آية (29):
* في سورة البقرة في حوار الله تبارك وتعالى مع الملائكة قال (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)) وفي سورة النور (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)) لم يذكر كنتم فما دلالة هذا الاختلاف؟ (د.فاضل السامرائي)
قيل بالنسبة للملائكة هم كانوا يقولون لن يخلق الله خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم منا، لا أكرم ولا أعلم، هذا ما يكتمونه في أنفسهم فقال (وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ).
* ولهذا كان الإختبار (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) البقرة)؟
في الإكرام أسجدهم له وفي العلم اختبرهم بالعلم. عندما قالوا لن يخلق الله خلقاً أكرم منا أسجدهم له وعندما قالوا ولا أعلم منا اختبرهم بالعلم.
الآية (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29) النور) في دخول البيوت غير المسكون، الآن ماذا يُظهرون عندما يدخلون في البيوت غير المسكونة التي فيها متاع لكم؟ ما يبدون وما يكتمون الآن عند الدخول ليس المهم فيما مضى، الآن ماذا يكتمون هم؟ هذا المهم الآن عند الدخول، هل يدخلون لفساد أو إطلاع أو تجسس أو لماذا يدخلون؟ ماذا يكتمون الآن؟ هذا هو المهم.
*ما الفرق بين لا جناح عليكم وليس علكم جناح؟ (د.فاضل السامرائى)
(لا جناح عليكم) جملة إسمية، (لا) النافية للجنس وجناح إسمها، وإسمها وخبرها جار ومجرور (عليكم). (ليس عليكم جناح) جملة فعلية (ليس فعل ماضي ناقص من أخوات كان) وقاعدة عامة الجملة الإسمية أقوى من الفعلية لأنها دالة على الثبوت الإسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث والتجدد والوصف بالإسم أقوى وأدوم من الوصف بالفعل. إذن لا جناح عليك أقوى بالإضافة إلى أن لا جناح عليكم مؤكدة. (لا رجل) فيها توكيد وجملة إسمية فستكون أقوى. (لا) أقوى في النفي من (ليس) والنفي درجات. اللغة العربية سهلة ولكنها واسعة تعبر عن أمور كثيرة لا يمكن للغات أخرى أن تعبر عنها (كيف تعبر بالانجليزية بين لن يذهب ولم يذهب ولما يذهب وليس يذهب، لا رجل حاضراً، ليس رجل حاضراً، ما رجل حاضراً) أدوات النفي لها دلالاتها. وللنفي درجات ودلالات، هذا خط بياني في التعبير. محمد حاضر، إن محمد لحاضر، إنّ محمد حاضر، إن محمد لحاضر، كيف تعبر عنها وكل واحدة لها دلالة وكلها تدل على حضور محمد؟. فكيف تعبر عنها باللغات أخرى؟!.نأخذ أمثلة:
لا جناح عليه:
تستعمل فيما يتعلق بالعبادات وتنظيم الأسرة وشؤونها والحقوق والواجبات الزوجية والأمور المهمة:
(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا (158) هذه عبادة، ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (229)، (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ (230)، (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ (233) ، (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (234) ، (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ (235) ، (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً (236) (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ (240)) هذه الآيات كلها في الحقوق وفي شؤون الأسرة.
ليس عليكم جناح:
تستعمل فيما دون ذلك من أمور المعيشة اليومية كالبيع والشراء والتجارة وغيرها مما هو دون العبادات في الأهمية. بينما (لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ ) هذه في التجارة ليست فى العبادة. (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ (93) المائدة) طعام هذا أكل لا يتعلق في العبادة، (لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ (29) النور) (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا (61) النور) ليست في العبادة.حتى لو الدلالة واحدة وهي النفي لا بد أن يغاير بين الأدوات الموجودة العربي كان يفهم هذا الكلام وأكثر من هذا وكانوا يتكلمون بها لكنهم لا يضعوها في مكانها في كلامهم يأتوا بجمل لكن لا يمكن أن يرتبوا كلاماً بمستوى القرآن لذلك هم قالوا أي كلام بمقدار أقصر سورة في القرآن (الكوثر) هو مُعجِز لأنه كيف يجمع كل هذه الأمور وهذا الحشد البياني الهائل في هذا؟! ذكرنا سابقاً أنني أذكر أستاذاً في الأدب العربي في جامعة بغداد سأل لماذا القرآن كلام معجز مع أن العرب فهموه وهو كلامهم؟ أستاذ آخر يُدرِّس اللغة قال ألا يفهم أستاذ الأدب كلام المتنبي ويشرح مفرداته للطلاب؟ فلماذا لم يفعل مثله؟
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ (29)) انظر كيف قال تعالى (بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ) ولم يقل "بيوتاً غير مأهولة" وذلك ليدل على أن المراد من قوله (غَيْرَ مَسْكُونَةٍ) ليس خلوّها من السكان. فبيوت الأشخاص والأُسر لا يجوز دخولها بغير إذن سواء وُجد فيها أصحابها أم لم يوجدوا. إنما المراد أنها معدّة للسكن الدائم المتعارف عليه كالخانات والفنادق مما لا حاجة لأخذ الإذن بدخولها. فقاطنوها يعلمون بدخول القاصي والداني إليها. فهم على استعداد دائم من دخول أي شخص إليهم فلا حاجة في الاستئذان منهم.
