آية (٨) : (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)
* ارتباط هذه الآية بما قبلها ظاهر، إذ أن كلا من الفروج والأمانات ينبغي أن يحفظ، ومن لم يحفظ الأمانة والعهد، فهو ملوم كما هو شأن من لم يحفظ فرجه. ومن ابتغى ما لا يحل من الفروج عادٍ، وكذلك الباغي على الأمانة عادٍ ظالم.
* قدم الأمانة على العهد، وجمع الأمانة وأفرد العهد. أما جمع الأمانة، فلتعددها وتنوعها فهي كثيرة جدًا، فودائع الناس وأموالهم أمانة، وأسرار الناس وأحوالهم أمانة، والزرع قد تجعله أمانة عند شخص فيرعاه ويتعهده ويحفظه، والحكم أمانة، والرعية أمانة، والقضاء أمانة ثقيلة. فالأمانة الظاهر أنها كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي، وشأن ودين ودنيا، والشرع كله أمانة، والأمانة تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان، وقد جاء في كل منها حديث"، وفي الحديث: "الإيمان أمانة ولا دين لمن لا أمانة له"، والأمانة أعم من العهد، فكل عهد أمانة.
* اختيار كلمة (رَاعُونَ) مع الأمانة والعهد دون (الحفظ) الذي استخدم مع الفروج:
- الرعي ليس مجرد الحفظ، بل هو الحفظ والإصلاح والعناية بالأمر وتولي شأنه، وتفقد أحواله وما إلى ذلك، وهذا ما يتعلق بالأمانة كثيرًا وليس مجرد الحفظ كافيًا، فمن ائتمن عندك أهله وصغاره فلا بد من أن تتفقد أمورهم وتنظر في أحوالهم وحاجاتهم علاوة على حفظهم، وكذلك من تولى أمر الرعية، ونحوه من اؤتمن على زرع أو ضرع، وكذلك ما حمله الله للإنسان من أمر الشرع يحتاج إلى قيام به وتحر للحق فيما يرضي الله وما إلى ذلك من أمور لا يصح معها مجرد الحفظ، فالرعاية أشمل وأعم.
- الفروج جزء من الإنسان، هي لا تند عنه، أما الأمانات فقد تكون في أماكن متعددة، وربما تكون أماكن حفظها نائية عنه، فهي تحتاج إلى تفقد ورعاية كما يحتاج الحيوان إلى حفظه من الذئاب والوحوش الضارية، وقد يصعب على الإنسان المحافظة على الأمانة، من العادين واللصوص فيضطر إلى تخبئتها في أماكن لا ينالها النظر ولا يطولها التفتيش، فكان على المؤتمن أن ينظر في حفظها كما ينظر الراعي لها.
* (رَاعُونَ) بالصيغة الاسمية دون الفعلية (يرعون) ليدل على لزوم ثبات الرعي ودوامه وعدم الإخلال به البتة.
* تقديم الأمانة والعهد على (رَاعُونَ) فللاهتمام والعناية بأمرهما، وللدلالة على أنهما أولى ما يرعى في هذه الحياة.
* زيادة اللام (لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ) :
- تفيد الزيادة في الاختصاص والتوكيد.
- كلمة (الراعي) قد تكون بمعنى الصاحب (من راعي هذه الديار؟)، أما (من الراعي لهذه الدار؟) أي: من صاحبها ومتولي أمرها؟ فيكون المعنى على هذا: والذين هم أصحاب الأمانات والعهود، أي: هم أهلها ومتولوها.
آية (٩) : (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)
* إن ذكر الصلاة في البدء والخاتمة تعظيم لأمرها أيما تعظيم.
* ذكرت الصلاة أولًا بصورة المفرد ليدل ذلك على أن الخشوع مطلوب في جنس الصلاة، أيًا كانت الصلاة فرضًا أو نافلة.
وذكرت آخرًا بصورة الجمع للدلالة على تعددها من صلوات اليوم والليلة إلى صلاة الجمعة والعيدين وصلاة الجنازة، وغيرها من الفرائض والسنن، فالمحافظة ينبغي أن تكون على جميع أنواع الصلوات.
