عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿١٢٨﴾    [النساء   آية:١٢٨]
* (تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ) في الأولى و (تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ) في الثانية: ننظر إلى الموقفين: الآية الأولى تتحدث عن امرأة تخاف من زوجها نشوزاً أن يتعالى عليها أو أن يعرض عنها فالأمر ما زال خوفاً فتتنازل هذه المرأة عن شيء من ممتلكاتها أو نصيبها أو حقوقها إما بالخلع أو بطلب الطلاق وقد يغضبه هذا وبالتالي قد يظلمها أو يتشدد معها فدعا الله إلى الإحسان (وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ) وعلى المرأة هنا أن لا تكون شحيحة وعليها أن تتنازل بدلاً من الطلاق وإنهاء الأُسرة فالله دعا هنا إلى الإحسان والوفاق والصلح. الاية الثانية تتحدث عن موقف خلاف وظلم، فالزوج عنده أكثر من زوجة ولكن قلبه يميل إلى واحدة وقد يجعل الثانية كالمعلّقة لا هي زوجة ولا هي مطلّقة فهنا ظُلم فأمر الله تعالى بالإصلاح ورفع الظلم فناسب قوله (وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ). اختلاف نهايات الآيتين: في الآية الأولى بيّن الله سبحانه وتعالى للرجل والمرأة بأنه خبير بأفعالهم وعليم بأقوالهم وحججهم إن كانت هي تريد التنازل بالحق وإن كان هو يريد أن يستنزف أموالها أو أن يعرض عنها فالله يحذِّر الطرفين حتى يحرص كل منهما على الإحسان والتقوى. في الآية الثانية فالله يعلم أن الرجل قد يستطيع أن يعدل في قسمته من الناحية المادية في المبيت والنفقة (فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ) في الجانب المادي الذي تستطيعون أن تتحكموا فيه وليس الجانب المعنوي وهو القلب فقد يميل والله لا يحاسب على الميل القلبي لأن الإنسان لا يتحكم فيه. آية (١٣٠) : (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) * مع أن السورة تهتم بالنساء نلاحظ أنها لم تتحدث عن الطلاق ولما أشارت إلى الطلاق لم تقل الطلاق باللفظ وإنما قالت (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ) هذه هي الإشارة الوحيدة للطلاق. * الآية فيها إشارة إلى إغناء الله تعالى كُلاً عن صاحبه فناسب أن تبدأ الآية التالية بإظهار ملكوت الله سبحانه وتعالى (وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ (١٣١)) فمن له ما في السموات وما في الأرض قادر على أن يغني كل أحد من سعته وهذا كناية عن عظيم سلطانه واستحقاقه للتقوى.
  • ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾    [البقرة   آية:٣٠]
*(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) البقرة): هل من فارق بين نقدس لك ونقدسك؟ الفعل يقدس فعل متعدي يأخذ مفعولاً به دون حرف الجر اللام فنقول نقدس الله لكن الآية أدخلت اللام على الكاف فما فائدة هذه اللام؟ فائدتها للتخصيص أي التقديس لك لا لغيرك. فالملائكة لا تعصي الله ما أمرها فهي لا تقدس إلا لله بخلاف البشر الذين قد يقدسون الله ومع تقديسهم لله قد يقدسون غيره.
  • ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿١٣٢﴾    [النساء   آية:١٣٢]
* تقديم شبه الجملة (لله) مع أن المبتدأ معرفة (ما) إسم موصول، لله ما في السموات والأرض أي له وحده قصراً وحصراً، أسلوب قصر أفاد الحصر والتخصيص والتوكيد فلا شيء في هذا إلا لله، * قال تعالى (وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) مرتين في سورة النساء فقد ختمت الآية (١٧١) بنفس الختام: في الآية (١٣٢) قال قبلها (وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) هذه الفاء ليست الفاء الواقعة في جواب الشرط وإنما هي تعليلية وجواب الشرط محذوف تقديره وإن تكفروا فإن الله لا ينقصه كفركم وكفركم لا يضره فهو سبحانه يملك السموات والأرض ويملك ما بينهما، من كفر فإن كفره لا يضر الله ومن آمن فإن إيمانه لن يزيد الله شيئاً، لأنهم استغنوا عن الله بالكفر فإن الله غني عنهم، ثم قال (وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) للتأكيد على نفس المعنى السابق، فما دام هو يمتلك ما في السموات والأرض فبالتأكيد هو وكيل حافظ لهذا المُلك. في الآية (١٧١) عندما جاء الكلام عن النصارى الذين ادعوا أن المسيح هو الله أو ابن الله فبين لهم الله في نهاية سورة النساء (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ) يبين لهم أن المسيح ليس إلا رسول إنسان ثم يبين لهم أنه سبحانه لا يتخذ ولداً (إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ). وختمت الآية (وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) فالله ليس في حاجة إلى ولد ليدبر معه الكون فمن احتاج الولد فهو عاجز يريد ولداً يمد حياته ويسانده، فالله يبين لهم أنه ليس في حاجة إلى الولد وأنه يملك السموات والأرض ملكاً تاماً ولا ينازعه أحد في ملكه.
  • ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾    [البقرة   آية:٣٠]
*من أين علمت الملائكة أنه سيكون هناك إفساد في الأرض (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)؟ أولاً كلمة خليفة فيها كلام من علماؤنا : القول الأول وعليه أغلب المفسرون أنه خليفة الله عز وجل في الأرض أي أن الله سبحانه وتعالى أوكل إليه أن يعمر الأرض، هو يتولى إعمارها أن يبني هذه البيوت وهذه العمارات أن يشق الأنهار هذه أفعال لا يفعلها من مخلوقات الله شيء لا الجن يفعلها ولا الطيور ولا الدواب ولا الملائكة إلا إذا كلفهم الله عز وجل أن يفعلوا شيء فيفعلونه فهذا المخلوق، هذا الإنسان زود بوسائل بحيث يستطيع أن يقوم بالأعمال التي هيأه الله عز وجل لها فيكون خليفة الله عز وجل في أرضه فيعمر الأرض وليس هناك من مخلوقات الله سبحانه وتعالى من يصنع والتصنيع في اللغة هو الخلق. فهذه الأرض موجود فيها الأشياء وليس هناك في خلق الله سبحانه وتعالى من يجمع هذه الأشياء ويجعل منها حاسوب إلا هذا الإنسان فهو مُصنِّع في الأرض وهذه لا تكون بكلمة كُن فيكون الإلهية.