*ما دلالة المثل في قوله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) البقرة) لماذا ذهب بنورهم وليس بنارهم؟ وما الفرق بين ذهب به وأذهب؟
هذه الآية الكريمة من مجموعة آيات تكلمت عن المنافقين ومعلوم أن المنافقين إنما سُمّوا بهذه التسمية لأن ظاهرهم مع المسلمين وباطنهم في حقيقة الأمر أنهم مع الكفار حتى قيل أن الكفار خير منهم لأن الكافر صريح يقول هو كافر لكن المنافق يقول لك هو مؤمن مسلم ولكنه يهدم ويخرّب من داخل المجتمع المسلم. فضرب الله عز وجل لهم هذا المثل فوجود النار في الصحراء عند العرب مثال معروف على الظهور والإنكشاف وهداية الضالّ:
الآية تتحدث عن شخص أوقد هذه النار ولما أوقدها وتعالى لهيبها أضاءت ما حوله، هذه الإضاءة تمتد إلى مسافات بعيدة معناه أن هؤلاء عاشوا في هذا الضوء واستضاءوا واستناروا به - ونحن نقول أن هذا المثل يمكن أن يحمل أن الرسول هو مثل الموقِد لهذه النار الهادية - فلما جاءوا من حولها ورأوا هذا النور وتذوقوا حلاوة ايمان طمسوا هم على قلوبهم ولم يستفيدوا منه و نلاحظ (كمثل الذي استوقد ناراً ) هنا فرد، (فلما أضاءت ما حوله) هو حوله أناس، فالعربي لا يعيش وحده، فلما يوقد النار قبيلته حوله فهم أيضاً يستضيؤون بهذه النار وكذلك الأغراب البعداء يهتدون لهذه النار. (فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) هم عاشوا في ضوء ولو لحقبة يسيرة، إطلعوا على الإسلام بخلاف الكافر الذي كان يضع إصبعيه في أذنيه ويقول لا أسمع. (فلما أضاءت) بسبب أن هؤلاء لم يستفيدوا من هذا النور قال ذهب الله بنورهم.
والفرق بين النور والضوء أن النور لا يكون فيه حرارة أما الضوء ففيه حرارة ومرتبط بالنار والإنسان يمكن أن تأتيه حرارة الضوء فالنار المضيئة إذا خفتت وخمدت يبقى الجمر مخلفات النار وهو بصيص يُرى من مسافات بعيدة. فلما يقول تعالى (ذهب الله بنورهم) يعني أصغر الأمور التي فيها هداية زالت عنهم. لو قال في غير القرآن ذهب الله بضوئهم تعني يمكن أنه ذهب الضوء لكن بقيت الجمرات لكن يريد القرآن أن يبين أن هؤلاء بعد أن أغلقوا قلوبهم (ذهب الله بنورهم فهم لا يبصرون) لا يبصرون شيئاً حتى الجمر الصغير ما بقي عندهم.
ما الفارق بين أذهب نورهم وذهب بنورهم؟
أذهبت هذا الشيء أي جعلته يذهب أذهبته فذهب، أنت فعلت وهو أيضاً إستجاب للفعل. فلو قال أذهب الله نورهم كأنها تعني أمر النور أن يذهب فاستجاب وذهب،لكن هذا الذي ذهب قد يعود. أما صورة (ذهب الله بنورهم) كأن الله تعالى اصطحب نورهم بعيداً عنهم وما اصطحبه الله عز وجل لا أحد يملك أن يعيده. هذا نوع من تيئيس الرسول من المنافقين لأن الجهد معهم ضائع وهذه خصوصية للرسول ولا يقول الإنسان أن هذا الشخص لا نفع من ورائه فلا داعي لوعظه وتذكيره. لكن خص الرسول بهذا الأمر أن هؤلاء المنافقين انتهى أمرهم.