* ختم بالمحافظة على الصلاة، وهي آخر ما يفقد من الدين، كما في الحديث الشريف، أي أنها خاتمة عرى الإسلام.
* بدأ بالخشوع في الصلاة، وكأنه إشارة إلى أول ما يرفع، وختم بالمحافظة عليها إشارة إلى آخر ما يبقى.
* الخشوع غير المحافظة، فالخشوع أمر قلبي متضمن للخشية والتذلل وجمع الهمة والتدبر، وأمر بدني وهو السكون في الصلاة كما سبق ذكره فهو صفة للمصلي في حال تأديته لصلاته. وأما المحافظة فهي المواظبة عليها، وتأديتها وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها، وأن يوكلوا نفوسهم بالاهتمام بها، وبما ينبغي أن تتم به أوصافها، وقيل المراد يحافظون عليها بعد فعلها من أن يفعلوا ما يحبطها ويبطل ثوابها.
* استعمال الجمع مع المحافظة أنسب شيء للدلالة على المحافظة عليها بأجمعها.
* في المؤمنون بالجمع (صَلَوَاتِهِمْ) بينما في الأنعام والمعارج بالإفراد (صَلَاتِهِمْ) :
في المؤمنون قبل ذكر محافظتهم على صلاتهم ذكرهم بالفلاح (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) وهو الظفر بالمراد والبقاء فى الخير، وذكرهم بالخشوع فى صلاتهم (فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) وإعراضهم عن اللغو (عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) وذكر بعده تفخيم الجزاء فوصفهم بأنهم الوارثون ثم تخصيصهم بإرث الفردوس وهو أعلى الجنة ومنه تنفجر أنهار الجنة، ووصفهم بالخلود فيها، فناسب تفخيم الوصف تفخيم التعبير عن فعلهم فورد بلفظ الجمع فى قراءة الأكثرين.
في الأنعام (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)) لم يتقدم فيها غير ذكرهم بالإيمان فقط ولم يرد فيها ذكر جزائهم.
فى المعارج (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)) لم يوصفوا بمثل ما جاء في المؤمنون ووصف جزاءهم بـ (أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)) وهو أقل مما في سورة المؤمنون.
* جيء بالفعل المضارع (يُحَافِظُونَ) بخلاف ما مر من الصفات للدلالة على التجدد والحدوث، لأن الصلوات لها مواقيت وأحوال تحدث وتتجدد فيها فيصلى لكل وقت وحالة، فليس فيها من الثبوت ما في الأوصاف التي مرت.
* العطف بالواو في كل صفة من هذه الصفات للدلالة على الاهتمام بكل صفة على وجه الخصوص.
* ذكر الاسم الموصول مع كل صفة فلم يقل (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون، وعن اللغو معرضون وللزكاة فاعلون ...الخ) بل كرر الموصول مع كل صفة للدلالة على توكيد هذه الصفات، وأهمية كل صفة.
آية (۱٠) : (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ)
* جاء بضمير الفصل والتعريف في الخبر للدلالة على القصر، أي: هؤلاء الجامعون لهذه الأوصاف، هم الوارثون الحقيقيون وليس غيرهم ثم فسر هذا الإبهام بما بعده (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ) فجاء بفخامة وجزالة لإرثهم.
* جعل الله تعالى الجنة هنا إرثًا مستحقًا للمؤمن وكأنه أخذها عن حق مؤكد، لأن الوراثة تدل على الاستحقاق الثابت، وخصّ الإرث دون غيره لأنه أقوى أسباب استحقاق المال، فما أعظم عطاء الله وكرمه!
آية (۱۱) : (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
* تقديم الجار والمجرور (فِيهَا خَالِدُونَ) للدلالة على القصر وتناسب ذلك مع التقديم في الأوصاف السابقة: في صلاتهم خاشعون، للزكاة فاعلون، لفروجهم حافظون، لأماناتهم وعهدهم راعون، فجازاهم من جنس عملهم، فإن أولئك الذين قصروا أعمالهم على الخير، قصر الله خلودهم في أعلى الجنة ، فلا يخرجون عنه إلى ما هو أدنى درجة منه.
