## التعريف العام بالسورة :
* المكي والمدني وعد الآي :
اختلف في هذه السورة هل هي مكّية أم مدنية؛ لحديثين في سَبَبِ نزولها متعارضين، وجَمَع بعضُهم بينهما بتكرر نزولها (ابن عطية، المحرّر الوجيز: 536/5، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 244/20)، والسيوطي، الإتقان في علوم القرآن: 55/1).
~ سورة الإخلاص مكية ~
والحقيقة أن الروايات التي ذُكِرَت في سبب نزولها لم تخلص من نقد أو تضعيف عند كثير من المحدثين، ويرجح مكَّيَّتَها أَنَّهَا جَمَعَت أصل التوحيد، وهو الأكثر فيما نزل من القرآن بمكة (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 611/30).
وأما عدد آياتها؛ فهي خمس آيات في المكي والشامي، وأربع في عدد الباقين، اختلافها آية: (لَمْ يَلِدْ): عدها المكي والشامي، ولم يعدها الباقون (الداني، البيان في عد آي القرآن، ص: 296).
* ترتيب النزول وترتيب المصحف :
سورة الإخلاص هي الثانية عشْرَةَ بعد المئة في الترتيب المصحفي الشريف، وهو الترتيب الثابت والمعوّل عليه عند أهل النظر والتحقيق، وجاء ترتيبها المصحفي بعد سورة المسد، وقبل سورة الفلق، وأما ترتيبها النزولي؛ فقد عُدَّت السورة الثانية والعشرين في عداد نزول السور، نزلت بعد سورة الناس، وقبل سورة النجم (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 611/30، ودروزة، التفسير الحديث: 68/2، وعبد القادر ابن ملا حويش، بيان المعاني: 1/ 188).
~ رتبت في المصحف بين المسد والفلق وفي النزول بين الناس والنجم ~
* فضائل السورة :
هذه السورة من قصار سور المفصل، الذي قال فيه النبي ﷺ فيما رواه عنه واثلة بن الأسقع رضي الله عنه: «أُعطيتُ مكانَ التَّوراةِ السَّبع الطوال، وأُعطيتُ مكان الزبور المئين، وأُعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلتُ بالمُفصَّل» (أخرجه أحمد في المسند (16982)، والطبراني في المعجم (22) (76) (187)، والبيهقي في شعب الإيمان: (2415) 352/2).
~ هذه السورة من قصار سور المفصل، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة ~
وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة بروايات متنوعة، منها ما جاء في صحيح البخاري:
أولاً: أَنها تَعدِلُ ثُلُثَ القرآن، فعَنْ أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يُرَدِّدُها، فَلَمَّا أَصْبَحَ؛ جَاءَ إِلَى رَسولِ الله ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقالُّها، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن» (البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم (4726)).
ثانيًا: أن حُبَّها ومداومة قراءتها يُدخلان الجنّة، فعن أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ يَؤُمُّهُم فِي مَسْجِدِ قُباء، وكانَ كُلَّما افتَتَحَ سورَةً يَقْرَأُ بِها لَهُم فِي الصَّلاةِ مِمَّا يقرأ به افتتح: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حتَّى يَفرُغَ منها، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصحابه، فقالوا: إنَّك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تُجزِئُك حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها، وإما أن تَدَعَها، وتَقْرَأَ بِأُخْرَى، فقال: ما أنا بتاركها، إنْ أَحْبَبْتُم أَنْ أَؤُمَّكُم بِذَلِكَ؛ فَعَلْتُ، وإِنْ كَرِهْتُمْ؛ تَرَكْتُكُمْ، وكانوا يَرَونَ أَنَّهُ مِن أَفْضَلِهِمْ، وكرهوا أنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ أخبروه الخَبَر، فقال: يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصْحَابُكَ، وما يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السِّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّها، فقال: حُبُّك إياها أدخلك الجنَّة» (البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم (741)).
ثالثًا: أنّها حَوَتْ صفاتِ الرَّحمن، ففي رواية أخرى للحديث السابق عن أم المؤمنين عائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فيَخْتِمُ بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فَلَمَّا رَجَعُوا؛ ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ، فسألوه، فقال: لأنَّها صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وأنا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأ بها، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أخبروه أَنَّ اللهَ يُحِبُّه» (البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم (6940)).
رابعًا: وأن قراءتها تحمي الإنسان، وتقيه من الشَّرِّ، فقد جاء عن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة؛ جمع كَفَّيه، ثمَّ نَفَثَ فيهما، فقرأ فيهما: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) [الفلق: 1]، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) [الناس: 1]، ثم يمسح بهما ما استطاع من جَسَدِه، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات» (البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم (4729)).
* اسم السورة ومناسبة تسميتها :
وردت تسميتها بسورة (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) في صحيح البخاري (البخاري، صحيح البخاري، باب فضل قل هو الله أحد: 1915/4)، وبسورة (الإخلاص) في سنن الترمذي (الترمذي، سنن الترمذي، باب: ومن سورة الإخلاص: 451/5)، وقد عقد الإمام الرازي فصلاً لأسمائها، محاولاً ربطها بموضوعها، فقال: "اعلم أنَّ كَثْرَةَ الألْقابِ تَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ الفَضيلَةِ، وَالْعُرْفُ يَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، فأَحَدُها: سورَةُ التَّفْريدِ. وثانيها: سورَةُ التَّجْرِيد. وثالثها: سورة التوحيد. ورابعها: سورة الإخلاص؛ لأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ السِّورَةِ سوَى صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ الَّتِي هِيَ صِفاتُ الجَلالِ، وَلِأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَهُ؛ كانَ مُخْلِصًا في دين الله، ولأنَّ مَنْ ماتَ عَلَيْهِ؛ كَانَ خَلاصَهُ مِنَ النار، ولأنَّ ما قَبْلَهُ خَلَصَ فِي ذَمِّ أبي لَهَبٍ، فَكَانَ جَزَاءُ مَن قَرَأَهُ أَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي لَهَبٍ.
~ تعددت أسماء السورة لكثرة فضائلها واشتهرت باسم الإخلاص ~
وخامسها: سورَةُ النَّجاةِ؛ لأنَّها تُنْجِيكَ عَنِ التَّشْبِيهِ وَالكُفْرِ فِي الدُّنْيَا، وَعَنِ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ.
وسادسها: سورَةُ الوِلايَةِ؛ لأَنَّ مَن قَرَأها؛ صارَ مِن أولياء الله، ولِأَنَّ مَنْ عَرَفَ الله عَلَى هَذا الوَجْهِ؛ فَقَدْ وَالاهُ، فَبَعْدَ مِحْنَةٍ رَحْمَةٌ، كَمَا بَعْدَ مِنْحَةٍ نِعْمَةٌ.
وسابعُها: سورَةُ النِّسْبَةِ؛ لما روّينا أَنَّهُ ورَدَ جَوابًا لِسُؤالِ مَنْ قَالَ: انْسُبُ لَنَا رَبَّكَ.
وثامنها: سورَةُ المَعْرِفَةِ؛ لأنَّ مَعْرِفَةَ الله لا تَتِمُّ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ السَّورَةِ.
وتاسعها: سورة الجمال؛ لأن الله جميلٌ يُحِبُّ الجمال، ومن أعظم صفات الجمال أنه أحد صمد لم يلد ولم يولد.
وعاشرها: سورَةُ الْمُقَشْقِشَةِ، يُقالُ: تَقَشْقَشَ المريضُ مِمَّا بِهِ، فَمَنْ عَرَفَ هَذَا؛ حَصَلَ لَهُ البُرْءُ مِنَ الشِّرْكَ والنِّفاقِ؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ مَرَضٌ.
والحادي عَشَرَ: الْمُعَوَّذَةُ؛ لأنَّه يُتَعَوَّذُ بها مع سورتي الفَلَقِ والنَّاس.
والثاني عشر: سورة الصمد؛ لأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِذِكْرِهِ تَعَالَى.
والثَّالِثَ عَشَرَ: سورَةُ الأساس؛ لأن السماوات السبع والأرضِينَ السَّبْعَ أُسست على التوحيد.
والرَّابِعَ عَشَرَ: سورة المانعة؛ لأنها تمنع عذاب القبر ولفحاتِ النيران.
والخامِسَ عَشَرَ: سورَةُ المَحْضَرِ؛ لأنَّ المَلائِكَةَ تَحْضُرُ لاستِماعِها؛ إِذا قُرِئَتْ.
والسّادِسَ عَشَرَ: الْمُنَفِّرَةُ؛ لأَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ عِنْدَ قِرَاءَتِها.
والسَّابِعَ عَشَرَ: البَراءَةُ؛ لأنَّها براءة لصاحبها في الدنيا من الشرك، وفي الآخرة من النار.
والثَّامِنَ عَشَرَ: سورَةُ الْمُذَكِّرَةِ؛ لِأَنَّها تُذَكِّرُ العَبْدَ خَالِصَ التَّوْحِيدِ، فَقِراءَةُ السَّورَةِ كالوِسْمَةِ تُذَكِّرُكَ مَا تَتَغافَلُ عَنْهُ مِمَّا أَنْتَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ.
والتَّاسِعَ عَشَرَ: سورَةُ النُّورِ؛ لأنّ الله نور السماوات والأرض، والسورة نور القرآن، وهي تنور قلب قارئها.
والعشرون: سورة الأمان؛ لأنّ من قرأها؛ دخل في حصن الله، وأمِنَ مِن عذابه" (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 357/32 - 358).
* المحور العام للسورة :
المحور الذي قامت عليه السورة هو الحديث عن صفات الله تعالى، وإثبات وحدانيته وأنه الصَّمَدُ الذي لا يُقصد في الحوائج غيره، ولا يَتَّصف بالكمال إلا هو، وأنه مُنزَّه عن سمات المحدثات، فليس كمثله شيء، وليس له مثيل ولا كفء، وإبطال أن يكون له ابن أو أب، وذلك يُفضي إلى أنه الأول والآخر.
~ مدار السورة على التخلية والتحلية ~
~ محور السورة يقوم على إثبات الوحدانية ونفي وجود الشركاء لله تعالى ~
## موضوعات السورة وخصائصها :
تدور موضوعات هذه السورة حول تنزيه الله تعالى عن صفات النقص، وإثبات صفات الكمال له، فهَذِهِ السَّورَةُ فِي حَقٌّ اللَّهِ مِثْلُ سورَةِ الكَوْثَرِ فِي حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ، لَكِنَّ الطَّعْنَ فِي حَقِّ الرَّسُولِ كَانَ بِسَبَبٍ أَنَّهُم قالوا: إنّه أبتَرُ، لا ولد له، وهاهنا الطَّعْنُ بِسَبَبٍ أَنَّهُم أثبتوا لله ولدًا؛ وذَلِكَ لِأَنَّ عَدَمَ الوَلَدِ في حَقِّ الإِنْسَانِ عَيْبٌ، وَوُجودَ الوَلَدِ عَيْبٌ فِي حَقِّ الله تعالى؛ فلهذا السبب قال هاهنا: (قُلْ) أي: (حَتَّى تَكُونَ ذابًا عَنِّي)، بخلاف سورَةِ الكَوثَر: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ) [الكوثر: 1]، أي: (أنا أقولُ ذَلِكَ الكَلامَ حَتَّى أكون أنا ذابًا عنك) (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 366/32).
وهذه السورة تضمنت أهم أركان العقيدة والشريعة الإسلامية، وهي توحيد الله تعالى وتنزيهه، واتصافه بصفات الكمال، ونفي الشركاء، وفي هذا رد على النصارى القائلين بالتثليث، وعلى المشركين الذين عبدوا مع الله آلهة أخرى (الزحيلي، التفسير المنير: 461/30).
~ تميزت سورة الإخلاص بخصائص موضوعية أفردتها عن غيرها من السور ~
* الخصائص الموضوعية للسورة :
أولاً: تميزت سورة الإخلاص ببراعة الاستهلال؛ إذ لم يُشاركها في مطلعها بالأمر (قُلْ) سوى سور الجن والكافرون والمعوذتين، وقد اشتركت جميعها بدعوتها إلى التوحيد، وبضرورة الالتجاء إلى الله دون ما سواه، والاستعاذة به من شرور خلقه، وبتحقيق المفاصلة بين دعوة الحق ودعوة الباطل، ولكنها هنا تميزت عنها جميعًا بدعوتها إلى توحيد الله تعالى من الآية الأولى فيها.
ثانيًا: تميزت هذه السورة كذلك بأن جميع آياتها تناولت موضوعًا واحدًا فقط، فقد اقتصرت السورة على إثبات الوحدانية لله تعالى، وإثبات صفات الكمال له، ونفي الصفات السلبية عنه.
ثالثًا: تميزت السورة الكريمة عن غيرها من السور بفضائلها التي وردت في الأحاديث السابقة، فقراءتها تعدل قراءة ثلث القرآن، وهي صفة الرحمن، وهي التي تحفظ الإنسان من الشرور.
رابعًا: تميزت السورة الكريمة أيضًا بأنها وصَفَتِ الله تعالى بأنه (أَحَدٌ)، ولم يُذكر الوصف (واحد) بخلاف غيره من مواضع القرآن، ومِنَ الفُروق بين اللفظَتَيْن أَنَّ الواحِدَ يَدْخُلُ فِي الأَحَدِ، والأَحَدُ لا يَدْخُلُ فِيهِ، وأنَّه إذا قيلَ: فُلانٌ لا يُقاوِمُهُ وَاحِدٌ؛ جَازَ أَنْ يُقالَ: لَكِنَّهُ يُقاوِمُهُ اثنان، بخلاف الأحَدِ، فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ: فُلانٌ لَا يُقاوِمُهُ أحَدٌ؛ لا يجوز أن يُقالَ: لَكِنَّهُ يُقاوِمُهُ اثْنَانِ، وأَنَّ الواحِدَ يُسْتَعْمَلُ فِي الإثبات، والأحَدَ في النَّفْيِ فَيُفيد العموم، ووصفته السورة كذلك بأنه (صمد)، وهذا لم يَرِدْ في غيرها، وتميزت السورة أيضًا بأنها نفت عنه الأصول والفروع معًا (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 360/32).
* الخصائص الأسلوبية للسورة :
أولاً: تميزت السورة الكريمة بأنّ فاصلتها كانت حرفًا واحدًا شديدًا مُقَلْقَلًا، وهذه الشدَّة مع اهتزاز القلقلة يتناسب مع موضوع نفي الصفات السلبية عن الله تعالى وإثبات صفات الكمال له.
~ تميزت سورة الإخلاص بخصائص أسلوبية أفردتها عن غيرها من السور ~
ثانيًا: تميزت أيضًا بأنها على وجازة ألفاظها ذكرت اسم الجلالة مرتين، وأضمَرَته نحو أربع مرات، وذكرت أيضًا لفظة الوحدانية (أَحَدٌ).
ثالثًا: حَوَتِ السّورة ألفاظًا فريدةً في بنيتها، مثل: (أَحَدٌ)، و(يَلِدْ)، و(يُولَدْ).
رابعًا: حَوَتِ السّورة الكريمة ألفاظًا فريدة في بنائها ومادتها، وهي: (الصَّمَدُ)، و(كُفُوًا).
خامسًا: تميزت السورة الكريمة بأنساقها التعبيرية الفريدة التي لم تشاركها فيها سورة أخرى، فلم يتكرر شيء من سبائكها وتراكيبها في القرآن الكريم.
* علاقة سورة الإخلاص بسورة (الكافرون) :
~ سورة الإخلاص متصلة بسورة المسد مضمونا وأسلوبا ~
سورة الإخلاص متصلة بسورة (الكافرون)، التي هي للتَّبَرُّؤ من جميع أنواع الكفر والشرك، وأما سورة الإخلاص؛ فهي لإثبات التوحيد لله تعالى، المتميّز بصفات الكمال، المقصود على الدوام، المنزه عن الشريك والشبيه؛ ولذا قُرِنَ بينهما في القراءة في صلوات كثيرة، كركعتي الفجر، والطواف، والضحى، وسنة المغرب، وصلاة المسافر (الزحيلي، التفسير المنير: 461/30).
موسوعة التفسير البلاغي، المجلد الثامن والستون،
من ص 658 إلى ص 664
مجمع القرآن الكريم بالشارقة.
[قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [الإخلاص: 1-4]]
## مناسبة السورة لما قبلها :
سورة الإخلاص مكملة لما في سورة المسد، ففي تلك ذُكر أنموذج لمن كفر بالله تعالى، وأنكر وحدانيته، وعبد معه أصنامًا لا تضر ولا تنفع، وهذه تناولت الوحدانية بأجلى صورها، في الذات، وفي الصفات، وفي الأفعال.
لما ذم النظم الكريم أعداء التوحيد، وأراد ختم كتابه المجيد ببيان الموقف من كلِّ مُشْرِكٍ عَنيدٍ في أخطر قضية في الدين الحميد، وهي الشرك بالله تعالى العزيز الحكيم؛ ناسَبَ أَنْ يُبَيِّنَ أهم خصيصة للعقيدة الإسلامية القائمة على التوحيد الخالص، وتنزيه الله تعالى عن الولد والوالد والنظير المشابه والمكافئ (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 435).
~ ختم الكتاب المجيد ببيان عقيدة التوحيد ~
وهي أيضًا متّصلة بسورة (الكافرون) في المعنى، فهما بمنزِلَةِ كلمة التوحيد في النفي والإثبات، ولهذا تُسَمَّيان بِالْمُقَشْقِشَتَينِ؛ إِلَّا أنه فصل بينهما بسورتي النصر والمسد؛ لأن سورة (الكافرون) تضمنت اختلاف دينِ الرَّسول ودين قريش، وسورة النصر تضمنت أن دينه هو الغالب، وهو السائد والمنصور، وتضمنت أيضًا أنَّ ثواب الطاعة حصول النصر والغلبة والاستعلاء في الدنيا، وبينت سورة المسد أنَّ عاقبة العاصي الخُسران في الدنيا؛ فلهذا تلتها سورة الإخلاص (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2048).