ونلاحظ هنا دقة التعبير القرآني.. في قوله تعالى: ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ) ولم يقل ذهب الله بضوئهم.. مع أنهم أوقدوا النار ليحصلوا على الضوء.. ما هو الفرق بين الضوء والنور؟.. إذا قرأنا قول الحق سبحانه وتعالى:{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَآءً وَالْقَمَرَ نُوراً }[يونس: 5]
نجد أن الضوء أقوى من النور.. والضوء لا يأتي إلا من إشعاع ذاتي.. فالشمس ذاتية الإضاءة.. ولكن القمر يستقبل الضوء ويعكس النور.. وقبل أن تشرق الشمس تجد في الكون نورا.. ولكن الضوء يأتي بعد شروق الشمس.. فلو أن الحق تبارك وتعالى قال ذهب الله بضوئهم.. لكان المعنى أنه سبحانه ذهب بما يعكس النور.. ولكنه أبقى لهم النور.. ولكن قوله تعالى: ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ).. معناها أنه لم يبق لهم ضوءا ولا نورا.. فكأن قلوبهم يملؤها الظلام.. ولذلك قال الله بعدها؛ ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ).. لنعلم أنه لا يوجد في قلوبهم أي نور ولا ضوء إيماني.. كل هذا حدث بظلمهم هم وانصرافهم عن نور الله.
ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى.. لم يقل وتركهم في ظلام.. بل قال: " في ظلمات ".. أي أنها ظلمات متراكمة.. ظلمات مركبة لا يستطيعون الخروج منها أبدا..
من أين جاءت هذه الظلمات؟.. جاءت لأنهم طلبوا الدنيا ولم يطلبوا الآخرة.. وعندما جاءهم نور الإيمان انصرفوا عنه فصرف الله قلوبهم..
وهكذا في قلب كل منافق ظلمات متعددة.. ظلمة الحقد على المؤمنين وظلمة الكراهية لهم.. وظلمة تمني هزيمة الإيمان.. وظلمة تمني أن يصيبهم سوء وشر.. وظلمة التمزق والألم من الجهد الذي يبذله للتظاهر بالإيمان وفي قلوبهم الكفر.. كل هذه ظلمات..
يقول الحق سبحانه وتعالى: ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ).. نفى النور عنهم.. والنور لا علاقة له بالسمع ولا بالشم ولا باللمس.. ولكنه قانون البصر..
وانظر إلى دقة التعبير القرآني.. إذا امتنع النور امتنع البصر.. أي أن العين لا تبصر بذاتها.. ولكنها تبصر بانعكاس النورعلى الأشياء ثم انعكاسه على العين..فكأن الذي يجعل العين تبصر هو الضوء أو النور.. فإذا ضاع النور ضاع الإبصار..ولذلك فأنت لا تبصر الأشياء في الظلام..وهذه معجزة قرآنية اكتشفهاالعلم بعد نزول القرآن.
*ما سبب استخدام المفرد والجمع في قوله تعالى في سورة البقرة (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ {17})؟
1. من الممكن ضرب المثل للجماعة بالمفرد كما في قوله تعالى (لا تكونوا كالتي نقضت غزلها...تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم(92)النحل).
2. (الذي) تستعمل للفريق وليس للواحد فالمقصود بالذي في الآية ليس الشخص إنما هي تدل على الفريق ويقال عادة الفريق الذي فعل كذا ولا يقال (الفريق الذين).
3. يمكن الإخبار عن الفريق بالمفرد والجمع (فريقان يختصمون)
4. الذي نفسها يمكن أن تستعمل للمفرد والجمع. كما جاء في الشعر العربي:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد
* لِمَ قال تعالى ذهب الله بنورهم؟
إنه يعني مضى به واستصحبه وهذا يدلك أنه لم يبق لهم مطمع في عودة النور الذي افتقدوه كما تقول عن خبر لا يعرفه إلا شخص واحد وقد مات فتقول ذهب فلان بالخبر إذا لم يعد لك أمل في معرفته.