*تناسب خواتيم الأعراف مع فواتح الأنفال*
قال تعالى في أواخر الأعراف (وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ (205)) وفي بداية الأنفال قال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)) كأنما تأتي بعد آية الأعراف كأنها امتداد لها، هذا ترابط وكأنها مكملة لما ينبغي أن يكون عليه الحال. وفي آخر الأعراف قال (إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)) وفي الأنفال (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)) الملائكة يسجدون في الملأ الأعلى وهؤلاء يقيمون الصلاة في الأرض.
**هدف سورة الأنفال : قوانين النصر ربانيّة ومادية**
سورة الأنفال سورة مدنية نزلت عقب غزوة بدر التي كانت فاتحة الغزوات في تاريخ الإسلام المجيد وبداية النصر لجند الرحمن حتى سمّاها بعض الصحابة بسورة بدر وسمّاها الله تعالى في القرآن الكريم بـ(الفرقان). لأنها تناولت أحداث هذه الموقعة باسهاب ورسمت الخطة التفصيلية للقتال وبيّنت ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من البطولة والوقوف في وجه الباطل بكل جرأة وشجاعة وصمود. وقد كان عدد المسلمين 313 مقابل 1000 من المشركين لكن المسلمين على قلة عددهم انتصروا بعون الله تعالى وباستعدادهم للحرب على المشركين مع كثرتهم وكانت اول المعارك بين الحق والباطل في التاريخ الإسلامي.
وقد سبق في السور الطوال التي سبقت الأنفال أن عرض الله تعالى لنا المنهج وكيف نثبت عليه بالتوحيد الخالص لله وبالعدل وحسم المواقف ثم جاءت سورة الأنفال ليبّين لنا أنه حتى ينتصر المنهج يجب أن يكون له قوانين للنصر فالنصر لا يأتي صدفة ولا فجأة وإنما يحتاج إلى قوانين، فسورة الأنفال تتحدث عن قانوني النصر في غزوة بدر والتي يمكن أن تكون عامة لكل الغزوات والمعارك بين الحق والباطل :
قوانين ربّانية (النصر من عند الله).
قوانين مادية (الإستعداد للقتال بالعدة والتهيئة النفسية والعسكرية).
والسورة تنقسم الى قسمين بارزين كل منهما يتناول أحد هذه القوانين. والسورة تحتوي على توازن بين القانونين، النصر من عند الله فبعد التوحيد الخالص لله في سورة الأنعام وأن كل شيء لله تعالى كان النصر من عند الله امراً طبيعياً، ولكن لا بد من التخطيط والإستعداد (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ، آية 53 بمعنى نبذل كل الجهد ونتوكل على الله حتى ينصرنا.
وسميّت السورة بالأنفال لورود كلمة الأنفال فيها وهي لغة تعني الغنائم وكان المسلمون بعد انتصارهم قد اختلفوا كيف توزع الغنائم عليهم والله تعالى اراد ان ينبههم إلى أن الغنائم هي من الدنيا والاختلاف عليها خلاف على الدنيا والله تعالى يريد أن يرسّخ في قلوب المسلمين قوانين النصر بعيداً عن الدنيا ورموزها، والأنفال قضية فرعية أمام القضية الهامة التي هي تقوى الله ولذا فإن السورة ابتدأت بالسؤال عن الأنفال في الآية 1 (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) ولم تأتي الإجابة على السؤال إلا في الآية 41 (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ولهذا حكمة من الله تعالى. إذن فالمعنى أن سورة الأنفال تتحدث عن قوانين النصر وأكثر ما يؤثر على قوانين النصر الدنيا والأنفال هي من الدنيا فكأن الأنفال هي التي تضيّع النصر، وفي السورة تحذير للمسلمين من الفرقة من أجل الدنيا وتوجيه لهم بالوحدة والأخوّة والتخطيط والرجوع إلى الله لتحقيق النصر.
