في سورة القصص. لما ننظر إلى ما في سورة النمل نجد أنها مختصرة مقتضبة وكلتا السورتين من السور المكيّة والسور المكية كلها ركزت على العقيدة وعلى التربية وما يمر به المسلمون. لكن الملاحظ أن سورة النمل لما نقرأها نجد فيها تركيزاً على جانب اليقين ونجد فيها ذكراً للقوة (ملك سليمان، سليمان كان ملكاً قوياً) نجد فيها القوة واليقين والثبات والإستقرار لما ننظر في الآيات، والمسلمون بحاجة إلى أمل يقوّي قلوبهم في مكة ويقوي قلوبهم حيثما مروا بالظروف التي مرّ بها المسلمون في مكة على مدى التاريخ وإلى المستقبل. إذا مرّ بهم جوّ يشبه جو مكة فهذه الآيات تطمئنهم، يحسون فيها بنوع من الثبات ونوع من اليقين ونوعىالقوة. فالأحداث التي روتها قصة موسى هنا نجد فيها نوعاً من اليقين والثبات والقوة.
سورة القصص فيها تفصيل من ولادة موسى تبدأ لكن الشيء المهيمن على السورة هو حال الخوف وحال الضعف المذكور في الآيات بحيث أن القارئ يحس بجز من الخوف وجو من الضعف. نعم بعد ذلك ينتهي إلى شيء من النصر لما ذكر جبروت فرعون الذي كان يقتل الأولاد ويستحي البنات، هذا جبروت وطغيان وظلم كبير يقابله رعب وخوف من هؤلاء الناس الذين يعرّض أبناءهم للقتل. قارون هذا الطاغية بماله يقابله نوع من خوف الناس الفقراء منه ومن طغيانه لكن إنتهى فرعون وانتهى قارون. الجو يبقى جو خوف وهذا الجو له أثر على اللقطة التي سنتكلم عليها (لا تخف) (أقبِل ولا تخف).
نُذكِّر بشي سبق أن قلناه وهو أن هذه القصص في القرآن الكريم هي ليست ترجمة للوقائع لأن موسى لم يكن يتكلم العربية وإنما هو كلام الله سبحانه وتعالى نقلٌ للواقعة بما يناسب لغة العرب ويكون حيّاً مع جو السورة، فلما يكون جو السورة جو قوة تكون الألفاظ التي تأتي قوية، لما يكون الجو ضعف تكون الألفاظ ضعيفة، الألفاظ مناسبة مع أن الحكاية هي الحكاية. القصة المأخوذة أن موسى كان يسير مع أهله في وقت مظلم، بارد ورأى ناراً فاتجه إلى أهله فقال أنا ذاهب إلى هذه النار لعله أستطيع أن آتي بنبأ يدلنا على الطريق لأن عادة الناس في الصحراء والمناطق المفتوحة التي يعرّض الإنسان فيها للضلال والتيه يوقدون ناراً أو أحياناً الكِرام يوقدون ناراً يدعون الأضياف. ذهب موسى إلى هذا المكان لم يجد ناراً حقيقية وإنما كان هناك هذا الضوء الذي رآه لأنهم لم يألفوا ضوءاً إلا من نار، هم ما عندهم مصابيح في الصحراء إلا النار هي تضيء. فلما رأى الضوء قال هي النار فبقي السرد كله على أنها نار كما تخيّلها. فلما وصل إليها وكانت ناراً لكن ليست بنار، غير محرقة، لا تُحرِق وبُلِّغ بالرسالة وخوطب ثم نزل. العبارات التي قالها قالها بلغته آنذاك. القرآن يأتي ويصوغها بلغة العرب بما يناسب الجو. الآن تصورنا أن هناك جوّين حو لسورة النمل وجو لسورة القصص. هذه اللقطة سنجد أنها بألفاظها تناسب هذا الجو في سورة النمل وهذه اللقطة بألفاظها تناسب جو سورة القصص ونذكر دائماً أن محمداً كان أمّياً لم يكن هو يعرف هذه الأمور فهذا كلام الله عز وجل ونعجب ممن يقرأ القرآن ولا يدخل الإيمان إلى قلبه (لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين).
لا بد أن ننظر في السياق وسنقف عند (فلما جاءها) و (فلما أتاها) المجيء والإتيان معناه أنه وصل للمكان، لمِ استعمل هنا كلمة جاء وهنا كلمة أتى؟ هذه لمسة بيانية. الآية في القرآن تُفهم لوحدها لكن إذا أردنا دقائق أسرارها حتى نتبين سموّها فينبغي أن ننظر في عموم السياق وفي الجو العام. كيف سكت العربي ولم يحاول أن يحاكي القرآن وينتهي الإسلام؟ لا تكرار في القرآن وحينما نتأمل في القرآن الكريم نجد أن كل كلمة في موضعها. إذا قال في النمل (فلما أتاها) وفي القصص (فلما جاءها) هو المعنى واحد ولكن يكون هناك خلل. لا تتناسب جاءها مع جو الخوف الذي هنا تتناسب مع جو القوة، أتاها هي التي تتناسب مع جو الضعف.
في سورة النمل، البداية (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)) هنا بشرى والبشارة ترفع من معنويات السامع أن هناك بشرى (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3)) عندنا بشرى ويقين وكلاهما يؤدي إلى الثبات وليس إلى الخوف. اليقين نقيض الخوف، المتّيقن من شيء لا يخاف (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4)). هؤلاء المؤمنون بكلمتين وهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة بكلمتين (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ) قطع فيهم (وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)) الحكمة والعلم فيهما قوة. (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)) مباشرة دخل بعد قوله (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)) هناك رسالة وتبليغ رسالة والرسالة تقتضي أن تؤخذ بقوة (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12)). في القصص يقول (واضمم جناحك) الخوف هنا (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)) إنتقل إلى موضوع آخر.
