آية (4):
*ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)فى سورة النور ولماذا لم يقل منهم أو عنهم؟(د.حسام النعيمى)
في قوله تعالى في سورة النور (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)) استعمل (تقبلوا لهم) كان ممكن في غير القرآن أن يقول: ولا تقبلوا منهم شهادة أو ولا تقبلوا عنهم شهادة والقبول من هو الأكثر استعمالاً لأن القبول هو أخذ الشيء برضى أي أن هناك معطي وهناك آخِذ فإذن هناك صلة مقصودة أقدم لك شيئاً تقبله مني وتبقى هناك صلة بيني وبينك كأنه يراد أن تستمر الصِلة بين الطرفين. لو قال قبل عنه كأنه انقطعت الصلة أخذها وانقطعت الصلة لأن (عن) للمجاوزة. إذا كان الفعل مبنياً للمعلوم الذي جاء بـ (عن) يكون الله تعالى يتكلم عن نفسه إما مباشرة جلت قدرته أو عن طريق الغيبة (وهو) (أولئك الذين نتقبل عنهم) الكلام من الله سبحانه وتعالى. لكن لما يكون الكلام من عباده أو مبنياً للمجهول تبتعد فكرة الصلة المادية. لكن (يُقبل منه) مبنية للمجهول، للمفعول لا تحس بالرابط الذي كأنما يراد تجنبه. انتقلت للبناء للمفعول لو كانت مبنية للفاعل كانت ستكون: يقبل عنه.
(ولا تقبلوا لهم شهادة) وردت مرة واحدة فقط لم يقل لا تقبلوا منهم. اللام كما يقول علماؤنا للملك والملكية. هؤلاء الذين يرمون المحصنات ورمي المحصنة شيء عظيم ليس بالأمر السهل أن تتهم المرأة في عفافها ولذلك العقوبة شديدة ثمانين جلدة أمام الناس ولا تقبل لهم شهادة. لم يقل ولا تقبلوا منهم أو عنهم كأنما لا ينبغي أصلاً أن يباشروا إصدار شهادة فلا تنفصل عنهم ولا تصدر منهم، هم لهم شهادة ولو كان في غير القرآن كان يمكن القول ولا تقبلوا شهادة لهم ولكن في القرآن قدّم (لهم) تعني أنهم يملكون شهادة في مناسبات أخرى لكن لا يُمكّنون من إظهارها أصلاً تبقى في ملكهم، هذه الشهادة لهم احتفظوا بها (لو قال تقبلوا منهم أو عنهم كأنها صدرت منهم، يسمعون ولا يقبلون) لكن المطلوب أصلاً أن لا يتكلم لأنه اتهم امرأة عفيفة بعفافها فجُلِد وحتى لو كان له شهادة احتفظ بها. هم يملكون شهادة لكن يقال لهم احتفظوا بملككم ولا يُمكّنون من إظهارها أصلاً حتى تقبل منهم أو تقبل عنهم. الشهادة ملكه لأنه ارتكب هذا الجرم العظيم وهو قذف المرأة المحصنة.
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً (4)) تبصَّر في مدلول هذه الآية التي تشير إلى أن يكون الشهداء أربعة غير الذي رمى، فما الغاية من هذا العدد وقد وجب وجود شاهدين لا أربعة في تعاملات أخرى؟ ذلك حتى لا تكون إقامة الحد بفِرية من متواطئين على الكذب لغاية في أنفسهم ضد من يرمونهم. ثم لتعذر اجتماع أربعة من الشهود إلى جانب القاذف في مشاهدة حادثة الزنى. وإذا تمّ ذلك فإنه يعني أن هناك مجاهرة من الزُناة وبذلك حقّ عليهم الحدّ حفاظاً على المجتمع وطهارته وأمنه..