*سورة البقرة ورد فيها مثالين للمنافقين فهل يمكن توضيحهما؟
المثال الأول (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18)). أولاً نلاحظ شبّه حال الجمع بالمفرد (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً) وهذا جائز أن تشبه حالة جمع بالمفرد (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا (92) النحل) لا تكونوا جمع والتي مفرد، (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا (5) الجمعة) هذا يجوز تشبيه هؤلاء بحالة، أنتم مثلكم كمثل كذا. استوقد معناها أوقد أو طلبوا الإيقاد طلبوا النار فأوقدوها والنار للإضاءة والانتفاع، الإضاءة فرط الإنارة، مضيء أكثر من منير، الإضاءة أشد الضياء من النور لكن هو فرط الإنارة والنور أعم يبدأ من صغير وينتهي إلى حالات لا نعلمها، الضياء حالة من حالات النور، فرط الإنارة، حالة من حالاته. النور يصير ضياءاً ثم هنالك أموراً أخرى لا نعلمها، النور مبدؤه قليل بعد الفجر نور ثم يكون أعلى فأعلى هذا كله نور وضوء الشمس هو من النور فرط الإنارة، يبدأ في الفجر نور ويعلو حتى الظهيرة كله نور لكن فرط الإنارة هو الضياء حالة من حالات النور وهناك حالات أخرى لا نعلمها من النور عندما قال تعالى (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (35) النور) ربما يقصد البدايات وهنالك أشياء لا نعلمها. في وصف أهل الجنة قال (بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ (54) الرحمن) قالوا هذه البطائن والظهائر قالوا هو من النور الجامد. هذه حالات نحن لا نعلمها، نحن نعلم مبدأ النور ونعلم فرط النور بالإضاءة ثم هنالك أموراً لا نعلمها ولهذا وضحها ربنا بمثل (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) قرّبها إلى الأذهان حتى نستوعبها أما بالعقل لا نتصور. نحن نعرف حالات من حالاتها أما النور مطلق ولذلك ربنا قال (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أولاً النور عام والضياء حالة من حالاته، هناك أمور نعلمها وأمور لا نعلمها، هنالك نور البصر ونور البصيرة. فإذن النور هو مبدأ والإضاءة فرط الإنارة. عندما قال تعالى (فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ) لم يقل ذهب الله بضوئهم، ربنا شبه المنافقين كالذي استوقد ناراً ورجع تعالى للمنافقين ذهب الله بنورهم ولم يقل بضوئهم لأنه لو قال ذهب الله بضوئهم لاحتمل أن يبقى نور لأن الضياء فرط الإنارة كان يبقى نور فأراد أن يجتثّ المعنى كله فلما قال (ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ) إذن لا يبقى نور ولا ضياء وإنما ظلمة. ثم قال (فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ) ما قال ما حولها، (مَا حَوْلَهُ) يعني حول المستوقد. ثم قال (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) جمع الظلمة لتعدد أسبابها وهي في القرآن حيث وردت مجموعة. ثم قال (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) والأبكم الذي يولد أخرس. ولم يقل صم وبكم وعمي لأن صم وبكم وعمي محتمل أن يكون هناك جماعة بكم وهنالك جماعة صم وهنالك جماعة عمي لو قلت هؤلاء فقهاء وكُتّاب يعني محتمل أن يكون فيهم فقهاء ويحتمل أن يكون فيهم كُتّاب لكن لو قلت هؤلاء فقهاء كُتّاب شعراء يعني هم جمعوا الصفات كلها، هذا فقيه كاتب شاعر يجمع الصفات، لكن لو قلت هؤلاء فقهاء وكتاب وشعراء فيها احتمالين إحتمال أن يكونوا جمعوا واحتمال أن يكون قسم فقهاء وقسم كتاب وقسم شعراء. صم بكم عمي هذا تعبير قطعي جمعوا كل هذه الأوصاف يعني كل واحد فيهم أبكم وأصم وأعمى. (فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ) تركهم متحيرين لا يرجعون إلى المكان الذي بدأوا منه والأعمى لا يبصر والأبكم لا يسأل والأصم لا يسمع كيف يرجع؟ فقدوا أشكال التواصل. الأعمى لا يبصر والأصم لا يسمع والأبكم لا يسأل ولا ينطق كيف يرجعون؟ يقولون لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه لأنه قال (أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى (16) البقرة)، لا يرجعون عن الضلالة بعد أن اشتروها.