*مقارنة بين صفات المؤمنين فى سورتى المؤمنون والمعارج:
سورة المؤمنون: آيات سورة المؤمنون في ذكر فلاح المؤمنين بينما سورة المعارج: آيات سورة المعارج في ذكر المعافين من الهلع وقد جعل كل صفة في مواطنها:
سورة المؤمنون: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (۱) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (۷) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (۱٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
سورة المعارج: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (۱٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢۱) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (٢٤) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (٢۷) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣۱) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ)
سورة المؤمنون: (أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ)
ذكر صفة الإيمان على وجه العموم المؤمنون بيوم الدين وغيره فما ذكره هنا أكمل
سورة المعارج: ( وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ)
ذكر ركنًا من أركان الإيمان، وهو التصديق بيوم الدين
سورة المؤمنون: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)
الخشوع أعم من الدوام ذلك أنه يشمل الدوام على الصلاة وزيادة فهو روح الصلاة، وهو من أفعال القلوب والجوارح من تدبر وخضوع وتذلل وسكون وإلباد بصر وعدم التفات، والخاشع دائم على صلاته منهمك فيها حتى ينتهي
سورة المعارج: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ)
سورة المؤمنون: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)
وهو كل باطل من كلام وفعل وما توجب المروءة إطراحه
سورة المعارج: لم يذكر مثل ذلك
سورة المؤمنون: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ)
أعم وأشمل فالزكاة تشمل العبادة المالية كما تشكل طهارة النفس فهي أعلى مما في المعارج وأكمل فالزكاة تشمل أصنافًا ثمانية وليس للسائل والمحروم فقط
سورة المعارج: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ)
ذكر أنهم يجعلون في أموالهم حقًا للسائل والمحروم
سورة المؤمنون: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) سورة المعارج: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)
سورة المؤمنون: لم يذكر ذلك
سورة المعارج: (وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ) ذلك أنه في سياق المعاناة من الهلع وعلاقته بالنجاة منه، فاقتضى ذلك ذكره وتخصيصه من بين الأمانات
سورة المؤمنون: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)
بالجمع، والصلوات أعم من الصلاة وأشمل والمحافظة على الصلوات أعلى من المحافظة على الصلاة لما فيها من التعدد والفرائض والسنن
سورة المعارج: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)
بإفراد الصلاة
سورة المؤمنون: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
فلما كانت الصفات في آيات سورة (المؤمنون) أكمل وأعلى كان جزاؤهم كذلك، فجعل لهم الفردوس ثم ذكر أنهم خالدون فيها، والفردوس أعلى الجنة وربوتها، وأفضلها، ومنه تتفجر أنهار الجنة، ثم ذكر أنهم فيها خالدون
سورة المعارج: (أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ)
ولم يذكر أنهم في الفردوس، ولم يذكر الخلود، فانظر كيف ناسب كل تعبير موطنه
سورة المؤمنون: (المؤمنون) هم المصدقون بيوم الدين وزيادة.
- والخشوع في الصلاة، وهو الدوام عليها وزيادة.
- وفعلهم للزكاة وهي العبادة المالية وزيادة ومستحقوها هم السائل والمحروم وزيادة.
- ذكر الإعراض عن اللغو وهو زيادة.
- ذكر الصلوات وهي الصلاة وزيادة.
- ثم ذكر الفردوس وهي الجنة وزيادة في الفضل والمرتبة.
- ذكر الخلود فيها وهو والإكرام وزيادة.
فانظر ما أجمل هذا التناسب والتناسق، فسبحان الله.
آية (۱٥ - ۱٦) : (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ)
* جاء التوكيد مع ذكر الموت بـ (إنّ) واللام، أما مع ذكر ابعث جاء التوكيد بـ (إنّ) فقط لأن هناك قاعدة نحوية أن اللام إذا دخلت على الفعل المضارع أخلصته للحال فلا يصح أن يقال لتبعثون لأنها لن تفيد الإستقبال. يوم ولا تصح اللام هنا لأن الكلام على يوم القيامة.