بالمقابل سورة القصص (طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3)) إبتداء قصة موسى وفرعون نرويها لك (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)) موطن ضعف (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)). (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)) ننظر جو الخوف (وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي) (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) (قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)) سورة القصص فيها تفاصيل منذ الولادة، منذ ولدته أمه لما يكون فيها تفصيل يكون فيها شرح، لما يأتي إلى الموقف الواحد يفصّل فيه. بينما في النمل كلام موجز فلما يأتي إلى الموقف نفسه يوجز لأنه المراد هنا غير المراد هنا. المراد هنا تفصيلات القصة وكل جزئية لما نقف عندها نجد فيها عبرة وعظة. هذه الثقة من الأم بإلقاء ولدها في البحر، فيها الرعاية من الله سبحانه وتعالى رعاية العبد المؤمن كيف يرعاه وهو رضيع يردّه إلى أمه. نوع من التطمين للمجتمع المسلم، لهؤلاء المسلمين الضعاف في مكة لأن هاتان السورتان مكيّتان. بينما هنا يأتي (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ) لأنه ذكر الأجل عشر سنوات أو ثمان سنوات (أيما الأجلين قضيت).
هنا قال (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا) تفصيل من أين رأى النار وآنسته يعني أحس فيها بالأُنس والاطمئنان. هو كان مع أهله، وأهله على فرض أنه وُلِد له فأكبر أولاده عمره تسع سنوات هذا إذا قضى العشر سنوات وإذا رُزِق بولد في ليله عرسه سيكون عمر الولد تسع سنوات. طفل صغير مع زوجته. ولما يقول الأهل في لغة القرآن الكريم في الغالب تعني الزوجة والذرية إذا معه ذرية وإذا لا تكون الزوجة.
بينما في الآية الآولى (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7)) ما ذكر المكان الذي آنس فيه لأن الموضع هنا ليس موضع تفصيل بينما في القصص موضع تفصيل. (قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا) في التفصيل يزيد ويفصّل الكلام (لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)، هناك (سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) لاحظ الثقة هنا لأنه في سورة النمل معنى القوة (سآتيكم ) هو ممكن أنه قال لهم هذه نار ذاهب إليها إما أن آتي بخبر يدلنا على الطريق أو آتيكم بجزء من النار لكن القرآن اختار العبارات المناسبة لجو السورة.
(لعلّي) متردد يعني قد، إحتمال لأن جو السورة جو خوف. الحالة النفسية لموسى هي حالة إنسان في هذه البرية، في ظلمة ورأى ناراً فأراد أن يستنجد بها. السورة لما تأتي تتحدث في موطن قوة تعبر عن جوانب القوة، هو لا شك كان عنده قوة في نفسه وشيء من الخوف فالحالتان موجودتان. هذه القوة التي في نفسه أنه معتمد على الله سبحانه وتعالى لأنه كان مؤمناً من قوم مؤمنين ولم يكن كافراً لكن لم يكن قد نُبّيء لم يكن قد نزلت عليه الرسالة بعد فهو يثق بالله سبحانه وتعالى لكن معه امرأة، معه طفل وهو في البرية ضلّ الطريق فهو عنده شيء من التردد بين القوة والعزيمة وبين الخوف بدليل هذا التنويع إما أن أجد أحداً يرشدني وإما أن أجيئكم بنار. هذا نوع من التخيير قد أجد هذا وقد أجد هذا. فنحن لا نستطيع أن نجزم بالحالة النفسية لموسى كيف كانت لكن من خلال النصوص يظهر أنه كان عنده شيء من العزم وعنده في الوقت نفسه شيء من الخوف والتردد. السورة التي تتحدث عن القوة أخذت جانب القوة والسورة التي يسيطر عليها جانب الخوف أخذت الجانب الثاني فهذه تعرض الحقيقة وهذه تعرض الحقيقة كل واحدة من وجهة نظرها ومن الزاوية التي تنظر منها. هذه نظرت من زاوية ما عنده من إيمان وثقة وهذه نظرت ما هي حاله الآن من حال إنسان معه امرأة يخشى عليها وقلق بشأنها وفي بعض الروايات في التوراة أنه كانت على وشك الولادة تحتاج إلى تدفئة وإن كنا نحن لا نعتمد إلا ما ورد عندنا في أصولنا ومسانيدنا في القرآن أو في السُنّة. إذن هناك جانبان عرضت كل سورة جانباً.
(إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) النمل) هذا جانب اليقين الذي عنده بينما في سورة القصص قال (لعلي آتيكم) إحتمال قد أجد وقد لا أجد.
ربما يدفع بعض المشككين أن هناك بعض التناقض في القرآن:
نحن بيّنا الحقيقة أنه قال أنا ذاهب إلى النار إما أن أجد إنساناً يرشدنا الطريق وإما آتيكم بجزء من النار. لو كنا نعرف لغة موسى كنا قلنا ما قاله. هذه الحكاية بلغته لما نقلها القرآن الكريم نقلها في هذا الموضع الذي يهمين عليه سياق القوة بالجزم والتصميم لأن فيه كلمة اليقين وكلمة البشارة وفيه هذا الإيجاز وفي السورة ملك سليمان سُخّر له الجن والطير، السورة فيها جو ملك، جو قوة فتعرض الألفاظ بصورة القوة. السورة التي فيها جو الخوف المهيمن عليها تعرض هذا الجانب.
إستخدم الفعل (آنست) في السورتين لأنه هو كان خائفاً من الطريق فلما رأى النار استأنس بها. تخيّل نفسك في ظلمة الصحراء لا تدري أين تتجه وقفت في مكان ضللت فيه وإذا بك تنظر والنار أمامك قطعاً تأنس بها لأن النار لا تكون لوحدها ولا بد أن هناك من أوقدها. (اني آنست ناراً) رأيت ناراً فآنستني هذه النار. آنس هذا الشيء أي أدخل هذا الشيء في نفسه هذا الإطمئنان في الظلمة. آنست أي رأيت وأدخل في نفسي الأنس من الأُنس. فيها معنى الإطمئنان.