والمثال الآخر قوله تعالى (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) البقرة) هذا هو المثال الآخر. الصيّب هو المطر، المطر الشديد الإنصباب (من صاب يصوب) مطر شديد الإنصباب وليس مجرد مطر. إذن هذا هو الصيّب. هو ذكر قال (فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) الظاهر أنها ظلمات كثيرة لأنه جمع ظلمات جمع ظلمة السُحمة (سُحمة يقال في ظلام أسحم شديد الظلمة) وتطبيقه للسماء وظلمة الليل. هو نفسه مظلم كونه طبّق السماء فليس فيها مكان للضياء ظلمة ثانية والظلمة الثالثة ظلمة الليل، ظلمة الليل لأنه قال (كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ) لو كان نهاراً لكانوا مشوا. وفيه رعد وبرق إذن هذه هي الظلمات وفي القرآن لم ترد كلمة الظلمات مفردة أبداً بخلاف النور ورد مفرداً. إذن الصيّب مطر شديد الإنصباب ينحدر، فيه هذه الظلمات فقال (فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) ليس فقط ظلمات.
* هل هذا الترتيب (فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) مقصود في حد ذاته؟
هذا الترتيب مقصود بذاته ولذلك نلاحظ حتى في آخرها قال (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) فالسمع مقابل الرعد والأبصار مقابل البرق نفس الترتيب وذلك لأن الخوف من الرعد أشد من البرق لأن أقواماً أهلكوا بالصيحة (الصيحة الصوت الشديد) (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ (73) الحجر).
* هل يمكن أن يكون تقديم السمع لأن سرعة الصوت أكبر من سرعة الضوء؟
لا، الضوء أسبق من الصوت، هناك مقام عقوبة ومقام خوف، في مقام الخوف الرعد أشد. القرآن يراعي دلالة الكلمات في السياق ولا يرص الكلمات بعضها بجانب بعض. إذن هو ظلمات ورعد وبرق. إذن مطر شديد الإنصباب وظلمات وليس ظلمة ورعد وبرق. قال (يجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) الأصابع والمقصود هو الأنامل لأن الإصبع لا يمكن أن يدخل في الأذن وهذا مجاز مرسل حيث أطلق الكُلّ وأراد الجزء وهذا لشدة الخوف، كأنما يجعلون أصابعهم لو استطاعوا أن يُدخلوها كلها في آذانهم لفعلوا من شدة الخوف وما هم فيه. الصواعق هي رعد شديد مع نار محرقة وقد يصحبها جرم حديد ليس مجرد رعد وليست صاعقة وإنما صواعق (يجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ). إذن هو رعد شديد مع نار محرقة قد يكون معها حجر أو جرم. ولاحظ من فرط الدهشة أنهم يسدون الآذان من الصواعق وسد الآذان ينفع من الصواعق؟ ينفع من الرعد لكن لا ينفع مع الصاعقة لكن لفرط دهشتهم لا يعلمون ماذا يفعلون إذن هم يتخبطون، وصواعق جمع صاعقة لاحظ المبالغات الموجودة في الآية صواعق وظلمات وصيّب وليس مجرد مطر. (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ) (كلما) تفيد التكرار إذن لم تكن مرة واحدة. (كلما) في اللغة عموماً تفيد التكرار وجيء بها لأنهم حريصون على المشي لكي يصلون (كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ) كلما أضاء لهم البرق مشوا فيه وإذا أظلم ولم يقل إن أظلم للتحقق ولو قال إن أظلم يكون أقل، (إذا) للمتحقق الوقوع وللكثير الوقوع أما (إن) فهي قد تكون للافتراضات وقد لا يقع أصلاً. ثم قال (مَّشَوْاْ) ولم يقل سعوا لأن السعي هو المشي السريع أما المشي ففيه بطء إشارة إلى ضعف قواهم لا يستطيعون مع الخوف والدهشة لا يعلمون كيف يفعلون. (وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) لذهب بسمعهم مع قصف الرعد يعني جعلهم صماً، وأبصارهم مع البرق، لماذا لم يفعل إذن؟ كان يمكن أن يذهب بسمعهم مع قصف الرعد وأن يذهب بأبصارهم مع ومض البرق، لا، هو أراد أن يستمر الخوف لأنه لو ذهب السمع لم يسمعوا ولو ذهب البصر لم يبصروا فأصبحوا بمعزل، هو أراد أن يبقوا هكذا حتى يستمر الخوف. وقدم السمع لأن الخوف معه أشد. هذا عذاب مضاعف وفيه مبالغات (الصيب مبالغة لأنه مطر شديد وظلمات وليس ظلمة ورعد وبرق وأصابعهم وليس أناملهم وصواعق وليست صاعقة ثم ذكر يخطف أبصارهم ثم قال (كلما) الدالة على التكرار وقال مشوا ولم يقل سعوا وقال إذا أظلم ولم يقل إن أظلم وقال لو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم لم يرد أن يذهب بها حتى يبقى الخوف وهذه كلها مبالغات.
آية (١٣٣) : (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)
* جاء بصيغة سارعوا للمبالغة في طلب الإسراع.
* هناك فرق بين فعل الخير وبين المسارعة فيه والله تعالى يريد منا المسارعة في الخير وهي التوجه باقبال واندفاع الى الله تعالى ويريدنا أن نلجأ إليه كالذي يفِرّ (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ) ولم يقل امشوا أو اذهبوا، ولا نكون كالمنافقين الذين إذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى.
* تنكير (مَغْفِرَةٍ) ووصلها بقوله (مِّن رَّبِّكُمْ) مع استطاعة الإضافة مباشرة بأن يقول: وسارعوا إلى مغفرة ربكم غرضه التضخيم والتعظيم.
* قال (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا) ولم يقل جنة طولها لتمثيل شدة الإتساع ليُطلق العنان لخيال السامع فإذا كان عرض الجنة بهذا الإتساع صعب التخيّل فكيف يكون طولها؟!
* الفرق البياني بين آية ١٣٣ من سورة آل عمران وآية ٢١ من سورة الحديد:
سورة آل عمران
(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)
سياق الآيات
- جاء قبلها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) هناك تشريع ونهي عن ارتكاب إثم عظيم ودعوة للتقوى.
- لو لاحظنا الناحية الفنية لرأينا وضع كل واحدة يناسب ما هي فيه ففي آل عمران نرى المتقين والأمر بالتقوى يتكرر عدة مرات.
سورة الحديد
(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)
سياق الآيات
- جاء قبلها (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ(٢٠)) فيها نوع من الإيضاح والشرح لقضية معينة وليس فيها نهي أو أمر.
- في سورة الحديد تتكرر عبارات (آمَنُوا بِاللهِ) (الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (يُضَاعَفُ لَهُمْ) ففيها تفضلات كثيرة.
سورة آل عمران
سارعوا - سابقوا
- لما جاء التحريم طلب منهم أن يسارعوا لأن كل واحد مسؤول عن فعله لأنه أمر شخصي فطلب إليه أن يُسرع إلى مغفرة بالتوبة والتوبة شخصية.
- عندما قال (وَسَارِعُواْ) قال (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ).
سورة الحديد
سارعوا - سابقوا
- (سَابِقُوا) الكلام قبلها على الدنيا التي فيها تنافس ولعب وتفاخر كلُ يريد أن يظهر شأنه، ولكن المسابقة هي أن تتسابقوا إلى مغفرة من ربكم وتلجأون إليه عن هذا اللهو والعبث لكن فيه تسابق والسباق قطعاً فيه سرعة وزيادة.