* أكد الموت توكيدين في آية سورة المؤمنون ومرة واحدة في آية سورة الزمر (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ (٣٠)) :
- ذكر الموت في سورة المؤمنون ۱٠ مرات بينما ذكر في سورة الزمر مرتين فقط.
- تكررت صور الموت في سورة المؤمنون أكثر منها في سورة الزمر ففي سورة المؤمنون الكلام أصلًا عن خلق الإنسان (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ... فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) وهذا أكبر دليل على أن إعادته ممكنة ولا شك أنها أسهل من الخلق والإبتداء، فجعل سبحانه وتعالى توكيدين في الخلق وتوكيدًا واحدًا في البعث لأن البعث أهون عليه من الخلق من عدم وكلهما هين على الله تعالى.
- لو لاحظنا ما ذكره تعالى في خلق الإنسان لتُوهّم أن الإنسان قد يكون مخلّدًا في الدنيا، وكثيرًا ما يغفل الإنسان عن الموت وينساق وراء شهواته فيعمل الإنسان عمل الخلود، فأراد تعالى أن يُذكّرهم بما غفلوا عنه، وكل المحاولات للخلود في الدنيا ستبوء بالفشل مهما حاول الناس للخلود لا يمكنهم هذا.
- الآية لم ترد في سياق المنكرين للبعث فليس من الضرورة تأكيد البعث كما أكدّ الموت.
آية (۱٩) : (فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)
* في سورة المؤمنون (لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) وفي سورة الزخرف (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ) :
في سورة المؤمنون السياق في الكلام عن الدنيا وأهل الدنيا وتعداد النعم، والفاكهة في الدنيا ليست للأكل فقط فمنها ما هو للإدخار والبيع والمربّيات والعصائر فكأنه تعالى يقصد بالآية: ومنها تدّخرون ومنها تعصرون ومنها تأكلون وهذا ما يُسمّى عطف على محذوف.
في سورة الزخرف السياق في الكلام عن الجنة (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (۷٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (۷٣)) والفاكهة في الجنة كلها للأكل ولا يُصنع منها أشياء أخرى.
* الفرق بين فواكه (لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) وفاكهة (فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (۱۱) الرحمن) :
فاكهة أعمّ. الفاكهة إسم جنس والفواكه جمع وإسم الجنس هنا أعمّ من الجمع لذلك تستعمل الفاكهة في القرآن لما هو أوسع من الفواكه،
أيها الأكثر الفواكه في الأرض كلها أو فقط في البساتين ؟ لذلك لما قال (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ) قال (فيها فاكهة) ولما قال (فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) قال (لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ)، أيها الأكثر؟ الفاكهة أكثر.
آية (٢۱) : (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)
* الفرق بين كلمة (بطونه) في آية سورة النحل و (بطونها) في آية سورة المؤمنون :
قال تعالى في سورة النحل (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)) .
قاعدة: المؤنث يؤتى به للدلالة على الكثرة بخلاف المذكر وذلك في مواطن عدة كالضمير واسم الإشارة وغيرها.
- آية النحل تتحدث عن إسقاء اللبن من بطون الأنعام واللبن لا يخرج من جميع الأنعام بل يخرج من قسم من الإناث فجاء بضمير القلة وهو ضمير الذكور.
- آية المؤمنون الكلام فيها على منافع الأنعام من لبن وغيره وهي منافع تعم جميع الأنعام ذكورها وإناثها صغارها وكبارها فجاء بضمير الكثرة وهو ضمير الإناث لعموم الأنعام
آية (٢٤) : (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)
* قصة سيدنا نوح عليه السلام متضمنة في أكثر من عشر سور تقريباً في القرآن الكريم:
في القصص القرآني عموماً ليس هنالك تكرار، وإنما يُذكَر في كل موضع ما يناسب المقام الذي وردت فيه وما يُراد أن يسلط عليه الضوء، وقد تكون القصص أحياناً مكملة إحداها للأخرى، يعني يُذكر في السورة ما تكمل السورة التي قبلها، لو لاحظنا في الأعراف أول موضع وردت فيه قصة نوح عليه السلام كانت القصة موجزة من حيث أحداثها، وبدأت بقوله تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٥٩)) من دون أن تُسبق بالواو، ثم في كل المواطن التي تلتها قال (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) عدا سورة نوح لأنها بداية السورة، وهي كلها ليست عاطفة (الواو) لكن كأنها معطوفة على القصة الأولى.