(أو آتيكم بشهاب قبس) لاحظ السياق: الخبر ممن يتوقع أن يكون عن النار (خبر من أين نمشي؟ من أين نمر؟) (أو أجد على النار هدى) كما جاء في سورة طه أي طريق (إهدني الطريق) والجو في سورة طه مختلف. هنا قال (شهاب قبس) وهناك قال (جذوة) أي الجمرة الصغيرة يتناسب مع حاله. أما هنا مع حال القوة (بشهاب قبس) كتلة كبيرة من النار قبس أي مأخوذ من النار. (لعلكم تصطلون) أي تتدفأون. صلِيَ يصلي بمعنى تدفّأ أو اقترب من جو النار أو من دفء النار. هذه بحسب السياق أحياناً يكون الإصطلاء معقولاً مقبولاً يكون دافئاً وأحياناً يكون الصلي أو الإصطلاء في داخل النار فيكون يشوي والعياذ بالله، فالسياق هو الذي يبيّن.
(لعلكم تصطلون) أي تتدفأون، تقتربون من دفء النار.
(فلما جاءها): هناك قال (فلما أتاها). الفرق بين جاء وأتى هم يقولون أن أتى للسهولة والسلاسة لذا يقال للماء المتدفق أتيّ. والمجيء يكون فيه شيء من الصعوبة هذا ما يقوله علماء اللغة لكن لو نظرنا في هذا الموطن جاء وأتى يلتقيان في حرفين (الهمزة والألف) ويختلفان في حرف واحد (الجيم والتاء). نجد أن الجيم والتاء كلاهما شديد إنفجاري حسب المصطلح الحديث يولد بانطباق يعقبه إنفصال مفاجئ فهما متساويان. المصريون حولوا الجيم إلى كاف مجهورة إلا عند الفصحاء. الجيم هو حرف بسيط يولد بإنطباق وسط اللسان على سقف الفم وانفصاله مفاجأة من غير طول زمن كما تولد الباء والدال. نحن الآن نلفظ الجاء نلفظها مركّبة وهي تنازع وتموت كما ماتت الضاد. جا ميتة مثل الـچا الفارق أن الـچا رجع بها إلى الخلف واهتزّ الوتران. أما الجا فهي شيء اهتز بها الوتران فما عادت جيماً. الجيم الحقيقية هي التي نسمعها الآن في السودان. الصوت المجهور هو من أصعب الأصوات على أبناء اللغة ونحن نهجره الآن لذلك تحول عندنا إلى صوت شمسي (الجمل، الجنة، الجمهورية، الجريدة) لا نظهر اللام وينبغي أن تظهر اللام. لو أنصت جيداً لما يقرأه المقرئون أمثال الشيخ حليل الحصري وعبد الباسط نجد هذا الصوت حين يقرأون (من الجِنة والناس) وفي سورة الحج (ولا جدال في الحج).
الجيم والتاء كلاهما إنفجاري، الجيم يزيد على التاء بهذه النصاعة في إهتزاز الوترين. الجيم صوت شديد إنفجاري والتاء مهموس لا يهتز به الوتران. والجيم مجهور يعني يهتز معه الوتران الصوتيان. واهتزاز الوترين يضفي نوعاً من النصاعة على الحرف. يقول الخليل: ولولا بحّة في الحاء لصارت عيناً لأن العين أنصع. العين والحاء من مخرج واحد، الحاء مهموس والعين مجهور. لاحظ عندما نقول (ب) في نطق الباء وال ( (Pالإنجليزي هو الصوت المناظر لصوت الباء لكن الباء مجهورة وال P مهموس كذلك التاء والدال، التاء مهموس. إذن الجيم أنصع وأقوى، هو هذا الحرف المختلف إستعمل للمكان القوي قال (فلما جاءها) لأن السياق والنسق في سورة النمل قوة ونصاعة ووضوح وظهور. بينما في سورة القصص خوف فاختار الحرف الخافت للمكان الخافت والقوي للمكان القوي. كان يمكن أن يقول لما وصل أو أدرك المكان لكن اختيرت كلمتين كل منهما لها موقعها تؤدي المعنى لكن تعطي صورة جديدة. وقد استخدم القرآن كلمة ورد في مكان آخر لأن فيه ماء (ولما ورد ماء مدين) بحسب المكان وحسب السياق يختار الكلمات. الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ كتبت في هذا وتبيّن أن كل كلمة في مكانها وفي كتب الدكتور فاضل السامرائي في هذا الإطار ونحن نستقي من نبعه.
هنا (فلما جاءها نودي) هنا بالبناء للمجهول. حدث نداء (نودي أن بورك من في النار ومن حولها) استعمل القرآن اللفظة التي تخيلها موسى فلما دخل صار في وسط نور وهو ما يزال يراه ناراً لأنه لا يعرف هذا النور وما عنده شيء في الأرض يضيء إلا النار فهو في داخل الضوء، في داخل النور الذي صنعته الملائكة فقوله تعالى (أن بورك من في النار ومن حولها) يشير إلى البركة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على موسى وعلى الملائكة المحيطين به.
(وسبحان الله رب العالمين) تعليم له أن يقدِّس الله سبحانه وتعالى وهو في هذا الموقف.
(يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم) العزة والحكم. (إنه) أي إن الأمر أو الشأن لأنه أمر وتكليف وبرسالة.
(فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها): موسى دخل في هذا الموضع بيق يسير إلى أن وصل إلى أن وجد نفسه داخل هذا الشيء الذي سماه ناراً فخاطبه الله سبحانه وتعالى بالبركة والمباركة ومن حوله الملائكة الذين أوجدوا هذه النار، هذا الضوء الذي لا يُحرِق. هكذا خاطب الله عز وجل موسى ذكر لنا في هذه السورة بينما في السورة الثانية ذكر المكان الذي حدّثه منه. هذه مسألة تخص الإعتقاد: نحن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى كلّم موسى ونعتقد أن موسى سمع كلام الله عز وجل لكن بأي أُذن سمع موسى؟ وما ماهية هذا الصوت؟ ما هذا الجهاز الذي استقبل؟ أهو هذا الجهاز الإعتيادي؟ كيف كلّمه الله سبحانه وتعالى هذا نحن نقول كما قال عز وجل (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير). الأصوات شيء وصفات الله عز وجل خاصة به جلّت قدرته لا يماثلها شيء فلا نستطيع أن نتخيل ما هذا الذي سمعه موسى وكيف سمعه؟ السمع بسمع أو بجهاز يليق باستقبال كلام الله عز وجل؟ كيف تكلم الله سبحانه وتعالى؟ لا نستطيع أن ندركه لأن كلام الله عز وجل صفة من صفاته وصفات الله تعالى ليس كمثله شيء ليس في ذاته ولا صفاته فكل ما حولنا شيء وكلام الله سبحانه وتعالى لا يدخل ضمن عنوان شيء. ما دام لا يدخل تحت هذا لا نستطيع أن ندركه لكن نؤمن أن موسى تلقى كلام الله عز وجل سمعه وأدركه أما كيف؟ هذا الكيف هو الذي قلنا من أوائل ما يؤمن به المسلم (يؤمن بالغيب) صفات الله عز وجل وأسماؤه داخلة ضمن الغيب خارج نطاق قدراتنا العقلية لذلك نؤمن أن الله عز وجل كلّم موسى ، نؤمن أنه كلّمه وأنه سمع وبهذا القدر لأن البحث في الماهية والكيفية لا يوصلنا إلى نتيجة. ليس لنا أن نسأل عن صفات الله لأنها خارج إطار عقولنا حتى في الغيب.نحن أمامنا أشياء كثيرة نتعامل معها من غير ما نسأل عن ماهيتها: مثلاً كيف تظهر الكلمات على شاشة الكمبيوتر بعد أن نطبع على اللوحة ثم تظهر على شاشة التلفاز؟ لا نسأل عنها. فخلق الله سبحانه وتعالى وصفاته ندركها بآثارها لا نسأل عنها لكن هي مدركة وليست خارج الإدراك. نحن ندرك عظمته عز وجل وعلمه )الذي يحوك في صدورنا الله تعالى يعلمه) لكن كيف؟ لا فائدة من الخوض فيه. الماهية والكيفية مع صفات الله عز وجل لا نصل فيها إلى نتيجة.
(أنا العزيز الحكيم) بينما هناك قال (رب العالمين) لأنها ليست موطن هزة وحكمة.
(وألق عصاك): هذا أمر. الذي يمشي في الصحراء يكون معه عصاه. بينما هناك فيها تفصيل (وأن ألق عصاك) أي خوطب أن ألقِ عصاك. (أن) فيها إبعاد يضيف إلى معنى أنه هناك تفسير وإيضاح وبيان وتوسعة والعبارات تمشي بشكل سلس.
ذكرنا بعض الأمور التي تتعلق بقصة موسى وبغيرها من القصص ومن أهم ما ذكرناه أن القرآن الكريم حينما يروي لنا هذه الوقائع هو لا يترجمها ترجمة وإنما الحادثة أو الواقعة تكون قد وقعت والقرآن يعبّر عنها بلغة العرب وبما ينسجم مع سياق السورة التي ترد فيها تلك الجزئية من الحكاية. ولذلك قلنا أحياناً تأتي الكلمات فيها نوع من القوة والشدة وأحياناً يكون فيها نوع من اللين بحسب ما هو موجود. وفي كل الأحوال العبارات تبيّن ما قيل فعلاً يعني هذا الكلام الذي قيل ليس حرفياً لكن كما قيل. نضرب لذلك مثلاً لزيادة الإيضاح: حينما يأتي شخص ويقول بالإنجليزية مثلاً I am at my office أي أنا في مكتبي. هذا الكلام مرتبط بشيء آخر ولا يأتي بدون سابق إنذار أو سابق معرفة. يأتيك شخص ويقول : ماذا قال علي؟ مرّ بك علي؟ ماذا كان شأن علي؟ وعلي هو الشخص الذي قال الجملة (أنا في مكتبي) فتستطيع أنت أن تقول له: قال علي أنا في مكتبي، ويمكن أن تقول: هو في مكتبه فتؤدي الغرض، وممكن أن تقول: جاءني عليّ إلى مكتبي وسلّم وطلبت منه أن يجلس ولكنه كان مستعجلاً وذكر أنه سينتظر في مكتبه. الكلام كله صحيح لكنك أنت تقول هذا الكلام لواقع معيّن لظرف معيّن وتقول هذا لظرف وأحياناً توجز وأحياناً تفصّل. كذلك قصص القرآن: الوقائع هي وقعت يعني موسى خدم عند شعيب مدة معينة وتزوج ابنته، خرج مع إبنته في طريقه إلى مكان ولادته، إلى مصر وفي الطريق وقع له هذا الحادث الذي هو: نُبّيء وجُعِل رسولاً، رأى هذا النور الذي حسبه ناراً، توجه إليه، كلّمه الله عز وجل، لكن التفاصيل والإختصارات بحسب السورة التي ترد فيها هذه الجزئية. لذلك ينبغي أن نفهم أن هذه السورة تهيمن عليها الأحوال الفلانية وهذه السورة تهيمن عليها الأحوال الفلانية فلما يعرض جزء من القصة هذا الجزء مرتبط بسياق القصة لذلك قلنا في سورة النمل قال (فلما جاءها) وفي القصص قال (فلما أتاها) الفرق بينهما الجيم والتاء وكان يستطيع أن يقول بدل جاءها أو أتاها وصل إليها لكن إختيار حتى يكون نوع من التناظر ونوع من التباين أن يقال هنا (جاءها) وهنا يقال (أتاها) لأن هناك فرق بين جاء وأتى، هذا الفرق الجزئي وإلاّ المعنى العام هو وصول الإنسان إلى مكان. فإذن هذا ينبغي أن يكون في أذهان قارئ القرآن عندما يقرأ ويجد أن القصة تتكرر هي غالباً تعرض مشهداً هنا وتعرض مشهداً هناك، لكن أحياناً يعرض المشهد نفسه بعبارات موجزة وبعبارات مفصلة. التفصيل لأن السورة تفصيلية والإيجاز لأن السورة فيها نوع من الإيجاز وكذلك اختيار العبارة.