- وعندما قال (سَابِقُوا) قال (كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) والسماء أوسع من السموات فهي تشملها وغيرها، وكثرة الخلق المتجهين لمكان واحد تقتضي المسابقة، فإن قلّوا اقتضى ذلك المسارعة فقط ، وليس المسابقة.
ذكر الواو وعدمه
سورة آل عمران
جاءت الآية في إطار العطف (وَاتَّقُوا اللَّهَ) (وَاتَّقُوا النَّارَ) (وَأَطِيعُوا اللَّهَ) لاحظ الواوات، ثم (وَسَارِعُواْ).
سورة الحديد
لم تأت في سياق العطف فجاءت (سَابِقُوا) من غير الواو.
السماء -السموات
سورة آل عمران
السموات السبع وهي موطن الملائكة جزء من السماء بمعناها الواسع الذي جاء في سورة الحديد والذي يشمل الفضاء والسقف والمطر والسحاب.
سورة الحديد
ا لسماء في اللغة وفي المدلول القرآني لها معنيان:
١ـ واحدة السموات السبع، كقوله تعالى (ولقد زَيّنا السّماءَ الدنيا بِمَصابيح).
٢ـ كل ما علا وارتفع مما عدا الأرض :
ـ فسقف البيت في اللغة يسمى سماء كقوله تعالى (فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) ليمد حبلًا إلى سقف بيته ثم ليخنق نفسه).
ـ وقد تكون بمعنى السحاب (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً).
ـ وقد تكون بمعنى المطر (يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا).
ـ وقد تكون بمعنى الفضاء والجو (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ).
ـ والارتفاع العالى (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) .
عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ - كَعَرْضِ السَّمَاءِ
سورة آل عمران
- لما قال (السَّمَاوَاتُ) قال (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ)،
- لم يستخدم الكاف لكن لما استعمل السموات إستعمل التحديد (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) للتقريب.
سورة الحديد
- (كعرض) أقوى من (عرضها) وأشمل وأوسع .
- كلمة (السَّمَاءِ) تأتي عامة وهي أقوى وأوسع وأشمل، فعندما اتسعت اتساعًا هائلًا غير محدود جاء بأداة التشبيه الكاف لأن المشبه به (كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) عادة أبلغ من المشبه، فهي لا تبلغ هذا المبلغ الواسع فهذا إطلاق لأن السماء والأرض عظيمة جداً.
لِلْمُتَّقِينَ - لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
سورة آل عمران
عندما ضيَّق وقال (السَّمَاوَاتُ) حدَّدها (لِلْمُتَّقِينَ) ثم وصفهم في الآيات التالية، وهؤلاء المتقون جزء من الذين آمنوا.
سورة الحديد
وعندما وسّع وقال (السَّمَاءِ) عمّم القول ليسع الخلق (لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) ولم يحدد عملًا محدداً لهؤلاء.
- اتسع المكان فاتسع الخلق، ذكر السماء التي تشمل السموات وزيادة، وذكر الذين آمنوا بالله ورسله وهي تشمل المتقين وزيادة، ثم زاد وقال (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ). لأن الفضل أوسع مما جاء في آل عمران.
* ألا يمكن أن يقال (ولو أظلم عليهم قاموا)؟ وما الفرق بين لو وإذا؟
لا، أصلاً (لو) قد تكون حرف امتناع لامتناع لو زارني لأكرمته، لو أظلم عليهم قاموا.
* إذن لا نقف عند الأدوات هكذا يقول إذا، يقول لو، إذا فيها تحقق الوقوع و (لو) قد يكون امتناع لامتناع وقد لا يحدث الفعل أصلاً؟
(وإذا أظلم عليهم قاموا) يعني وقفوا لم يتحركوا وهذا عذاب أيضاً.