## شَرْحُ الْمُفْرَداتِ :
* (أَحَدٌ) : (أحد) أصل يدلُّ على الانفراد (ابن فارس، مقاييس اللغة: (وحد))، ومنه يتفرع الهمز والحاء والدال بإبدال الواو همزا (محمد جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل: (أحد))، فما استَأَحَدْتُ بهذا الأمر، أي: ما انفردت به، ويقع لفظ (أحد) على الذكر والأنثى، ويكون مُرادِفًا لـ (واحد) في موضعين سماعًا: أحدهما اسم الباري تعالى، فيقال: هو الواحد، وهو الأحد، لاختصاصه بالأحديَّة، فلا يُشْرِكُه فيها غيره. والثاني: أسماء العدد للغلبة وكثرة الاستعمال، فيقال: أحد وعشرون وواحد وعشرون، وفي غيرِ هَذَينِ يَقَعُ الفرق بينَهُما في الاستعمال، بأنّ (الأحد) لنفي ما يُذكَرُ مَعَهُ، فلا يُستعمَلُ إلا في الجحد، لما فيه من العموم، نحو: (ما قام أحدٌ) (ابن فارس، مقاييس اللغة: (أحد)، والجوهري، الصحاح: (أحد))، وفي (الأحد) دلالة زائدة من الواحد على الانفراد والتجرد (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 1/ 35)، والمراد به في الآية: اختصاص الذات الإلهية بالأحدية والانفراد، فلا شريك له.
* (الصَّمَدُ) : (صمد) أصلان، أحدهما القَصْدُ، والآخر الصلابة في الشيء (ابن فارس، مقاييس اللغة: (صمد))، والصَّمد من أسماء الله جل وعزّ، والصَّمَدُ: السيد الذي قد انتهى سُؤدَدُه، والَّذِي يُصْمَدُ إليه الأمر، فلا يُقضى دونَهُ، والصَّمَدُ: الدائم (الأزهري، تهذيب اللغة: (صمد))، والأرضُ الصلبة الشديدة، والذي لا جوف له (ابن دريد، الجمهرة: (صمد))، فهو المقام العالي المُرتَفِعُ الصُّلب، الذي يعلو، ولا يعلى عليه، ويتفوق على جميع أطرافه (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 6/ 288)، والمراد به في الآية: السيد المقصود في الحوائج.
* (كُفُوًا) : (كفأ) أصلان، يدلُّ أحدهما على التساوي في الشَّيئين، نحو كافَأْتُ فلانًا: إذا قابلتهُ بِمِثْلِ صَنيعه، والكفء المثل، والتكافؤ التساوي (ابن فارس، مقاييس اللغة: (كفء))، وكلّ شيء ساوى شيئًا حتى صار مثله هو مكافئ له (الفيومي، المصباح المنير: (كفء))، والتحقيق أنَّ الأصل الواحد في المادة: هو المماثلة من جهة الصفات والخصوصيات، يقال: هذا كُفَؤُهُ، أي: نظيره ومثله، وكافأ الرجل، أي: جازاه، أو قابله، أو ساواه (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 10/ 68)، وقال الزجاج في معنى قول الله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ): (ولم يكُن أحدٌ مثلًا لله تعالى) (الأزهري، تهذيب اللغة: (كفء)).
## المعنى الإجمالي :
تضمَّنَتِ السُّورَةُ نَفْي الشرك بجميع أنواعه، فقد أَمَرَ الله سبحانَهُ بنفي أنواع الكَثْرَة والتَّعَدُّدِ عن نفسه بقوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وبنفي أنواع الاحتياج عن نفسه بقوله: (اللَّهُ الصَّمَدُ)، وَنَفْيِ المُجانسة والمشابهة لشيء بقوله: (لَمْ يَلِدْ)، ونفي الحُدوثِ والأولية بقوله: (وَلَمْ يُولَدْ)، ونفي الأنداد والأشباه بقوله: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 447).
~ الله واجب الوجود، وهو المتفرد على العالمين بالبقاء والثبوت ~
## الإيضاحُ اللُّغَوِيُّ والبلاغي :
* نكتة الافتتاح بالأمْرِ (قُلْ) :
افتتح النظم الكريم السورة بالأمر من القول: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؛ لبيانِ عَظَمَةِ ذلك المقول وأهميَّتِهِ، وللجواب عن سؤالهم بنسب الرب تعالى، الذي تكفل الله تعالى بجوابه، كما في قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء: 85]، ولم يُطلب من الرسول الاكتفاء بتبليغ المقول - مع أنه ليس من شأن المأمور بالقول أن يتلفّظ في مقام الائتمار إلا بالمقول - بل أمر بتبليغ المقول بلفظ ما أُمر بهِ (قُلْ)؛ للدلالة على رَبَّانِيَّةِ المصدر، وأنَّ هذا المقول ليس صادِرًا مِنَ النبي ﷺ، بل هو مأمور بتبليغه، مُكَلَّفٌ بنقل الرسالة كما قيلت له بحذافيرها؛ فلا شأن للرسول سوى تبليغ ما أمره الله تعالى بالإخبار عنه (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 612).
~ وظيفة الرسول أَنْ يُبَلِّغَ الرسالة بكل نزاهة وأمانة ~
وفي الأمر بالقول دلالة أيضًا على أنَّ المأمور به ليس المخاطب به فقط - النبي ﷺ - بل كلَّ مَنِ ابتلي بما ابتلي به الرسول، وقوبل بما قوبل به من الإنكار والجحود، فأثبت الأمرُ (قُلْ)؛ ليَبقَى على مرّ الدهور منةً على العباد، وهداية لهم، ويدل أيضًا على أن المأمور بتبليغ هذا المقول - سواءً كان معينا أم لا - مأمور بالإقرار بالمقول، فأَثْبِتَ القَولُ؛ ليدلَّ عَلَى إيجاب مقوله، ولزوم الإقرارِ بِهِ عَلَى مَرّ الدهور (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 443)، ففي هذا الأمر دلالة على سَرمَديَّة المقول، وأنه ثابت باقٍ لا سبيل لتبدله أو تَغَيُّره.
* دلالة الفعل (قُلْ) :
عبر النظم الكريم بفعل القول أمرًا في قول الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؛ للدلالة بصيغته على طَلَبِ القول على سبيل الوجوب، ونص في هذه السورة ونظائرها على ذلك، مع أن القرآن كله مما يجب على الرسول أن يقوله، ويبلغه؛ اهتمامًا بشأن التوحيد، وعناية بمقصدِ السّورة، وإظهارًا لجليل ما فيها من الكلام ودقيقه، وتدل مادة القول على التلفظ بذلك بكلِّ يُسر ولين واعتقاد واقتناع؛ إذ القول كلام يجري على اللسان بيسر وليونة مع الاعتقاد القلبي بمضمونه.
~ القول مع الاعتقاد طريق لهداية أولي الرشاد ~
* فائدة الإسناد في (قُلْ) :
أسند النظم الكريم فعل القول إلى ضمير المخاطب المستتر، في قول الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؛ للدلالة على الاعتناء بشأن المخاطب؛ إذ وجه المولى الجليل له الكلام، وخاطبه؛ إعلاء لشأنه في كونه المبلغ عن رب العالمين، وكفى في الخطاب ولذته من دلالة على مكانته عند ربه (القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 490، والقاسمي، محاسن التأويل: 9/ 570).
~ تقريب الحبيب بالخطاب العجيب ~
* نكتة التعبير بالضمير (هُوَ) :
عبر النظم الكريم بالضَّمِيرِ المُنفصلِ (هُوَ)، في قول الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؛ للدلالة به على الشأن والأمر والقصة، والتقدير: (الشأن والأمر العظيم الله أحدٌ)، والغَرَضُ بالإتيان بضمير الشأن هنا: تعظيمُ الخَبَر (القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 491)، والتنبيه إلى أنَّ ما سيُلقى من الكلام بعده أمر خطير وذو شأن عظيم، مع ما في الإبهام ثم التفسير من مزيد تقرير لمدلولها (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 613)، وفيه التشويق إلى الأمر الجلل، من خلال ذكرِ الشَّيءِ مُبهمًا، ثمّ العَمَلِ على تفسيره وبيانه، فالتشويق حاصل من الإبهام والإجمال أولًا، ثم التفصيل والبيان لاحقًا (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 450)، وأيضًا فإنَّ التعبير بالضمير الغائب قبل وجود مرجع يعود إليه فيه إشارة إلى أن ذلك الأمر العظيم نابه الذكر، مرفوع القدر، مستحضر في جميع الأحوال، مما لا ينبغي أن يُغفل عنه (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2050، والقاسمي، محاسن التأويل: 9/ 567).
أو الضميرُ (هُوَ)؛ للدلالة به على مرجع سألوا عنه عندما قالوا: صف لنا ربك، وانسبه لنا: أهو من ذهب أو فضة أو زبرجد... الخ، فأجابهم بما تقديره: (المسؤول عنه الله).
~ الإجمال والإبهام يشوقان المخاطب لسماع التفصيل والبيان ~
* دلالة اسمية الجملة :
الضَّمِيرُ المُنفصِلُ (هُوَ) من قول الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يحتمل وجهين من الإعراب: فإن كان ضمير شأن؛ فإنَّه مبتدأ خبره الجملة بعده (اللَّهُ أَحَدٌ) - مبتدأ ثان وخبره - ولا حاجة إلى الرابط؛ لأن الخبر عين المبتدأ في المعنى، وإن كان عائدًا إلى المسؤول عنه في كلام الكافرين؛ فيكون مبتدأ خبره اسم الجلالة، ويحتمل (أَحَدٌ) أن يكون خبرًا ثانيًا أو بدلًا (السمين، الدر المصون: 11/ 149)، وعلى كلا التقديرين فإنَّ الجملة الاسمية الصغرى والكبرى أفادتا الثبوت والدوام، في ثبوت أحدية الله للشأن والأمر العظيم، أو أفادت ثبوت الألوهية للرب المسؤول عنه، وأنه واحد أحد.
~ تداخل الجُمَل الاسمية يفيد الحالة الدائمة والثبوتية ~
* نكتة التعبير بالاسم (الله) :
عبر النظم الكريم باسم (الله)، العلم الدال على الذات الجليلة، في قوله جل شأنه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؛ للدلالة به على المتَّصِفِ بجميع صفات الكمال المنزه عن جميع صفات النقص، سواء جعلنا العلم مبتدأ خبره (أَحَدٌ)، أو جعلناه خبرًا للضمير الواقع جوابًا عما سألوا عنه، فيكون التقدير: (الذي سألتموني عنه هو الله المتصف بصفات الكمال)، أو التقدير: (الشأن والأمر العظيم: الله المتصف بالكمالات أحدٌ)، وسواء قيل بأن الاسم (اللهُ) وصف صار بالغلبة كالعلم المرتجل، أو قيل بأنّهُ عَلَمٌ مُرتجَلٌ غير منقول: لما كان علمًا للذات المخصوصة؛ فهم منه صفات الكمال، في ضمن فهم الذات المخصوصة الموصوف في نفس الأمر بجميع صفات الكمال، ومقتضى ذلك أن يَدُلُّ الاسمُ (اللَّهُ) عَلَى جَميعِ الصفات ثبوتية أو سلبيةً، وبهذا يَتِمُّ الجواب عن السؤال عن وصفه تَعَالَى، مع الإيجاز المفيد (القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 492).
~ دلالة العلم البديع، على كل صفات الكمال الرفيع ~
* نكتة اختيار (أَحَدٌ) :
عبر النظم الكريم بلفظ (أَحَدٌ) بمعنى (مُنفَرِد)، في قول الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) بدلاً من لفظ (واحد) - وإن كان معناهما واحد، ومآلُ الوَصفَين إلى معنى نفي الشريك لله تعالى في إلهيته - لأنَّ (أَحَدٌ) صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت، وتُمَكِّن الوصف في موصوفها بأنه ذاتي له، و(واحد) اسم فاعل يدل على الحدوث، فَلَمَّا أُريدَ فِي صَدْرِ البَعَثَةِ إِثْبَاتُ الوَحْدَةِ الكَامِلَةِ لِلَّهِ؛ تَعْلِيمًا لِلنَّاسِ كلهم، وإبطالًا لِعَقِيدَةِ الشِّرْكِ؛ وُصِفَ الله في هَذِهِ السَّورَةِ بِـ (أَحَدٌ)، ولم يوصف بـ (واحد)؛ لأنَّ الصِّفَةَ المُشَبَّهَةَ نِهَايَةُ مَا يُمْكِنُ بِهِ تَقْرِيبُ مَعْنَى وَحْدَةِ اللَّه تَعَالَى إِلَى عُقولِ أَهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ الْمُبِينِ (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 613).
~ الثبوت والدوام أرجح في الإرادة وأنسب للمقام ~
* فائدة الإخبار بالأحدية :
أخبر النظم الكريم بلفظ الأحد عن اسم الله، في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وإن كان العلم لا يكون مدلوله إِلَّا واحدًا جزئيًا، فيتحد مع الخبر؛ لأنَّ المراد بلفظ (اللهُ) معنى كُلِّيٌّ، يعني مُستحِقًا للعبادة، فمعنى الجملة: (المُستَحِقُّ للعبادة على الإطلاق واحد لا شريك له)، وحينئذ أفادت الجملة فائدة تامة (المظهري، تفسير المظهري: 10/ 371).
~ مغايرة الخبر تُحَقِّقُ الفائدة في النظم المعتبر ~
* مطابقةُ (أَحَدٌ) للمقام :
أخبر النظم الكريم بالأحدية عن الذات الجليلة في قول الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، مع أنَّهم لم يسألوا عن كونه تعالى واحدًا أو مُتَعَدِّدًا، بل سألوا عن حقيقته، أهو من ذهب أم من فضة أم من غيرهما؛ لأنّ المراد بالأحَد ما يكونُ مُنَزَّهًا عن أنحاء التركيب والتعدد، وما يستلزم أحدهما من المشاركة لشيء من الأشياء في الحقيقة، والمشابهة لشيء من الأشياء في صفة من صفات الكمال (المظهري، التفسير المظهري: 10/ 371). فتتحقق المطابقة بين الإخبار بالأحدية والسؤال حينئذ؛ لأنَّهم ظنوا أن الله تعالى من جنس المخلوقات، فأجابهم بأنه أحد منفرد لا يُشبهه شيء، فلا يكون ذهبًا ولا فِضَّةً ولا غيرهما من المخلوقات، فإن كان (أَحَدٌ) اسمًا لله تعالى؛ فمعناه أنه شيء لا ينقسم في نفسه، وإن كان صفة؛ فمعناه الرفع من شأنه والتعظيم بأنَّه لا نظير له ولا شريك، فهو أحدٌ في صفته؛ إذ لم يوصف غيرُهُ بِما وُصِفَ بِهِ من الصفات العلية (الواحدي، التفسير البسيط: 24/ 430).
~ التفرد في الذات مستلزم عدم مشابهة سائر المخلوقات ~
* نكتة تنكير (أَحَدٌ) :
نكر النظم الكريم لفظ (أَحَدٌ) في قول الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؛ للدلالة على الكمال في الأحديَّة، وأنَّهُ تعالى مُنفَرِدٌ ومُتَفَرِّدٌ في ذاته وصفاته وأفعاله، لا تَعَدُّدَ فيه، ولا تركب في ذاته، وليس المراد أنه الأحد؛ إذ الوحدة قد تكون لكل واحد (القاسمي، محاسن التأويل: 9/ 568)، ولذا لم يقل النظم: (هو الله الأحد)، وفي التنكير أيضًا تنبيهٌ عَلَى أَنَّ المُشركين لا يعرفون نسبة الأحديَّةِ إلى الله تعالى، وإنْ عَرَفوا طَرَفَيهِ؛ فلذا نُكِّر؛ لأنَّهم عارفون الله تعالى ومعنى (الأحد)، لكن الأحدية بمعنى استحقاق العِبادَةِ وانتفاء المُماثَلَةِ والمُشابَهَةِ غير معلومة لهم (القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 496).
~ نزل القرآن لِيُعَلِّمَ النَّاسَ توحيد الله في أسمائه وصفاته ~
* دلالة الكناية بالأحدية :
عبر النظم الكريم بأسلوب الكناية في قول الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؛ إذِ الأَحَدِيَّةُ تعني التنزه عن التعدد والتركيب، وانتفاء الشبيه والمثيل، ويلزم من ذلك التفرد في كونه مستحقًا للعبادة، فأطلق الملزوم، وهو الأحديَّة والتفرد في انحصار وجوب الوجود فيه، وأريد به لازمه، وهو الانفراد في استحقاق العبادة، فالتعبير من قبيل ذكرِ الشَّيء بدليله، كما هي وظيفة الكناية في الإشارة إلى البرهان، فالمراد بالأحدية لازمها مِنَ التفرد في استحقاق العبادة؛ لأنَّ مُشْرِكي العرب وغيرهم كالنَّصارى لم يدعوا وجوب الوجود لغيره تعالى من الأصنام وغيرها (القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 496).
