* ورتل القرآن ترتيلاً :
(فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ (31)) لِمَ قدّم ربنا تبيان صفته واسمه العليّ على أمره فقال (يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ (31)) ولم يقل "أن ألق عصاك إني أنا الله رب العالمين"؟ إن تقديم صفة الله تعالى قبل إصدار أمره لموسى عليه السلام وإلقاء العصا كان لأن وصف ذاته بـ (رب العالمين) يدل على أن جميع الخلائق مسخّرة له. وفي ذلك تثبيت لقلب موسى عليه السلام من هول تلقي الرسالة.
آية (34):
*القراءات القرآنية فيها اختلاف في الإعراب مثل (تلقفْ - تلقفُ) (يصدقْنى – يصدقُنى)فهل في هذا لمسة بيانية؟ (د.فاضل السامرائى)
لا شك أن الاختلاف هذا يفضي ويؤدي إلى اختلاف في المعنى، مثل(فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي (34) القصص) و(يصدقْني). لا شك تقول (تلقفْ) بالسكون هذه مجزومة جواب الشرط أو جواب الطلب يعني إن تلق ما يمينك تلقفْ، ادعوني أستجب، فهذا الجزم سيكون جواب الطلب الذي هو مقدّر في الشرط يعني إن تلق ما في يمينك تلقفْ، هذا الجزم. أما في الرفع (تلقفُ) يتغير المعنى ويصير إما استئناف أو حال مقدّرة "وألقِ ما في يمينك هي تلقفُ ما صنعوا"، حال مقدرة يسموها مستقبلة لأن الحال أكثر ما تكون مقارِنة قد تكون مقدرة وقد تكون محكية بحسب الزمن، الحال المحكية تكون للماضي والمقدرة للمستقبل (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (112) الصافات) هو لم يأت بعد ولكن باعتبار ما سيكون، (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ (27) الفتح) التحليق والتقصير يكون بعد أن يتموا العمرة وليس عند الدخول. حال محكية يتكلم عن أمر قد مضى. نضرب مثالاً لو رأيت عقرب كبيرة تقول هذه العقرب تلسع صغيرة وكبيرة، صغيرة حال وهي ماضية يعني حالة كونها صغيرة.
إذن (تلقفْ) عند الجزم تكون جواب طلب وعند الرفع تكون إما استئناف أو حال مقدرة. نضرب مثالاً من لاكم العرب: دعه يضربْه ودعه يضربُه، دعه يضربْه شخص يريد أن يضرب واحداً وأنت تمسكه وتقول له لا تضربه اتركه، دعه يضربْه يعني إن تتركه يضربه. دعه يضربُه هو يضربه الآن وواحد يريد أن يمسك الضارب عن الضرب فيقول لا دعه يضربه، الفرق بين الاثنين أنه في الأولى لم يقع الضرب وفي الثانية الضرب واقع.
(فأرسله معي ردءاً يصدقْني) إن ترسله معي يصدقْني، أو أرسله هو يصدقُني. الضبط في الشكل هذا ما يؤثر في المعنى وهذا مما تمتاز به اللغة العربية بين اللغات الأخرى.
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (34)) هل كان طلب موسى عليه السلام من ربه إرسال هارون في قوله (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي) ليكون هارون مصدقاً على كلام موسى؟ أي كلما قال شيئاً يقول بأنه صادق أو صدقت حتى قال (يُصَدِّقُنِي)؟ عبّر موسى عليه السلام عن فصاحة هارون وتكليمه للناس بقوله (يُصَدِّقُنِي) للإشارة إلى أن هارون سيكون في هذا الإرسال سبباً في تصديق فرعون وملئه. وذاك من خلال إبانته الأدلة التي يلقيها موسى في مقام مجادلة فرعون فهو ليس مبلِّغاً وحسب بل سيكون ذا دور في تصديق القوم برسالة موسى عليه السلام.
آية (35):
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ (35)) الشد هو الربط. ومن شأن المرء إذا أراد أن يُجهد أحد أعضائه بالعمل ربط عليه لئلا يعتريه فك أو كسر. وقد جعل الله تعالى هارون أخا موسى بمنزلة الرباط الذي يشد به. لأن تأييد هارون لأخيه موسى إنما هو في الفصاحة والكلام. فكأنه الرباط الذي يحميه فالرباط يحمي العضو من الزلل والكسر. وهارون يقوي موسى في إيضاح حجته ويعينه على ذلك.