*في سورة آل عمران (هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) آل عمران) وفي سورة الأنفال (لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)الأنفال) وفي الأحقاف (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا (19) الأحقاف)؟
أولاً الجنة فيها درجات خيال (وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) الإسراء) والدرجات نوعين درجة للرجل ودرجة في المنزلة في العطاء. يعني رئيس وزراء أعلى درجة بعد رئيس دولة قد يكون فقيراً ما عنده غير راتبه، أنا رجل عادي لكني ملياردير ولكني لست شيخاً فالشيخ درجة عالية هذا هو الشيخ نفسه درجة عالية، هذا الملياردير له درجة عالية ليس هو، ليس شخصه بس عنده في الجنة هكذا في ناس ملوك (يا علي إنك ملك الجنة وذو قرنيها) (أولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقيين والشهداء والصالحين) وبالتالي هذا هو درجته عالية وفي ناس درجته ليست درجة عالية لكن هو عنده أملاك عالية انظر إلى ما يقوله صلى الله عليه وسلم (يأتي زمان على الناس يكون أجر العامل منهم أجر خمسين قالوا: خمسين منهم يا رسول الله؟ قال: لا خمسين منكم قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: لأنكم تجدون على الحق أعوان وهم لا يجدون) يعني واحد من عندنا نحن الآن يمكن عنده ممتلكات في الجنة أكثر من أبو بكر لكن منزلتك ليست مثل أبو بكر فالشيخ شيخ مهما كنت مليارديراً وهو فقير الشيخ شيخ فأبو بكر هو درجة عالية الطبقة الحاكمة في الجنة أنت لا من الشعب لكن ملياردير وقس هذا الفرق بين (لَّهُمْ دَرَجَاتٌ) و (هُمْ دَرَجَاتٌ) هم درجات هو عالي هو من ملوك الجنة يا ابنتي الجنة فيها دول بالملايين ملوك الجنة يعني لو تعرفين قال (ولا خطر على قلب بشر) (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) الإنسان) رب العالمين يقول عنه ملك كبير وفي ملك خالد ما يفنى. وحينئذٍ ملوك الجنة هم درجات عالية. الشعب هناك ناس لهم هو في الجنة الرابعة السابعة العاشرة المائة مائة درجة مائة كوكب الجنة مائة كوكب كل كوكب بقدر هذه الأرض ترليونات المرات ومضاعفات. إذاً هذا الفرق بين هم درجات ولهم درجات .
آية (2):
* ورتل القرآن ترتيلاً :
(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ (2)) لاحظ كيف تقدّم ذِكْرُ المؤنث على المذكر في هذه الآية إذ ذكر البيان القرآني الزانية قبل الزاني على خلاف كثير من التشريعات الإلهية في القرآن الكريم. وذلك لأن المرأة هي الباعث على زنى الرجل بما تقوم به من إغراء ومقدّمات من شأنها إيقاع الرجل في شباك الخطيئة. أما لو منعت المرأة نفسها وصانت فرجها لما وجد الرجل إليها سبيلا.
(وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)) تأمل كيف فرض رب العزة شهود جماعة من المسلمين لعذاب من يُقام عليهما حدُّ الزنا وذلك لتحقيق إقامة الحدّ والحذر من التساهل فيه. وحتى لا يكون ذلك مدعاة لاستخفاف المسلمين به.
وأما الغرض الأسمى من حضور جماعة من المؤمنين فهو أن يتّعِظ الحاضرون ويرتدعوا عن إتيان ما يوجِب الحدّ.
* اختلفت صيغة الفعل قصّ في سورة النساء (قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ) باستخدام (قد) عن سورة غافر (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ) بدون (قد):
(قد) هنا للتقريب، (قد) إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد إما التقريب وإما التقرير وإما التحقيق. هنا تقريب معناها إن الفعل قد حدث قريباً من الحال، عندما أقول قد جاء أخي يعني مجيئه كان قريباً من وقت كلامي، قد ذاكرت أقصد أني ذاكرت منذ زمن قليل. (قَدْ قَصَصْنَاهُمْ) تناسب أن الله ذكرهم في الآية السابقة أو في سور قريبة.
* (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) لو قرأنا لفهمنا أن الله تعالى قد وقع منه الكلام لموسى فلِمَ جاء المصدر تكليماً؟ لأن المعنى يحتمل التكليم المباشر أو الوحي، فلما أتى المصدر أكّد تكليم الله تعالى لموسى بحيث لا يحتمل أنه أرسل إليه جبريل بالكلام.
في سورة البقرة في حوار الله تبارك وتعالى مع الملائكة قال (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)) وفي سورة النور (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)) لم يذكر كنتم فما دلالة هذا الاختلاف؟
قيل بالنسبة للملائكة هم كانوا يقولون لن يخلق الله خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم منا، لا أكرم ولا أعلم، هذا ما يكتمونه في أنفسهم فقال (وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ).
* ولهذا كان الإختبار (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) البقرة)؟
في الإكرام أسجدهم له وفي العلم اختبرهم بالعلم. عندما قالوا لن يخلق الله خلقاً أكرم منا أسجدهم له وعندما قالوا ولا أعلم منا اختبرهم بالعلم.