القسم الأول: وما النصر إلا من عند الله: (الآيات في الربعين الأولين) تذكير أن الله تعالى هو الذي نصرهم فعلينا ان نثق بالله تعالى ونتوكل عليه لأنه صانع النصر. ودليل ذلك:
الترتيب للمعركة من الله تعالى (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ* يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ* وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ* لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) الآيات 5 – 6 – 7 – 8.
الإعداد النفسي للمعركة (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) آية 11، و (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) آية 41، و (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) آية 44.
نزول الملائكة (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ) آية 9، و (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) آية 12.
موعد ومكان المعركة بترتيب من الله تعالى (إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَـكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) آية 42. لمّا أنزل الله تعالى المطر جعل الأرض عند المسلمين صلبة تعينهم على خفة الحركة وجعل الأرض عند المشركين طينية أعاقت حركتهم في المعركة وهذا بتدبير الله عز وجل.
نتيجة المعركة (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) آية 10، و(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) آية 17.
كل هذه الآيات تدل على أن الله تعالى هو الذي صنع النصر في غزوة بدر.
القسم الثاني من السورة: تناوله الربعين الأخيرين من السورة ويتحدث في القوانين المادية للنصر:
أهمية التخطيط (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) آية 60
موازين القوى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ* الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) آية 65 – 66، الأسباب المادية مهمة أيضاً حتى أن هزيمة الكفار تعود إلى الأسباب المادية لأنهم لم يكونوا يفهمون الحرب جيداً ولم يعرفوا عدوهم.
الأخوّة: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) آية 46، (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) آية 63 و64. فقضية الأخوّة هي من أهم الأسباب المادية التي تصنع النصر فالمؤمنون مهما اختلفت أجناسهم أمة واحدة. ونلاحظ ارتباط هذه السورة بسورة آل عمران من منطلق الأخوّة (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آية 103 و (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) آية 105 في آل عمران تعين على الثبات كما هو هدف السورة وآية 46 في سورة الأنفال وهي من قوانين النصر المادية.
وفي سورة الأنفال لفتة كريمة في صفات المؤمنين. نلاحظ أن الآيات في بداية السورة وصفت المؤمنين (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) آية، 2-4 وفي ختام السورة جاء وصف المؤمنين أيضاً (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) آية 74، لكن هناك بين فرق بين الصفات في الآيتين وهذا الفرق هو اثبات لقانوني النصر في السورة، فصفات المؤمنين في الآية 4 هي صفات إيمانية يتحلى بها المؤمنون الذين يثقون بالله وبقدرته وبأن النصر من عنده وجاءت في القسم الأول (القوانين الربّانية) . أما الآية 74 فأعطت صفات المؤمنين المناسبة للأمور المادية والقوانين المادية وجاءت في القسم الثاني للسورة (القوانين المادية) وهكذا مثلت صفات المؤمنين في السورة التوازن بين قوانين النصر الربانية والمادية.
وجاءت في سورة الأنفال نداءات إلهية للمؤمنين ست مرات بوصف الإيمان (يا أيها الذين آمنوا) كحافز لهم على الصبر والثبات في مجاهدتهم لأعداء الله وتذكير لهم بأن هذه التكاليف التي أمروا بها من مقتضيات الإيمان الذي تحلوا به وأن النصر الذي حازوا عليه كان بسبب الإيمان:
النداء الأول: التحذير من الفرار من المعركة والوعيد للمنهزمين أمام الأعداء بالعذاب الشديد (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ) آية 15.
النداء الثاني: الأمر بالسمع والطاعة لأمر الله وأمر الرسول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ) آية 20.
النداء الثالث: بيان أن ما يدعو إليه الرسول هو العزة والسعادة في الدنيا والآخرة. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) آية 24.
النداء الرابع: بيان أن إفشاء سر الأمة للأعداء هو خيانة لله ورسوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) آية 27.
النداء الخامس: التنبيه إلى ثمرة التقوى (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) آية 29.
النداء السادس: بيان طريق العزة وأسس النصر بالثبات والصبر واستحضار عظمة الله تعالى والإعتصام بالمدد الروحي الذي يعين على الثبات. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ) آية 45.
آية (30):
* ما الفرق بين (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) النور) و(وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112) النحل)؟ (د.فاضل السامرائى)
قراءة الآيتين يوضح الأمر: آية النور (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) النور) وآية النحل (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (112)) هذه قرية قديمة وبائدة كانت تفعل هذا فهو تاريخ أما آية النور فحالة مستمرة إلى قيام الساعة وليست مثل تلك القرية القديمة التي كانت. لا ينفع أن نقف على جزء من الآية وإنما نأخذها في سياقها هل يتكلم عن أمر ماضي أو مستقبل. إذن بما كانوا يصنعون في الماضي والثانية (خبير بما يصنعون) في الحال.