سورة النمل ذكرنا أن فيها نوعاً من الإيجاز وفيها مظهر من مظاهر القوة، وسورة القصص فيها تفصيل. في سورة النمل (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) يقابله في القصص التي بدأت من ولادة موسى بكل التفاصيل (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) أما في النمل فقال مباشرة (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا) بينما في القصص (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا) إشارة إلى فرش القصص. سورة القصص مفروشة والنمل موجزة. (وسار بأهله) هناك ما عندنا وسار بأهله. (آنس من جانب الطور) غير موجودة في النمل. هو آنس أي أحسّ بالأنُس لأنه كان في وحشة في هذه الظلمة (من جانب الطور) عيّن المكان لأن فيه تفصيل، السورة تفصيلية (قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً) بينما هنا لأن فيها تفصيل قال (امكثوا إني آنست نارا) هو قطعاً قال لأهله لا تتحركوا. في النمل قال (سآتيكم) بكل ثقة أخذ جانب الإطمئنان. هو في نفسه جانبان: جانب الثقة بالله والإطمئنان لأنه كان على دين آبائه من الرسل لكنه لم تُبعث له الرسالة بعد وعنده وحشة الطريق فهو بين هذه وهذه. في سورة النمل تناولت جانب الإطمئنان لأن السورة بكليّتها سورة قوة لأن فيها ملك سليمان وهذا الملك الذي ما كان ينبغي لأحد من بعده (رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي) ففيها قوة لذلك قال (سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) شهاب أي نار. لعلكم تصطلون أي لعلكم تتدفأون بها. في القصص ما قال سآتيكم وإنما قال: لعلّي آتيكم منها بخبر. (لعلّي) تتناسب مع جو التردد وجو الخوف الموجود في سورة القصص القائمة على الخوف من بدايتها وذكرنا هذا في الحلقة الماضية (فإذا خفت عليه، تعذيب فرعون لبني إسرائيل.يقتل الأبناء ويستحي النساء.) فيها نوع من الخوف والتردد فأخذ جانب التردد (لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار). يقيناً الذي قاله موسى لا هذا ولا هذا والقرآن يذكر الذي يتناسب مع جو السورة. هو قال لهم هذه نار قد أجد من يخبرني شيئاً عن طريقنا أو آتيكم بشيء من النار. لكن استعمال شهاب قبس، جذوة، هذه من أسلوب القرآن مثل استعمال (نبأ، خبر، هدى) هذا ليس لفظ موسى ولا يمكن أن يكون لأن الأنبياء لم يكونوا يتكلمون العربية من آدم بعكس ما يقال أن آدم تكلم العربية ولا ندري بم تكل آدم لأنه ما عندنا نص صحيح يذكر لنا أن آدم تكلم العربية وهذا الكلام لا ينبغي أن يُقبل أن آدم قال شعراً بالعربية لأن أوائل الشعر العربي الذي وصل إلينا من قبل امرؤ القيس بقليل قبل ذلك جاء الشعر بطريقة فيها نوع من التكسير ويُرى هذا في شعر عبيد بن الأبرص. المهم أنه ليس هناك سند لهذا الكلام. كل نبيّ تكلّم بلغة قومه (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) أي بألسنتهم. هذه الصياغة هي صياغة القرآن الكريم هكذا صاغ العبارة حتى يتفهمها العربي ويعيش في أجوائها. موسى لم يقل إني آنست ناراً وإنما قال هذا المعنى أن هذه النار تُدخل الطمأنينة على قلبي سوف أذهب إليها بهذا المعنى وليس بهذه الألفاظ. لكن الألفاظ هي ألفاظ القرآن الكريم ولذا يتصرف بها بحسب سياق السورة. أحياناً يقول كما في سورة طه مثلاً (أو أجد على النار هدى) بحسب سياق السورة لأن الكلمات تأتي نابتة في مكانها في تلك السورة ومعبّرة عن المعنى نفسه والمعنى العام واحد.
إذن هنا قال (سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) الثقة المتناسبة مع جو سورة النمل. (تصطلون) يعني تتدفأون من صليَ يصلى بمعنى تدفّأ واقترب من مكان الدفء. فإذا صلي في النار فهذا ليس تدفّأ وإنما إحتراقاً (سيصلى ناراً) لكن الإقتراب من دفئها (تصطلون) تتدفأون.
في القصص (أو جذوة من النار) هذا الخائف المتردد لا يقول سآتي بشهاب وإنما جذوة، نويرة، شيء من النار.
(فلما جاءها) في النمل جاء النار وهي لم تكن ناراً (نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين) هو دخل في إطار، في جو هذا الذي ظنّه ناراً هو كان نوراً وهو حسبه ناراً على ما قيل من عبارته أنه رأى ناراً فجاء إلى هذه النار ودخل في وسطها وخوطب أن بورك من في هذه النار ومن حولها (موسى في داخلها والملائكة يحفّون به) هذا نوع من التكريم ونوع من الترحيب، هم أوقدوا هذه النار التي ليست ناراً (أن بورك من في النار ومن حولها) ودُعي إلى أن يسبح الله تعالى وأن ينزهه في هذا الموضع موضع تنزيه لله سبحانه وتعالى كما قال (أن اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى) مناسب للسورة التي هي فيها.