~ البرهان المبين في استحقاق انفراد العبادة برب العالمين ~
* نكتة الفصل :
فصل النظم الكريم قوله تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ) عَمَّا قبله؛ لكونه مُؤكِّدًا لمضمون الجملة السابقة، ومُبيِّنًا لها، والتَّأْكِيدُ لا يُناسِبُ العطف، وإن صح في الجُمْلَة، فالجملة الثانية دليل للأولى أو كالنتيجة لها؛ لأنَّ الأحدية تدلُّ عَلَى تَنزُّهِهِ عن شائبة التعدُّد والتركيب، وتَوَهُم المشاركة في الحَقيقَةِ وخواصها، مع التنبيه على الألوهية المستتبعة لجميع صفات الكمال؛ ثم تفرَّعَ عَلَى ذلك كونُهُ تَعَالَى صَمَدًا مُحتاجًا إليه في جميع المهمات، مستغنيًا عن جميع ما سواه (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 642، والهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 450).
~ الترابط القوي الاستلزامي مانع من العطف اللفظي ~
ومن أسباب الفصل كذلك أنّ الكَلامَ مَسوقٌ لِتَلْقِينِ السَّامِعِينَ؛ فكَانَ جَدِيرًا بأن تَكُونَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً بذاتِها، غَيْرَ مُلْحَقَةٍ بِالَّتِي قَبْلَها بِالعَطْفِ، عَلَى طَرِيقَةِ إِلقَاءِ المَسائِلِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ (القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 497).
* فائدةُ تَعَدُّدِ الإخبار بالاسمية :
يجوز أن تكون الجملة: (اللَّهُ الصَّمَدُ) خبرًا ثانيًا عن ضَمِيرِ الشأن في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، والتقدير: (قُل هو الله الصمد)، والغرض من تعدد الإخبار بالجملة الاسمية الواقعة؛ تفسيرًا لضمير الشأن هو التعريف بالذات الإلهية بأنها المنفردة بالأحدية، والمتحققة فيها كمال الصَّمَديَّة على سبيل الثبوت والدوام، وأنَّ هَذَينِ الخَبَرَينِ عظيمان ومهمان، ينبغي الانتباه لدلالتهما وأهميتهما في تشكيل علاقة العبد بمولاه الغني (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 617).
~ الخبر الاسمي بيان عن ثبوت صفات المولى الغني ~
* نكتة التفصيل بعد الإجمال :
لما دل قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) على تَنَزُّهِه تعالى عن التركب والتعدد، وأنه منفرد لا يُشبهه شيءٌ من مخلوقاته، وله صفات الجلال والتعظيم؛ كانَ ذِكرُ الجُمَلِ الثَّلاثَةِ اللَّاحِقَة (اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) من باب التفصيل بعد الإجمال، وذكر الخاص بعد العام؛ فأوردت للتأكيد وزيادة الاهتمام والمبالغة في التنزيه، والتصريح بالرد على المخاطبين المنكرين المشركين في القصد والعبادة غيره تعالى، القائلين باتخاذ الله تعالى البنات والبنين (المظهري، التفسير المظهري: 10/ 372).
~ صَمَديَّةُ الله مؤكدة لألوهيته وتوحيده ~
* فائدة العدول إلى الظاهر :
وضع النظم الكريم الاسم الظاهر، وهو العلمُ الجَليلُ (اللهُ) في موضع المضمر من قوله تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ)؛ للإشعارِ بِأَنَّ مَن لم يتصف بالصَّمَديَّة لم يستحق الألوهية والعبادة، وهذا المعنى إنَّما يحصُلُ بِحَمْلِ الخَبَر عَلَى الاسم الظَّاهِرِ (اللَّهُ) دون الضمير الراجع إليه، فإنَّه يدلُّ عَلَى الذات فقط، ولا يُفهم منه الألوهية (القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 497).
~ عَدَمُ الاتصاف بالمقصودية مستلزم العزل عن الألوهية ~
* نكتة ترتيب التعريف بالله :
رتب النظم الكريم التعريف بالله تعالى في الآيتين الأوليين من سورة الإخلاص: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ)، فَبَدأَ أَوّلًا بذكر الألوهية، ثم الأحدية، ثم الصمدية: فالوهيَّةُ الله تستَتَّبِعُ كافة نعوت الكمال، ثمَّ أَحَديتُهُ تَستَوجِب تنزهه عن شائبة التعدد والمُشابَهَة بوجه من الوجوه، وتوهم المشاركة في الحقيقة وخواصها، ثمَّ صَمَديَّتُه تقتضي استغناءه الذاتي عما سواه، وافتقار جميع المخلوقات إليه في وجودها وبقائها وسائر أحوالها (القاسمي، محاسن التأويل: 9/ 569)، وبهذا الجمع يَتَبَيَّن الحق، ويتحقق إيقاف الناس على حقّ رَبِّهم، وهو توحيده في إلهيته، ثم توحيده في أسمائه وصفاته، ثم توحيده في ربوبيته.
~ التحلية مقدمة على التخلية ~
* دلالة تعريف (الصَّمَدُ) :
عرف النظم الكريم الخَبَر بـ (الـ) في قوله تعالى: (الله الصَّمَدُ)؛ للدلالة بها على الجنس؛ إذ حقيقة الصمدية وجنسها وكمالها منحصرة بالله تعالى، لا يُشاركه فيها أحدٌ، فَالصَّمَدُ مِنْ صفات الله، والله هو وحدَهُ الصَّمَدُ الحَقُّ الكَامِلُ الصَّمَدِيَّةِ عَلَى وجْهِ العُمُومِ الْمُفْتَقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ ما عَدَاهُ، فَالْمَعْدُومُ مُفتَقِرٌ وُجُودُهُ إِلَيْهِ، والموجود مُفتَقِرٌ في شؤونِهِ إِلَيْهِ (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 618).
~ حقيقة الصمدية منحصرة بالذات الإلهية ~
* نكتة المغايرة بين الوَصْفَين :
غاير النظم الكريم بين لفظي الأحد والصَّمَد تعريفا وتنكيرًا، في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ)، فنكَّر النظم لفظ (أَحَدٌ) لعدم إرادة الحصر؛ إِذِ الأَحَدِيَّةُ تُطَلَقُ على كلِّ جُزئي، ولجهالة المشركين نسبة الأحدية إليه تعالى بمعنى استحقاق العبادة على سبيل الانفراد، فالطَّرَفان معلومان، والنسبة مجهولة، فلم تكن هنالك حاجة لتعريف (أَحَدٌ)، وأمّا الصَّمَديَّة؛ فمعناها ومعنى نسبتها معروفٌ لديهم، لكن المجهول انحصار الصمدية في الله تعالى، فعرف النظمُ (الصَّمَدُ)؛ للدلالة على القَصْرِ والحَصْرِ (القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 496).
وليس في الموجودات ما يُسمَّى أحدًا في الإثبات مفردًا غير مضاف، ولم يوصف به شيء من الأعيان إلا الله وحده، فلذلك حسن مجيئه مُنكَّرًا؛ وأما اسمُ الصَّمَدِ؛ فقد استعملتهُ العَرَبُ في حق المخلوقين، فجاء هنا مُعَرَّفًا؛ ليُبَيِّنَ أَنَّه المستحق لأن يكون هو الصمد دون من سواه، فإنَّه المستوجب لغايته على الكمال (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 643، والقاسمي، محاسن التأويل: 9/ 568).
~ التنكير عند المعرفة والتعريف عند إرادة حصر الصفة ~
* دلالة صيغَةِ (الصَّمَدُ) :
عبر النظم الكريم بصيغة (فَعَل) المصدرية؛ للدلالة على معنى (المفعول)، في قوله تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ)، فَالصَّمَدُ هو المَحْمُودُ في الحَوَائِجِ، مِن صَمَدَ إِلَيْهِ إِذا قَصَدَهُ، كَالسَّنَدِ الَّذِي تُسْنَدُ إِلَيْهِ الأمورُ المُهِمَّة، وكالفَلَقِ للصَّباح؛ لأَنَّهُ يَتَفَلَّقُ عَنْهُ اللَّيْلُ، وَالقَبَضِ بمعنى المقبوض (الزمخشري، الكشاف: 4/ 818، والواحدي، التفسير البسيط: 24/ 435)، والغَرَضُ من العدول عن المفعول إلى المصدر هو الدلالة على المبالغة في الصَّمديَّة؛ إذ الحقيقة قائمة فيه، لا تنفك عنه بحال من الأحوال (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 617).
~ المعنى المصدري مقو لدلالة الحصر الكلي ~
* دلالة تعريف الطرفين :
عرف النظم الكريم طرفي الإسناد في قوله تعالى: (الله الصَّمَدُ)؛ للدلالة على انحصارِ الصَّمَديَّة في الله تعالى، فصيغَةُ (اللَّهُ الصَّمَدُ) صِيغَةُ قَصْرٍ لتعريفِ الْمُسْنَدِ، أَفَادَتْ قَصْرَ صِفَةِ الصَّمَديَّةِ عَلَى الله تَعَالَى (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 444)، وهوَ قَصْرُ قَلْبِ لِإِبطالِ مَا تَعَوَّدَهُ أَهْلُ الشِّرْكِ في الجاهِلِيَّةِ مِن دُعَائِهِمْ أَصْنَامَهُمْ فِي حَوَائِجِهِم وَالفَزَعِ إليها في نَوائِبِهِم حَتَّى نَسوا الله (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 618)، ولا يُنافيه كون الصمدية - أي: السيادة - مُتحقِّقةً في الجُمْلَة في غير الله؛ إذ المراد أنَّ تمام الصمدية وكمالها منحصر فيه تعالى (القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 496، والهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 450).
~ قصر الصمدية دليل على انحصار العبودية في الذات الإلهية ~
* نكتة الفَصْلِ :
فصل النظم الكريم قول الله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) عمَّا قبله؛ لكونه محققًا لمضمون ما سبقَهُ؛ إِذِ الصَّمَدُ من لوازمِهِ عدم الاحتياج والافتقار، فيكون الإخبار بأنه (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) كَالتَّأْكِيدِ لعدم الاحتياج والافتقار إلى ولد أو والد، فالله هو الغني المطلق، الذي يفتقر إليه كل شيء، ولا ينبغي أن يكون والدا ولا مولودًا؛ لأنَّ ذلك يستلزم الافتقار بالضرورة (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 642).
~ التحقيق والتعليل دالان على عدم مجانسة شيء للمولى الجليل ~
وقد يكون الفصل إثباتًا لأحديته تعالى بالبرهان؛ إذ الأحدية التفرد والانفراد عن مجانسة المخلوقات، فالله أَحَدٌ مُنفردٌ لا تركب في ذاته ولا اثنينية له، فيكون عدم الولادة أو المولودية من لوازم الأحدية، وإلا لكان غير منفرد عن مشابهة المخلوقات في الولادة والمولودية، فقوله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) ناظر لأحديته، وقوله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ناظرٌ لِصَمَديَّتِهِ؛ إِذِ الصَّمديَّةُ احتياج الكلِّ إليه، والعلة في ذلك عدم وجود المماثل والنظير له، فالفصل بمنزلة التعليل والبرهان للأحدية والصمدية.
* دلالة إعراب جملة النَّفْي :
قول الله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) خبرٌ ثانٍ لاسم الجَلالَةِ مِن قوله تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ)، أو حالٌ مِنَ الْمُبْتَدَإِ، أَوْ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ الصَّمَديَّة، لِأَنَّ مَنْ يُصْمَدُ إِلَيْهِ لا يَكُونُ مِنْ حَالِهِ أَنْ يَلِدَ، فَبَعْدَ أَنْ أَبْطَلَتِ الآيَةُ الأولى مِن هَذِهِ السُّورَةِ تَعَدُّدَ الإِلَهِ بِالأَصَالَةِ والاستقلال؛ أَبْطَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَعَدُّدَ الإِلَهِ بِطَرِيقِ تَوَلُّدِ إِلَهِ عَنْ إِلَهِ (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 618).
وتحتمل الجملة وما عُطِفَ عليها أن تكون مستأنَفَةً استئنافًا بيانيًا للتعليل من الأحديَّة؛ لأنَّ الأحديَّة تفيد عدم المجانسة للمخلوقات، فيلزمه عدم الوالديَّة والمولودية اللتين لا تكونان إلا بالمثلية، فالمولود لا بد أن يكون مثل الوالد (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 446)، فهو شروع في الإبطال بعد تقرير حقيقة الحال.
~ الشروع في الإبطال بعد تقرير حقيقة الحال ~
* نكتة الجمع بين الاسمية والفعلية :
غايَرَ النَّظم الكريم في التعبير بالاسمية والفعلية في السورة؛ إذ بدئت بجملتين اسميتين في قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ)، واختتمت بجملتين فعليَّتين في الحقيقة؛ لأن قوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) بمنزلة جملة فعلية واحدة، والجملة الفعلية الأخرى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)؛ ولعلَّ سِرَّ التغاير في الاسمية والفعلية أنَّ الاسمية قرَّرت حقيقة الحال، وبينت ما يتصف به واجب الوجود من الأحدية والصمدية على سبيل الثبوت والدوام، ثم شرعت السورة بالجُمَل الفعلية الزمنية، الدالة على الحدوث في إبطال ما تخرص به المشركون من اتخاذه الولد، ومن وجود الكُفْء والنظير له تعالى في استحقاق العبودية والاحتياج إليه.
~ الصفات الأزلية تورد بالاسمية وإبطال الافتراءات الشركية بالفعلية في الأزمنة المستقبلية ~
* دلالة النَّفي بـ (لم) :
عبر النظم الكريم بالحرف الجازم في قول الله تعالى: (لَمْ يَلِدْ)؛ للدلالة على نفي اتخاذ الوَلَدِ في الزمن الماضي، على سبيل التجدد والاستمرار في جميع الأزمنة الماضية، وسر الاقتصار على نفي الماضي دون الحاضر والمستقبل - فلم يقل: (وَلَمْ وَلَنْ ولا يلد) (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 446) - أنَّ دعوى المشركين الولادة له كان في الزمان الماضي؛ إذ نسبوا له الولادة واتخاذ الولد في الماضي، فكان الرد عليهم على وفق دعواهم (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 364، وابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 617).
وأفاد النَّفي في الماضي أنَّ عَدَمَ الولادة فيه؛ لأن الله أَحَدٌ، غير مجانس لمخلوقاته، فيكون الولد مستحيلًا في حَقِّه، منافيًا لأحديَّتِه، فإذا انتفت الولادة في الماضي لاستحالتها؛ انتفت في جميع الأزمنة؛ لأن المستحيل لا ينقلب جائزًا لعدم تعلق القدرة به أصلًا.
أو يكون اقتصار نفي الولد في الماضي دون المستقبل من أسلوب المشاكلة مع قول الله تعالى بَعدَه: (وَلَمْ يُولَدْ)؛ لأَنَّ عَدَمَ المولودية له تعالى لا تكون منفيّةً إِلَّا في الماضي، فهو وإن كان نفيًا لاتخاذه الوَلَد بالماضي إلا أنَّه أُريد به الاستمرار، لكن اقْتُصِرَ على الماضي مشاكلة (القونوي، حاشيته على تفسير البيضاوي: 20/ 498).
~ وجوب الأحدية تدل على التأبيد ~
* دلالة الفعل (يَلِدْ) :
عبر النظم الكريم بفعل الولادة مُضارعًا في قول الله تعالى: (لَمْ يَلِدْ)؛ للدلالة على انتفاء الولادة عنه تعالى للأولاد على سبيل الاستمرار التَّجَدُّدي في أزمنة الماضي، وليدل بمادته على نفي الولد عنه بأي طريق من الطرق المتوهمة، سواء كان بالإنجاب أم بالاتخاذ؛ إذ نَفْي الولادة ينفي حصول الولد له بأية صورة، ولذا لم يقل: (ولم يُنجِب) مثلًا (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 636).
~ الأحدية نافية للولادة ~
* دلالة الكناية في (لَمْ يَلِدْ) :
كنى النظم القرآني بنفي الولادة في قول الله تعالى: (لَمْ يَلِدْ) عن التعالي على المجانسة؛ إذْ يَلزَمُ من كونه تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) أنَّه غيرُ مُماثل لمخلوقاته؛ اتفاقًا مع كونه أَحَدًا فردًا؛ لأَنَّ مَن جانس شيئًا اتخذ من جنسه صاحبةً، ومَن اتَّخَذَ صاحبةً حَصَلَ التوالد، والله متعال عن المُجانِس، فلم يصح أن تكون له صاحبةٌ، فلم تَصِحَّ له الولادة، فَنَفَى الجنسية والمماثلة بنفي الولادة؛ ليكون من قَبيلِ نفي الشَّيْءِ بِنَفْي مَلزومِهِ.
~ التعالي عن الجنسية محقق لأصل الوحدانية ~
* نكتة الوصل :
وصل النظم الكريم بالواو العاطفة في قول الله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)؛ لِتَحَقُّقِ التغاير بين نفي المولودية والوالدية له تعالى، فلم يكن مضمون المعطوف مُحقِّقًا ومُقرّرًا لمضمون الجملة السابقة، بخلاف ما مرَّ، بل الجملتان مُحقِّقتان لمضمون الجملة السابقة (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 642)، وعلل القونوي التغاير بالاتفاق في الجنس والاختلاف بالفصول، فقال: "فالأول نفي الولد، وهو قسم من الأمثال، وهو المماثلة بكونه ولدًا له، والثاني نفي المولودية، وهو قسم آخر، وهو المماثلة بكونه مولودًا، والثالث نفي النظير، وهو قسم آخر، وهو المماثلة بكونه نظيرًا له، فالمقسم وهو (المثلُ) مُطْلَقًا يتناول هذه الأقسام، فبينها تغاير باعتبار الفصول، ومناسبة باعتبار الجنس، فلتغايرها من وجه واجتماعها في المقسم حسن العطف، والجامع عقلي" (القونوي، حاشية القونوي على تفسير البيضاوي: 20/ 498).