آية (37):
*ما دلالة ظاهرة تذكير الفاعل المؤنث في القرآن الكريم مثل كلمة عاقبة؟(د.فاضل السامرائى)
تذكير الفاعل المؤنث له أكثر من سبب وأكثر من خط في القرآن الكريم. فإذا قصدنا باللفظ االمؤنّث معنى المذكّر جاز تذكيره وهو ما يُعرف بالحمل على المعنى. وقد جاء في قوله تعالى عن العاقبة تأتي بالتذكير مرة وبالتأنيث مرة ، وعندما تأتي بالتذكير تكون بمعنى العذاب وقد وردت في القرآن الكريم 12 مرة بمعنى العذاب أي بالتذكير كما في قوله تعالى (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) الأنعام) و(وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) الأعراف) و(فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) الصافّات). وعندما تأتي بالتأنيث لا تكون إلا بمعنى الجنّة كما في قوله تعالى (وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) القصص).
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37)) العاقبة هي الحالة العاقبة التي تجيء عقب غيرها. ولفظ عاقبة يؤذن بتبدل حال إلى ما هو خير منه ولذلك لا يُطلق إلا على العاقبة المحمودة. ولعلك تلمح ما في عبارة (عَاقِبَةُ الدَّارِ) من التمثيل والتصوير حتى جرت هذه العبارة مجرى المثل في خاتمة الخير بعد المشقة. وكأنها تشبيه من يقوم بعمل خير بحالة سائر على طريق ممتد إلى أن يبلغ دار الخصب والاستقرار فتكون الدار التي بلغها دار خير حسنت عاقبتها.
آية (45):
*كيف يأتي القول بعد النداء في قوله تعالى (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ {45} هود) ؟ (د.فاضل السامرائى)
قال تعالى في سورة هود (وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ {45}الفاء تأتي للترتيب الذِكري ولا تنحصر بالترتيب والتعقيب.وهي تعني التفصيل بعد الإجمال.أولاً يأتي بالنداء بشكل إجمالي ثم يفصّل القول. ومثال آخرماجاء في قوله تعالى (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة) سألوا موسى مجملة وأرناالله جهرة مفصّلة. وكذلك ما جاء في قوله تعالى) تفصيل بعد الإجمال
آية (40):
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ (40)) تأمل هذا التصوير المهين لمن عصى أمر الله وتجرأ على أنبيائه. ألا ترى كيف انتقص الله من حجم فرعون وحاشيته إلى أقصى الدرجات. فما هم إلا حصيات طرحت في البحر لا قيمة لها ولا وزن. وكذلك قال ربنا (فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ) ولم يقل "فأغرقناهم" .
آية (41):
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)) تأمل هذا المشهد الذي يثير في نفس السامع العجب والغرابة. فالآية تخبرنا عن فرعون وكبراء قومه. هم كانوا في الدنيا أئمة قومهم في الضلال وهذا معلوم لنا ولكن الغرابة أن إمامتهم مستمرة في اليوم الآخر. فقد صورهم البيان الإلهي على هيئة إمامة غريبة ودعوة عجيبة (أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) وهذه الإمامة ترسم صورة في الخيال لأغرب الدعوات حين يقول الإمام لتابعيه "هيا بنا إلى النار". فأنت تُنَصِّب عليك إماماً ليرشدك إلى طريق الهدى وأولئك نصّبوا عليهم إماماً ليرشدهم ولكنه أضله الطريق فكان إمامهم وقائدهم ولكن إلى أين؟ إلى النار التي ينبغي أن يبعدهم عن لظاها.
(وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)) تأمل هذا التفنن البلاغي والأسلوب البياني الدقيق في رصد شأن آل فرعون. فاللعنة عليهم عبّر عنها القرآن بالفعل فقال (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً). وأما قبح مآلهم في الآخرة فقد عبّر عنه بالإسم فقال (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ). فما الحكمة وراء هذا التخالف والتنويع بين الجملة الفعلية (وَأَتْبَعْنَاهُمْ) والإسمية (هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ)؟ ما ذاك إلا لأن اللعنة قد انتهى أمرها بإغراق آل فرعون فهي لا تقتضي الدوام ولذلك جيء معها بالجملة الفعلية (وَأَتْبَعْنَاهُمْ). وأما تقبيح حالهم يوم القيامة فهو دائم معهم ملازم لهم فجيء في جانبه بالجملة الإسمية المقتضية الدوام والثبات.