(وسبحان الله رب العالمين) كلمة رب العالمين تكررت في القصص الذي خاطب موسى رب العالمين (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)) (رب العالمين) تكررت في القصص. هذا التكرار كأن فيه نوعاً من التأديب لبني إسرائيل أن لا يقولوا: الله ربنا وحدنا ونحن شعب الله المختار كما يقولون نحن شعب الله المختار وبقية الخلق عبيد لنا. أما قوله تعالى (وإني فضلتكم على العالمين) هذا في زمن إتباعكم لموسى هذا ينبغي أن يُفهم هكذا أن أتباع كل نبيّ هم أفضل الخلق في زمانهم لأن الذي يفاضل بين الناس هو الإيمان فما داموا مؤمنين بنبيّ ذلك الزمان فهم أكرم الناس عند الله تعالى وليس عند البشر فقط (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فهم أكرم عند الله عندما كانوا أتباع النبي ولم يكن قد جاء النبي التالي. عندما يجيء النبي التالي الذي يتلو النبي الأول على أتباع النبي الأول أن يتّبعوه وعند ذلك يكونون مفضلين على العالمين والذين عصوه يكونون في الدرك الأسفل من النار. هذا التفضيل مستمر مع هذا النبي إلى أن يأتي النبي الذي يليه فإذا جاء النبي الذي يليه عليهم أن يتّبعوه لأنه لماذ أرسله الله عز وجل؟ حتى لا يبقوا على النبي الأول لأنه صار هناك تحويلات وتحويرات وتغييرات فيرسل الله تعالى النبي التالي ليصحح، ألم يقل عيسى : جئت لهداية الخِراف الضالة من بني إسرائيل؟ لأنهم صلوا وحرّفوا وغيّروا فجاء بالإنجيل. عيسى جاء حتى يتبعه بنو إسرائيل فلم يتبعوه فهم في أسوأ حال والذين اتبعوا عيسى هم في أفضل حال عند ذلك. لما جاء محمد فعلى الجميع أن يتبعوا دينه عند ذلك.بنو إسرائيل ليسوا مفضلين على العالمين أبد الدهر وإنما في زمن نبيّهم. فلما قالوا هذا الكلام الله سبحانه وتعالى يبيّن لهم وتذكير لهم أن الذي خاطب موسى والذي جعله رسولاً خاطبه بربوبية العالمين أنه رب العالمين وليس رب بني إسرائيل فقط حتى يدركوا ذلك. وكرر الكلام في النمل وفي القصص حتى يكون الأمر يقيناً أن الله سبحانه وتعالى خاطب موسى بهذا المعنى أنه هو رب للبشر جميعاً، رب العالمين جميعاً الإنس والجنّ.
سؤال: موسى لم يكن كُلِّف بالرسالة بعد لكن في سورة النمل والقصص ومن الألفاظ الموحدة (رب العالمين) فما مناسبتها وهو لم يُكلّف بعد ولم يقل بنو إسرائيل بعد نحن شعب الله المختار؟
هو يقيناً سينقل لأتباعه هذا الكلام أن الله سبحانه وتعالى نبّأني بهذا النبأ وخاطبني بربوبيته للعالمين أن الله رب العالمين ولا يعقل أن موسى سيقول لقومه الله ربكم وحدكم وإنما هو الله رب العالمين. لا بد أن يقول موسى هذا الكلام فهذا تثبيت وتاريخ بهذا الكلام أنه قبل نبوّته أُشعِر بأن الله سبحانه وتعالى هو رب العالمين وبعد نبوته أيضاً وهو يُبلِّغ قومه ذلك لكن قومه معاندون وظلوا على عنادهم إلى يومنا هذا.
(فلما جاءها) و (فلما أتاها) تكلمنا عليها في المرة الماضية وبيّنا الفرق بين الجيم والتاء.
البناء للمجهول في (نودي) هو نوع من التعظيم والتفخيم لله سبحانه وتعالى الذي نادى (أن بورك من في النار) الله تعالى كلّم موسى وقلنا نحن متيقنون مطمئنون نؤمن بذلك يقيناً أن الله سبحانه وتعالى كلّم موسى تكليماً لكن الهيئة أو الكيفية كيف كان الكلام وما ماهية هذا الكلام؟ هذا نؤمن به كما ورد في كتاب الله عز وجل. الكلام صفة من صفات الله عز وجل وصفات الله سبحانه وتعالى لا تدخل تحت عنوان شيء (ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى.
الفعل نادى يستتبع حرف جرّ نادى على فلان أو نادى كذا؟ ناداه مباشرة، ناداه بكذا، تقول: ناديت زيداً وفي آية أخرى ناداه ربه الفاعل معلوم وهنا بُني للمجهول بحسب مكانها هنا، لما قال ناده ربه فيه نوع من التطمين بحسب سياق الآيات ولكن هنا في المكانين (نودي) فيه نوع من التفخيم والتعظيم لذات الله سبحانه وتعالى. البناء للمجهول له أغراض منها تعظيم وتفخيم الفاعل الذي لا نريد أن نذكره وقد يكون للتحقيق بحسب السياق وأحياناً للتنزيه (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ (10) الجن) تنزيه لله سبحانه وتعالى هن نسبة الشر إليه بينما مع الرشد ذكروا إسم الله تعالى (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا). البناء للمجهول للمفعول أي إخفاء الفاعل له أغراض كثيرة في لغة العرب منها التنزيه منها التفخيم والتعظيم. فهنا من تعظيم الله تعالى وتفخيمه.
(أن بورك من في النار) أنزل الله عز وجل البركة على موسى (مَنْ) وعلى الملائكة (ومن حولها).
