عرض وقفات أسرار بلاغية

  • ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴿١٨٤﴾    [آل عمران   آية:١٨٤]
آية (١٨٤) : (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) * (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) بينما في فاطر (بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) : البينات هي الحجج والمعجزات، (بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ) الكتاب هو المعجزة نفسه كسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لكن (..جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴿٢٥﴾ فاطر) هناك معجزات وهناك كتاب، البينات عند موسى وعيسى غير الكتابين سيدنا موسى العصا واليد والقمل والضفادع والماء وغيرها لكن التوراة شيء آخر، سيدنا عيسى يبريء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله وغيرها.
  • ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴿١٨٥﴾    [آل عمران   آية:١٨٥]
آية (١٨٥) : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) * (ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) استعارة مكنية حيث شبّه الموت بشيء يُذاق إشارة إلى شدة الإلتصاق والإتصال بحيث كأن الموت يتحول إلى شيء يكون في الفم بأقرب شيء من الإنسان بحيث يذوقه ويتحسسه فهو ليس خيالاً وإنما هو سيُذاق ذوقاً.
  • ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾    [البقرة   آية:٧]
* في قوله تبارك وتعالى في سورة يس (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9)) وفي سورة البقرة قال تبارك وتعالى (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)) ما سبب الاختلاف بين آية سورة البقرة وآية سورة يس؟ أولاً كل موطن اقتضى ما ذُكر فيه علاوة على أن ما ذكر في سورة يس يفيد ما أفاد في سورة البقرة لكن كل تعبير مناسب لما ورد فيه. لما قال (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) مثل (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) أفاد عدم الإبصار. لما قال (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9) يس) هم لا يسمعون إذا كان السد عالياً وأغشاهم لا يسمعون قال (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ). إذا انسدت منافذ السمع والإبصار والحركة يفقه؟ لا يفقه إذن صار ختم في القلوب. هو أفاد من ناحية إضافة إلى أن المقام يختلف، يعني هو الآن أفاد ما في البقرة ماذا أفاد؟ قال (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) و(وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)، عندما قال (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9)) السد مانع والغشاء مانع، كيف يسمعون؟ *هل الغشاء متصل بالسمع أم متصل بعدم الإبصار؟ هو قال (فأغشيناهم) إذا أغشاهم إذن فكيف يسمع؟ *ربما نفهم (فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ) لا يبصرون نتيجة الغشاوة الموجودة ؟ تمام، والسمع أيضاً السمع واضح أنه لا يكون. *إذن هم في عزلة؟ هم في عزلة وإذا انسد السمع والبصر كيف يفقه؟! لكن يبقى السؤال لماذا هذا الاختيار؟ما السبب في أنه اختار، هذا السؤال الذي تفضلت به؟ (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9)) ما سبب الإختيار في كل من الموضعين؟ لماذا لم يقل كما قال في ختام آية البقرة (ختم على قلوبهم)؟ هذا السؤال. طبعاً لو قرأنا الآيات في كل موطن من الآيتين قال (يس (1) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) ما الغرض من الصراط؟ الصراط هو الطريق والغرض أن يسير عليه، ذكر الصراط للسير وهو ذكر في يس ما يمنع السير (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ (9)) قال (عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) فذكر ما يمنع السير على الصراط. وجود السد من بين ايديهم ومن خلفهم سيمنعهم من السير فمناسب مع ما ذكر (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4)) لأن الغرض من ذكر الصراط هو السير فيه، الآن ذكر ما يمنع السير على الصراط المستقيم وهو السدّ، قطع الطريق عليهم بينما في البقرة قال (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)) إذن يتعلق الأمر بالإيمان والتقوى ليس في السير، (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)) هذا غير أمر، ذاك السير والصراط وهذا ما يتعلق بالإيمان والتقوى. والتقوى في القرآن وفي حديث يقول (التقوى هاهنا) في القلب فقال (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (7)) فمن أين تأتيهم التقوى؟! وذكر انسداد منافذ العلم والإيمان (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)) إذن منافذ الإيمان انسدت والتقوى ختم على قلوبهم فمناسب كل واحدة مناسبة للسياق الذي ورد فيه لما قال (عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (4)) ذكر ما يمنع السير على الصراط (السد) وعندما ذكر التقوى ذكر ما يمنع من التقوى والقلب.
  • ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴿١٨٧﴾    [آل عمران   آية:١٨٧]
آية (١٨٧) : (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) * استطاع القرآن أن يوضح سوء عمل اليهود مع ميثاق الله بهذه الألفاظ البسيطة ؛ انظر تفصيل الآية: - عطف بالفاء فقال (فَنَبَذُوهُ) إشارة إلى سرعة نبذهم وعدم احترامهم لميثاق الله فالفاء تفيد الترتيب والتعقيب. - إستعار الفعل (نبذ) لعدم العمل بالعهد تشبيهاً للعهد بالشيء المنبوذ في عدم الانتفاع به إذ أصل النبذ الطرح والإلقاء. - مثّل بقوله (وَرَاء ظُهُورِهِمْ) عن الإضاعة والإهمال لأن شأن المهتم به أن يُجعل نصب العين ليُحرَس ويُشاهَد.
  • ﴿رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴿١٩٣﴾    [آل عمران   آية:١٩٣]
آية (١٩٣) : (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ) * الفرق بين (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) و (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) : السيئات هي صغائر الذنوب وقد تكون من اللمم أما الذنوب فهي الكبائر. التكفير في الأصل الستر وأصلها كفر البذرة أي غطاها بتراب والزارع يسمونه الكافر لأنه يستر البذرة في الأرض، والليل سمي كافراً لأنه يستر الناس. المغفرة من المِغفَر وهو ما يُلبس في الحرب حتى يمنع السِهام. أيها الأمنع من الإصابة المِغفر أو التراب؟ المِغفر، الليل يستر لكن لا يمنع سهماً أما المِغفر يمنع، فلما كان الذنب أكبر من السيئة ويصيب الإنسان إصابة كبيرة فهو يحتاج إلى مانع أكبر ولمغفرة أشدّ. * جاء الدعاء ب(ربنا) دون إسم الجلالة في الآيات (١٩١- ١٩٥) فلم يقولوا يا الله لما في وصف الربوبية من الدلالة على الشفقة بالمربوب ومحبة الخير له ومن الاعتراف بأنهم عبيده. ولِردّ حُسن دعائهم بمثله قال الله تعالى (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ). * (مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ) المنادي هو الذي يرفع صوته بالكلام ويبالغ في الصياح به ومن المعلوم أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن بالصياح ورفع الصوت ولكن آثر تصوير الدعوة بالنداء ليبيّن حرص النبي على المبالغة في الإسماع بالدعوة، وأيضًا للدلالة على بُعدِهم عن الإيمان لما دعاهم وأن النبي كان في موضع عالٍ يناديهم وهو موضع الإيمان.
  • ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾    [البقرة   آية:٧]
(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) إن الذين كفروا.. أي ستروا الإيمان بالله ورسوله.. هؤلاء يختم الله بكفرهم على آلات الإدراك كلها.. القلب والسمع والبصر. والقلب أداة إدراك غير ظاهرة.. وقد قدم الله القلب على السمع والبصر في تلك الآية لأنه يريد أن يعلمنا منافذ الإدراك.. أن منافذ العلم في الإنسان هي السمع والأبصار والأفئدة.. ولكن في الآية الكريمة التي نحن بصددها قدم الله القلوب على السمع والأبصار.. أن الله يعلم أنهم اختاروا الكفر.. وكان هذا الاختيار قبل أن يختم الله على قلوبهم.. والختم على القلوب.. معناه أنه لا يدخلها إدراك جديد ولا يخرج منها إدراك قديم.. ومهما رأت العين أو سمعت الأذن.. فلا فائدة من ذلك لأن هذه القلوب مختومة بخاتم الله بعد أن اختار أصحابها الكفر وأصروا عليه.. وفي ذلك يصفهم الحق جل جلاله:{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ }[البقرة: 18] ولكن لماذا فقدوا كل أدوات الإدراك هذه؟.. لأن الغشاوة التفت حول القلوب الكافرة، فجعلت العيون عاجزة عن تأمل آيات الله.. والسمع غير قادر على التلقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إذن فهؤلاء الذين اختاروا الكفر وأصروا عليه وكفروا بالله رغم رسالاته ورسله وقرآنه.. ماذا يفعل الله بهم؟ أنه يتخلى عنهم. ولأنه سبحانه وتعالى غني عن العالمين فإنه ييسر لهم الطريق الذي مشوا فيه ويعينهم عليه.. وإذا عمى القلب عن قضية الإيمان.. فلا عين ترى آيات الإيمان.. ولا أذن تسمع كلام الله.. وهؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لهم في الآخرة عذاب عظيم..
  • ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴿١٩٥﴾    [آل عمران   آية:١٩٥]
آية (١٩٥) : (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) * جاء التفصيل (مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى) لأن الأعمال التي أتى بها أولو الألباب المذكورون في الآية أكبرها الإيمان ثم الهجرة ثم الجهاد، ولما كان الجهاد أكثر تكراراً خيف أن يُتوهَم أن النساء لا حظّ لهن في تحقيق الوعد على لسان الرسل فأتى بالتفصيل.
  • ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ ﴿١٩٨﴾    [آل عمران   آية:١٩٨]
آية (١٩٨) : (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ) * آيتان متتابعتان فيهما ذكر الجنة لكن واحدة من دون خلود (..وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ..(١٩٥)) والأخرى فيها خلود (..لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا..(١٩٨)): أولًا: الذين اتقوا ربهم في الآية الثانية أشمل وأعم من الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيل الله في الآية الأولى ، فالتقوى من جملته أمور كثيرة نضع معها الأجر الأعلى. ثانيًا: قبل آية الخلود قال (لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ..) عكسه المتاع الدائم فقال بعدها (خَالِدِينَ فِيهَا) حتى لا يكون متاع قليل، أما في الآية الأولى قال (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ..) هؤلاء داخلين في زمرة الذين اتقوا ربهم، فلما ذكر في المتقين أنهم خالدون دخل فيه أولئك. ثالثًا: في الآية (١٩٥) قال (وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ) وفي الآية (١٩٨) قال (لَهُمْ جَنَّاتٌ..خَالِدِينَ فِيهَا) أن تكون الجنات لهم أعلى من أن يدخلوها دون أن يقتضي التملك فالثانية في الذين هم أعلى وأعم وأشمل فقال (خَالِدِينَ فِيهَا) رابعًا: أضاف في الآية (١٩٨) نزلاً من عند الله والنزل أعلى لأنه ما يعد للضيف من إكرام فهم في ضيافة الرحمن، أما في الآية (١٩٥) قال الثواب وهو أن تعطي الأجر ولكن ليس بالضرورة أن تنزله ضيفاً. ما ذكره في الآية (١٩٨) ليس فقط ذكر الخلود وعدمه وإنما الثواب أصلاً اختلف والأجور اختلفت فصار الخلود في الآية التي هي أعم وأشمل، وهؤلاء المتقون هم أبرار (وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) فناسب من كل ناحية أن يذكر علو منزلته. خامسًا: في الآية (١٩٥) قال (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ) أخرجوا مبني للمجهول، وربنا قال (وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ) مبني للمعلوم هو الذي يدخلهم لم يقل يُدخَلون، وقال (مِن دِيَارِهِمْ) مقابلها (جَنَّاتٍ)، هم أُخرجوا بأيدي كفرة من ديارهم والله تعالى يدخلهم جنات. سادسًا: في الأولى تكلم عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين نادوا ربهم وتضرعوا إليه بمناجاة خمس مرات من ﴿١٩١﴾ إلى ﴿١٩٤﴾ فاستجاب لهم ، والثواب هو الجائزة على عمل ايجابي متميز فقال (ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) لأن هؤلاء أحسنوا التضرع، أما (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) والتقوى مرحلة متقدمة من العمل والطاعة وهؤلاء الأتقياء أولياء الله (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) لهم مواصفات هائلة وأخلاقياتهم وعباداتهم قلّ من يستطيع أن يضاهيها أو يشاكلها فهؤلاء عندما يأتي يوم القيامة سوف يلقون كيف سيضيفهم الله عز وجل فالنُزُل ما يقدم للضيف وهذا النزل على قدر المضيف والضيف فقال (نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). سابعًا: هذه الآيات في خواتيم السورة ومرتبة بحسب الشدة تمامًا كآخر آية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)) : (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ) (وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي) أشد ممن هاجروا (وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ) (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ) يقابلها ↓ يقابلها ↓ يقابلها ↓ يقابلها ↓ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ) (وَصَابِرُواْ) أعلى درجة من اصبروا (وَرَابِطُواْ) لأنهم في الثغور المقاتلة في الحرب (وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
  • ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٢٠٠﴾    [آل عمران   آية:٢٠٠]
آية (٢٠٠) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) * (اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ) دعوة للمؤمنين للصبر لكن إذا لم يقترن الصبر بالمصابرة والمجاهدة على الصبر حتى يلين الخصم فإنه لا يجني منه شيئاً لأن النصر يكون لأطول الصابرين صبراً فالمصابرة هي سبب النصر على الخصوم في ساحات الحرب. * ضرب الله المثل في المعنويات بالأمر المحُس الذي يباشره الناس جميعًا، فحين عبر عن الفلاح لم يقل لك: افعل ذلك لتنجح أو لتفوز. إنما جاء بالفلاح وهو مأخوذ من فلح الأرض وهو شقها لتتعرض للهواء ولتكون سهلة هينة تحت الجذير البسيط الخارج من البذرة، فإذا فلحت الأرض بهذه المشقة حرثاً وبذراً وتعهداً بالري فإنها تؤتيك خيراً مادياً مشهوداً ملحوظا، ومادام سبحانه يقول: (اصْبِرُواْ) فلابد أن يكون هذا إيذانا بأن فيه مشقة، فالإيمان يؤدي إلى الجنة، والجنة محفوفة بالمكاره؛ لذلك لابد أن تكون فيه مشقات.
  • وقفات سورة آل عمران

    وقفات السورة: ٧٥٥٨ وقفات اسم السورة: ١٠٠ وقفات الآيات: ٧٤٥٨
* تناسب فواتح آل عمران مع خواتيمها :  ذكر الكتب في أول السورة وذكر المصدّقين بالكتب في خواتيمها ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ..) وفي أواخرها ذكر الذين اهتدوا بهذه الكتب (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ (١٩٩)) القرآن والتوراة والإنجيل.  قال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)) في مطلع السورة وفي الخواتيم قال (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)) كأنما هذه الآية تأتي بعد الآية التي في مفتتح السورة.  ذكر أولي الألباب في أول السورة (..وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (٧) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (٨)) هذا كلام أولو الألباب وفي خواتيم السورة قال (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)) ثم ذكر (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (١٩٣)) نفس الدعاء الذي ذكره أولو الألباب في أول السورة ذكر مثله في خواتيمها.  في أول السورة قال (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)) وفي الخواتيم قال (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)) ليوم لا ريب فيه هذا يوم القيامة (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا) كأنما دعاء ما ذُكر في الأول.  بعد أن تكلم الحق عن قضية الإيمان بالله والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند الله خاتما للرسالات ومهيمناً عليها، وتحدث عن رواسب ديانات سابقة تحولت عن منهج الله إلى أهواء البشر، فجادل في سورة البقرة اليهود، وجادل في سورة آل عمران النصارى، وعرض معركة من أهم معارك الإسلام التي ابتلى فيها المؤمنون ابتلاءً شديداً، ثم عرض للقضية الإيمانية حين يثوب المؤمن المتخاذل إلى منهج ربه، يقول الحق (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) يا من آمنتم بما تقدم إيماناً صادقا صافيا بالله، وتصديقاً بكتابه، وتصديقاً برسالته صلى الله عليه وسلم، وتمحيصاً للحق مع أهل الكتاب جميعاً، قال (اصْبِرُواْ) و (وَصَابِرُواْ) و (رَابِطُواْ) و (وَاتَّقُواْ اللَّهَ) أربعة أوامر الغاية منها (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
إظهار النتائج من 3221 إلى 3230 من إجمالي 12325 نتيجة.