*القرآن الكريم يستخدم يصنعون ويفعلون ويعملون فما اللمسة البيانية في هذه الأفعال؟ (د.فاضل السامرائى)
الفعل عام يقع من الإنسان والحيوان والجماد وهو أعم شيء فعل الماء، فعل الرياح، وهو بقصد أو بغير قصد. العمل أخص من الفعل ويكون بقصد ولذلك قلّما يُنسب إلى الحيوان. العرب لم تقله في الحيوان إلا في البقر العوامل التي تحرث قصد الحرث، إذن العمل أخص من الفعل وينسب للإنسان وقلما ينسب إلى الحيوان. الصنع إجادة الفعل وهو أخص من العمل لا ينسب إلى حيوان ولا ينسب إلى جماد وليس كل عمل صنع حتى تحسن العمل (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) النمل) إذن هو أخص من العمل. عندما يستخدم القرآن (بما يصنعون) أي يحاولون ويدبّرون ويتقنون ما يفعلون، يأخذون الحيطة ماذا نفعل لو قال كذا ماذا نصنع؟ هذا الصنع مدبّر إذن الصنع إجادة العمل. إذن كل فعل بحسب الآية التي ورد فيها في القرآن الكريم لكن بشكل عام الفعل أعم ويقع بقصد أو بغير قصد والعمل أخص من الفعل ويكون بقصد ويُنسب للإنسان والصنع إجادة العمل. اللغة العربية دقيقة إلى هذا الحد وهناك خلاف بين اللغويين أن هناك ترادف في القرآن أو لا، قسم يقول في القرآن ترادف وقسم يقول هي لغات، الترادف مثل المدية والسكين كلمتان تدلان على دلالة واحدة ويقولون أسماء السيف ليس مترادفة وإنما هي صفات اسمه السيف والباقي صفات مثل الحسام، وكذلك أسماء الأسد كلها صفات والإسم هو الأسد والصفات تكون في وجهه ومشيته، عضنفر صفة وليس كل أسد غضنفر، القسورة من القسر يقسر الفريسة يأخذها قسراً بقوة وشدة وعنف. في التفسير قد تفسر كلمة بكلمة بما هو أوضح للسائل ولا يجوز بيانياً أن تحل كلمة مكان كلمة في القرآن أما في الكلام العادي العام فيجوز وكل كلمة في القرآن لها مكانها المناسب الذي وضعت فيه ولا يجوز تبديلها حتى بكلمة تقاربها في الدلالة. توفاهم وتتوفاهم مع أنهما نفس اللفظة وكلاهما فعل مضارع لو أردنا أن نستبدل في كلام الناس نفعل لكن في القرآن لا يمكن لأن هناك سبباً قال في مكان توفاهم وفي مكان آخر تتوفاهم.
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ (30)) لِمَ قال ربنا (يَغُضُّوا) ولم يقل "يصرفوا" في قوله (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)؟ ذلك لأن غضّ البصر هو صرف البصر عن التحديق وعدم تثبيت النظر مع حياء وخجل. ثم أعقبه بقوله (مِنْ أَبْصَارِهِمْ) لأن النظرة الأولى مسموح بها وما بعدها منهيٌ عنه. وهذا ما وضّحه النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ كرّم الله وجهه "لا تُتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست الثانية" ولذا وجب الغضُّ من الأبصار ما كان تالياً.
* استعمل القرآن كلمة الجهر بالسوء والجهر هو ما يصل إلى أسماع الناس فنُهينا عن التلفظ بالكلام السيئ وقيّده بالقول لأنه أضعف أنواع الأذى فدلّنا ذلك على أن السوء بالفعل أشد تحريماً لأنه أشد من القول.