~ انتفاء التوكيد والتقرير من أسباب الوصل في التعبير ~
* فائدة العطف :
عَطَفَ النظم الكريم قول الله تعالى: (وَلَمْ يُولَدْ) على قولِهِ: (لَمْ يَلِدْ)؛ لِتَعَلَّقِ الجملتين بالأحدية؛ إذ تفرده تعالى يقتضي ألا يكون والدًا ولا ولدًا لغيره، ونفي الوالد لله سبحانه - مع أنَّه لم يصدر من المشركين ادعاءُ مَولوديَّةِ الله تعالى - للاحتراس عن أن نفي كونِهِ (لَمْ يَلِدْ) لا يلزم منه أنَّه ليس بمولود، فأُرْدِفَ نَفْيُ الوَلَدِ بِنَفْي الوالد (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 617)، وفيه تهكم واستخفاف بعقول مَن نسب الولد إليه، بأَنَّ ذلك مستلزم لنسبة الوالد له؛ لأنَّ من جاز أن يكون والدًا لغيره؛ جاز أن يكون مولودًا كذلك لغيره؛ وذلك مناقض للألوهية؛ إذ يَلزَمُ التَّسَلسُلُ في الآباء، ففي التصريح بأنَّه لم يولد، مع كونِهِم مُعْتَرِفينَ بمضمونه تقرير لما قبله، وتحقيق له بالإشارة إلى أنهما متلازمان (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 446).
~ تجويز الولدية مستلزم لتجويز الوالدية ~
* نكتة الترتيب :
قدم النظم الكريم نفي الولد على نفي الوالد في قول الله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)؛ للاهتمام بالرَّد على أهل البطلان، فقد نَسَبوا الولد إلى الله - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا - ولم ينسبوا إليه الوالد (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 617)، وفي تأخيرِ نَفي المتَّفَق عليه دليل على انتفاء المختلف فيه، كأنه قيل: (لم يَلِدِ الله ولدًا، والدَّليل ما نحن متفقون عليه من أنه لم يكن مولودًا لغيره) (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 364).
~ لا يليق بالإله الأحد أن يكون له ولد، كما لم يجز أن يكون مولودًا ~
* بلاغة الكِناية في النفي :
كنى النظم القرآني بنفي الولد والوالد لله تعالى في قوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)، عن إبطال كلِّ العقائد الدينية المبنية على عقيدة البنوة، فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ جُمْلَةِ: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) إِبْطَالُ أَنْ يَكُونَ الله والدًا لِمَوْلُودٍ، أَوْ مَوْلُودًا من والد بالصَّرَاحَةِ، وَبَطَلَتْ إِلَهِيَّةُ كُلِّ مولود بطَريقِ الكِنايةِ، فَبَطَلَتِ العَقائِدُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى تَوَلُّدِ الإِلَهِ، فَلَمَّا أبْطَلَتِ الجُمْلَةُ الأُولَى إِلَهِيَّةَ إِلَهِ غَيْرِ الله بالأَصَالَةِ، وأَبْطَلَتِ الجُمْلَةُ الثانية إلهيَّةَ غَيْرِ الله بالاستحقاق؛ أبْطَلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ إِلَهِيَّةَ غَيْرِ الله بالفَرْعِيَّةِ والتَّوَلُّدِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 617).
~ إبطال عقائد البنوة بنفي الوالدية والولدية عن خلقه ~
* دلالة الفعل (يُولَدْ) :
عبر النظم الكريم بفعل الولادة مبنيًّا لِما لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُه في قول الله تعالى: (يُولَدْ)؛ للدلالة على استمرار عدم ولادته تعالى في أزمنة الماضي من غيره؛ لأنَّ تولّدَه يَسْتَلزِمُ مُشابَهَتَهُ لمخلوقاته، وذلك يُناقِضُ أحديَّتَه، فهو المُنَزَّه عن مشابهة المخلوقات في التعدد والتَّرَكُّب، وَيَسْتَلْزِمُ كذلك حاجةً لمَن يَلِدُهُ؛ إذ كل مولود مفتقر لوالده، وذلك يناقِضُ صَمَديَّتَه، فالله الغني، وكل ما سواه إليه فقير.
~ التولد من غيره يُناقض انفراده ~
* دلالة الواو :
وَصَلَ النَّظْمُ الكريم قول الله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) بواو العطف؛ لأنَّ مضمونها لم يكُن مُحققًا لمضمون سابِقَتيها، فالجملةُ تُنبئ عن أنَّه - كما أنه لا ولد له ولا والد - لا مُماثل له أيضًا في شيء مِمَّا ذُكِرَ مِن ذاته وصفاته، فهو واحد لا شريك له تعالى، وتقدّس، وتعظم (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 642)، والجمل النافية الثلاثة سيقتْ لِغَرَض نفي المماثلة والمجانسة عن الله تعالى بوجه من الوجوه، فلذلك أوردت بالوصل بينها (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 450).
~ الانتقال إلى العموم لتحقيق الإيجاز البليغ ~
فَعَطْفُ قول الله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) على قولِهِ تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) من قبيل ذِكرِ العام بعد الخاص؛ ليتحقق الإيجاز في الكلام، ويُستغنى به عن تكرار المنفيات المثبتة عدم مشابهة الخالق للمخلوقات، فعَطَفَ النَّظْمُ البَلِيغُ عدم وجود نظير؛ ليكون إثباتًا لكلِّ تِلكَ المَنفيّاتِ المُتَصَوَّرَة، التي تؤدي إلى مشابهة المخلوق للخالق، فالعام إذا قوبل بالخاص؛ أريد به ما وراء الخاص (القونوي، حاشية القونوي على تفسير البيضاوي: 20/ 498).
~ المفهوم التفصيل بعد عموم إثبات الأحدية والصَّمَديَّة ~
وقد يكون عطفُ الجملة: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) على ما قبلها؛ لكونها مشتركةً معه في النفي، الدالين على الحُجَّةِ المُثبتة لثبوت الأحديَّة والصمدية له تعالى، فَعَدَمُ ولادتِهِ أَوْ تَوَلُّدِهِ دليلٌ مُثْبِتٌ لأحديته في الآية الأولى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وعدم وجود نظير له من مخلوقاته دليلٌ مُثبِت لكونه الصَّمدَ الَّذِي يُقصَدُ دُونَ ما سواه، كما في الآية الثانية: (اللَّهُ الصَّمَدُ)، وعلى هذا التقدير يكون سوق الجُمَل النافية بعد الجُمَلِ المُثبِتَةِ من باب اللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّب.
وتحتمل الواو في قول الله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) أَن تكون حاليةً؛ لارتباطها بجميع ما تقدم من الأحديَّة والصَّمَديَّة ونَفي الولادة أو التَّولد؛ إِذْ كُلُّ تلك الصِّفاتِ مُعَلَّقَةٌ بعدم وجود النظير والمكافئ له تعالى، فالجملة في معنى التَّذييل لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها؛ لأَنَّها أَعَمُّ مِنْ مَضْمُونِها؛ لأنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ الْمُتَقَدِّمَةَ - صَرِيحَها وكنايتَها وضمنيها - لا يُشْبِهُهُ فيها غَيْرُهُ، مَعَ إِفَادَةِ هَذِهِ انتِفَاءَ شبيهٍ له فيما عداها، والواو في قَوْلِهِ: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا) اعتراضيَّةٌ، وهي واو الحال، والنُّكَتُ لا تَتَزاحم (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 620).
~ التذييل لعموم نفي النظير في شيء من صفات الله ~
* دلالة تكرار (لم) :
كرَّرَ النَّظْمُ الكريمُ النَّفي بـ (لم) في قول الله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، بعدَ النَّفْيَينِ السّابِقَين بها لولادته وتولده تعالى؛ للدلالة على تقرير النفي واستمراره، وأنَّ ذلك المنفي لا يليق بواجب الوجود الذي له صفات الكمال؛ إذ الولادة والتَّوَلِّد ينافيان الأحدية، ووجود النظير والكفء يُنافي انحصار الصمدية في الله تعالى.
~ توالي النفي مع التتابع دال على امتناع الاتصاف بما يقتضي التمانع ~
* نكتة التغاير في المنفي (وَلَمْ يَكُن) :
غاير النظم الكريم في تحديد المنفي بين نفي للفعل نفسه، ونفي لفعل الكون الموصل لنفي الخبر، في قول الله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، فقد نَفَى فعلي الولادة بإدخال أداة النفي عليهما مباشرةً، في حين غاير في النفي الثالث بإدخال النفي على فعل الكون، فلم يقل: (ولم يُكافئه أحدٌ) مثلًا؛ وسبب هذا العدول الدلالة على تحقيق نفي المكافئ على سبيل الثبوت والتحقق والوجود، وأنَّ ذلك أمر متقرّر؛ إذ نفي الوجود ناف للمكافأة بطريق الأبلغية؛ لما في نفي الوجود المحمولي من دلالة على نفي الوجود الرابطي، كالفرق بينَ (لم يَشْرَبْ)، و(لم يكن له أن يشرب).
~ نفي الوجود المحمولي أبلغ من نفي الوجود الرابطي ~
* نكتة تقديم (لَهُ) :
الجار والمجرور في قول الله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) متعلقان بخَبَرِ (يَكُن)، وهو (كُفُوًا)، أو هو خَبَرٌ لاسم (يَكُن)، وهو (أَحَدٌ) (أبو حيان، البحر المحيط: 10/ 572)، قُدِّمَ عليهما - أو عليه - لاحتوائه على الضمير العائد إلى ذي الجلال؛ اهتمامًا باستحقاق الله نَفْيَ الْمُكَافِئ عنه خاصَّة (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 620). يقول الزَّمَخْشَرِيُّ: "هذا الكلام إنما سيق لنفي المكافأة عن ذات الباري سبحانه، وهذا المعنى مَصَبُّهُ ومركزه هو هذا الظرف، فكان لذلك أهم شيء وأعناه، وأحقه بالتقدم وأحراه" (الزمخشري، الكشاف: 4/ 818).
وفي هذا التقديم دلالة أيضًا على انحصار نفي المكافئ في حق الأحد جل شأنه، واختصاصه بهذا الانفراد والتوحيد دون أحَدٍ سواه، وأما وجود الكفء فيما عداه تعالى؛ فأَمرٌ لا يُنكَرُ.
~ تقديم دال على الاهتمام والانحصار لتحقيق توحيده بطريق الإقرار ~
* نكتة تقديم (كُفُوًا) :
المنصوب (كُفُوًا) في قول الله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) خبر (يكُن)، والتقدير: (ولم يَكُنْ أحدٌ كُفُوًا لَهُ)، ويحتمل أن يكون (له) هو خبر (يَكُن)، و(كُفُوًا) حال من الضمير في (له)، أو هو حال من (أَحَدٌ)، الأخير على أن أصله صفة لـ (أَحَدٌ): (ولم يكُن أحد كفو له)، فلمّا قُدِّمَ على موصوفه انتَصَبَ على الحال (السمين، الدر المصون: 11/ 153 - 155).
وقُدِّمَ (كُفُوًا) على اسم (يَكُن)؛ للاهتمام بِذِكْرِ الكُفُؤ عَقِبَ الفعل المنفي؛ ليكون أسبَقَ إِلَى السَّمْعِ؛ إذ المقصود من سياق الكلام نفي المكافأة والمماثلة، وفي التقديم أيضًا رعاية لفواصل السورة المختومة كلها بالدال (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 620).
~ نفي المكافئ عن الله أيا كان ~
* بلاغة الترتيب في الآية :
في قول الله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) تقديمان على إعراب (كُفُوًا) خبرًا، و(لَهُ) مُتَعَلِّقًا به، فَقُدِّمَ الخَبَرُ على الاسم، والجار والمجرور على مُتَعَلَّقِه، والتَّقدير: (ولم يَكُنْ أَحَدٌ كُفوًا له)، وتقديمان كذلك على جَعْلِ (لَّهُ) خبرًا، و(كُفُوًا) حالًا لـ (أَحَدٌ)، فالتقدير: (ولم يكُنْ أحَدٌ كُفو له)، وأما على جَعْلِ (كُفُوًا) حالًا من الضمير في (لَهُ)؛ ففيه تقديم للخبَرِ ومُتَعَلَّقِه على الاسم، والتقدير: (ولم يَكُنْ أَحَدٌ لَهُ كُفُوًا) (السمين، الدر المصون: 11/ 153 - 155)، وسِرُّ هذا الترتيب الاهتمام بنفي المكافأة مع العناية بذكرِ مَنْ نُفيت عنه تلك المكافأة؛ للتأكيد على أحديَّة الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وعلى انحصار تلك الأحديَّة فيه وحده.
ونُقل عن سيبَوَيهِ أَنَّهُ سَمِعَ بعضَ الحفاة من العرب يقرأ: (ولم يَكُنْ أَحَدٌ كُفوًا له)، وجَرَى هذا الجِلفُ على عادَتِه، فَجَفا طبعه عن لطف المعنى الذي لأجله اقتضى تقديم الظرف مع الخبر على الاسم؛ وذلك أنّ الغَرَضَ الذي سيقت له الآية نفي المكافأة والمساواة عن ذات الله تعالى، فكان تقديم المكافأة المقصود بأن يُسلَبَ عنه أولى، ثم لما قُدِّمَت لِتُسْلَبَ؛ ذُكِرَ معها الظَّرْفُ لِيُبَيِّنَ الذَّاتَ الْمُقَدَّسَةَ بسلب المكافأة (ابن المنير، الانتصاف: 4/ 818).
~ بَرَاعَةُ النَّظْمِ فِي تقديم المقصود نفيه من السياق ~
* دلالة تنكير (كُفُوًا) :
نكر النظم الكريم لفظ (كُفُوًا) في قول الله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)؛ للدلالة على التفخيم والتعظيم، ولذا عُدِلَ على القول بخبَريَّته عن الإضافة (ولم يكن أحدٌ كُفؤه) إلى فصل الضمير؛ ليتأتى تنكيره، تحقيقًا لِفَخامَةِ ذلك المعنى المنفي عنه تعالى.
~ تنكير المشابهة المنفية لتعميق الصورة البيانية ~
* بَلاغَةُ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّب :
عبَّرَ النَّظْمُ الكريم بأسلوب اللف والنشر المرتب في سورة الإخلاص: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)؛ إذْ نَفي الوالديَّة والولدية عن الله تعالى يتوافق مع إثبات الأحدية، فالأحد هو المنفرد عن مخلوقاته، فلا يكون والدًا ولا مولودًا، وإلا لما ثبت انفراده، ونفي الكفء والنظير والمساوي عن الله تعالى يتوافق مع كونِهِ الصَّمَدَ على سبيل الانحصار؛ إذ المقصود في الحوائج دون ما سواه لا يكون إلا إذا لم يكن أحد مماثلًا له؛ إذ وجود المماثل والنظير يجعل انحصار المقصودية منقوضًا، ولذا نَفَى الوَلَديَّةَ والوالديَّة بلا استغراق؛ إذ لا يَشُكُّ أَحدٌ من المشركين بأحدية وجوب الوجود، في حين حصر الصمدية فيه بتعريف الطرفين؛ لقصدِهِم آلهتهم في الحوائج، ومن ثُمَّ جَاءَ نفي المُمَاثِلِ عنه تعالى بطريق الاستغراق الكُليّ؛ ليُثبِتَ انحصارَ الصَّمَديَّة فيه، فتكون الآيتان الأخيرتان متوافقتين مع الآيتين الأوليين.
~ نفي الولادة لتحقيق الأحدية، ونفي المكافأة لتأكيد الصمدية ~
* دلالة تنكير (أَحَدٌ) :
نَكَّرَ النَّظمُ الكريم الاسمَ (أَحَدٌ) في قول الله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)؛ للدلالة على العموم والاستغراق الكُلِّيّ؛ إِذِ النَّكِرَةُ فِي حَيِّز النَّفْي تُفيدُ العموم الكُلِّيَّ، و(أَحَدٌ) هُنا بِمَعْنَى إِنْسَانٍ أَوْ مَوْجُودٍ، وهوَ مِنَ الأَسْمَاءِ النَّكِراتِ المُلازِمَةِ لِلوُقوعِ فِي حَيِّز النَّفْي (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 620)، ولا ينقُضُ العموم المعبر عنه بالسلب الكلي إلا التوجه إلى أصنام ومخلوقات الله بالقصد والسؤال والعبادة؛ لأنَّه يُدَّعى بذلك القصد وجود ذات كُفؤًا ونظيرًا لله في النفع والضُّر والتأثير، تعالى الله عما يُشركون.
~ السَّلبُ الكُلِّيُّ يَنقُضُهُ الإيجاب الجزئي ~
* دلالة الجناس التام بين الصدر والعجز :
عبر النظم الكريم بلفظ (أَحَدٌ)، في قول الله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)؛ للدلالة على أي مخلوق موجود، فيتحقق الجناس التام بينهُ وبينَ (أَحَدٌ) في قوله تعالى في صَدْرِ السُّورة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؛ إذ المراد به المنفردُ الَّذي لا يُجانِسُ شيئًا من الموجودات (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 620)، والغرض من الجناس بيان أنَّ آحاد المخلوقات باستغراقها الكلي تدلُّ على وجوب الأحدية والتفرد للذات الإلهية.
