عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿٣٩﴾    [آل عمران   آية:٣٩]
آية (٣٩) : (فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ) * (فَنَادَتْهُ) بدأت الآية بالفاء العاطِفة إيذاناً بسرعة الإجابة لدعاء زكريا، ثم عبّر عن البشرى بالنداء وكأنه نداء من بعيد تعبيراً عن فرح الملائكة العظيم باستجابة الله تعالى لدعاء زكريا. * (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ) جبريل عليه السلام الذي ناداه ولكن جاء هذا القول الحق لنفطن إلى أن الصوت له جهة يأتي منها، أما الصوت القادم من الملأ الأعلى فلا يعرف الإنسان من أين يأتيه، إن الإنسان يسمعه وكأنه يأتي من كل الجهات، وكأن هناك ملكا في كل مكان. * التذكير أوالتأنيث مع الملائكة في القرآن الكريم: في سورة آل عمران جاءت الملائكة بالتأنيث وفي سورة ص (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣)) بالتذكير. الحكم النحوي: يجوز تأنيث الفعل أو تذكيره إذا كان الجمع جمع تكسير كما في قوله تعالى (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا) و(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ). اللمسة البيانية: في الآيات خطوط تعبيرية هي التي تحدد تأنيث وتذكير الفعل مع الملائكة في القرآن الكريم كله وهي: ١- كل فعل أمر يصدر إلى الملائكة يكون بالتذكير (اسجدوا، أَنبِئُونِي، فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). ٢- كل فعل يقع بعد ذكر الملائكة يأتي بالتذكير (وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم) (وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ) (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ). ٣- كل وصف إسمي للملائكة يأتي بالتذكير (الْمُقَرَّبُونَ) (بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ) (مُسَوِّمِينَ) (مُرْدِفِينَ) (مُنزَلِينَ) . ٤- كل فعل عبادة يأتي بالتذكير (فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ) (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ) لأن المذكر في العبادة أكمل من الأنثى. ٥- كل أمر فيه شِدّة وقوة يأتي بالتذكير (إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ) بالتذكير لأن العذاب شديد، أما في قوله (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) بالتأنيث. ٦. كل بشارة في القرآن الكريم تأتي بصيغة التأنيث كما في قوله تعالى (فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ) و(إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ). * الفرق التعبيري والبياني بين قصة زكريا عليه السلام في سورتي مريم وآل عمران (٣٨ - ٤١) : إذا استعرضنا الآيات في كلتا السورتين: سورة آل عمران (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (٤١)). سورة مريم (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً (٦) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً (١١)) سياق القصة سورة آل عمران البشارة بيحيى أكبر وأعظم مما جاء في سورة مريم (أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ) فكان التفصيل بالصفات الكاملة في آل عمران ليحيى أكثر وهذه البشارة لها أثرها بكل ما يتعلق بباقي النقاط في الآيتين. سورة مريم (يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً (٧)). ذكر وضعية زكريا وقت البشارة سورة آل عمران البشارة جاءت لزكريا وهو قائم يصلي في المحراب فذكر الوضعية التي تناسب عِظم البشارة. سورة مريم وردت أنه خرج من المحراب (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ). الكبر بلغ زكريا أو زكريا بلغه سورة آل عمران ذكر أن الكِبر بلغه (بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) فكأن الكبر هو الفاعل يسير وراءه حثيثاً حتى بلغه، ولم يأتِ هو إليه. سورة مريم (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً) كأنه هو الذي بلغ الكِبر. تقديم أو تأخير مانع الذرية من جهة زكريا على جهة زوجته سورة آل عمران - زكريا عليه السلام قدّم مانع الذرية من جهته على جهة زوجته (قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) وهذا ناسب أمره هو بالذكر والتسبيح. - العقر إما أن يكون في حال الشباب أو أنه انقطع حملها عند الكبر، أما العقيم في اللغة هي التي لا تلد مطلقاً. في آل عمران قال (وَامْرَأَتِي عَاقِر) من حيث اللغة يحتمل أنه لم تكن