*ما دلالة استخدام (أنبئونى) فى الآية و ليس (نبئونى) ؟
هذه الظاهرة إستعمال نبّأ وأنبأ مضطردة في القرآن الكريم بحيث أننا لما نأتي إلى أفعل كما في قوله (وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)) أنبأ وردت في أريعة مواضع في القرآن كله وسنجد أنها جميعاً فيها إختصار زمن، فيها وقت قصير وليس فيها وقت طويل. أما نبّأ فحيث وردت، وردت في ستة وأربعين موضعاً. لاحظ (وعلّم آدم الأسماء كلها) بمفهوم البشر التعليم يحتاج إلى وقت ولذا قال علّم ولم يقل أعلم. الأسماء كلها أي هذا الشيء إسمه كذا عذا المخلوق إسمه كذا ورب العالمين يمكن أن يقول كن فيكون. لكن أرادت الآية أن تبيّن أنه لقّنه هذه الأشياء بوقت كما أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان بإستطاعته أن يقول كن فيكون. (وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة) وذكرنا في مرة سابقة استعمال عرضهم لأن فيها العاقل وغير العاقل. (فَقَالَ أَنْبِئُونِي) لأنه هذا ما إسمه؟ فلان أو كذا وهذا لا يحتاج إلى شرح وتطويل ما قال (نبّؤني) قال(أنبؤني) لكن في مكان آخر قال (نبؤني بعلم إن كنتم صادقين) . قالوا (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)) أيضاً ما تعلّموه على وقت. (قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) آدم هذا كذا إسمه وانتهى، وهذا؟ كذا وهذا؟ كذا. الإنباء بكل إسم على حدة لا يأخذ وقتاً ولهذا قال (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِم) (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) واحداً واحداً لا يحتاج إلى وقت.
* أحياناً تختم الآيات ب(عليمٌ حكيمٌ) وفى آيات أخرى (حكيمٌ عليمٌ) فما الفرق بينهما؟
إذا كان السياق في العلم وما يقتضي العلم يقدم العلم وإلا يقدم الحكمة، إذا كان الأمر في التشريع أو في الجزاء يقدم الحكمة وإذا كان في العلم يقدم العلم. حتى تتوضح المسألة (قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) البقرة) السياق في العلم فقدّم العلم، (يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) النساء) هذا تبيين معناه هذا علم، (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) يوسف) فيها علم فقدم عليم. قال في المنافقين (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) الأنفال) هذه أمور قلبية، (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) التوبة) من الذي يطلع على القلوب؟ الله، فقدم العليم. نأتي للجزاء، الجزاء حكمة وحكم يعني من الذي يجازي ويعاقب؟ هو الحاكم، تقدير الجزاء حكمة (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ (128) الأنعام) هذا جزاء، هذا حاكم يحكم تقدير الجزاء والحكم قدم الحكمة، وليس بالضرورة أن يكون العالم حاكماً ليس كل عالم حاكم. (وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ (139) الأنعام) هذا تشريع والتشريه حاكم فمن الذي يشرع ويجازي؟ الله تعالى هو الذي يجازي وهو الذي يشرع (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) الزخرف) لما يكون السياق في العلم يقدّم العلم ولما لا يكون السياق في العلم يقدّم الحكمة.
* في سورة النساء ذكرت الآية كلمة خير، وفي سورة الأحزاب (إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ) ذكرت كلمة شيئ:
كلمة (خيراً) اختريت لسببين، السبب الأول يخص السورة نفسها فسورة النساء تميل إلى جانب الصلح والود والإصلاح، إلى الخير فناسبها كلمة خير، والسبب الآخر يخص السياق فهذه الآية قبلها آية أخرى (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ) فذكرت الآية الأولى السوء وجاءت هذه الآية مقابلة لها فذكرت الخير (إِن تُبْدُواْ خَيْرًا)، فالآية هنا تدعو إلى الخير.
سورة الأحزاب تتحدث عن مؤمنين وكفار وتبين أفعال وأقوال المنافقين في غزوة الأحزاب وتبين كيف كانوا يدّعون (يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) (مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) وتحدثت أيضاً عن المؤمنين فالآية بيّنت للطرفين أن أيّ شيء تبدونه سواء كان هذا الشيء خيراً أم شراً فالله يعلمه فجاءت كلمة شيء والشيء تشمل المعنيين.
* الفئة المخاطّبة في الآيات مختلفة:
في سورة النساء الخطاب للمؤمنين وحدهم (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)) .
في سورة الأحزاب الخطاب للجميع (إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ (٥٤)) شيئاً كلمة عامة والخير شيء والشر شيء .
في سورة البقرة قال تعالى (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ (٢٨٤)) قال (ما) ولم يقل خيراً أو شيئاً، الخطاب هنا لكل البشر وينطبق بالدرجة الأولى على المؤمنين بواقع أن القرآن يخاطب الرسول والمؤمنين.
* قال تعالى في سورة النساء (أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ) ولم تأت في سورة الأحزاب، لأن سورة النساء تدعو إلى جانب العفو والإصلاح والسلام والإنصاف والمودة وحسن العشرة فنأتي سياقات تدعم هذا الإتجاه.