~ إثبات التوحيد بنَفْي النَّظِيرِ لَهُ في الآحاد ~
## الفُروقُ المُعْجَمِيَّةُ :
* الأحد والواحد :
بين اللفظين (واحد) و(أحد) تَرادُف وافتراق، فأما التَّرادف ففي مَوضِعَينِ سَماعًا: أسماءُ العَدَدِ؛ للغلبة وكثرة الاستعمال، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون، ووَصفُ البارئ تعالى، فهو الواحد، وهو الأحد؛ لاختصاصه بالأحدية، فلا يشركه فيها غيره، ولهذا لا يُنعتُ به غير الله تعالى، فلا يقال: (رجلٌ أَحَدٌ)، ولا (درهم أحدٌ) ونحو ذلك.
وفي غير هذين يقع الفرق بينهما في الاستعمال، بأنَّ (الأحد) لنفي ما يُذكَرُ مَعَهُ، فلا يُستعمَلُ إِلَّا في الجحد، لما فيه من العموم، نحو: (ما قام أحدٌ)، أو مضافًا، نحو: (ما قام أحد الثلاثة)، و(الواحد) اسم لمفتتح العدد، ويُستعمل في الإثباتِ مُضافًا وغير مُضاف، فيقال: (جاءني واحد من القوم) (الفيومي، المصباح المنير، والجوهري، الصحاح: (أحد))، فالواحد من صفات الله تعالى، معناه: أنه لا ثاني له، ويجوز أن يُنعَتَ الشّيءُ بأنه واحد، وأما (أَحَدٌ)؛ فلا يُنعَتُ به غير الله تعالى؛ لِخُلوص هذا الاسم الشريف له جل ثناؤه (القاسمي، محاسن التأويل: 9/ 567)، ولهذا الاختصاص ورد الوصف به في الآية الأولى من السورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)؛ لإثبات انفراد الله في أسمائه وصفاته.
وقيل: (الواحد) يدخُلُ في (الأحد)، و(الأحد) لا يدخل في (الواحد)، فإذا قلت: (لا يُقاوِمُهُ واحدٌ)؛ جاز أن يقال: (لكنه يُقاومه اثنان)، بخلاف قولك: (لا يقاومه أحدٌ)؛ فلذلك جاء نفي الكُفْء والنظير به؛ لاستغراق المنفي جميع احتمالات الشرك والمماثلة (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 443).
* الكفء والشبيه والنظير والمثيل :
(الكفء) يعم (الشَّبيه) و(النظير) و(المثيل)، فـ (المثيل) هو المشارك في جميع الصفات، و(الشَّبيه) هو المشارك في غالبها، و(النظير) هو المشارك في أقلها، والله تعالى مُنَزَّه عن ذلك كله (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 447).
~ الكفء أعم مطلقًا ~
* المتشابه اللفظي :
تَشَابَهَتِ الآية في هذه السورةِ: (لَمْ يَلِدْ) مع التي في سورة الإسراء: (لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) [الإسراء: 111]، وسَبَبُ الاختلاف بينهما أَنَّ الوَلَدَ إِمَّا أَنْ يَتَوَلَّدَ مِنَ الإنسان، فهوَ الوَلَدُ الحقيقي، وإِما أَلَّا يَكُونَ مُتَوَلِّدًا مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ يَتَّخِذُهُ وَلَدًا، ويُسَمِّيهِ هَذا الاسم، وإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا لَهُ فِي الحَقِيقَةِ، والنَّصارى فريقانِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: (عِيسَى وَلَدُ اللهِ حَقِيقَةً)، ومِنْهُم مَنْ قَالَ: (إِنَّ اللهَ اتَّخَذَهُ وَلَدًا تَشْرِيفًا لَهُ، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا تَشْرِيفًا لَهُ)، فَقَوْلُ الله تَعَالَى: (لَمْ يَلِدْ)، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى نَفْي الوالِدِ في الحَقيقَةِ، وقَوْلُهُ: (لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) [الإسراء: 111] إِشَارَةٌ إِلَى نَفْيِ القِسْمِ الثاني، ولهذا قالَ: (لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) [الإسراء: 111]، وقال في سورة أُخْرَى: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ) [يونس: 68]؛ لأنَّ الإِنْسانَ قَد يَتَّخِذُ وَلَدًا؛ لِيَكُونَ نَاصِرًا ومُعِينًا لَهُ عَلَى الْأَمْرِ المَطْلُوبِ، فَاتِّحَاذُ الوَلَدِ إِنَّمَا يَكُونُ عِندَ الحَاجَةِ (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 364).
~ دحض جميع المزاعم الشركية، بولادة حقيقية أو مجازية ~
موسوعة التفسير البلاغي، المجلد الثامن والستون،
من ص 665 إلى ص 688
مجمع القرآن الكريم بالشارقة.
## التعريف العام بالسورة :
~ هذه السورة من قصار سور المفصل ~
* المكي والمدني وعد الآي :
هذه السورة مكية بالإجماع (ابن عطية، المحرر الوجيز: 5/ 534، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 20/ 234، والسيوطي، الإتقان في علوم القرآن: 1/ 42). وأما عدد آياتها: فيقول فيها الداني: "وهي خمس آياتٍ في جميع العدد، لَيْسَ فيها اختلاف" (الداني، البيان في عد آي القرآن، ص: 295).
* ترتيب المصحف وترتيب النزول :
هذه السورة هي الحادية عشرة بعد المائة في الترتيب المصحفي الشريف، وهو الترتيب الثابت والمعوّل عليه عند أهل النظر والتحقيق، وجاءت بعد سورة النصر وقبل سورة الإخلاص.
وأما ترتيبها النزولي: فقد عُدّت السّادسة من السور نزولا، نزلت بعد سورة الفاتحة، وقيل: بعد سورة المدثر وقبل سورة التكوير (دروزة، التفسير الحديث: 1/ 495، وابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 599، وعبد القادر ابن ملا حويش، بيان المعاني: 1/ 120).
* فضائل السورة :
لم يثبت شيء من الروايات في فضل هذه السورة، سوى ما تقدم فيها وفي غيرها من سور المفصل الذي قال فيه النبي فيما رواه عنه واثلة بن الأسقع: «أعطيتُ مكانَ التَّوراةِ السَّبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفُضِّلْتُ بالمُفَصَّلِ» (أخرجه أحمد في المسند، برقم: (16982)، والطبراني في الكبير: 22/ 76، والبيهقي في شعب الإيمان: 2415).
## اسم السورة ومناسبة تسميتها :
~ اشتهرت بهذا الاسم وبغيره ~
وردت تسميتها بسورة تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ في صحيح البخاري (ذكره البخاري في صحيحه: 4/ 1902)، وجاءت تسميتها بسورة (تَبَّتْ) في سنن الترمذي (ذكره الترمذي في سننه: 5/ 451).
يقول ابن عاشور: "سمِّيت هذه السورة في أكثر المصاحف (سورة تبت) وكذلك في أكثر كتب التفسير، تسمية لها بأول كلمة فيها. وسميت في بعض المصاحف وبعض التفاسير (سورة المسد)، وسماها جمع من المفسرين (سورة أبي لهب) على تقدير: سورة ذكر أبي لهب. وعنونها بعضُهم في تفسيره: (سورة اللهب). وعنونها بعضهم أيضًا: (سورة ما كان من أبي لهب)، وهو عنوان وليس باسم" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 599).
وقام البقاعي بالربط بين أسمائها ومقصودها خير ربط فقال: ومقصودها: البَتُ والقَطْعُ الحَتْمُ بخُسران الكافر، ولو كان أقرب الخَلْقِ إلى أعظم الفائزين، اللازم عنه: أن شارع الدين له من العظمة ما يقصر عنه الوصف، فهو يفعل ما يشاء لأنه لا كُفْو له أصلا؛ حثا على التوحيد من سائر العبيد. وكذلك وقعت بين سورة النصر والإخلاص، المقرون بضمان النصر وكثرة الأنصار، واسمها "تبت" واضح الدلالة على ذلك، بتأمل السورة على هذه الصورة (البقاعي، مصاعد النظر: 3/ 276-277).
## المحور العام للسورة :
~ محور السورة يقوم على وعيد الكافرين الذين يؤذون النبي وأتباعه ~
المحور الذي قامت عليه السورة هو الوعيد الشديد للكافرين الذين يتعرضون للنبي بالأذى المادي والمعنوي، وكذلك من يساعدهم على هذا الأذى، ولا شك أن الوعيد يشمل من يتعرض لأتباعه ولدينه بسوء، حتى لو كان من أقرب الناس نَسَبًا للنبي.
وقد اقتضاها هذا المحور الآتي:
~ مدار السورة على تهديد الذين يتعرضون للأنبياء وأتباعهم بسوء ~
أولاً: أن تضرب مثالاً عمليا لمن قاموا بالإيذاء الفعلي للنبي، وهو عمه أبو لهب وزوجته.
ثانيا: بينت السورة الكريمة أن هؤلاء الذين يؤذون الأنبياء وأتباعهم لن ينتفعوا لا من قرابة أو مال أو جاه، عندما يحلّ عليهم الجزاء.
## موضوعات السورة وخصائصها :
تضمنت هذه السورة الكلام عن مصير أبي لهب، ومصير زوجته أم جميل أروى بنتِ حَرْبِ بنِ أُمَيَّة، أُختِ أبي سفيان، وهو هلاك أبي لهب عدو الله تعالى ورسوله في الدنيا، ودخوله نار جهنم؛ لشدة إيذائه النبي ومعاداته له، وصَدِّه النَّاسَ عن الإيمان به، وكذلك زوجته شريكة معه في هذا العقاب؛ لأنها كانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فتكون يوم القيامة عونًا عليه في عذابه في نار جهنم (الزحيلي، التفسير المنير: 30/ 453-454).
## الخصائص الموضوعية للسورة :
~ تميزت سورة المسد بخصائص أفردتها عن غيرها من السور ~
أولاً: تميزت السورة الكريمة ببراعة الاستهلال، فلا يوجد سورة أخرى شاركتها هذه البداية بالدعاء بالثبور والخُسران المخصوص بمعين، كما فعلت هذه السورة.
ثانيا: تميّزت هذه السورة بأنها أوقعت الخسران والدعاء بالثبور والهلاك على عم النبي وزوجته، مع ذكرها له باسمه مباشرة.
ثالثا: حوت السورة الكريمة إعجازًا غيبيا ظاهرًا، فقد دعت على أبي لَهَبٍ وزوجته في بداية الدعوة بآيات بقيت تتلى إلى يوم القيامة، ومع أن أبا لهب وزوجته عاشا بعد نزول هذه السورة دهرًا، ولكنهما لم يُسلما ألبتة، ولا يتيسر لأحد سوى الله بأن يجزم بأنهما لن يدخلا في دين الله.
## الخصائص الأسلوبية للسورة :
~ تميزت سورة المسد بخصائص أفردتها عن غيرها من السور ~
أولاً: حوت السورة ألفاظًا فريدة في بنيتها، مثل: (تَبَّتْ)، (وَتَبَّ)، (لَهَبٍ)، (حَمَّالَةَ)، (الْحَطَبِ).
ثانيا: حوت السورة الكريمة ألفاظًا فريدة في بنائها ومادتها، وهي: (أَبِي لَهَبٍ)، (جِيدِهَا)، (مَسَدٍ).
ثالثا: امتازت السورة الكريمة بجَرْسِها الصوتي القوي المتناسب مع موضوعها، فقد أعطت القلقلة في فواصلها اهتزازا صوتيا تناسب مع اهتزاز المشاعر عند سماع مضمونها.
رابعا: تميزت السورة الكريمة بأنساقها التعبيرية الفريدة، التي لم تشاركها فيه سورة أخرى، فكل سبائكها وتراكيبها لم تتكرر في القرآن الكريم.
موسوعة التفسير البلاغي، المجلد الثامن والستون، من ص 622 إلى ص 625
مجمع القرآن الكريم بالشارقة.
[تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ (5) [المسد: 1-5]]
مناسبة السورة لما قبلها :
~ ثواب المطيع وعقوبة العاصي ~
لما ذكر النظم الكريم في سورة النصر ثواب الطاعة والإيمان، وهو حصول النَّصْرِ والاستعلاء في الدنيا والثواب العميم في الآخرة؛ ناسَبَ ذِكرُ عاقبةِ مَن لم يقبلِ الدُّخول في الإسلام، بالخسار في الدنيا والعقاب في الآخرة (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2043).
~ الخسارة والعذاب ~
وهذه السورةُ مُكَمِّلَةٌ لما في سورة النصر، فهناك ذكر عاقبة الإيمان والعمل الصالح، وهو الفتح والنصر، وهنا ذكر عاقبة الكفر وعداء النبي ومن معه. يقول الغرناطي: "هذه السورة وإن نزلت على سبب خاص، وفي قصة معلومة، فهي مع ما تقدمها واتصل بها، في قوة أن لو قيل: قد انقضى عُمرُكَ يا محمد، وانتهى مما قلدته من عظيم أمانة الرّسالة أمرك، وأدّيت ما تحملته وحان أجلك، وأمارة ذلك دخول الناس في دين الله أفواجًا، واستجابتهم بعد تلكؤهم، والويل لمن عاندك، وعدل عن متابعتك، وإن كان أقرب الناس إليك، فقد فصلت سورة "قل يا أيها الكافرون" بين أوليائك وأعدائك، وبان بها حكم من اتبعك ومن عاداك، ولهذا سماها (المبرئة من النفاق)، ليَعْلَمَ كفار قريش وغيرهم أنه لا اعتصام لأحد من النار إلا بالإيمان، وأن القرابات غير نافعة، ولا تجديه شيئًا إلا مع الإيمان ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾" (ابن الزبير الغرناطي، البرهان في تناسب سور القرآن، ص: 383-384).
شرح المفردات :
(تَبَّتْ) :
(تب) كلمة واحدة وهي التباب والخسران، وتبا للكافر: هلاكًا له (ابن فارس، مقاييس اللغة: (تب))، والتباب: اسمٌ مِن تَبَّهُ، وتَبَّتْ يَدُهُ تَتِبُّ: خَسِرَتْ، كنايةٌ عنِ الهَلاك، وتبا لفلان تَنصِبُهُ على المصدر بإضمار فعل (الجوهري، الصحاح: (تب))، وتبَّبَ واستَتَبَّ الطَّريق: ذلَّ وانقاد، والتحقيق: أن الأصل هو الخسران الممتد المنتهي إلى الهلاك، وبهذه المناسبة قد تُطلق على الخسارِ والهلاك. والمراد بـ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ في الآية: خَسِرتْ يداهُ خُسرانًا يسوقه إلى الهلاك، وقد هلك بما فعلت يداه وما عَمِلَ مِن سوء (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 1/ 332).
(سَيَصْلَى) :
(صلى) أصلان: أحدهما: النار، والآخر: جنس من العبادة؛ فأما الأول فقولهم: (صَلَيْتُ العود بالنار) (ابن فارس، مقاييس اللغة: (صلي))، وصلي بالنار (من باب تعِبَ): وجَدَ حَرَّها، وصَلَيْتُ اللحم أصليه (من باب رمى): شَوَيتُهُ (الفيومي، المصباح المنير: (صلي)). والمراد به في الآية: دخول النَّارِ والاحتراق بنارها.
(لَهَبٍ) :
(لهب) أصل صحيح، وهو ارتفاع لسان النار، ثمَّ يُقاس عليه ما يُقارِبُهُ، من ذلك لهب النار، وكلُّ شيء ارتفع ضوؤه ولَمعَ لمعانا شديدًا فإنه يقال ذلك فيه، وكُنّي (أبو لهب) لجماله (ابن فارس، مقاييس اللغة: (لهب))، والتهبت النَّارُ وتلهبت، أي: اتقدَتْ، وألهبتها: أوقدتها (الجوهري، الصحاح: (لهب))، واللهب: الشعب الضيق في أعلى الجبل، والجمع ألهاب ولهوب، ولهب النار ولهيبها (ابن دريد، الاشتقاق: (لهب))، فهو ظهور الهيجان وتجلّيهِ في أثَرِ شَدَّةِ الغَلَيان، ومن مصاديقه: اشتعال في النار في أثَرِ شَدَّةِ الحرارة (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 10/ 225). والمراد به في الآية: ارتفاع ألسنة النّارِ من شَدَّةِ الحرارة والاشتعال.
(الْحَطَبِ) :
(حطب) أصل واحد وهو الوقود، ثمّ يُحملُ عليه ما يُشبَّهُ به، فالحطب معروفٌ، يقال: حَطَبتُ أحطِبُ حَطْبًا، وقالوا في ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ هي كناية عن النميمة (ابن فارس، مقاييس اللغة: (حطب))، وحَطَبْتُ (من بَابِ ضَرَب): جَمَعْتُهُ. واسم الفاعل حاطِبٌ، وحَطَبَ بفلانٍ: سَعَى بِهِ (الفيومي، المصباح المنير: (حطب))، فهو ما يَتَوقَّدُ، والحطب اسم ذات، ثمَّ يُشتق منه الفعل بالاشتقاق الانتزاعي، فيقال: حطب يَحْطِبُ، أي: هيأ الحَطَبَ وجَمَعَهُ، وأما حطَبَ بفلان، أي: سَعَى بِهِ، فهو مأخوذ من مفهوم التوقد، فكأنَّ الساعي بعمله يوقد نارَ الخُصومة، ومثله النَّميمة، والمراد به في الآية: ما يتوقد منَ الشَّوك والحَسَك وغيرهما (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 2/ 227).