عاقراً قبل ذلك. سورة مريم - أما في مريم فقدّم مانع الذرية من زوجته على الموانع فيه (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً (٨)) وهذا ناسب الأمر لغيره بالتسبيح. - (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً) تفيد أنها كانت عاقراً منذ شبابها فقدّم ما هو أغرب. ثلاثة أيام وثلاث ليال سورة آل عمران عِظم البشارة يقتضي عظم الشكر لذا قال (آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً) فاليوم أبين من الليل بالإظهار والذكر في الليل أقل منه في النهار والآية أظهر وأبين في النهار من الليل. سورة مريم (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً)، واليوم هو من طلوع الشمس إلى غروبها، أما الليل هو من غروب الشمس إلى بزوغ الفجر، ولا يستطيع زكريا عليه السلام أن يكلّم الناس ثلاث أيام بلياليهن لكن جعل قسم منها في سورة آل عمران وقسم في سورة مريم. الجمع بين الذكر والتسبيح والفرق بين تسبيح زكريا وتسبيح قومه سورة آل عمران - طلب الله تعالى من زكريا أن يذكره كثيرا وطلب منه الجمع بين الذكر الكثير والتسبيح (وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار). - الذكر والتسبيح يقوم بهما زكريا نفسه وهو أدلّ على عِظم شكره لله تعالى من تسبيح قوم زكريا وهذا مناسب لعِظم البشارة. سورة مريم - أما في مريم فقال تعالى على لسان زكريا مخاطباً قومه (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) زكريا هو الذي طلب من قومه أن يسبحوا الله. تقديم العشي على الإبكار أو تأخيرها وتعريفها أو تنكيرها سورة آل عمران - لما ذكر (ثلاثة أيام) وجب تقديم العشي وهي من صلاة الظهر إلى المغرب (وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَار) ولو قال بالإبكار والعشي لذهب العشي بدون تسبيح فحتى لا يترك شيئاً من الوقت لا بد أن يقول هذا - ال تفيد العموم، وهي أدلّ على دوام عظم الشكر لتناسب عظم البشارة. ولم يقل صباحاً ومساء لأن الصباح والمساء يكون في يوم بعينه. سورة مريم - لمّا ذكر الليل (ثلاث ليال) قدّم بكرة على عشيا (ان سبحوا بكرة وعشيا) بعد الليل تأتي البكرة وهي من الفجر إلى طلوع الشمس، لو قدّم العشي معناه بكرة اليوم انتهت بدون تسبيح ، هو يريد النهار والليل كله يريده تسبيحاً متصلاً، عندما قدم الأيام يجب أن يبدأ بالعشي ولما ذكر الليل قدّم البكرة، لو قدم وأخر يضيع قسم من التسبيح، فقدّم ما هو أدلّ على الشكر في الآيتين.
  • وقفات سورة المؤمنون

    وقفات السورة: ٢٣٩٤ وقفات اسم السورة: ٣٨ وقفات الآيات: ٢٣٥٦
تناسب فواتح المؤمنون مع خواتيم الحج *  قال في خواتيم سورة الحج (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (۷۷)) هكذا خاطب الذين آمنوا وقال (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (۷٨)) وفي أول سورة المؤمنون (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (۱) الذين هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)) قد أفلح المؤمنون الذين فعلوا هذه وكأن المؤمنون قد استجابوا لهذه النداءات من الله سبحانه وتعالى.  قال في الحج (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا) فناداهم بالصيغة الفعلية الدالة على الحدوث، فاستجابوا واتصفوا بذلك على وجه الثبات، فوصفهم بالصيغة الاسمية الدالة على الثبوت في سورة المؤمنون (الْمُؤْمِنُونَ).  قال في الحج (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) وقال (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ)، فاتصفوا بما أمرهم به ربهم على وجه الثبات، فوصفهم بالصيغة الإسمية في المؤمنون (الذين هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ... وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ).  ذكر أول صفة للمؤمنين الخشوع في الصلاة (الذين هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) مرتبط بما ورد في ختام سورة الحج من ذكر الركوع والسجود، فذكر ركني الصلاة الظاهرين، وههنا استكملها بذكر الركن الباطن.  قال في الحج (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) بصيغة ترجي الفلاح ثم أخبر في المؤمنون أنهم أفلحوا فحصل ما توقعوه وتحقق عن قريب بعد أن قاموا بما أمرهم به ربهم فقال (قَدْ) الداخلة على الماضي، والتي تفيد التحقيق والتوقع والتقريب. فقد كان الفلاح متوقعًا مرجوًا لهم، فما أسرع ما نفذوا وما أسرع ما تحقق لهم الفلاح!
  • ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾    [المؤمنون   آية:١]
آية (۱) : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) * حذف ربنا متعلِّق الفلاح فلم يقل "قد أفلح المؤمنون في عبادتهم" أو في غيرها بل جعله مطلقًا ليشمل الفلاح كل ما رغبوا فيه، ولذلك أكّد الفلاح بـ (قَدْ) لينزل فلاحهم منزلة الأمر الواقع.
  • ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾    [المؤمنون   آية:٢]
آية (٢) : (الذين هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) * بدأ بصفة الخشوع: - تناسبًا مع ختام سورة الحج من ذكر ركني الصلاة الظاهرين الركوع والسجود، فاستكملها هنا بذكر الركن الباطن. - سياق السورة مشحون بجو الخشوع بشقيه سواء ما يتعلق بالقلب أوما يتعلق بالجوارح وبالدعوة إليه بكل أحواله: --- فقد كرر الدعوة إلى التقوى، وهي أمر قلبي ومن لوازم الخشوع وكذلك الخشية والإشفاق والوجل (أَفَلَا تَتَّقُونِ) (وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا أَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) . --- ذكر في السورة الكفار وذمهم بقوله (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ)، وهذه الغمرة تمنعها من الخشوع لله والإعراض عما سواه سبحانه، ولم يقل (هُمْ فِي غَمْرَةٍ) كما ورد في الذاريات لأن القلب موطن الخشوع، فإن كان القلب في غمرة، فكيف يخشع؟ --- قال في ذم الكفار (فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) فلم يخشعوا لأن الخاشع مستكين لربه متضرع متذلل إليه. --- قال في قوم فرعون (فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قومًا عَالِينَ) والاستكبار والعلو مناقضان للخشوع. - ورد في الآثار أن الخشوع أول ما يرفع من الناس، وآخر ما يرفع الصلاة، فبدأ بما يرفع أولًا، وختم بما يرفع آخرًا (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافْظُونَ) . * تقديم الجار والمجرور (فِي صَلَاتِهِمْ) على (خَاشِعُونَ) للعناية والاهتمام، فالصلاة أهم ركن في الإسلام، والصلاة بلا خشوع أكبر وأعظم عند الله من خشوع بلا صلاة، فإن المصلي وإن لم يكن خاشعًا أسقط فرضه وقام بركنه بخلاف من لم يصل. * (خَاشِعُونَ) بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات ولم يقل (يخشعون) : - للدلالة على أنه وصف دائم لهم في الصلاة غير عارض. - لما وصفهم بالإيمان على جهة الثبوت (الْمُؤْمِنُونَ) وصفهم بالخشوع في الصلاة على جهة الثبوت والدوام أيضًا ولو قال (يخشعون) لصح الوصف لهم بخشوعهم لحظة في القلب أو الجارحة، ولما اقتضى الدوام.
  • ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾    [المؤمنون   آية:٣]
آية (٣) : (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) * ذكر اللغو بعد الخشوع في الصلاة: - ألطف شيء وأبدعه، فاللغو هو السقط، وما لا يعتد به من كلام وغيره ولا يحصل منه فائدة ولا نفع، وهو جماع لما ينبغي تركه من قول وفعل، وإن الخاشع القلب الساكن الجوارح أبعد الناس عن اللغو والباطل إذ الذي أخلى قلبه لله وأسكن جوارحه، وتطامن وهدأ ابتعد بطبعه عن اللغو والسقط وما توجب المروءة اطّراحه، وجاء في (الكشاف) : "لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف" والحق أن الخشوع فيه من الفعل جمع الهمة وتذلل القلب وإلزامه التدبر والخشية، وفيه من الترك السكون وعدم الإلتفات وغض البصر وما إلى ذلك. - السورة شاع فيها جو الترك والإعراض وذم اللغو بأشكاله المختلفة والدعوة إلى الحق وذم اللغو في القول والعمل: --- قال (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا (٥١)) والعمل الصالح مناقض للغو وعمل الباطل. --- قال (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤))، والغمرة هي ما هم فيه من لغو وباطل. --- قال (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)) والمسارعة في الشيء ضد الإعراض عنه، و(الْخَيْرَاتِ) ضد اللغو والباطل. --- قال في وصف الكفار (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧))، والنكوص هو الإعراض، والهجر من اللغو، وهو القبيح من الكلام والفحش في المنطق. --- قال (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)) (بِهِ جِنَّةٌ) من اللغو، (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) من الإعراض النفسي. --- قال (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)) . --- قال فيهم (وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)) وتنكب الصراط إعراض عن الحق. --- قال فيهم (وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)) والطغيان هو الباطل وهو من اللغو. --- قال (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)) والعبث من اللغو واللهو، ووصف الله نفسه بالحق، والحق نقيض الباطل والباطل من اللغو. --- قال (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)) ، والحق نقيض الباطل، واللغو والكذب من اللغو في القول. * (عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) أبلغ من (لا يلغون) جعل الجملة اسمية دالة على الثبات والدوام، ذلك أن الذي لا يلغو، قد لا يعرض عن اللغو بل قد يستهويه، ويميل إليه بنفسه ويحضر مجالسه، أما الإعراض عنه أبلغ من عدم فعله، ذلك أنه أبعد في الترك، فإن المعرض عن اللغو علاوة على عدم فعله ينأى عن مشاهدته وحضوره وسماعه، وإذا سمعه أعرض عنه، فهم لم يكتفوا بعدم المشاركة فيه، بل هم ينأون عنه. * قدم الجار والمجرور (عَنِ اللَّغْوِ) للاهتمام والحصر، إذ المقام يقتضي أن يقدم المعرض عنه لا الإعراض فإن الإعراض قد يكون إعراضًا عن خير كما قال تعالى: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)) كما أنة فيه حصر لما يعرض عنه، إذ الإعراض لا ينبغي أن يكون عن الخير، بل الخير ينبغي أن يسارع فيه. * قال (مُعْرِضُونَ) وليس (يعرضون) لأن إعراضهم عن اللغو وصف ثابت فيهم وليس شيئًا طارئًا، وهو مع ذلك متناسب مع ما ذكر فيهم من الصفات الدالة على الثبوت.
  • ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾    [المؤمنون   آية:٤]
آية (٤) : (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) * تقديم الزكاة للاهتمام والعناية والقصر، أي: لا يفعلون إلا الخير، والزكاة منها. * الزكاة اسم مشترك بين عدة معان قد تكون مرادة جميعها من باب التوسع في المعنى: - فقد يطلق على المال الذي يخرجه المزكي. - وقد يطلق على المصدر بمعنى التزكية وهو الحدث أي إخراج القدر المفروض من الأموال إلى مستحقه. - وقد يكون بمعنى العمل الصالح وتطهير النفس من الشرك والدنس، كما قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا) . - وقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا. * (لِلزَّكَاةِ) اللام تحتمل التقوية، وتحتمل التعليل، وهذه المعاني كلها مرادة، فهو يريد الذين يؤدون الزكاة، ويفعلون العمل الصالح، وتطهير النفس ويفعلون من أجل ذلك. ولا تجتمع هذه المعاني في أي تعبير آخر. * عبّر عن تأدية الزكاة بالفعل فقال (فَاعِلُونَ) ولم يقل مؤدّون واختار الاسم (فَاعِلُونَ) دون الفعل فلم يقل "للزكاة يفعلون" فالتعبير بالاسم دون الفعل إيماء إلى أنك حريص على تأدية الزكاة ما دمتَ حيًّا، فدفع الزكاة هو دأبُك أبد الدهر بدون انفطاع، وعبّر عن التأدية بـ (فَاعِلُونَ) لأن هذا اللفظ يوحي بأن دفع الزكاة هو من أفعاله وسلوكه. * لم يقل (والذين هم للصلاة فاعلون) كما قال (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) : إخراج النصاب إلى مستحقه كاف لأداء فريضة الزكاة، وليس وراءه شيء يتعلق بها، فإن لم يفعل ذلك فلا زكاة. أما فعل الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود مع هيئاتها الأخرى، فليس بكاف، بل ينبغي أن يكون مع ذلك خشوع وتدبر وحضور قلب وسنن، وآداب تكمل هذه الأفعال الظاهرة وتتمها.
  • ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾    [المؤمنون   آية:٥]
آية (٥) : (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) * قال (حَافِظُونَ) ولم يقل (ممسكون) : ذلك أن الذي يمسك فرجه عما لا يحل يكون حافظًا لنفسه ولفرجه من الآفات والأمراض والأوجاع التي تصيبه، وهي أمراض وبيلة وخيمة العاقبة. ومن أرسله في المحرمات، فإنما يكون قد ضيعه وضيع نفسه.
  • ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾    [المؤمنون   آية:٦]
آية (٦) : (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) * (غَيْرُ مَلُومِينَ) الذي يعتدي على أعراض الناس ملوم على ما فعل، وبالإضافة إلى ذلك فإنه يفيد أنه: - ملوم من نفسه على ما أحدث فيها من أوجاع وعاهات مستديمة. - ملوم من الناس لما يحدث في نفسه وفيهم من أضرار وأمراض. - ملوم على ما أحدث في زوجه وعائلته. - ملوم من ولده الذي لا يزال جنينًا في بطن أمه قد يصيبه من عقابيل ذلك ما يجعله شقيًا معذبًا طوال حياته. - ملوم من المجتمع على ما أحدثه في نفسه وعلى ما يحدثه فيهم من أمراض معدية مهلكة. فمن حفظ فرجه فهو غير ملوم، وإلا فهو ملوم أشد اللوم.
  • ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ﴿٤١﴾    [مريم   آية:٤١]
  • ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ﴿٤٢﴾    [مريم   آية:٤٢]
  • ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ﴿٤٣﴾    [مريم   آية:٤٣]
  • ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا ﴿٤٤﴾    [مريم   آية:٤٤]
  • ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ﴿٤٥﴾    [مريم   آية:٤٥]
  • ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾    [المؤمنون   آية:٧]
آية (٧) : (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) * لم يقل (فأولئك عادون) أو (من العادين) للدلالة على المبالغة في الاعتداء (الْعَادُونَ) هم المعتدون الكاملون في العدوان المتناهون فيه وهؤلاء هم أولى من يوصف بالعدوان، لأن العدوان يمتد إلى الإنسان نفسه وأولاده وزوجه وإلى الجيل الذي لم يظهر بعد، وإلى المجتمع على وجه العموم، فهذا شر أنواع العدوان وأولى بأن يوسم صاحبه به. * لم يقل (الضالون) أو (الخاطئون) أو (الفاسقون) لأن هذه صفات فردية، وليس فيها إشارة إلى العدوانية، كما ليس فيها إشارة إلى الخطر الهائل الذي يحيق بالمجتمع من جراء ذلك، كما أن ذلك أنسب مع قوله (غَيْرُ مَلُومِينَ) فإن المعتدي ملوم على عدوانه أكثر من صاحب الأوصاف التي ذكرناها. * عبر بالصيغة الاسمية (حَافِظُونَ) و (مَلُومِينَ) و (الْعَادُونَ) للدلالة على ثبات هذه الصفات، فقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) يفيد ثبات الحفظ ودوامه وعدم انتهاكه على سبيل الاستمرار، لأن هذا لا ينبغي أن يخرم ولو مرة واحدة، ومن فعل ذلك على وجه الدوام فإنه غير ملوم على وجه الدوام، والذي يبتغي وراء ذلك، فهو معتد على وجه الثبات أيضًا، وقد يثبت هذا العدوان، فلا يمكن إزالته أبدًا، وذلك ببقاء آثاره على نفسه وعلى الآخرين.
إظهار النتائج من 3251 إلى 3260 من إجمالي 12325 نتيجة.