في سورة الأعراف
- تبدأ بدعوة نوح لقومه إلى عبادة الله وهي دعوة الرسل جميعاً في الأعراف (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)) .
- هم ردوا عليه أجابوا (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (٦٠)) .
- هو رد عليهم (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (٦١)) .
- لاحظنا أنه لم يذكر له أتباع هنا لأنها في ابتداء الدعوة فلم يذكر له أتباعاً.
في سورة يونس
- لم يذكر أنه دعاهم إلى عبادة الله فاكتفي بالدعوة إلى عبادة الله في الأعراف ولم يكررها هنا كأنها استكمال لما ورد هناك.
- اكتفى برد قومه في الأعراف فلم يذكر ماذا قال له قومه في يونس ولكن ذكر كلاماً آخر.
- بدأوا في الكلام في الأعراف وهو رد عليهم، واستكمل الرد عليهم في سورة يونس فيما أخذوه على شخصه هو، فتحداهم (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ (٧١)) فليفعلوا به ما يشاؤون، هذا ملمح جديد لم يذكره في الأعراف.
- لم يذكر أن له أتباعاً (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢))، حتى هذه اللحظة الدعوة لا تزال في مهدها.
في سورة هود
- القصة طويلة وهي أطول ما ذكر في سورة هود.
- دعاهم إلى عبادة الله وذكر أنه لهم نذير مبين وذكر رد الذين كفروا.
- الآن ظهر له أتباع لأنها دعوة، لكنهم سفّهوا الأتباع وبدأوا يزدرونهم (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)) هذا ليس في يونس.
- كان هنالك كلام طويل وجدال بينهم (قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)) .
- ثم ذكر كيفية النجاة التي وصفها، لم يذكرها في الأعراف ولا في يونس.
- وذكر صنع الفلك (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ (٣٨)) واستهزاؤهم به وجريان الفلك وماذا يحمل ومن يحمل والحوار إلى قوله (وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ (٤٤)) كأنها استكمال وتوضيح لما سبق، ففي يونس قال (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ (٧٣)) ولم يذكر كيف نجّاه.
- كل ها لغرض بياني ليعرف كيف يتصرف الداعية فبدأ أول مرة بـ (الدعوة) ثم تعرّضوا لشخصه، كيف يدافع عن شخصه هو؟ تعرّضوا لأتباعه كيف يدافع؟ كيف يقول؟
في سورة الأنبياء
- القصة ليست في سياق الدعوة والتبليغ أصلاً وإنما في سياق نجاة من نجى من الأنبياء واستجابة من دعا من الأنبياء، هو ذكر نجاة إبراهيم ونجاة لوط ونجاة نوح واستجابة دعائه واستجابه دعاء أيوب وذي النون وزكريا.
- قال (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)) لم يذكر دعوة، هذا في سياق دعاء الأنبياء.
- سمة عامة متشابهة للأنبياء المذكورين على تطاول المدة ذكر كيف كان الأنبياء مع أقوامهم وكيف كانوا يدعون لهم وكانوا يلجأون إلى الله بالدعاء وربنا يستجيب لهم.
في سورة المؤمنون
- ذكر قصة نوح والنجاة في الفلك بعد ذكر الأنعام وفوائدها والحمل عليها وعلى الفلك (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)) الفلك عامة.
- الجانب المذكور في سورة المؤمنون من قصة نوح لا يطابق ما ورد من قبل، هو بلّغهم بالدعوة فقط (فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)) ولم يقل شيئاً آخر.
- قومه لم يواجهوه بكلام أبداً لكن كانوا يذكرون رأيهم في مجالسهم في غيبته (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)) أما أمامه لم يذكروا شيئاً، هذا مشهد آخر لم يُذكر فيما سبق هذا استكمال، هذا واقع الناس هكذا أنه إذا شخص يتكلم يتحدثون معه ثم إذا ذهب يتكلمون عنه، وهذا تنبيه أيها الداعية أنت تتوقع أن الكلام بينك وبينهم تكلمت وانتهت المسألة لكن فيما بعد سيكون هناك كلام وحديث.