(جِيدِهَا) :
(جيد) أصل واحد وهو العنق، يقال: جيد وأجياد (ابن فارس، مقاييس اللغة: (جيد))، في جيدها أي: في عُنُقِها، والتعبير بالجيد دون العنق والرقبة؛ فإنَّ الجيد إطلاقه في القدام من العنق، وهو ما فوق الصدر والجيب، والعنق ما يُقابله وهو جهة الخَلْفِ أو أعم، والرقبة هي العنق باعتبار الشخصية (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 2/ 137)، وهو يربط جيدها ويَشدُّها أشدَّ الربط، بحيثُ لا تَقدِرُ أن تتوجه إلى ما هو خير وسعادة لها (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 2/ 148). قال السهيلي: الجيدُ إنّما يُستعمل في مقام المدح، والعُنْقُ في الذم، فتقول: صَفَعْتُ عُنُقَه، ولا تقول صَفَعتُ جيده، قال: وقَولُهُ تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا﴾ إنّما جاء على طريق التهكم والتمليح، بجعل الحَبْلِ كالعقد (الزبيدي، تاج العروس: (جيد)).
(مَسَدٍ) :
(مسد) أصل صحيح يدلُّ على جَدْلِ شيءٍ وطَيِّهِ، وَالْمَسْدُ: ليفٌ يُتَّخَذُ من جريد النخل، وحَبْلٌ مِن أوبار الإبل، وامرأة ممسودة مجدولةُ الخَلْقِ كالحبل الممسود غير مسترخية، ومسدتُ الحبلَ أمْسُدُه مَسْدًا: أَجَدْتُ فتله (ابن فارس، مقاييس اللغة: (مسد))، والمَسَدُ: حبل من ليف أو خوص أو شعرٍ أو وبَرٍ أو من أي شيءٍ كان (الجوهري، الصحاح: (مسد))، والمَسَدُ: الليف (ابن منظور، لسان العرب: (مسد))، وبه فُسِّر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ في قول (الزبيدي، تاج العروس: (مسد)).
المعنى الإجمالي :
~ عاقبة المكذبين المؤذين، التباب والعذاب المهين ~
والمعنى: خَسِرَ أبو لهب وضلَّ عمله، وبطَلَ سَعيُهُ الَّذِي كَانَ يَسعَاهُ للصد عن دين الله، ولم يُغن عنه ماله الَّذي كان يتباهى به، ولا جده ولا اجتهاده في ذلك، فإنَّ الله أعلى كلمة رسوله ونشر دعوته، وأنه سَيُعذَّب يوم القيامة بنار ذاتِ شَرَرٍ ولهب وإحراق شديد، أعدها الله لمثله من الكُفَّار المعاندين فوق تعذيبه في الدُّنيا بإبطال سعيهِ وَدَحْضِ عمله، وستُعذَّبُ مَعَهُ امرأته التي كانت تُعاونه على كفره وجحده، وكانت عضُدَه في مُشاكسة رسول الله وإيذائه، وكانت تمشي بالنميمة للإفساد وإيقاد نار الفتنة والعداوة، وتضع الشوك في طريق الرسول وأمام بيته، في عُنُقِهَا حَبْلٌ من نار؛ جزاءً وفاقًا.
الإيضاح اللغوي والبلاغي :
براعة الاستهلال في الافتتاح :
~ مناسبة الابتداء لمقصد الموضوع حتى الانتهاء ~
عبَّر النظم الكريم ببراعة الاستهلال عند افتتاح السورة بقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ إِذِ الفعل (تَبَّتْ) مُصرِّحٌ بِأَنَّ السُّورةَ من قبيل الوعيد والتهديد، وذلك يُهيِّئُ ذِهْنَ المُخاطَب لمعرفة الموضوع والمقصود منذ الابتداء، قال ابن عاشور: "افتتاح السُّورَةِ بـ (التباب) مُشْعِرٌ بِأَنَّها نَزَلَتْ لِتَوْبيخ ووَعِيدٍ، فَذَلِكَ بَرَاعَةُ اسْتِهْلال مِثْلَما تُفْتَتَحُ أشْعار الهجاء بما يُؤْذِنُ بالذَّمِّ والشَّتْم، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: 1] إِذِ افْتُتِحَتِ السَّورَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى وَعِيدِ الْمُطَفِّفِينَ بِلَفْظِ (الْوَيْلِ)" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 601).
دلالة فعل (التب) مادة وصيغة :
~ شدة التخسير استلزمت قوة التعبير ~
اختار النظم الكريم فعل (التباب) ماضيًا في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ للدلالة على تحققِ التَّب ووقوعه تحققًا مَقطوعًا بحصوله؛ لكونه ماضيًا متحقق المدلول، وذلك باعتبار أصل وضعه؛ لأنه الآن دال على الدُّعاء والإنشاء، قال بعضهم: "والتعبير بالماضي في الموضعين لتحقق الوقوع" (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2045)، كما دلّت صيغة المضاعف على الاستمرار والشَّدَّة في ذلك الحدث المتحقق بكل قوة، كما يُشعر به صوتا (التاء والباء) الشَّديدان، وليدل بمادته على الخسارة الشديدة المستمرة المؤدية إلى الهلاك.
دلالة الاستعارة التبعية أو التمثيلية في (تَبَّتْ يَدَا) :
~ الخسارة المعنوية أعظم تخسيرا من الحقيقية الحسية ~
استعار النظم الكريم فعل (التَّباب) في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ للدلالة على الهلاك المعنوي بالخسارة في الربح والتجارة الحسيين؛ إذ شبه الهلاك المتمثل بالموت بالخسارة في الأرباح والأموال بجامع الخسارة والانمحاق في كلِّ، ثمَّ حذف المشبَّه وأبقى المشبه به على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، وقرينة الاستعارة ذكر (اليدين) اللتين تُستعملان في إنجاز الأعمال التجارية غالبًا، فتحققان لصاحبها الربح التجاري؛ فدعا بالهلاك والخسارة لهما، ولا يبعد أن تكون الجملة الفعلية مستعارةً استعارة تمثيلية؛ بأن شبه إلقاء (أبي لهب) الحجارة على النبي ظانا الربح والانتصار بهيئة التاجر الذي يستعمل يديهِ في التعامل التجاري وصولا إلى الربح، ثم حذف المشبَّه وأبقى المشبه به، ولذا خصَّ ذكر (اليدين) عندَ الدُّعاء بالهلاك، قال بعضُهُم: إِنَّ أَبا لَهَبٍ مع تلفظه بالتب: "أخذ بيدِهِ حَجَرًا ليرمي به رسول الله، ومن هذا يُعْلَمُ وجه إيثار التباب على الهلاك ونحوه مما تقدَّم؛ لإيغاله في عداوة رسول الله، وإسناده إلى يديه" (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2045).
دلالة العدول عن خَسِرَتْ وهَلَكَتْ إلى تَبَّتْ :
~ الخصوص والرد سببان للعدول عند شتم الخَصْمِ الألد ~
عدل النظم الكريم عن التعبير بفعل (التباب) في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ بلفظ (الخُسران والهلاك)؛ بأن يقول: (خَسِرَتْ أو هلكت يدا أبي لهب)؛ لأنَّ التَّبَّ أخص منهما؛ إذ الخسارة والهلاك يُستعملان للخسارة الحسية المنقطعة، بخلاف لفظ (التباب) الذي هو عبارة عن الاستمرار في الخسران، وهو مُؤَد إلى الهلاك معنويا كان أو حسّيًّا (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 481)، يقال: تَبًّا لَهُ وتب له وتَبَّبْتُه: إذا قلت له ذلك، ولتضمن الاستمرار قيل: استتَبَّ لفلان كذا، أي: استمر، وتَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ، أي: استمرت في الخُسران (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 622)، كما أن أبا لهب شتم النّبي بلفظ (التب)، فقد ورد أنَّ "الرسول قال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أنَّ خَيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتُم مُصدقي؟»، قالوا: نعم؛ ما جربنا عليكَ إِلَّا صِدقًا، فقال: إني نذير لكم بين يدي عَذابٍ شَديد، فقال أبو لهب: تبا لك سائر الأيام ألهذا جَمَعتَنا؟ فنزلت" (أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: (4687)، ومسلم في صحيحه، برقم: (355))، فعدل النظم إلى الدفاع عن النبي الكريم بمثل ذلك اللفظ جَزَاءً وفاقًا (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 601).
دلالة الكناية أو المجاز المرسل في (اليدين) :
~ تخصيص اليدين بالخسران لما اقترف بهما من العدوان ~
عبر النظم الكريم بلفظ (اليدين) في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾؛ للتكنية بهما عن (النفس) كلها؛ لما بينَهُما من اللزوم في الجملة (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 481)، أو بطريق المجاز المرسل من قبيل ذِكرِ الجُزء وإرادة الكل؛ وإنما خصَّهُما بالتكنية أو بالتجوز؛ لأنَّ أكثر الأفعال تُزاوَلُ بهما (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2045). قال البيضاوي: "إنَّما خُصّتا؛ لأنَّه لما نزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] جمع أقاربه فأَنذَرَهم؛ فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا؟ وأخذ حجرًا ليرميه به فنزلت" (البيضاوي، أنوار التنزيل: 5/ 345)، وصحح القونوي إرادة المجاز بقوله: فذكر (اليدين) لِرَميه وقصد رميه بهما، وهذا هو المُصحح للمجاز؛ لأنَّ الرمي لا يكون بدون (يد)؛ فيكون مثل إطلاق (العين) عَلَى (الرقيب)؛ فإنَّ إطلاق العين عَلَى الرقيب ليس من حيثُ إنَّه إنسانٌ بل من حيث إنَّه رقيب، وهذا المعنى لا يتحقق بدون (العين)؛ كَذَلكَ إطلاق (اليد) عَلَى مَن قصد الرمي ليس من حيث إنَّه إنسان، بل من حيث إنه رام وقاصد الرمي، والرمي لا يتحقق بدون اليد؛ فَصَحَ المَجاز بلا ريب (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 482).
نُكْتَةُ إسنادِ فِعْلِ (التَّباب) إلى (اليدين) :
~ ما كان سبب الإيذاء استحق الدعاء ~
أسند النظم الكريم فعل (التباب) إلى اليدين في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ للدلالة على أنَّ يَدَيْهِ اللَّتَين كانتا تُؤْذِيانِ النَّبِيَّ هما السبب في لحوق الدُّعاء بالهلاك عليه (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 601).
دلالة الإضافة في (يَدَا أَبِي) :
~ تحقير المنسوب لحقارة المنسوب إليه ~
أضاف النظم الكريم (اليدين) إلى (أبي لهب) في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ للدلالة على التعيين والتخصيص؛ لأنَّ إضافة النكرة إلى المعرفة تفيدُ المُضافَ تَعيينا، والغرض من الإضافة التحقير والتشنيع؛ إذ كلُّ مَن يُنسَبُ إليه يكون غير ذي بال.
دلالة الإضافة فِي (أَبِي لَهَبٍ) :
~ استحق أن يكون في جهنم استيلاء الأب على الأبناء ~
أضاف النظم الكريم لفظ (الأب) إلى (لهب) في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ للدلالة - باعتبار حال قبل العلمية واللقبية - على أنَّه صاحب اللهب، والمنسوب إليه بالأبوة الدالة على أنَّه المستولي والمالك له. قال ابن عاشور: "والأب: يُطْلَقُ عَلَى مُلازِمِ ما أُضِيفَ إِلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ: (أبوها وكَيَّالُها)، وكَما كُنْيَ إِبْراهيم: أبا الضّيفان" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 602). فأبو لهب الملازم للنار، المالك للهب والنَّارِ، المحترق احتراق الصاحب المستولي بكله عليه، وأما بعد العلمية والتلقيب فإنَّ المراد به الشخص المسمى بذلك الاسم، مع ما توحيه الإضافة قبل العلمية من تقبيح وتشويه، وتَهكُم واستخفاف ووعيد عظيم (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 350).
نُكْتَةُ العدول عن العلم إلى اللقب :
~ موافقة كنيته في الجاهلية لمصيره في الدار الأخروية ~
عدل النظم الكريم عن ذكر الاسم العلم (عبد العزى) لعم النبي إلى اللقب المشتهر به في الجاهلية (أبي لهب)، في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ إما لأَنَّ في اسمه عبادة العُزَّى، وَذَلِكَ لا يُقِرُّهُ القُرْآنُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ بِكُنْيَتِهِ أَشْهَرَ مِنْهُ بِاسْمِهِ العلم، أَوْ لِأَنَّ فِي كُنْيَتِهِ ما يَتَأَتَى بِهِ التَّوْجِيهُ بِكَوْنِهِ صَائِرًا إِلَى النَّارِ، وَذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ جَهَنَّمَيًّا؛ لِأَنَّ اللهَبَ أَلْسِنَةُ النَّارِ إِذا اشْتَعَلَتْ وزالَ عَنْهَا الدُّخانُ، فَكَانَتْ كُنْيَةُ أَبِي لَهَبٍ صَالِحَةً مَوافِقَةً لِحَالِهِ مِن اسْتِحْقَاقِهِ لَهَبَ جَهَنَّمَ، فصارَ هَذَا التَّوْجِيهُ كِنَايَةً عَنْ كَوْنِهِ جَهَنَّمَيًّا؛ لِيَنْتَقِلَ مِنْ جَعْلِ (أبي لَهَبٍ) بِمَعْنَى مُلازِم اللهب إلى لازم تِلْكَ المُلازَمَةِ في العرف، وهوَ أَنه مِنْ أَهْلِ جَهَنَّمَ، وَهُوَ لزوم ادعائيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفاؤُلِ بالأسماء ونَحْوها (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 602)، أو: "أوثرتِ الكنية لاشتهاره بها واختصاصها به، حتى إنَّه لو سُمِّي لالتبس" (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 626)، أو: "لأن الاسم أشرف من الكنية، فعدل إلى الأنقص، ولذلك ذكر الله تعالى الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام باسمائهم، ولم يُكَن أحدًا منهم" (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 419).
نُكْتَةُ التلقيبِ أَو الكُنيةِ ـ (أَبِي لَهَبٍ) :
~ اللقبية أرجح من الكنية التكريمية ~
عبر النظم الكريم باللفظ المبدوء بالأب في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ للدلالة على اللقب دون الكنية، مع أن الكنية ما بُدِئ بأب أو أم؛ لأنَّ الكنية تكرمة للمكنى بخلاف اللقب الذي قد يكون من باب الرفعة أو الضعة، ولذا قرّر القونوي: "أنَّ التكرمة ليست بمرادة هنا، هذا بناءً على الأغلب؛ إذ العادة إذا أُريد التعظيم أن يُخاطب بكُنيته أو لقبِهِ، لكن المراد بالكنية هنا اللقب، وإن كان مصدرًا بالأب؛ لإضافته إلى غير ذوي العقول" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 482).
تنوع القراءات في (لَهَبٍ) :
~ توالي الحركات يُشير لتطاير اللهبات ~
قَرَأ الجُمْهُورُ لَفْظَ (لَهَبٍ) في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ بفتح الهاء، وقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ بسكون الهاء: (لَهْبٍ) وَهُوَ لُغَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ كثيرًا ما يُسَكِّنونَ عَيْنَ الكَلِمَةِ الْمُتَحَرِّكَةِ مَعَ الهاءِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِأَنَّ لَهَبٍ صارَ جُزْءَ عَلَمٍ، والعَرَبُ قَدْ يُغَيِّرُونَ بَعْضَ حَرَكَاتِ الِاسْمِ إذا نَقَلُوهُ إِلَى العَلَميَّةِ (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 602)، كما أنَّ الفتح يشير إلى حالة التأجج للنار بتوالي الحركات، بخلاف الإسكان المشير إلى لَهَب ثابت ودائم.
دلالة (الكناية) في الجملة الفعلية (تَبَّتْ يَدَا) :
~ من شدة الكراهة دعاء المولى عليه بالخسارة ~
عبر النظم الكريم بالجملة الفعلية الماضوية في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾؛ إما للدلالة على الدعاء عليه بالهلاك والخسران، لكن الله تعالى لا يدعو بذلك، إذ لا يليق به تعالى الدعاء بالهلاك أو بالخير والنجاة لأحد؛ ولذا كان التركيب كناية عن وقوع الهلاك والخُسران له، فالتركيب مستعمل باعتبار لازمه، وأنَّه من شدَّة الكراهة لفعله عبر النظم عن دعاء المولى عليه؛ فالجملة دعائية باعتبار لفظها وإن كان مدلولها اللازمي إخبارًا أزليا عن عظيم الخسارة المتحققة، قال الهرري: "والمراد هنا بيان استحقاقه لأن يُدعى عليه بالهلاك؛ فإنَّ حقيقة الدُّعاء شأن العاجز، والله منزه عن ذلك" (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 418)، وإما للإخبار بتباب ذاته وخسارة أمر عاقبته، وغرضه الاحتقار والذم.
دلالة (الواو)، والغرض منها :
~ التوكيد والإخبار محققان مزيدًا من الاحتقار ~
عبر النظم الكريم بـ (الواو) في ﴿وَتَبَّ﴾ من قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾: للدلالة بها إما على العطف إن كان مدخولها دعائيا، فيكون من عطف الإنشاء على الإنشاء الدال على التوكيد، وإما على الحال إن كان مدخولها إخباريا وما قبلها إخبار، فيكون الحال جائيًا من المُخبَر عنه بالتباب، قال ابن عاشور: "وَجُمْلَةٌ وَتَبَّ إِمّا مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ عَطْفَ الدُّعَاءِ عَلَى الدُّعَاءِ؛ إذا كَانَ إِسْنَادُ التِّبَاب إِلَى اليَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا آلَةُ الْأَذَى بِالرَّمْيِ بالحِجَارَةِ، فَأُعِيدَ الدُّعَاءُ عَلَى جَمِيعِهِ إِغْلَاظًا لَهُ في الشتم والتقريع، وتفيدُ بذَلِكَ تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ لِأَنَّهَا بِمَعْنَاها، وإِنَّما اختلفتا بالكُليَّةِ والجُزْئِيَّةِ، وذَلِكَ الاخْتِلافُ هُوَ مُقْتَضِي عَطْفِها، وإِمَّا أن تَكونَ في مَوْضِعِ الحال، و(الواو) واو الحال، ولا تَكونُ دُعَاءً إِنَّما هي تحقيق لِحُصولِ ما دُعِيَ عَلَيْهِ بهِ، فَيَكُونُ الكَلَامُ قَبْلَهُ مُسْتَعْمَلًا فِي الذم والشَّمَاتَةِ بِهِ أَوْ لِطَلَبِ الازدياد، ويُؤَيِّدُ هَذَا الوَجْهَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: (وَقَدْ تَبَّ)، فَيَتَمَهَّضُ الكَلامُ قَبْلَهُ لِمَعْنَى الذَّمِّ والتَّحْقِيرِ، دونَ مَعْنَى طَلَبِ حُصولِ التَّبَاب لَهُ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 603).