* اختلفت خواتيم الآيات:
ختام آية النساء (أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) الختام يناسب العفو، وكلمة قديراً تدل على أن الله يعفو عن مقدرة لا عن عجز أو ضعف أو احتياج للناس، الله قدير على العفو وقدير على العقوبة لو أراد، - هذا من باب التوسع في المعنى - قدير على العفو وقدير على أن لا يعفو، فالآية تدعو المؤمنين إلى أن يتخلقوا بصفة من صفات الله عز وجل.
ختام آية الأحزاب (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)) هنا تنبيه للفريقين للمؤمنين والمنافقين وتنبيه لكل البشر حتى يرتدع الإنسان فلا يُبدي إلا الخير.
في آية سورة البقرة (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) تنبيه إلى أن الإنسان محاسب، الهدف من هذه الاية أن يحرص كل المسلمين على ما يقولون ، ما يعلنون وما يخفون ويعلموا أن الله يحاسبهم. والختام يبين أن الله قدير على أن يعلم ما في نفوسهم وقدير على أن يعذب هؤلاء وقدير على أن يعفو عن هؤلاء. كل ختام يناسب ما جاء في صدر الآية
آية (33):
*ما الفرق بين السفاح (مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ (24) النساء) والبغاء (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء (33) النور) والزنى (وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً (32) الإسراء)؟ (د.فاضل السامرائى)
البغاء هو الفجور، بغى في الأرض أي فجر فيها أي تجاوز إلى ما ليس له. (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ (76) القصص) تجاوز الحدّ. فهي تجاوزت حدها عندما فعلت هذه الفعلة. لذا يقال للمرأة بغيّ ولا يقال للرجل بغيّ (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) مريم) عند العرب لا يوصف الرجل بالبغيّ في الزنا البغاء للمرأة. إشتقاقه اللفظي بغت المرأة إذا فجرت لأنها تجاوزت ما ليس لها. الزنا هو الوطء من غير عقد شرعي. البغاء استمراء الزنا فيصير فجوراً. المسافحة أن تقيم معه على الفجور، تعيش معه في الحرام من غير تزويج صحيح. المسافحة والسفاح هي الإقامة مع الرجل من غير تزويج شرعي وهذا أشد لأنه تقيم امرأة مع رجل على فجور. كله فيه زنا والزنا أقلهم، إذا استمرأت الزنا صار فجوراً بغاء وإذا أقامت معه بغير عقد شرعي يقال سفاح. الرجل يوصف بالسِفاح أيضاً (غير مسافحين). الزنا يوصف به الرجل والمرأة (والزانية والزاني) والسفاح للرجل والمرأة أما البغاء والبغي فللمرأة تحديداً. وكل كلمة لها دلالتها في القرآن الكريم.
* ما دلالة (إن)فى الآية(وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) النور)) ؟ (د.فاضل السامرائى)
هي مناسبة لأصل سبب النزول(إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) ماذا إذا لم يردن تعففاً؟ الحادثة التي حصلت أن عبد الله بن أبيّ أراد إكراههن وهن يردن التحصّن فذكر المسألة كما هي واقعة ثم تأتي أمور أخرى تبيّن المسألة.
*ما تفسير ملك اليمين (وما ملكت أيمانهم)؟(د.حسام النعيمى)
العرب عادة تستعمل كلمة اليمين إشارة إلى المِلك والقوة والإستحواذ على الشيء وهم لا يريدون اليمين التي هي غير الشمال. يقولون هذا الأمر في يميني أي في سيطرتي وقدرتي وفي مِلكي. فما سُمّي بملك اليمين معناه العبيد الذين كانوا يباعون ويشترون بحيث أن الإنسان يكون مالكاً لهم كأي حاجة من الحاجات هذا ملك اليمين. ويكون عادة من الذكور والإناث. تحتاج هذه المسألة لوقفة قصيرة في بيان موقف الإسلام لأن هذا متكلّم فيه. الإسلام أقر ظاهرة هي ظاهرة الرقيق بيع الإنسان وشراؤه فكيف أقرّه؟ ملك اليمين هم الرقيق. حتى تتضح الصورة أن الرق كان نظاماً عالمياً في كل العالم إذا كان العالم في وقتها بآحاد الملايين كان الرقيق بعشرات الألوف، يعني في كل بلدة وقرية وكانت ظاهرة إجتماعية لا يكاد بيت يخلو من عبد أو أمة أو أكثر ولما نقرأ السيرة كيف فعل المشركون بمن عندهم من الرقيق وكان هناك أسواق للنخاسة والإسلام لما واجه هذه المشكلة لم يحلّها كما حلّ مشكلة الخمر مثلاً على مراحل سريعة متتابعة إلى أن قال تعالى (فهل أنتم منتهون) قال المسلمون إنتهينا يا رب وسكبوا خمورهم في شوارع المدينة حتى صارت تجري فيها الخمور أنهاراً. فلو تخيلنا أن الله تعالى قال للمسلمين في الكف عن الرقيق (فهل أنتم منتهون) وأخرج كل من عندهم من رقيق للشارع فماذا كان يحصل؟ كان سيحصل فساد لأنه نساء ورجال يُخرجون إلى الشارع. لكن ماذا صنع الإسلام؟ بعض الكُتّاب يشبه فكرة الرقيق بحوض ماء تصب فيه مجموع حنفيات وفي أسفله ثقب صغير. هذه الحنفيات التي تصب كانت موارد الرِق وأعظم مورد كان الحروب ثم الدَيْن إذا كان إنسان يطلب إنساناً آخر بدين معين ولم يوفيه يمكن ن يترقه ثم السرقات ثم الولادة (ما يولد للرقيق) حنفيات كثيرة والمنفذ الوحيد الذي كان هو الموت لا ينقذ العبد أو الأمة من الرٌق إلا الموت وإلا تبقى تباع وتشترى. الإسلام ماذا صنع؟ أغلق جميع الحنفيات وأبقى واحدة للمقابلة بالمثل وهي الحرب لأنه لو الإسلام منع الرق في الحرب لكان يستهان بالمسلمين ويسترقون فجعل هذا مقابلة بالمثل في الحروب. وفتح فتحات كبيرة في داخل الحوض تفرّغ الماء وأهم فتحة فتحها الإسلام هي المكاتبة: يعني أن أي عبد أو أيّة أمَه تستطيع أن تذهب للقاضي وتقول له أنا أريد أن أتحرر فليكاتبني من يملكني فيبعث القاضي على السيد أو مالكه ويقول له مثل هذا أو مثل هذه ثمنه في السوق بقدر كذا حتى لا يشتط السيد في الثمن فتكاتب معه يعمل ويسد لك الأجر فإذا أنهى سداد الأجر يكون حُرّاً. (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ (33) النور) شرط أن يكون بإستطاعته أن يسد وأن يعمل. (وآتوهم من مال الله) ليس هذا فقط وإنما أعينوهم على المكاتبة هذا وحده كان يكفي لإنهاء الرق أن أي عبد أو أمه تريد أن تكاتب لا يستطيع سيدها أن يمتنع يبتغي الكتاب (فكاتبوهم) أمر. هذه واحدة. مع ذلك الإسلام لم يكتف بهذه وإنما أضاف شيئاً آخر. الشيء الآخر نحن عندنا الزكاة لها مصارف (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) التوبة) الصدقات يعني الزكاة ثمانية مصارف. (وفي الرقاب) في إعتاق العبيد والرقبة تستعمل إشارة إلى هؤلاء العبيد. فإذن الدولة لما تجمع أموال الزكاة عندها ثمانية مصارف تصرفها ، ثُمن واحد من ثمانية إذا أرادت أن تقسم بالتساوي أن تنظر من يريد أن يتحرر ولا يملك تدفع له. هذا إضافة إلى المكاتبة هذا باب واسع فتحته الشريعة الإسلامية لتخليص هؤلاء. باب آخر الذي هو الكفّارات فيها تحرير الرقاب مثلاً (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) النساء) (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (89) المائدة) (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) المجادلة) . الباب الرابع هو التطوع وهذا التطوع باب لا ينتهي (وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ (177) البقرة) (وما أدراك ما العقبة فك رقبة) هذا التحبيب هذا فقط في القرآن وفي الأحاديث هناك أحاديث كثيرة تتحدث عن إعتاق الرقاب فإذن الإسلام خطا خطوات بعيدة المدى لإذابة وإنهاء الرِقّ. لكن لأنه كان نظاماً عالمياً بقي هذا المنفذ الذي هو منفذ المقابلة بالمثل، الآن إنتهى هذا الأمر وقررت الأمم المتحدة إنهاء الرِقّ والإسلام ليس عنده مشكلة في هذا. لا يقول لك الإسلام ينبغي أن يسترق أبداً إذا وجد هذا النظام يحاول أن يذوّبه لأنه لو فعل كما فعل في الخمر وأخرج الناس إلى الشوارع يحصل فساد إجتماعي تتحول إلى سرقات وزنا وقتل وغيره. إمرأة في بيت مستور تأكل وتشرب وتعيش وتخدم لكن حاول الإسلام أن يصفّي هذا النظام الموجود لما أُلغيت فكرة أسرى الحروب يكونون رقيقاً والإسلام ليس عنده مشكلة. لا يوجد الآن ملك اليمين لأنه من أين تأتي به؟ الآية كانت خاصة بظروفها إلى عهد قريب أما الخادمات الآن هم أحرار يعملون بمرتّب ولا يجوز معاشرتها معاشرة المرأة إلا أن يعقد عليها فملك اليمين لم يعد موجوداً الآن. لو دخلت دولة مسلمة الحرب مع دولة كافرة يكون أسرى بيننا وبينهم ، هم لا يسترقون أسرانا فلا يجوز أن نسترق أسراهم لأنها بالأصل هي مقابلة بالمثل فإذا أنتم لم تفعلوا هذا فنحن لسنا مستعدون لفعلها.