- لأول مرة دعا ربه لينصره بصورة صريحة (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)) لجوء إلى الله بصراحة.
في سورة الشعراء
- أولاً قال في قوم نوح مثل ما قاله في الأقوام الأخرى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)) كل الرسل بدأ بمثل هذه البداية لتدل على وحدة الرسالة.
- ثم ذكر مواقف الأمم من رسلهم وهي كلها على نمط واحد والتعليق واحد في الأخير.
- في هذه السورة لم يطلب منهم عبادة أصلاً وإنما تقوى الله وطاعة رسوله كأنها كانت استكمالاً لما قبلها، ذكرنا أنه أمرهم بالعبادة في الأعراف وفي المؤمنون (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) وفي هود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) أما هنا مرحلة بعد العبادة، وكأن الخطاب السماوي تغير وانتقل إلى مرحلة أخرى.
في سورة العنكبوت
- لم يذكر لا دعوة ولا موقف قومه منه.
- لم يذكر تقوى ولا طاعة.
- ذكر مدة لبثه في قومه وأنهم أخذهم الطوفان لظلمهم، كأن واحد يسأل كم بقي؟ قال عبارة قصيرة (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)) .
- حتى السفينة لم تذكر إلا هنا وفي الباقي ذكر الفلك.
في سورة الصافات
- ليس فيها دعوة.
- لكن ذكر أن نوحاً دعا ربه فأجابه ونجاه وأهله من الكرب العظيم (وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)) من أي كرب؟ لم يوضح.
- إنما جعل ذريته هم الباقين (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧))، هذا لم يذكر المواطن الأخرى، بعد الـ٩٥٠ سنة الذي حصل أنه نجاه وجعل ذريته هم الباقين.
- ذكر ما كان بعد نوح، بعد النجاة، ماذا ترك عليه في الآخِرين؟ (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)) (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (٨٢)) من هم الآخَرين؟ لم يذكر.
- في النجاة لم يذكر غير أهله لم يذكر من آمن بينما في السابق كان يذكر من آمن، هذا يسمى من المقامات الخفية، هو قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) معناها أهلك الآخرين، هل نجاهم ليهلكهم؟ لا. هم نجوا، لكن قضوا أعمارهم وماتوا فلم يشر إليهم، وبقيت ذرية نوح فقط.
في سورة القمر
- استهل القصة كما يستهل القصص في بقية الأقوام (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ (٩)) .
- نلاحظ أنه لم يذكر أنه دعا قومه إلى عبادة الله وإنما ذكر أمراً آخر وهو تكذيب قومه وزجر قومه له.
- ثم دعا أنه مغلوب (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠)) المغلوب يطلب النصر، الآن بعد أن طالت المسالة واستمرت قروناً ونفض يده من استجابتهم دعا ربه.
- وبعد الدعاء الإستجابة السريعة (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)) .
- لأول مرة تذكر كيفية صنع السفينة (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)) .
- كان التعقيب على القصص كلها كان تعقيباً واحداً (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ) تعقيب على موقف البشرية من الرسل على مر التاريخ.
في سورة نوح
- آخر موطن تذكر فيها قصة نوح واسم نوح، وفي كل موطن يذكر جانباً مختلفًا.
- سورة نوح هي أشبه بتقرير نهائي قدّمه نوح إلى ربه في مسار الدعوة، ذكر فيه موقف قومه منه، ولم يخاطب قومه بشيء ولم يخاطبوه بشيء:
- (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)) هذا بدء الرسالة، أمره ربه بإنذار قومه.
- استجاب نوح لأمر ربه (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢)) .
- ثم ذكر إلى ماذا دعاهم (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)) .
- ثم ذكر ماذا كان منه (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)) .
- ثم ذكر ماذا كان منهم وماذا كان موقفهم؟ (قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١)) .
- ثم ذكر أنهم مكروا مكرا كبارا (وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)) .