نُكْتَةُ التعبير بالماضي (وَتَبَّ) :
~ العدول عن المستقبل محقق للكلام المعظم ~
عبر النظم الكريم بفعل (التباب) الثاني ماضيا في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾؛ للدلالة على أنَّ ذلك التَّبَّ واقع في أزمنة الاستقبال لا محالة؛ فيكونُ مَجازًا متمثلا بالعدول عن الحال والاستقبال إلى التعبير بالماضي؛ إيذانا بتحقق وقوعه (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 622)، وهذا مبني على أنَّ المراد بـ (التب) الثاني الإخبار دون الدعاء.
دلالة الجمع بين فعلي (التباب) :
~ من مسوغات العطف للتوكيد الاختلاف في كلام الوعيد ~
جمع النظم الكريم بين فعلي (التباب) في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾؛ للدلالة على التوكيد للخسارة والهلاك، وهو من مقاصد الكلام وأغراضه المهمة، فلا يحتاج إلى عطف حينئذ كما هو الأصل في (التوكيد اللفظي)، ومن ثم اختلف المُفسِّرُونَ في تحديد المغايرة لتكون سببًا لإيراد (الواو) العاطفة بينَ المُؤكِّدِ والمؤكد على أقوال، هي:
الأول: فعل (التباب) الأول دعاء عليه، وفعل (التباب) الثاني إخبار، فكأنه قال: أهلكه الله وقد أُهلِكَ فعلا (الواحدي، التفسير البسيط: 24/ 409). قال القونوي: وضمير (وَتَبَّ) راجع إلَى أَبِي لَهَبٍ؛ فإذا كان المراد بـ (اليد): نفسه، يكون تأكيدًا، والعطف لا يُلائمه، وبين البيضاوي أنه ليس بتأكيد؛ لأنَّ المراد بالأوّل دعاء عليه بالهلاك، والثاني إخبار عمّا يستحق له في الآخرة، والماضي لتحقق وقوعه، أو في الدُّنيا والآخرة، لكن يلزم عطفُ الإخبارِ عَلَى الإنشاء، ولذا قيل: والظاهر أنَّ هذه الجملة حالية و(قد) مقدّرة (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 483)، و(الواو) على هذا الترجيح للحال أو للاستئناف.
الثاني: كلا فعلي التباب إخبار، أراد بالأول هلاك عمله، وبالثاني هلاك نفسه؛ فالاختلاف بالكلية والجزئية.
الثالث: كلا فعلي التباب دعاء عليه، ويكون في هذا شبهُ مَجيء العام بعد الخاص، وإن كانت حقيقة (اليدين) غير مرادة (السمين الحلبي، الدر المصون: 11/ 141)، والواو عاطفة حينئذ على الرأيين المتقدمين.
الرابع: يجوز أن يراد بالأول هلاك عمله، وبالثاني هلاك نفسه، ووجهه: أن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه وعمله، فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين، والنظم يُساعده، لأنَّ ما بعده بيان وتفسير؛ فإن قوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ إِشَارَةٌ إِلى هَلَاكِ عَمَلِهِ، وقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ إشارة إلى هلاك نفسه (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 622)، والواو عاطفة عطف الخبر على الخبر.
نُكْتَةُ الفَصْلِ فِي جُملةِ (مَا أَغْنَى) :
~ الانتقال من الدعاء بالخسارة إلى عدم غنية المال والتجارة ~
فصل النظم الكريم قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾؛ لكونه مستأنفا استئنافا ابتدائيا، والغرض الانتقال: "من إنشاء الشَّتْم والتوبيخ، إلى الإعلام بأَنَّهُ آيِسٌ مِنَ النَّجَاةِ مِنْ هذا التَّبَابِ، ولا يُغْنِيهِ مَالُهُ ولا كَسَبُهُ، أي: لا يُغْنِي عَنْهُ ذَلِكَ فِي دَفْعِ شَيْءٍ عَنْهُ فِي الآخِرَةِ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 604)، ويحتمل أن يكون تأكيدًا لما قبله؛ بناءً على أَنَّ الكلامين إخبار عن لحوق خسارة به، وأنَّ هذه الخسارة غير قابلة لأن يُغني عنها شيء من أمواله ومدخراته.
دلالة (ما) والغرض منها :
~ عاقبة المعتدين عدم الانتفاع بالمال والبنين ~
استعمل النظم الكريم (ما) في قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾؛ للدلالة بها إما على النفي وهو الأرجح (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 604)، والتقدير: (لم يغن عنه ماله ولا كَسَبُه) (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2046)، والغرضُ مِنَ النَّفي الإخبارُ بِأَنَّ مَن حقق الله خسارته وهلاكه وانمحاءَهُ فلا يغني عنه شيءٌ من الله تعالى، ولا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة.
وإما للدلالة بها على الاستفهام المفيد للتوبيخ والإنكار، "على أنَّها مفعولٌ مُطلق" (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 626)، والتقدير: (أي شيءٍ وأَيَّ غَناء يُغني عنه ماله وكسبه)؛ فيَؤول إلى معنى النفي. قال الهرري: "أي: لم يُغن عنه ماله حين حل به التِّبابُ، ولم ينفعه أصلا، على أَنَّ (مَا) نافية، أو (أيُّ شيء أغنى عنه؟) على أنها استفهاميّة في معنى الإنكار، منصوبة بما بعدها على أنَّها مفعول به، أو (أي إغناء أغنى عنه؟) على أنَّها مفعول مطلق" (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 422)، وفائدة التعبير عن النفي بطريق الاستفهام الدلالة على التوبيخ والاستغراب من عاقبة ذلك الخاسر الشنيعة.
دلالة فعل (الإغناء) مادةً وصيغةً :
~ الأموال والمكاسب لا تغني عن الهلاكِ والمتاعب ~
عبر النظم الكريم بفعل (الإغناء) ماضيًا في قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾؛ للدلالة على تحقق وقوع عدم الإغناء (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 604)، وأن ذلك أمر مقطوع بحصوله وتحققه، واختار صيغة (الإفعال) للدلالة على التَّعدية؛ أي: لم يجعل المال ولا الكسب أبا لهب غنيا عن التباب الذي يلحقه، بحيثُ يُنجيه ماله وكسبه عما يحيقُ به من تخسير واستئصال، وللدلالة بمادته على أنَّ المال والمكاسب لا تنفع صاحبها، ولا تدفع عنه سيّئاتِ ما يَعمَل، فلا تَسُدّ مَسدَّهُ، ولا تقومُ مَقامَهُ.
دلالة (عن) والغرَضُ منها :
~ لا يغني المال في التخلص من عقاب المآل ~
عبر النظم الكريم بحرف الجر (عن) في قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾؛ للدلالة على المجاوزة، إذ المال يتجاوز صاحِبَهُ عند الاشتراء، فيُعطى من أجل الحصول على الشيء، والشيء هنا العذاب، فلا يُغني تقديم المال لاشتراء العذاب النازل به؛ إذ هذا النوع من البضاعة لا يُباع أصلا حتَّى يُقدِّم المال لاشترائِهِ والتَّخَلُّص من ضَرَره؛ فالمالُ يُستعمَلُ إمّا لتحصيل منحة، أو لدفع محنة، فأخبر النظم الكريم أنَّ مالَهُ عاجز عن تخليصه من ذلك الهَلاكِ الموعود.
نكتة تقديم الجار والمجرور (عَنْهُ) :
~ إظهار الاهتمام بالمصير والعاقبة ~
قدم النظم الكريم مُتعلّق الفعل من الجار والمجرور على الفاعل في قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾؛ للدلالة على الاهتمام بحال المعاقب النَّكِد؛ لأنَّه الذي سيق الكلام لأجله، فيكون الإخبار عنه متقدما، ولأنَّ الفَرضَ بيان عدم وجودِ مَا يَسُدُّ مسدَّه، أَوْ يَنصُرُهُ مِن عذاب الله تعالى، وما ذِكْرُ المالِ والكسب إلا للتمثيل، وإلا فلا ينفعه أي شيء من جاه أو مال أو ولد أو نفوذ.
نَّكْتَةُ الإِضافةِ فِي (مَالُهُ) :
~ المال المنسوب لا يغني عن التهديد الموعود ~
أضاف النظم الكريم لفظ (المال) إلى ضمير الغيبة العائد إلى (أبي لهب) في قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾؛ للدلالة على التعيين والتعريف؛ إذ يكتسب المُضافُ من المضاف إليه المعرفة والتعين والتشخص، والغرض من الإضافة بيان كمال عدم الإغناء، فهذا المال المنسوب إليه تملكا واختصاصًا لا ينفعه في الإنجاء والإغناء، فكيف بمال غيره؟ وإضافة المال اسم جنس إليه دال على عدم نفع أي نوع من أنواع تلك الأموال، من إبل أو نخيل أو غيرهما؛ إذ "المال: المُمْتَلكات المتمولة، وغَلَبَ عِنْدِ العَرَبِ إِطْلَاقُهُ عَلَى الإِبِلِ، وأهْلُ المَدِينَةِ وخَيْبَرَ والبَحْرَيْنِ يَغْلِبُ عِنْدَهُمْ عَلَى النَّخِيلِ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 604)، فالإضافة للاستغراق.
دلالة (الواو) في (وَمَا) والغرض منها :
~ التيئيس والإقناط مِن نَفْعِ المال المجموع ~
عبر النظم الكريم بـ (الواو) في قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾؛ للدلالة على الجمع والاقتران بين الكسب أَوِ الَّذِي يَكْسِبُهُ والمالِ الَّذي يَجمعُهُ، والغرض من العطف التيئيس والإقناط في نفع شيء من المال المجموع والكسب الذي يأتي من ذلك المال المجموع.
دلالة فعل (الكَسْبِ) مادةً وصيغةً :
~ كسب الأموال قاده إلى الخسارة والوبال ~
عبر النظم الكريم بفعل (الكسب) ماضيًا في قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾؛ للدلالة على تحقق كسبه للأموال والأرباح، لكنها لم تُغن عنه من عقاب الله شيئًا، ولِيَدُلَّ بمادته على انهماكه في العمل من أجل زيادة ماله وأرباحه، وأن تلك الأموال المكسوبة والمجموعة قادته إلى الغُرور فالهلاكِ والخسران.
سر التغاير في التعبير عن المال والكسب :
~ المال والكسب لم يغنيا عن التب ~
غاير النظم الكريم في التعبير عن المال والمكسوب في قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾؛ إذ عبر عن الأول باسم الجنس الدال على الذات المضاف إضافةً تملكية، وعبر عن الثاني بالاسم الموصول المفتقر إلى صلته الفعلية الدال على الذات الحاصلة بحَدَثِ الكسب؛ للدلالة على أن المال الذي يمتلكه ينقسم على قسمين: مال غير مكسوب لكنه ملكه، ومال ملكه بطريق الكسب، وتولَّد بالعمل والسعي في تحصيله.
تناسب الخصوص والعموم في الآيتين :
~ التوافق في التركيب دال على الإعجاز لكل عقل أريب ~
عبر النظم الكريم بأسلوب الخصوص ثم العموم في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾؛ إِذِ انتقل في الآية الأولى من تب اليدين إلى تب أبي لهب كله، وانتقل في الثانية من عدم إغناء المال إلى عدم إغناء كل المكسوب مالًا أو غير مال، فيكون هنالك توافق في الانتقال من الخصوص إلى العموم، وأن المال المكسوب يحصل باليدين غالبًا، وأما الكسب الشامل للمال وغيره؛ فيحصل بالنفس كلها كتناسل الماشية.
سر الفصل في (سَيَصْلَى) :
~ جذب انتباه السامعين وتحقيق التشويق لدى المخاطبين ~
فصل النظم الكريم قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ عمّا قبله؛ لكونه مستأنفا استئنافًا بيانيًا؛ إذ نشأ من جملة نفي الإغناء للمال والمكسوب عن أبي لهب سؤالٌ مُفاده: وماذا يحصل له إن لم يُغن عنه المال؟ فأجاب بأنَّه سيصلى نارًا، والغرض من كون التركيب جوابًا عما يجول في الذهن توليد حالة من التفاعل بين مكونات النظم، بحيثُ يتوقف السابق على اللاحق تشويقا للإصغاء، وجَلْبًا للانتباه (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 605).
دلالة (السين) والغرض منها :
~ تحقيق الوعيد دال على مزيدٍ من التهديد ~
عبر النظم الكريم بـ (السين) في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾؛ للدلالة على الاستقبال مع التأكيد لتحقق الوقوع، إذ المستقبل أمر غير متيقن الوقوع، فكانت السين مؤكدةً لذلك الوعيد، وأنه كائن لا محالة فيه بدلالة المقام، أي: "سيدخلُ النَّارَ لا محالة في الآخرة، ويُقاسي حرَّها، و(السّين) لتأكيد الوعيد" (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2046)، قال ابن عاشور: "وَ(السِّينُ) لِلتَّحْقِيقِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: 98]" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 605).
دلالة فعل (الصَّلْي) مادةً وصيغةً :
~ الإصلاء بالنار، لفَرْطِ ظُلمه سيد الأبرار ~
عبر النظم الكريم بفعل (الصِّلِّي) مضارعا في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾؛ للدلالة على التجدد الاستمراري لحالة الصَّلِّي والحرق في النار، فيكون إخبارًا عن تجدد ذلك واستمرار العذاب النازل به، وما ذلك إلا لاستمراره في إيذاء النبي الكريم، فإن كانت (السِّينُ) لمجرد التأكيد فإنَّ التعبير عن المستقبل بالفعل الدال على الحال؛ لاستحضار الحالة المستقبلة كأنها تقع الآن (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 622)؛ تصويرا لفضاعة ذلك الاحتراق وتشنيعا بحاله، وليدل بمادته على الشوي والحرق والتعريض للنار حتى الإنضاج للحم (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 605).
نُكْتَةُ الطَّباق بينَ (أَبِي لَهَبٍ) و(سَيَصْلَى) :
~ جمال الوجه والإضاءة ينقلب اسودادًا بالصلاية ~
عبر النظم الكريم بأسلوب (الطباق) في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وقولِهِ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾؛ إِذِ الصَّلِّي احتراق واسوداد، وهو أبو اللهب وصاحب النّار، وبين النار والاحتراق طباق؛ إذ النَّارُ تدل على الإضاءة، والصَّلِّي يدلُّ على السواد اللازم للاحتراق، فيكون هنالك تقابل بين كونه أبا لهب، وكونه أسود من الصلي، وتتحقق المطابقة بشكل أكبر إن مضينا على رأي مفاده: أن (أبا لهب) لقبه في الجاهلية من شدّة إشراقه وإضاءة وجهه، فينقلب في النَّارِ أسودَ مُحترقًا، قال الزمخشري: "وقيل كُنّي بذلك؛ لتلهب وجنتيه وإشراقهما، فيجوز أن يُذكر بذلك تهكما به وبافتخاره بذلك" (الزمخشري، الكشاف: 4/ 814).
نُكْتَةُ التنكير في (نَارًا) :
~ التعظيم والتفخيم لشدّة العذاب الأليم ~
نكر النظم الكريم لفظ (نَارًا) في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾: للدلالة على التفخيم والتعظيم، قال بعضهم: "والتنوين في نَارًا للتعظيم، أي: نارًا عظيمةً ذات اشتعال وشرر وتوقد، وهي نار جهنم" (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2046)؛ ذلك التعظيم المتأتي من الإبهام في التنكير المتناسق مع الإبهام في ﴿وَمَا كَسَبَ﴾، الدال في أحد معانيه على عداوة مبهمة للنبي لشدّة غرابتها وعظيم إيذائها، فكانت عقوبته بنار مبهمة.
نُكْتَةُ الموقع الإعرابي (نَارًا) :
~ تحول المكان إلى ذات يصلاها ذو البهتان ~
أوقع النظم الكريمُ (نَارًا) في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا﴾ منصوبة بنزع الخافض والتقدير: سيصلى في نار أو بنار (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 605)، والغرض من العدول المبالغة في تصوير مشهد الصلي، فكأنَّه لا يُشْوَى في النار أو بها، بل يَصْلَى النَّارَ عينها، ففي جَعَلِ الظرف أو الآلة عين الصلي دلالة على أنَّ المكان كله تحوّل إلى نارٍ، وأَنَّ الآلة في الصَّلِّي صارت عين المصلي.