*لماذا النهي ضعيف في قوله تعالى في سورة النور (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) النور)؟(د.حسام النعيمى)
سبب نزول الآية أن فلاناً من كفار مكة كان يبعث بخادماته إلى فعل الفاحشة حتى يأخذ منها المال. فالقرآن الكريم أراد أن يشنّع به وهو كان من كبراء قريش ومات كافراً. ومنهم من يقول أنه المقصود كان أحد المنافقين في المدينة. أياً كان الذات غير مهمة بقدر أهمية الواقعة أن الذي يفعل هذا كان منافقاً أو من الكافرين مات على كفره أو مات على نفاقه كان يفعل هذا. فكما أن القرآن أرّخ لنا في القرآن الكريم (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) التكوير) وهذا لم يكن شائعاً في العرب وإنما لعِظم الجُرم أرّخه مع أنه قليل كان ومع ذلك سجّله لعِظمه. وهذا أيضاً كان لِعِظمه: أنت وجه من وجوه قومك كيف تفعل هذا؟ فأراد القرآن الكريم أن يثبّت أنه كان في العرب من أمثال هؤلاء من غير المسلمين. فهذا ليس نهياً للمسلمين أن لا تفعلوا هكذا. هذا أمر والأمر الآخر أن بعض المفسرين يذهب إلى أنه (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ) بمعنى أنه -ويكون عامّاً عند ذلك وخصوص السبب لا يمنع أحدكم من عموم الحكم- إنه إذا منعت إبنتك من الزواج وحرمتها من ذلك قد يكون هذا سبباً في بغائها يعني قد لا تصبر فلا تكرهها على البغاء بعدم تزويجك إياها. هذا قول رأي لا ينسجم مع سبب النزول لكن أيضاً يمكن أن يفهم هكذا لأن الكلام كان على الزواج والتزويج فجاءت هذه الآية .هو يريد أن يبقي ابنته حتى يستفيد منها حتى قيام الساعة ويمكن الآن يريد أن يستفيد منها من راتبها ولا يزوجها. قد يكون هذا لكن أصل الرواية كما قدّمناه.
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (33)) انظر إلى هذه الجملة (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) والتي يظن البعض أنها من قبيل الإطناب. وأن قوله تعالى (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء) يفي بغرض النهي وذلك لأن إكراه الفتيات على البغاء يدل على إباءٍ منهن واعتراض وهذا الإباء قد يكون لسبب أو لآخر لكن الأبشع والأشنع أن تجبر الفتيات على ارتكاب الفاحشة مع إرادتهن التحصن والعفة والطهارة. ففي ذلك تشنيع بهؤلاء المكرهين وتصوير لتكالبهم على الدنيا وأمرهم بالفواحش مقابل مال قليل وعَرَض ٍزائل.
* استعمل القرآن كلمة يكفرون بصيغة المضارع وليس كفروا بالماضي لأن الكفر متجدد ومستمر لأنهم لو كفروا في الماضي ثم رجعوا لما كانوا أحرياء بالذمّ وصبغهم بصفة الكفر وجعلها سربالاً لا يغادرهم.
* (أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) عرّف جزئي الجملة المبتدأ (أولئك) والخبر (الكافرون) لتأكيد قصر صفة الكفر عليهم، تقول لإنسان أنت البطل فقد جعلت البطولة له دون غيره، كذلك عندما نقول أولئك هم الكافرون فهذا يعني أننا نزلنا غيرهم من الكفرة منزلة العدم لما تمتع به هؤلاء من أوصاف الكفر.
آية (34):
*ما الفرق بين آيات بينات وآيات مبيّنات؟(د.فاضل السامرائى)
آيات بيّنات أي واضحات، أمر بيّن يعني واضح، أما مبين أي موضح أنت تبين لغيرك (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ (18) النور) يعني يوضح لك، بيّن يعني هو واضح ظاهر الدلالة أما مبيّن موضح للدلالة أنت تبين (يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ (26) النساء) لكن الأمر واضح.