الآية (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29) النور) في دخول البيوت غير المسكون، الآن ماذا يُظهرون عندما يدخلون في البيوت غير المسكونة التي فيها متاع لكم؟ ما يبدون وما يكتمون الآن عند الدخول ليس المهم فيما مضى، الآن ماذا يكتمون هم؟ هذا المهم الآن عند الدخول، هل يدخلون لفساد أو إطلاع أو تجسس أو لماذا يدخلون؟ ماذا يكتمون الآن؟ هذا هو المهم.
* في الآية إستدراك وإعلاء لمنزلة ومقام النبي (ص) فالله تعالى يخاطبه لئن لم يشهد أهل الكتاب على صدق نبوتك فالله قد شهَد بذلك وشهادة الله تعالى خير من شهادتهم ومن أعظم من الله شاهدا؟
* ما دلالة كنتم في الآية (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) البقرة)؟
الآية موضع السؤال (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)) جاءت بعد الآية (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30)) ولم لم يقل في غير القرآن: يعلم ما تبدون وما تكتمون؟
هذا الذي جرى في الملأ الأعلى يليق بذلك الموضع لا ندري على وجه التحديد ما المراد بتلك العبارات التي قيلت وما المراد بهذه الأسماء التي سُئل عنها لأن الإشارة كانت بصيغة العقلاء فما الذي عُرِض أمام اللملائكة؟ ما الذي سئل عنه الملائكة؟ ما عندنا خبر صحيح عنه، هو وقع، هناك إختبار كان للملائكة وفي الوقت نفسه كان إختباراً لآدم. لما طلب من الملائكة (فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)) أعلنوا عجزهم وقالوا (قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)) ما عندنا علم إلا الذي علمتنا إياه، عند ذلك قال تعالى (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ) هذا الإنباء الذي بُنيَ على التعليم (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) التعليم هنا قد يراد به التلقين أن آدم لُقِّن، حُفِّظ وهو لديه في دماغه خلايا متخصصة للغة فاستقبلت هذا الذي حٌفِّظ إياه وإستطاع أن يسترجعها عندما احتاج إليها،. فبدأ آدم يتكلم ويخبر بهذه بالأسماء، إذن آدم نجح في الإختبار الذي لم ينجح فيه الملائكة لأن الملائكة غير مهيئين للخلافة في الأرض، وأهم ركيزة من ركائز الخلافة في الأرض اللغة. الملائكة عندما قالوا (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) هذا القول كان فيه شيء من الإحساس أنهم هم أفضل من هذا المخلوق، هذا في داخلهم لم يصرحوا به
في داخلهم كأنما أحسوا أنهم أميز من هذا المخلوق ولما أُمروا بالسجود سجدوا طاعة لله. لكن لما يكون هو غير مفسد مسبح لله عز وجل وهذا المخلوق سيكون من ذريته من يفسد قد يكون داخل في نفس بعضهم أنه نحن أميز منه وأفضل منه وهذا الذي أشير إليه في (وما كنتم تكتمون) في نفوسكم شيء مكتوم في صدوركم لم تصرحوا به وما كانوا يعتقدون أنهم كتموه عن رب العزة. لما ننظر في الآية نجد حذفاً.
لما قال الله عز وجل (ألم أقل لكم إني أعلم) لأن الكلام على شمول علم الله سبحانه وتعالى العلم الشامل لكل الجزئيات ولكل دقائق الأمور، ألا نقول الله سبحانه وتعالى (يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كان كيف كان يكون) هذه كلمة قديمة لعلمائنا لبيان عظيم علم الله سبحانه وتعالى وشموله وسعته، علم الله سبحانه وتعالى شامل. هنا الكلام على شمول العلم لذا قال علماؤنا فيه حذف. لما يقول (أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ) الذي يعلم الغيب يعلم الشهادة من باب أولى إذن هناك حذف (أعلم غيب السموات والأرض وأعلم شهادتهما)، وأعلم ما تبدون الآن وفي المستقبل ويقابل ما تبدون وما تكتمون الآن وفي المستقبل. هي ثلاث صور: أعلم غيب السموات والأرض والحذف (وأعلم شهادتهما)، والثانية أعلم ما تبدون الآن وفي المستقبل وما تكتمون الآن وما تكتمون في المستقبل، والثالثة وما كنتم تكتمون وما كنتم تبدون في الماضي.
