آية (71-72):
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72)) ألم يسترع إنتباهك وصف الليل بـ (تَسْكُنُونَ فِيهِ) بينما أطلق ربنا نعمة الضياء دون قيد أو وصف فقال (يَأْتِيكُم بِضِيَاء (71)) فلِمَ هذا الإطلاق للضياء والتقييد لليل؟ وصف البيان الإلهي الليل بـ (تَسْكُنُونَ فِيه) للإشارة إلى أعظن نعمة يجنيها الإنسان من الليل إذا أرخى سدوله، وهي لذة الراحة ولذة الخلاص من التعب والحرّ يعد أن يلملم النهار ذيوله فيُسلِم الإنسان جسده إلى فراشه ليستعيد نشاطه العصبي. وأما الضياء فلم يقيّد بصفة محدودة لكثرة منافعه التي لا يعلم عددها ولا أنواعها المختلفة إلا الله سبحانه وتعالى.
آية (76):
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ (76)) لِمَ نسب الله تعالى قارون إلى موسى عليه السلام فقال (كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى) ولم يقل "كان من بني إسرائيل"؟ عدَل البيان الإلهي عن القول "كان من بني إسرائيل" إلى قوله (كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى) إيماءً إلى أن لقارون إتصالاً خاصاً بموسى. فقد قال ابن عباس عن قارون: إنه ابن عم موسى عليه السلام. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن إضافة قارون إلى موسى فيه إشارة إلى أنه كان من قومه ثم انقلب فصار عدواً له ولأتباعه. فأمره أغرب من أمر فرعون.
آية (79):
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ (79)) تقول خرجت إلى ضيوفي وخرجت إلى المسجد، فتُعدّي الفعل خرجت بحرف الجر (إلى). ولكن القرآن جعل خروج قارون إلى قومه متعدياً بحرف الجر (على) (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِه). فما المعنى الذي أفاده حرف الجر (على)؟ عد الفعل (خرج) بحرف الجر (على) ليصور لك هيئة خروج قارون. فقد خرج على هيئة متكبِّرِ متعالٍ. وهذا المعنى أفاده حرف الجر (على) الذي يدل على الاستعلاء.
آية (60):
*سورة هود في ثلاث قصص قصة عاد وثمود مدين والقصص الثلاثة بدأت نفس البداية (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا (50)) (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا (61)) (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا (84)) ثم انتهت الآية (أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)) وفي الآية (أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ (68)) وفي الآية (أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)) لماذا قال عاد قوم هود؟ (د.فاضل السامرائى)
عاد أكثر من عاد، قالوا عاد أكثر من قوم فقوم هود هو قسم من عاد وليس كل عاد (وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) النجم) لأن هنالك عاد الآخرة، هذا مما قيل في هذا. هؤلاء بالذات لأن هنالك عاد أخرى ليسوا من جماعتهم.
آية (80):
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا (80)) انظر إلى هذا المنطق الحكيم الذي خاطب به الذين أوتوا العلم أولئك الذيت تطلعت قلوبهم إلى مال قارون. فقد ذكروا لهم الثواب الأعظم وقدموا لهم الأجر على الطلب. فلم يقولوا لهم "ويلكم من آمن وعمل صالحاً فإن له ثواباً عظيماً" بل قدّموا الثواب فقالوا (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) وهذا التقديم للأجر غايته تمكين هذا الأمر في ذهن السامعين. فهذا الثواب مطمع للنفس تستشرف إليه وتتشوق لمرآه.
آية (62):
*ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب(62)هودوقوله تعالى (وإن لفي شك مما تدعوننا إليه(9)ابراهيم )؟ (د.فاضل السامرائى)
في آية سورة هود الكلام في قصة صالح فجاء بلفظ (تدعونا) أما في سورة ابراهيم فالكلام عم مجموعة من الرسل لذا جاء قوله (تدعوننا).
الذي يبدو أنه عندما يأتي (إننّا) هو آكد ، إنا تأتي للتوكيد سواء كانت النون مشددة أو مخففة
نون التوكيد قد تأتي في أول الأسماء (إننا) وفي آخر الأقعال للتوكيد (ولتكوناً) (ليذهبنّ) .
وعندما نقول (إننا) تحتمل معنيين: في مقام التفصيل (إننا) وفي مقام التوكيد (إننا) فلو قرأنا القصتين في السورتين لوجدنا أن قصة صالح فصّل تعالى فيها كثيراً فاقتضى النفصيل استخدام (إننا) وكذلك التكذيب في قوم صالح كان أشدّ فجاء التوكيد بلفظ (إننا) إذن القصة في قصة صالح أطول والتكذيب أشدّ في سورة هود بينما الكلام في سورة ابراهيم موجز فاقتضى التوكيد في سورة هود بـ (إننا) ولم يقتضي التوكيد في سورة ابراهيم (إنا).