وهو ما يميل إليه الدكتور فاضل السامرائى أيضاً. القول الثاني يقول ممكن أن يكون هناك خلق قبلنا فهذا المخلوق الجديد آدم هو خلفٌ لذلك الخلق الذي قبلنا. القول الثالث أنه خليفة أي يخلف بعضهم بعضاً فيتوالد ويتكاثر. هذه الآراء جميعاً هي لكبار علمائنا لا نجادل فيها لأنه أمر غيبي انتهى خلق الإنسان. والإنسان الآن يعمل والجدل فيه لا يثمر. قول آخر قسم من العلماء يقولون المراد الأنبياء وبقية البشر تبعٌ لهم لأن الأنبياء يبلّغون شرع الله ويبلّغون رسالاته فهم بهذا المعنى خلفاء، أنهم ينقلون شرع الله عز وجل، هذا المعنى وهذا المعنى تحتمله اللغة ولا مساس فيه بالإعتقاد خليفة يخلف بعضهم بعضاً هذا الكلام وارد في الغة لكن سياق الآية لا يُسعف في هذا لأن سياق الآية الكلام عن آدم قال إني جاعل في الأرض خليفة فتساءل الملائكة ما هذا الخليفة ولم يعترضوا على الله سبحانه وتعالى؟ ما شأنه؟ للإستفسار فقط والكشف يريدون كشفاً. من أين علمت الملائكة أن هذا المخلوق الجديد سوف يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ لعلمائنا أكثر من قول في علم الملائكة لطبيعة هذا المخلوق وكلها محترمة. وأولها: وهو الذي يميل إليه عدد من العلماء وأكاد أجد اطمئناناً إليه ولا أنفي الباقي وهو أن الحوار في القرآن مختصر كأن الله عز وجل حين قال (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) كأن الملائكة سألت ما شأن هذا الخليفة؟ ما الخليفة هذا؟ لأن كيف يقولون (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) وهم خالي الذهن؟ فكأنما سألوا ما هذا الخليفة؟ ما شأنه؟ فقال الله عز وجل أن هذا مخلوق له ذرية، من هذه الذرية من سيسبحني ويعبدني ويقدسني ومنهم من سوف يفسد، يسفك الدماء، ومن هنا نفهم لماذا ذكروا تسبيحهم (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) فإذا كان هناك من سيسبح ويقدس من هذه الذرية نحن نسبح ونقدس، والقسم الآخر مفسد يسفك الدماء فما الداعي لإيجاده؟ إذا كان هم صنفان: من يفسد فيها ويسفك الدماء، ومن يقدس لك ويسبح، نحن - أي الملائكة - نقدس ونسبح فألغي هذا الثاني. مجرد سؤال أو مقترح فنلاحظ سؤال المؤدب سؤال الملك (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) فهذا الصنف سيفسدون والصنف الآخر المسبحين نحن نعوض (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) هذا الرأي الأول وقد مال إليه عدد من كبار علمائنا من المفسرين. الرأي الثاني يقول لعله لديهم تجربة سابقة من خلق إنسان سابق أو مخلوق سابق أفسد وسفك دماءً فقالوا هذا سيفعل كما فعل الذي قبله، وخلق إنسان سابق فيه نظر وليس لدينا دليل وقد يكون، لكن الذي حقيقة يطمئن إليه القلب هو أنه هذا الحوار الذي حدث حتى بعض العلماء يسأل ويقول ما الداعي إلى أن الله سبحانه وتعالى يحاورهم؟ ويجيب أن الله سبحانه وتعالى يذكر لنا ذلك في القرآن حتى يعلمنا المشورة والمشاورة فلا ينفرد الحاكم برأيه. فرب العزة يشاور الملائكة ويحدثهم ويذكر لنا هذا الأمر أنه عرض على الملائكة وقال لهم سيكون كذا فقالوا له: يا رب ما شأنه؟ قال: هذا شأنه منه من يسفك الدماء ويفسد ومنه من سيسبحني ويقدسني. وهذا واقع الحال فالبشر الآن منهم من يفسد فيها ويسفك الدماء ومنهم من يسبح الله عز وجل ويعبده. لما الباري عز وجل عرض على الملائكة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) لأنهم مشتغلون في الأرض، مهمتهم في الأرض فعرض عليهم، لا يعقل أنه عرض على كل ملائكة السماء والكون وإنما على فئة لها شغل بهذا المخلوق الجديد وبمكانه فإبليس كان من ضمن هؤلاء ليس ملكاً لكن من ضمن الذين لهم شغل لذلك كُلّف مباشرة (ما منعك أن تسجد إذ أمرتك) أُمِر مباشرة بالسجود.
  • ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴿١٣٣﴾    [النساء   آية:١٣٣]
* تكرر هذا المعنى في أكثر من آية في القرآن: في النساء (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ (١٣٣)) هذه الآية جاءت بعد الآيات التي ذكرت ملكية الله سبحانه وتعالى للسموات والأرض وأنه الغني وأنه الوكيل، فبيّن الله للناس غناه عنهم ومقدرته على أن يستبدل غيرهم وأنه سبحانه لا يعجزه شيء. في الأنعام (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)) هذا أسلوب قصر الله وحده الغني ولا غني غيره، فلو قيل فلان غني لا يستلزم نفي غنى غيره، فالله غني وذو رحمة فهو لا يريد أن يعذبهم أو ينتقم منهم بدون ذنب أو خطأ ارتكبوه، ونلاحظ أن (ما) إسم موصول يشمل العاقل وغير العاقل والآية لم تذكر يستخلف بعدكم آخرين أو خلقاً جديداً، تركيب (ما يشاء) هنا يدل على أنه من غناه ينفق ما يشاء ويأتي بما يشاء والغني عن عباده يخلق ويميت ما يشاء، فكلمة (ما يشاء) هنا جاءت مناسبة تماماً لصدر الآية (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ). في إبراهيم وفاطر (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) ليس صعباً، هذا الخلق قد يكونوا بشراً وقد يكونوا بصفة أخرى يختارها الله سبحانه فالله الذي خلقهم على هذه الهيئة قادر على أن يأتي بخلق لهم هيئات أخرى.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿١٣٥﴾    [النساء   آية:١٣٥]
* جاءت كلمة قوامين صيغة مبالغة تدل على الكثرة ولم يقل كونوا قائمين بالقسط ليحضّنا على عدم الإخلال بهذا القيام بالعدل في حال من الأحوال. * في النساء (قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ) وفي المائدة (قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ) : في سورة النساء نلاحظ أن سياق الآيات كلها في الأمر بالعدل والقسط وإيتاء كل ذي حق حقه (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) ... فلذلك اقتضى السياق تقديم قوّامين بالقسط. في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(٨)) فسياق الآيات في حقوق الله تعالى وفي الولاء والبراء، وقبلها (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ) فالكلام في القيام بأمر الله تعالى وفي حقوق الله فاقتضى تقديم قوّامين لله. * خصوصية استعمال القرآن لكلمتي العدل والقسط : العدل معناه المساواة في الأحكام، الحُكم بالحق فالقاضي يعدل في حكمه ويفصل بين الخصوم والعدل مجرد الحكم لكن الحُكم لا يُنفَّذ. القسط هو الحظ والنصيب والقرآن لم يستعمله إلا مع الموازين (وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ) (أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ). والقسط يعني أن ترفع الظلم عن الخصم المظلوم أولاً ثم تحكم له بالحق ثم تنفذ الحق، فالقسط هو التنفيذ فالقسط أعظم من العدل ولهذا رب العالمين قال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) ما قال إن الله يحب العادلين ولا مرة، فقد تعدل ولكن صاحب الحق لا ينال حقه، فالمقسط الذي يحكم وينفذ ولهذا ما امتدح الله نفسه بالعدل وإنما امتدح نفسه بالقسط (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ) قال أنا قائم بالقسط أحكم بالحكم وأنفذه هذا هو القسط، فالقسط الميزان الدقيق الذي يعطي الحق لصاحبه (وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ) والقسطاس هو ميزان العدل أي الميزان الذي لا يخطيء بحيث يعطي الحق لصاحبه كامل أصل كلمة قسطاس عدل وسمي الميزان قسطاس لأنه عدل. في سورة النساء الخطاب لكل العملية القضائية من قضاة وشهود (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) إرفع الظلم أولاً واحكم بالعدل ثانياً ونفذ ثالثاً. فلا يكفي أن تكون قاضياً وتحكم بالحكم بدون تنفيذ هذا مجرد عدل، فالقاضي عدل ولكنه لم يقسط.