ما تبدون الآن وفي المستقبل وما تكتمون الآن وفي المستقبل أعلمه وما كنتم تكتمون في الماضي وما كنتم تبدون أعلمه، غيب السموات والأرض وشهادتهما أعلمه، فإذن هو علم محيط لكن حذف من كل جملة فِعلاً: أعلم غيب السموات والأرض وأعلم شهادتهما هذه مفهومة من السياق، وأعلم ما تبدون وأعلم ما تخفون أو تكتمون الآن وفي المستقبل، وأعلم ما كنتم تكتمون وما كنتم تبدون كله في علم الله سبحانه وتعالى. إذن (كنتم تكتمون) حتى تأخذ الحيز الثالث من الكتمان وما يبدو ولذلك جاءت (كنتم) لأن تبدون في الحاضر وما كنتم تكتمون في الماضي، فالحاضر يكون للآن وللمستقبل في صيغة الإبداء ومعه الكتمان المحذوف يعني (ما تبدون وما تكتمون)، والكتمان جعله للماضي (وما كنتم تكتمون) ومعه (وما كنتم تبدون) فإجتمع ما تبدون الآن وفي المستقبل وما تكتمون الآن وفي المستقبل وما كنتم تكتمون في الماضي وما كنتم تبدون في الماضي وقبل ذلك غيب السموات والأرض وشهادة السموات والأرض.
فإذن مجيء (كنتم) أشارت وأشعرت بهذا الحذف الموجود في المكانين حتى تستكمل صورة معرفة علم الله سبحانه وتعالى. نعلم كيف هو علم الله سبحانه وتعالى: يعلم غيب السموات والأرض ويعلم شهادتهما، ويعلم ما تبدي الملائكة الآن وفي المستقبل وما تكتم الآن وفي المستقبل، من أين علمنا تكتم؟ من ما كنتم تكتمون، وما كنتم تكتمون في الماضي وما كنتم تبدون، من أين علمنا ما كنتم تبدون؟ من وما تبدون الآن، كل واحدة صار فيها هذا الحذف. فإذن مجيء (كنتم) هو الذي أرشد إلى هذا الفهم العام الشامل الذي فهمه علماؤنا وهم يعتقدون أن العربي فهمه أيضاً. هذا التفصيل مراد لأنهم أبدوا شيئاً وكتموا شيئاً. الكلام على غيب السموات والأرض كلام عام لكن الملائكة بخصوصيتهم أبدوا شيئاً (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء) هذا أبدوه وبعضهم – كما قال علماؤنا - كتم شيئاً في نفسه ما صرّح به أن هذا المخلوق الذي سيفسد نحن أكرم منه، نحن لا نفسد الآيات لم تفصح لكن ما معنى (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) في مقابل (أتجعل فيها من يفسد فيها)؟ الملائكة لا ينكرون ولا يعترضون لأنه معلوم من صفتهم عدم الإعتراض فهو شيء حاك في نفوسهم وأظهره بعضهم في العبارة فلا بد من الجمع بين الآيات والفهم في ضوء نسق الآيات ونحن لا نتألّى على الله وعلى العبارة القرآنية لكن هذا الذي يُفهم، الملائكة قالوا كلاماً، هذا الكلام لا يمكن أن يدخل في إطار الإعتراض على موقف أو حكم الله سبحانه وتعالى لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ليست لديهم القدرة على المحاجة والمناقشة هذه قدرة الإنسان خلقه الله تعالى على هذا أما هم لا يناقشون ولا يحاجون فلما ننظر في العبارة نفهم ما ذكره علماؤنا.
*قال تعالى في سورة آل عمران (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (124) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)) وفي الأنفال قال (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)) فما هو العدد النهائي للملائكة في معركة بدر؟(د.فاضل السامرائى)
نقرأ الآيات حتى يتضح الأمر قال (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)) مردفين يعني متبعين يعني ألف يتبعهم ألفاً، ألف يتبعهم ألف يعني صاروا ألفين، ألف من الملائكة مردفين يعني ألف يتبعهم ألف، مردفين من ردف يعني تبعه وليس معناها الركوب وإنما جاء بعده، خلفه، إذن صاروا ألفين. (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (124)) ألفان وثلاثة آلآف صاروا خمسة آلآف فقال (بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) آل عمران) ألف مردفين يعني ألفين وثلاثة آلآف صاروا خمسة آلآف.
* وصف الله تعالى الضلال بالبعيد ولم يصفه بالكبير: فإن المرء يسير في طريق الضلال ليقطع أشواطاً في هذا الطريق وكلما سار في ركابه غاص في أعماقه وابتعد ، وفي هذا بيان عن شدة ضلالهم بحيث لا يُدرَك.
* (وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ) هذا الاستثناء فيه تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه والكلام هنا مسوقٌ للإنذار وفيه تهكّم فالاقحام لهم في طريق جهنم ليس بهديٍ لأن الهدى هو إرشاد الضالّ إلى المكان المحبوب وأنّى لطريق جهنم أن يكون محبوباً!