- ثم ذكر عاقبتهم في الدنيا والآخرة، تقرير جامع والعقوبة كانت جامعة في الدنيا (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا (٢٥)) وفي الآخرة (فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا) .
- ثم ذيل التقرير بمقترح الخاتمة وهو توصية أن يهلكهم كلهم، (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)) خاتمة التقرير.
- ثم علل المقترح لماذا؟ (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)) إذن المقترح والتعليل.
- ثم ختم التقرير بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢٨)) لعله أن يكون قد قصّر في عمله.
- طلب المغفرة والدعاء لأوسع مجموعة لم يذكر مثلها في القرآن الكريم (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢٨)) أوسع دعاء لم يرد مثله في القرآن ، على العموم والإطلاق أوسع دعاء في أوسع دعاء جامع، في أوسع تقرير. سورة نوح عجيبة!..
- لم يرد لهم ذكر في القرآن بعد هذه السورة.
- هذا التقرير الذي اقترحه (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) ولم يصنعه كثير من الأنبياء لأن قول نوح للبشرية ، والبشرية الآن كلها أولاد نوح أبو البشرية الثاني ولذلك قال (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ (٧٧) الصافات)، وأما قول الباقين فلأقوامهم، لا يمكن أن تكون مجموعة صغيرة مثل الذي يقدم هذا التقرير، هذا تقرير للبشرية.
هذا تقرير عجيب جمع صورة الحدث كله، الصورة النهائية لكل تاريخ الدعوة وخلاصة رحلته الطويلة!
- في الأعراف والمؤمنون الأمر بالعبادة (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ)، وفي هود إنذار (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ)، وفي الشعراء أمر بالتقوى والطاعة (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)، وفي التقرير النهائي في نوح (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ) جمع ما تفرق وما قيل في كل القصص في الأعراف والمؤمنون وهود والشعراء، وكأنه يختصر الرسالة التي جاء من أجلها كلها بجميع أركانها بهذا المقترح.
- ليس فقط هذا بل جمع بين القول الصريح (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) و(أن) المفسِّرة (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ)
وهذا أيضاً ما تفرق في الأعراف والمؤمنون (فَقَالَ يَا قَوْمِ) قول، وهود (أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) (أن) المفسرة، والشعراء (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)) قول، فجمع كل الصورة التعبيرية ولم يجمع بينها في موطن آخر.
* (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) ما هي هذه الواو مع أنه ليس قبلها قصة؟
هذه ابتدائية، ذكرنا الغريب أنه عندما ذكرت أول مرة قال (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٥٩) الأعراف) وكل الباقي بعدها عندما يذكر أرسلنا جاءت كلها بالواو (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا) كلها بالواو إلا إذا كل القصص الموجودة ليس فيها واو كما في الشعراء والقمر والباقي كلها بالواو وإن لم تكن هناك معطوفة على كلام.
آية (٢٤) : (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)
* الفرق بين الآيتين (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ (٢٤)) و (وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (٣٣)) :
مقارنة بين الآيتين (٢٤) و (٣٣) من سورة المؤمنون
(فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤))... في قوم نوح عليه السلام
(وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ(٣٣))... في قوم لم يذكر من هم
من القائل؟ (الَّذِينَ كَفَرُوا)
(الَّذِينَ كَفَرُوا) هنا صفة للملأ، ومعنى هذا أن هناك من القوم من ليسوا كافرين
(الَّذِينَ كَفَرُوا) قد يكون وصفًا للملأ ويحتمل أنها صفة للقوم،
إذن هنا أوسع وأشمل كفرًا من الأولى
ذكر صفة الكفر فقط (الَّذِينَ كَفَرُوا)
ذكر صفات أخرى وأمورًا كثيرة من الكفر:
- (الَّذِينَ كَفَرُوا)
- (وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ)
- (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
فذكر الكفر أعمّ والصفات أشد
وبناءًا على هذا لما ذكر العقوبة:
ذكر ناجين من قوم نوح (فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ (٢۷)) إذن هناك ناجين.
لم يذكر ناجين في القوم الآخرين (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاء فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤۱)
فمع العموم الذي وصف به القوم من الكفر؛ صار الهلاك على العموم للقوم ولم يذكر ناجين.