* (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ (37) الروم) ومرة (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ (39) سبأ) (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ (82) القصص) متى يستعمل عباده ومتى يستعمل (يقدر له)؟ وما اللمسة البيانية الموجودة في كل آية؟
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ (37) الروم) (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ (82) القصص) (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ (39) سبأ). (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) هذا كلام عام غير مخصص بأحد. ربنا لما يقول (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ (12) الشورى) هل ذكر أحداً من العباد؟ لا، وإنما هذه صفته العامة . غير مخصصة بعبدٍ معين أو غيره، هذه صفته.
*ما معنى يقدر؟
أي يضيّق.
(لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ) ليس متعلقاً بعباده، (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ (30) الإسراء). لكن (يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِر) إذا قال يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر معناها أن السياق فيمن بسط له رزقه لكن لم يضيّق عليه، هو بسط الرزق لمن يشاء من عباده (وَيَقْدِر) لآخرين وليس لهذا الشخص
*يعني يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لمن يشاء، هذا المفهوم من الآية.
هذه الآية وقعت في سياق قارون (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ (76) القصص) إلى أن خسف الله به الأرض (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ (81)) إلى أن قال (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ (82)) هو لم يضيّق عليه وإنما على آخرين، التضييق والتقدير ليس له وإنما على الآخرين ، بينما (ويقدر له) هو، يبسطه له ويضيّق عليه ويقدر له (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ (39) سبأ) نفس هذا الشخص.
كلمة (من) لا تعني واحد، تجمع. لمن يشاء من عباده ويقدر له .
*للذي بسط له الرزق تحديداً؟
هذا ممكن لأن الإنسان مرة يضيق عليه رزقه ومرة يبسطه له. هذه ذكرها في سياق سبأ وسّع عليهم رزقهم ثم ضيّقه عليهم (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) .
*إذن يبسط ويقدر له خاصة بمن بُسط له الرزق؟
نعم لمن بُسط له الرزق.
*يبسط لمن يشاء من عباده ويقدر يعني يبسط لأحد ويقدر لأحد آخر؟
آخرين وليس له.
*يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر عامة للجميع؟
عامة وهذه صفته سبحانه
*إذن لا تناقض بين الآيات لكل واحدة مكانها!
طبعاً لا تناقض، هذه الحياة المشاهَدة التي نراها نحن.
آية (83):
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)) قرأ الفُضيل بن عياض هذه الآية ثم قال "ذهبت الأماني هاهنا" أي أماني الذين يزعمون أنه لا يضر مع الإيمان شيء وأن المؤمنين كلهم ناجون من العقاب كما قال أحد المُرجئة: كُن مسلماً ومن الذنوب لا تخف حاشا المهيمن أن يري تنكيدا
لو شاء أن يصليك نار جهنم ما كان ألهم قلبك التوحيدا
فلا تطمع برحمة الله وتنسى عقابه. فكما أن الله رحيم بعباده رؤوف فهو أيضاً منتقم شديد العقاب.
آية (84):
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)) إذا أمعنت النظر بين شطري الصورتين: صورة مكتسب الحسنة وصورة مقترف السيئة لرأيت أن البيان القرآني إختار فعل (عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ) بعد قوله (وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ) لما في هذا التعبير (عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ) من التنبيه على أن عملهم هو عِلّة جزائهم ولما في هذا التعبير من استهجان لهذا العمل الذميم. ولما فيه من تبغيض السيئة إلى قلوب السامعين من المؤمنين.
آية (84):
* في القرآن الكريم لا تجد (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) في خطاب المؤمنين البتة، إما لخطاب الكافرين أو لعموم الخلقهل هذا شيء من التهديد والوعيد؟ (د.فاضل السامرائى)
لا، هي من باب العدل. مثال (وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) سبأ) (وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (147) الأعراف) (وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (90) النمل) ما جاءت للمؤمنين مطلقاً.
*مع أنك من قريب تفضلت أن الجزاء يكون لهذا وذاك؟.
أصلاً كلمة الجزاء ممكن لكن (ما كانوا يعملون) هذه المسألة. ممكن أن تكون لعموم الخلق (لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ (51) إبراهيم) لكن للمؤمنين لا، (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) الجاثية) (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) عموم الخلق، يعني من جنس ما تعمل لكن بمقدار ما تعمل لم ترد للمؤمن إنما قال تعالى (لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (121) التوبة) ما قال ما كانوا يعملون وإنما أحسن ما كانوا يعملون (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ (38) النور) أما (ما كانوا يعملون) فلا، (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا (40) غافر) (وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84) القصص) السيئة مثلها أما الحسنة فله عشر أمثالها أو فله خير منها. التعبير بالباء يرد للمؤمن والكافر لأنه سبب، المؤمن والكافر يعملون بالسبب. لكن (إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فهي للكافرين أو لعموم الخلق ويستثني المؤمنين منهم، عموم الخلق لأن الجزاء من جنس العمل يدخل في المعنى الثاني من المعاني التي ذكرناها.
*الدلالة تتغير بحسب المقصود. ماذا يسمى هذا الأسلوب في اللغة؟
هذا من خصوصيات الاستعمال القرآني .