سؤال: موسى إعتقد أنها نار وهي ليست ناراً ولكن الله تعالى قال (بورك من في النار) فكيف نفسر هذا؟
على فهم موسى لها هو فهمها ناراً ولم يفهمها نوراً ما زال يعتقدها ناراً وهو في عجب من أمره لأنه لم يكن يعرف شيئاً غير النار. هي ليست ناراً لأنها لم تحرقه وليس هناك وقود. مع إبراهيم كان هناك وقود وخشب أما هذه فهي أرض منبسطة على الجبل ليس هناك خشب، هو ينظر، لا يوجد شيء يحترق ولم يجد أحداً والله سبحانه وتعالى أزال وحشته بهذا الخطاب المباشر وثبّت قلبه بالآيات لما قال (ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جانّ) الجانّ هو الأفعى الصغيرة في أول فقسها من بيضتها وليس الجنّ. الجان من أسماء الأفعى الصغيرة وهذه تكون سريعة الحركة. وعصاه كانت غليظة فهي أفعى غليظة (ثعبان مبين) لكن حركتها فيها نوع من السرعة كسرعة الأفعى الصغيرة. فاضطرب وهرب ولم يعقّب ولم ينظر وراءه. شيء طبيعي أن يخاف لأن المشهد مخيف: هو في ظلمة الليل وإذا به يرى شيئاً يظنه ناراً، جاء إليه وإذا الأرض ليس فيها حريق أو حطب أو شيء من نار لكن الشيء الذي أمامه هو مظهر من مظاهر النار، هو دخل في داخله وكلّمه الله سبحانه وتعالى فصار يُخاطب.
سؤال: هل سمعت زوجة موسى مخاطبة الله عز وجل له؟
هذا خاص بموسى ثم إن المكان بعيد والله تعالى عندما يخاطب رسوله لا يسمعه الآخرون، الخطاب يكون للرسول على وجه التعيين ثم قلنا هذا الخطاب لا نستطيع أن نقول هو صوت من أصوات الناس. كيف نودي؟ الله أعلم. هذا أمر خاصٌ بالله سبحانه وتعالى. ناداه الله عز وجل بكلامه الذي هو صفة من صفاته سبحانه وتعالى، ميف هو؟ الخوض فيه لا يؤدي إلى نتيجة، نؤمن به (يؤمنون بالغيب) كلام الله عز وجل غيب. تكلّم الله تعالى وخاطب موسى وسمع موسى لكن كيف تكلّم وكيف سمع موسى هذا لا يستطيع أحد أن يصل فيه إلى نتيجة لذلك نقول هذا غيب نؤمن به كما ورد في كتاب ربنا سبحانه وتعالى لكن أن نقول ما تكلم الله عز وجلّ، تكلّمت شجرة، تكلمت حجرة هذا لا يجوز وإنما تكلم الله سبحانه وتعالى وسمع موسى ووعى ما يقال له ولذلك نفّذ لما قال (ألق عصاك) ألقاها.
قال (إنه أنا العزيز الحكيم) وهناك قال (أني أنا الله رب العالمين) يمكن قيل له أنني أنا الله رب العالمين العزيز الحكيم القادر المتصرّف، يمكن قال له كل هذا الكلام لكن هنا إختار هذا الكلام وهنا إختار هذا الكلام لأن العزة والحكمة تتناسب مع القوة التي هي في سورة النمل. ورب العالمين عامة ذُكِرت هناك أيضاً فخصّص النمل بكلمة العزيز الحكيم لما فيها من قوة.
(إنه أنا الله رب العالمين) لما يعرّف بمن هذا الذي يكلمه إستعمل ضمير الشأن (إنه) للتفخيم والتعظيم، إنّ الشأن، إنّ الأمر، إن هذا الذي يخاطبك يسمى ضمير الشأن أو ضمير القصة يعني أن الشأن والقصة والموضوع الذي أنت معرّض له (أنا الله العزيز الحكيم) بالعزة والحكمة. في القصص لأن فيها تفصيل شرح لنا النداء من أي جهة كان أما في النمل لم يشرح. في القصص قال (نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) من جهة الشجرة (أن يا موسى) تفصيل. هناك أن التفسيرية أو التفصيلية .
في النمل قال (وألق عصاك) واختصر أما في القصص فقال (وأن ألق عصاك) تفسير لأن فيها تفاصيل جاءت كلمة أن التفسيرية كأنها تفسير. ننظر في هذه الفاء في (فلمّا) يسميها علماء اللغة الفاء الفصيحة يعني التي تفصح عن كلام محذوف وهي تتكرر في لغة العرب وتتكرر في القرآن الكريم لأنه في غير القرآن كان المفروض أن يقال (فألق عصاك فألقاها موسى فصارت أفعى فلما رآها تهتز). العربي يختصر أحياناً فالقرآن على سُنّة العربي إختصر واستعمل الفاء مفصحة عن محذوف (وألق عصاك فلما رآها تهتز) مفهوم لما قيل له ألق عصاك ألقاها مباشرة إشارة إلى الإستجابة كما قال في موضع آخر (وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق) إضرب بعصاك هذا أمر فانفلق، ما قال فضرب البحر. هذه الفاء الفصيحة مكررة في الآيتين إشارة إلى أنه إستجاب فوراً: ألق عصاك، فألقاها. ومثلها (إضرب بعصاك الحجر فانفجرت) الفاء الفصيحة حيثما وجدت الفاء تعبّر عن كلام محذوف فهي الفصيحة وليس لها تأثير في الفعل وإنما هي عاطفة تعطف جملة على جملة.
(فلما رآها تهتز كأنها جانّ) الأفعى رآها على الأرض لم يُخيّل له وإنما هي رؤية حقيقية. تخيّل ذلك الجو المخيف في البداية ثم رأى النور فيه نوع من التطمين وكُلِّم ولكن مع ذلك طبيعة البشر هؤلاء الرسل هم بشر كما قال : "إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد" فهم بشر فالطبيعة البشرية هو بيده عصى كان يتوكأ عليها، ألقاها، وبمجرد أن ألقاها فإذا بأفعى عظيمة تتحرك حركة سريعة جداً كأنها الأفعى الصغيرة فمن حقه أن (ولّى مدبراً ولم يعقّب) لا يحتاج أن يلتفت وراءه لأنه كان خائفاً.