آية (٢۷) : (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)
* الفرق بين (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) في سورة هود و (فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ (٢٧) المؤمنون) :
الدلالة مختلفة، سلك هو النفاذ في الطريق، اسلك معناها أدخِل (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء) (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) أما احمل فمن الحِمل معروف ويكون بعد السلوك أولاً يدخل السفينة ثم يحمل، في قصة نوح نفسها متى قال أُسلك؟ ومتى قال احمل؟. آية هود جاء الأمر وصنع الفلك فقال فيها احمل (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ... قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا ...) وفي سورة هود ذكر ما دلّ على الحمل لأن الحمل جاري في السفينة (حمل السفينة للأشخاص) (وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ) بمعنى تحملهم (يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ) بينما في آية المؤمنون قالها قبل الفعل ولم يذكر الحمل أو صورة الحمل (وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) .
* في سورة المؤمنون (إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ) وفي آية سورة هود لم ترد )منهم) :
سورة هود مبنية على العموم (مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) أعمّ من (مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ)، وكذلك الآيات (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) (بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ) ذكر تعالى السلام والبركات وهذا دليل العموم، أما في سورة المؤمنون فالسياق في التخصيص فلم يذكر السلام والبركات وإنما خصص كما في الآية (أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُبَارَكًا)، ولهذا ذكر (مِنْهُمْ) و(فَاسْلُكْ) .
* كلمة اثنين ترد أحيانًا مع زوجين (مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) وأحيانًا لا ترد (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) الذاريات) :
اثنين معناه ذكر وأنثى، في آية الذاريات قال (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) وهذا ليس مقصوداً فيه الذكر والأنثى وإنما عموم المتضادات والمتقابلات مثل البروتون والإلكترون، هذان زوجان. الزوج هو الواحد في الأصل (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) الزوج هو واحد وتطلق على الذكر والأنثى، الرجل زوج والمرأة زوج والاثنان زوجان وهذه أفصح اللغات.
* كلمة (وَأَهْلَكَ) الحكم القاطع هو أنها إسم بمعنى الأهل وهناك مرجحات:
- الآية تشير أن الهلاك لم يحصل بعد لأنهم لم يركبوا، فلا يصح أن تعتبر كلمة (وَأَهْلَكَ) بمعنى الإهلاك.
- لو كان (وَأَهْلَكَ) فعل بمعنى الهلاك عادة يكون الاستثناء مفرّقًا والاستثناء المفرّق لا يكون إلا مسبوقًا بنفي أو ما يشبه النفي وهنا مفرّق لكن ليس مسبوقاً بنفي وهذا ما يُضعّف أن يكون أهلك بمعنى فعل الإهلاك.
- في آية سورة المؤمنون (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (٢٧)) فالضمير يعود على الأهل ونستدلّ من هذه الآية أن المقصود هو الأهل وليس فعل الإهلاك.
- أما ما يقطع بأن المقصود هم الأهل فهو أنه لو كان أهلك فعل ماضي سيكون الناجون ما ذكر بعد الاستثناء قسمين الأول (مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) والثاني (وَمَنْ آمَنَ) ومن سبق عليه القول ليسوا مؤمنين لكن في الواقع أن الناجين هم المؤمنون فقط لذا فلا يمكن ولا يصح أن تكون النجاة لغيرهم.
* في هود (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (٣٦)) جاءت بالمبني للمجهول مع أنه هنا يقول (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ (٢٧) المؤمنون) :
في المؤمنون نوح دعا ربه لكي ينصرنه (قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ) هو يريد النصر من الله حصراً فاستجاب له، من دعاه أجابه وقال (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ) بالمعلوم، ما قال أُوحي إليه، الفاء هنا تعقيب يعني مباشرة (رَبِّ انصُرْنِي)- (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ)، والملاحظ في القرآن كله إذا جاء فعل أمر بعد فعل الإيحاء يذكر الفاعل ولا يبنيه للمجهول مثلاً (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ)، (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)، (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي) (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي)، (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا). (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) .
في هود ليس هناك دعوة فقال (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ) مبني للمجهول.