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴿١٣٦﴾    [النساء   آية:١٣٦]
* (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ)؟ بماذا آمن هؤلاء إذا كان الله يامرهم أن يؤمنوا؟ العلماء لهم هنا ثلاثة أقوال: 1. أن الكلام قبله كان مع أهل الكتاب فالمقصود هنا: يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن. 2. رأي آخر يقول: الخطاب مع المؤمنين، أي اثبتوا على الإيمان وافعلوا مقتضيات هذا الإيمان. 3. وهناك قول ثالث أنه يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم آمنوا بقلوبكم فالخطاب مع المنافقين ولم يقل لهم يا أيها الذين نافقوا أبداً لأنه لم يرد أن يبعدهم من قبيل لا تعن الشيطان على أخيك، فخاطبهم يا أيها الذين آمنوا. * لم تقل الآية "والكتب التي أنزل من قبل" وإنما استخدمت (وَالْكِتَابِ) بالمفرد إشارة إلى أن كل هذه الكتب كتاب واحد، وحدة المصدر ووحدة الرسالة. * جاء خصّ الله تعالى وصف القرآن بصيغة (نزّل) بينما جاء وصف الكتاب المنزّل من قبل خالياً من التضعيف (أنزل) : كلمة (نزّل) على وزن فعّلأ والفعل الثلاثي الذي على وزن فعّل مضعّف يدل على التكثير، نقول قتّل، بدّل، حرّف دليل على فعل الشيء بكثرة، عندما يضعّف الثلاثي "زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى"، فكلمة (نزّل) تدل على التدرج كثرة التنزيل، وهذه الصيغة توافق ما حدث في نزول القرآن منجماً مفرقاً، أما الإشارة إلى الكتب التي أنزلها الله تعالى على الأنبياء السابقين جاءت بصيغة (أنزل) أي نزل جملة واحدة كالتوراة.
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ﴿١٣٧﴾    [النساء   آية:١٣٧]
* الآية (لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) ليس فيها فاء بخلاف (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) محمد) : فالفاء قد تأتي مع الأشد توكيداً، ففي الأولى هم أحياء قد يتوبون أما في سورة محمد (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)) لأنهم لا تُرجى لهم توبة، لما لم يذكر الموت لم يأت بالفاء ولما ذكر الموت جاء بالفاء.
  • ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٣٨﴾    [النساء   آية:١٣٨]
* المعروف أن التبشير بالشيء الحسن أما هنا فجاء التبشير من باب السخرية والتهكم منهم. * ذكر الله تعالى الباء في (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) وحذفها في قوله (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ .. (٢٥)البقرة) لأن تبشير المنافقين آكد من تبشير المؤمنين، ففي السورة الأولى أكّد وفصّل في عذاب المنافقين في عشرة آيات من قوله (ومن يكفر بالله وملائكته)، أما في الآية الثانية فهي الآية الوحيدة التي ذكر فيها كلاماً عن الجزاء وصفات المؤمنين في كل سورة البقرة. * انظر إلى هذا الأسلوب الأدبي الذي سلك مع المنافقين مسلك المشاكلة فالمنافق الذي يتظاهر بالإيمان ويُبطن الكفر يتهكم بالاسلام وأهله ولذلك جاء ربنا في جزاء عملهم بوعيد مناسب لتهكمهم بالمسلمين فبدأ هذا الجزاء بفعل بلغ في التهكم والسخرية منهم مبلغاً عظيماً فقال (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ) وبماذا ستكون البشارة؟! بخبر يُفرِح؟! لا، بشّرهم بأن لهم عذاباً أليماً.
  • ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴿١٣٩﴾    [النساء   آية:١٣٩]
* هنا قصرالعزة لله تعالى (فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) بينما في آية أخرى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (٨) المنافقون) فالآية هنا تتحدث عن ذمّ قوم يلجأون إلى عباد أمثالهم ويبتغون العزّة عندهم فتقول لهم (أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ) استفهام إنكاري، فناسبها (فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) أفردت العزة لله ولم يُذكر هنا المؤمنون ولم يُذكر الرسول وجاءت (جميعاً) لتبيّن أن العزة كلها لله ولو كانت هناك عزة للمؤمنين وللرسول لكانت ممنوحة من الله عز وجل. * قُدِّمت العزة في آية النساء (فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا) لأن الكلام على العزّة فهم يبحثون عنها وهي موضوع النقاش ومحل الاهتمام، بينما في آية أخرى (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا (١٠) فاطر) قدّم لفظ الجلالة وأُخر لفظ العزة
إظهار النتائج من 3371 إلى 3380 من إجمالي 12325 نتيجة.