*ما الفرق بين قوله تعالى على سيدنا موسى (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴿8﴾ النمل) وفي القصص (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ ﴿30﴾ القصص) وأيضاً هناك (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ ﴿9﴾ النمل) وفي القصص قال (يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿30﴾ القصص)؟(د.أحمد الكبيسى)
كلمة أتى تعني من بعيد وسيدنا موسى لما رأى النار وتوجه إليها ووضع قدمه على أول الوادي في جبل الطور قال (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿12﴾ طه) هو من بعيد كلمة أتى في اللغة الذي يأتي من بعيد إذا كنت تنتظر زائراً ولاح لك من بعيد يقال أتى، سيدنا موسى قال (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى ﴿11﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿12﴾ طه) سيدنا موسى خلع نعليه ثم مشى مشى مشى إلى أن وصل إلى النار قال (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴿14﴾ طه).
*ما الفرق بين ذلك وذلكم في الاستعمال القرآني وما دلالة استعمال (ذانك)؟ (د.فاضل السامرائى)
في أكثر من مناسبة ذكرنا شيئاً من هذا. طبعاً الكاف في (ذلك) حرف خطاب وقلنا حرف الخطاب في ذلك وتلك وأولئك هذا قد يطابق المخاطب ذلك، ذلكما، ذلكنّ حسب المخاطبين المشار إليه. ذلكَ المشار إليه واحد والمخاطَب واحد مفرد مذكر وذلكِ المشار إليه واحد والمخاطبة امرأة وذلكما المشار إليه واحد والمخاطب اثنين وذلكم المشار إليه واحد والمخاطب جماعة ذكور وذلكنّ المشار إليه واحد والمخاطب جماعة إناث (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ (32) يوسف) لا يدل على جمع المشار إليه وإنما أولئك، ذانك. (أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ (22) الأعراف) هي شجرة واحدة والمخاطب اثنان والكاف هو حرف خطاب ليس ضمير خطاب. حرف الخطاب في اسم الإشارة فيه لغتان لغة أنه تجعل مطابقاً للمخاطب إذا مفرد أو مفردة أو مثنى أو جمع ذكور أو إناث ولك أن تجعله بلفظ واحد وهو الإفراد والتذكير أياً كان المخاطَب مثل ذلك إذا كانوا أربعة أو خمسة، تلك شجرة ذلكم كتاب، لك أن تقول ذلكم كتاب هذا ممكن وذلك كتاب هذا من حيث اللغة. إذن فيها لغتان إما أن نجعل حرف الخطاب بصيغة التذكير أياً كان المخطابين مفرد مذكر مؤنث جمع أو يطابق، فيها لغتين لكن يبقى كيف استعملها القرآن؟ مرة يستعملها مفرد ومرة يستعملها جمع. في اللغة لا يسأل عنها لأنه كله جائز من حيث الحكم النحوي لكن نسأل من الناحية البيانية أحياناً يطابق وأحياناً يُفرِد، لماذا؟ هذا سؤال آخر. هناك فرق بين الحكم النحوي اللغوي والاستخدام البياني لماذا استخدم هذا بيانياً؟ هنالك أسباب عدّة لهذا الأمر من جملتها أن يكون في مقام التوسع والإطالة في التعبير والمقام مقام توسع وتفصيل وإطالة فيأتي بالحرف مناسباً لأن (ذلكم) أكثر من (ذلك) من حيث الحروف إذا كان المقام كله مقام إطالة يأتي بكل ما يفيد الإطالة لغة وإذا كان في مقام الإيجاز يأتي بكل ما في الإيجاز لغة، مثال (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) الأنعام) فيها تفصيل فقال (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) النحل) لأن المقام مقام إيجاز. صار توسع في المعنى لما عدّد أشياء كثيرة إذن صار إطالة وتوسّع فجمع (ذلكم) حتى تتلاءم مع ما قبلها. وقد يكون في مقام التوكيد وما هو أقل توكيداً: في مقام التوكيد يأتي بما هو أكثر توكيداً فيجمع وإذا كان أقل توكيداً يُفرِد، مثال: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (232) البقرة) هذا حُكم في الطلاق قال (ذلكم)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12) المجادلة) قال (ذلك) الأولى قال ذلكم وهذه قال ذلك، أيُّ الحُكمين آكد وأدوم؟ الطلاق آكد وأدوم لأنه حكم عام إلى قيام الساعة يشمل جميع المسلمين أما الآية الثانية فهي للأغنياء ثم ما لبث أيام قليلة ونسخ الحكم (فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ())، فالآية الأولى آكد والحكم فيها عام مستمر أما الثنية فالحكم متعلق بجماعة من المسلمين ثم ألغي فالآية الأولى آكد فقال (ذلكم) ومع الأقل قال (ذلك). إذا كان عندنا مجموعتان إحداهما أوسع من الأخرى يستعمل للأوسع ضمير الجمع وللأقل ضمير الإفراد، حتى لو رجعنا للآيتين (ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ) لمجموع المسلمين وهو أكثر ومع الأقل قال (ذلك). مثال آخر (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ) المخاطَب جماعة (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ (60) المائدة) (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) الحج) آية فيها (ذلك) والثانية (ذلكم) أي الأكثر؟ الذين كفروا أو الذين جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت؟ الذين كفروا أكثر، فلما كانت المجموعة أكثر جمع فقال (ذلكم) ولما كانت أقل أفرد (ذلك).
القرآن استعمل (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ (32) القصص) المخاطب واحد وبرهانين، ذانك للمشار إليه هما برهانان والمخاطَب واحد والتعبير صحيح (ذانك) ولا يمكن أن يقول ذلك. (ذانك) أصلها ذا إسم إشارة وأحياناً نلحق بها هاء التنبيه فيصير (هذا) للمذكر وأحياناً نقول ذان، نقول هذا، هذان، وللخطاب نقول ذانك. وإذا كان مؤنث (تانك) نقول هاتان، (تانك) أصلها (تا) هذه أسماء الإشارة للمؤنث (ذي وذه وتا وتي وته) (فالمذكر ذال والمؤنث كلها تان) (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ (27) القصص) هاتان: الهاء للتنبيه وتان إسم الإشارة.