دلالة الموقع الإعرابي لـ (ذَاتَ) :
~ كمال المناسبة، بين كُنيته وحقيقة النار اللاهبة ~
نعت النظم الكريم لفظ (نار) بلفظ (ذَاتَ) في قوله تعالى: ﴿نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾؛ للدلالة على أنَّها نار عظيمة شديدة الاشتعال، ومن شدة اشتعالها يعلوها لهب عظيمٌ، ويتطاير منها شررٌ مُخيف، قال ابن عاشور: "وَوَصْفُ النَّارِ بـ ذَاتَ لَهَبٍ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اسْمِهِ وَبَيْنَ (عاقبة) كُفْرِهِ؛ إِذْ هُوَ أبو لَهَبٍ وَالنَّارُ ذاتُ لَهَبٍ، وفي وصف (النَّارِ) بِذَلِكَ زيادة كشف لحقيقة النار، وهو مثل التأكيد" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 605).
سر العدول عن النعت بـ (لاهبة) :
~ أبو لهب، يدخل نارًا تملك اللهب ~
عدل النظم الكريم عن النعت بـ (لاهبة) إلى (ذَاتَ لَهَبٍ) في قوله تعالى: ﴿نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾: للدلالة على المبالغة، فهي تملك اللهب وصاحبته؛ كالفرق بين قولنا: (زيد عالم وزيد ذو عِلْمٍ)؛ فكأن حقيقة العلم وذاته يصحبه، والعلم كله صار مملوكًا له، بخلاف كونه عالما فإنه يدل على حصة قد نالها من العلم كباقي العلماء؛ فهي ليست نارًا لاهبةً بل هي ذات اللهب وصاحبته؛ فهي أصل لكل نارٍ لاهبة.
نكاتُ الإضافةِ فِي (ذَاتَ لَهَبٍ) :
~ من شدة النار أضيف إليها ما يُضاف لذوي الأفكار ~
أضاف النظم الكريم لفظ (ذَاتَ) إلى (لَهَبٍ) في قوله تعالى: ﴿نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾: للدلالة على الإسناد الإضافي المجازي؛ إذ النَّارُ ليست ذات لهب، بل يعلوها اللهب، وإنما جعلها صاحبة لهب؛ للدلالة على المبالغة في شدة النار، حتى إنها تعقل وتملك، وتكون الإضافة دليلًا على الاستعارة المكنية القائمة على تشبيه النار بالعقلاء، ويحتمل أن تكون الإضافة لتحقيق: "الجناس التام بينَ (أَبِي لَهَبٍ) وبينَ (نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ)، فالأوّلُ كُنية، والثاني وصف للنار" (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 432).
دلالة (الكناية) في الآية :
~ من لوازم الجهنمية، عدم الإيمان بالرسالة الإسلامية ~
كنى النظم القرآني في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ عن كون أبي لهب لا يُسلم؛ لأنَّ الإخبار في حال حياته بأنَّه من أهل النَّارِ يستلزم عدم إسلامه وإيمانه، وقد حصل ذلك فعلا فمات على الكفر، وإليهِ يَرمُزُ الدُّعاء بالتب، والإخبار عن وقوع ذلك التب وتحققِهِ فِي: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، فكانت الكنايةُ عَلَمًا على صدق النبوة والرسالة الإسلامية. قال ابن عاشور: "وَنَزَلَ هَذا القُرْآنُ في حَياةِ أبي لَهَبٍ، وقَد ماتَ بَعْدَ ذَلِكَ كَافِرًا، فَكَانَتْ هَذِهِ الآيَةُ إِعْلامًا بِأَنَّهُ لَا يُسْلِمُ، وكانت من دلائل النبوءة" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 605).
دلالة التنكير في (لَهَبٍ) :
~ تعظيم اللهب تعظيم للنار ذات النصب ~
نكر النظم الكريم المضاف إليه (لَهَبٍ) في قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾؛ للدلالة على التعظيم والتفخيم لذلك اللهب المتطاير والشرر المتعاظم، وبذلك يزداد التعظيم للنار الموصوفة التي يصلاها أبو لهب.
دلالة (الواو)، والغرض منها :
~ المشاركة في الإيذاء، سبب للاشتراك في الإصلاء ~
عطف النظم الكريم بـ (الواو) قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ عطف مفرد على مفرد (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 605)؛ وذلك للدلالة على المشاركة في الحكم بين أبي لهب وامرأته، وهو الصَّلِّي في نار ذاتِ لَهَبٍ، فلفظ (امرأته) معطوف على الضمير المستتر لوجود الفصل بالمفعول به بين المتعاطفين، فساغ العطف على المستتر من دون توكيده، وسبب المشاركة في الحكم أنَّها كانت تُشاركه في إيذاء النبي، قال الرازي: "(امْرَأَتُهُ) إِنْ رَفَعْتَهُ ففيه وجهان؛ أَحَدُهُما: العَطْفُ عَلَى الضمير في سَيَصْلى، أي: سَيَصلى هو وامرأته، وفي جيدها في مَوْضِعِ الحال، والثاني: الرَّفْعُ عَلَى الابْتِداء، وفِي جِيدِهَا الخَبَرُ" (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 354).
ويحتمل أن تكون (الواو) للحال، والمعنى: سيصلى أبو لهب والحال أن امرأته حمالة الحطب (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 630). كما يحتمل أن يكون من عطف الجملة على الجملة؛ للدلالة على استقلال كل من الجملتين عن الأخرى، فزَوجها في نار ذات لهب، وهي حمالة الحطب في جيدها حبلٌ مِن مَسَد.
نكتة الإضافة في (امرأته) :
~ النسبة إلى الجهنمي، تدل على الخسران الأبدي ~
أضاف النظم الكريم لفظ (المرأة) إلى ضمير الغيبة العائد إلى أَبِي لَهَبٍ في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؛ للدلالة على التعيين والتعريف لتلك المرأة، بحيث تمتاز عما عداها، والغرض من الإضافة: بيان أنها ملازمة للنار؛ إذ إضافتها لملازم النَّارِ الدَّال بالكناية على أنه جهنّمي، ما يفيد أنها لن تُسلم، وأَنَّهَا مُشاركة له في الصَّلِّي، فتكون جهنميَّةً مُلازمةً للنَّار ملازمته لها.
سر التعبير بـ (حَمَّالَةَ) مادةً وصيغةً :
~ العقوبة في النار، مجانسة لعملها في هذه الدار ~
عبر النظم الكريم بلفظ (حَمَّالَةَ) في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ للدلالة بصيغته الموضوعة للمبالغة على كثرة الحمل للحطب، وإلقائه في طريق النبي، مما يدل على فرط كراهتها وبغضها له وللإسلام، وليدل بمادته على رفع شيء ثقيل على عاتقها، والسير به من أجل الإيذاء، وذلك مناف لمكانتها الاجتماعية الكبيرة، لكنها كانت تعتمله وتتعمده إظهارا لذلك البغض، وهذا في حال الدنيا، وأما عند الصلي بالنار فإنَّها تحمل الحطب على سبيل المبالغة وتلقيه ليحترق به زوجها الذي كان متواطئًا معها، فهي في جهنم على حالها في الدنيا من الكد والتعب.
نكتة الإضافةِ فِي (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) :
~ التعيين واستحضار الحال، كاشفان عن حقيقة المآل ~
أضاف النظم الكريم لفظ (حَمَّالَةَ) إلى (الْحَطَبِ) في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؛ للدلالة بها إما على التعيين والتعريف إن كان (حَمَّالَةَ) بمعنى الماضي، فيُفيد المضاف من المضاف إليه تعريفا؛ لما تحمله اللفظة من الدلالة على الإيذاء والبغض للدعوة وصاحبها، وإما على مُجرّد التخفيف إن كان (حَمَّالَةَ) بمعنى المستقبل، فيكون نكرة، والغرض من التعبير عنها بلفظ الحال استحضار الحال المستقبلة لتصوير مدى فظاعة حالها في النار ووظيفتها في تلك الدار.
الدلالة اللقبيَّة (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) :
~ التركيب الإضافي، دال على معنى كنائي ~
يحتمل التركيب الإضافي (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ الدّلالة على المعنى اللقبي المشاكل للدلالة اللقبية لـ (أَبِي لَهَبٍ)؛ إذ يُشعِرُ كلا اللقبين أنهما من أهل النار، قال ابن عاشور: "فَلَمَّا حَصَلَ لِـ أَبِي لَهَبٍ وَعِيدٌ مُقْتَبَسٌ مِنْ كُنْيَتِهِ، جُعِلَ لامْرَأَتِهِ وعيدٌ مُقْتَبَسٌ لَفْظُهُ مِنْ فِعْلِها، وهوَ حَمِّلُ الحَطَبِ فِي الدُّنْيا، فأُنْذِرَتْ بِأَنَّها تَحْمِلُ الحَطَبَ فِي جَهَنَّمَ لِيُوقَدَ بِهِ عَلَى زَوْجِهَا، وَذَلِكَ خِزْيٌ لَها وَلِزَوْجِها؛ إِذْ جَعَلَ شِدَّةَ عَذابِهِ عَلَى يَدِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ، وجَعَلَهَا سَبَبًا لِعَذَابِ أَعَزِّ النَّاسِ عَلَيْهَا" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 605).
دلالة الاستعارة التصريحية والتبعية في (الحطب وحمالة) :
~ تقريب الأوزار لتكون تحت محل الإبصار ~
شبه النظم الكريم (الأوزار) بالحطب في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، ثمَّ حذف المشبه وأبقى المشبه به على سبيل (الاستعارة التصريحية)، والغرض من الاستعارة بيان أن عقوبتها من جنس عملها، فهي في جهنم تحمل الأوزار الثقيلة وتصلى بالنار، كما كانت تحمل الحطب لتُؤذي به النبي، قال القونوي: المراد بالحطب الأوزار استعارةً؛ فإنها تحمل الأوزار، والحمل في تحمل الأوزار معنوي مشابه للحَمْلِ الحِسّي، وهو حمل الأثقال، فيكون استعارَةً تبعيّةً، ولما كانت الأوزار مشابهة للحطب في أنَّ كُلا منهما مبدأ للإحراق وسبب له؛ فالحطب سبب توقد به النار في الدُّنْيا، والأوزار سبب توقد بها نار الجحيم؛ لأنَّ كون الإنسان وقود النار بسبب الآثام، فذكر اسم المشبه به وأُريد المشبه (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 486)، أو: "الحطب مُسْتَعارُ للنميمة؛ فإنها توقد نار الخصومة إيقادًا معنويا؛ كما أن الحطب يوقد نارَ الدُّنْيا إيقادًا حسّيًّا؛ فالمُشبَّه معنوي والمشبه به حسي" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 486).
دلالة الاستعارة التمثيلية في لفظ (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) :
~ إشعال العداوة إيذاء وحماقة ~
يحتمل لفظُ (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ الدلالة على الحقيقة المعلومة من نقل الخشب القابل للاحتراق، ويحتمل استعارته للسعي في نقل الفتنة والنميمة (السمين الحلبي، الدر المصون: 11/ 146)، فقد شبَّهَ الهيئة المنتزعة من نقل الفتن والمشي بالنميمة بغية إذكاء الفتن وإيقاع العداوة بين النبي وبين قومه بهيئة من يَحْمِلُ الحطب بغية إيقاد النّار عليه، ثمَّ حذف المشبَّه وأبقى المشبه به على سبيل الاستعارة التمثيلية، والغرض من الاستعارة بيان شنيع فعلها من إيقاد العداوة والبغضاء بغية الإيذاء، والمراد: "تصويرها بصورة الحطابة التي تحمل الحزمة وتربطها في جيدها؛ تحقيرًا لحالها؛ لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها؛ إذ كانا في منصب الثروة والجاه، ولقد أغضبها ذلك" (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2046).
تعدد القراءات والتوجيهات في (حَمَّالَة) :
~ ثراء المعاني والدلالات بتعدد التوجيهات ~
قُرئَتْ (حَمَّالَةَ) في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ بقراءتين؛ هما:
الأولى: الرّفعُ: (حَمَّالَةُ)؛ وهي قراءة الجمهور، وتحتمل توجيهات متعددة:
أنها خبرُ ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾؛ بناءً على أنَّ (الواو) استئناف أو عطف جملة على جملة، قال السمين الحلبي: "قراءة العامة بالرفع على أنهما جملةٌ مِنْ مبتدأ وخبرٍ، سيقت للإخبار بذلك" (السمين الحلبي، الدر المصون: 11/ 145)، وعليه: في جيدها في موضع الحال، على تقدير: (تصلى هي النار مسلسلًا) (الواحدي، التفسير البسيط: 24/ 416)، والجملة الاسمية تفيد الدوام والثبوت، بما يدل على ذم متواصل ودائم وثابت لتلك المرأة.
أو أنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: (هي حمالة الحطب)؛ وذلك مبني على أنَّ ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ معطوفة على الضمير المستتر، ثم يستأنف الكلام استئنافا بيانيا، جوابًا عن سؤالٍ مُفَادُهُ: وما شأنها تَصْلى مع زوجها؟ فأجاب: (هي حمالة الحطب) (أبو حيان، البحر المحيط: 10/ 567).
أو أنها نعت (امرأته) بناءً على أنَّها معطوفة على الضمير في ﴿سَيَصْلَى﴾، و"في جِيدِها خبر المبتدأ" (الواحدي، التفسير البسيط: 24/ 416)، قال ابن عاشور: "فَيُحْتَمَلُ أنَّها صِفَتُها في جَهَنَّم، ويُحْتَمَلُ أَنَّهَا صِفَتُهَا الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ فِي الدُّنْيا بِجَلْبِ حَطَبِ العِضاءِ لِتَضَعَهُ فِي طَرِيقِ النَّبِيءِ عَلَى طَرِيقَةِ التَّوْجِيهِ والإيماءِ إِلَى تَعْلِيلِ تَعْذِيبِها بِذَلِكَ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 606).
أو أنها عطف بيان أو بدل من (امرأته)؛ بناءً على أنه لقب (أبو حيان، البحر المحيط: 10/ 567)، والمعنى اللقبيُّ مُشعِر بطريق الكناية أنَّها لن تُسلِمَ وأَنَّها من أهل النار.
الثانية: النَّصْبُ، وهي قراءة عاصم الكوفي، ويحتمل توجيهين إعرابيين؛
إما حالٌ مِنَ ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾، وفيهِ مِنَ التَّوْجِيهِ والإيماء ما في قراءةِ الرَّفْعِ (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 606)، لكن توجيه الحالية يتم على جعل الإضافة بمعنى الحال والاستقبال؛ حتى تكون الإضافة لمجرد التخفيف، ويكون الحال نكرة كما هو الأصل فيه (السمين الحلبي، الدر المصون: 11/ 145).
أو أنها منصوبة على الذم والشتم (الواحدي، التفسير البسيط: 24/ 416، والقونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 487، والهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 425).
دلالة التعريف بـ (أل) في (الْحَطَبِ) :
~ التعريف بالعَهْدِ الذهني، بمنزلة التنكير عند البياني ~
عرف النظم الكريم لفظ (الْحَطَبِ) في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؛ للدلالة به على العهد الذهني البياني الصادق ببعض منه، فيكون بمنزلة النكرة، سواء كان الحطب بمعناه المعروف الذي توقد به النَّارُ، أو كان بمعنى الأوزار والنميمة. والغرض من التعريف حينئذ الإشارة إلى أن ذلك الحطب والوزر والنميمة من نوع خاص يتميز عن غيره مما يُعرَفُ.
نُكْتَةُ اختيار اللقبين (أَبِي لَهَبٍ) و(حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) :
~ كيل الدسائس والفتن، أوقعت أبا لهب في شر المحن ~
اختار النظم الكريم لقبًا لـ (عبد العزى) وهو (أبو لهب) في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، ولقبا لزوجه (أم جميل) وهو (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) في قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؛ ليكون كلُّ لقب مناسبًا لوظيفته، ومحققًا لمقصده؛ إذ شأن المرأة الشريرة أن تجمع الحطب وتكثر من الفتن، حتّى يُصبح جاهزا للاتقاد، فيتحوّل بيدي زوجها إلى لهب، وبذلك نستدل على أن (عبد العزى) وقع أسيرًا بيد زوجه التي كانت تُدبّر الدسائس وتجمع الفتن، وتجعل قلب زوجها حاقدًا ومبغضًا، ولذا عبّر عنها بلفظ ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ دونَ (زوجهِ)؛ لأنَّها أوقعته في شَرَك فِتَنها ولم تَنصَحْهُ بما هو خير له في دنياه وآخرته.
نُكْتَةُ فَصْلِ (فِي جِيدِهَا) :
~ استكمال صورة الحمل بتحديد نوع الحبل ~
فصل النظم الكريم الجملة الاسمية في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ عمّا قبلها من الجملة الاسمية: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؛ لكونها بيانا تفصيليا لحال حمالة الأوزار وهي تصلى في النار، مُحاكيةً لحَمْلِ الحطَبِ في الدُّنيا، بَلَفِّ الحَبْلِ في العنق بغية حمله، فإنَّها تضَعُ الأوزار على ظهرها، وتحيط عُنُقَها في جهنم بحبل من مَسَد؛ فيكون البيان ترشيحا للاستعارة، وأن الحطب هو الأوزار، والحبلُ الَّذي يشده من نارٍ ملفوفًا حول العنق، قال القونوي: في جِيدِهَا تَرْشيح للاستعارَةِ؛ إذ الحطب استعارة للأوزار أو للنميمة، والترشيح ما يُلائم المُسْتَعارَ منه، وكون الحبل في الجيد والعنق من خواص الحطب الحقيقي (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 488)، وهذا مبني على أنها جملة مستقلة عما قبلها، أما لو كانت حالا أو خبرًا على أحد الاحتمالات المتقدمة فإنَّها مفردة لا جملة مفصولة حينئذ؛ لأنَّ ما له محل من الإعراب بمنزلة المفرد مما قبله.
دلالة الموقع الإعرابي لـ (فِي جِيدِهَا) :
~ تعدد الأحوال والصفات يُقربُ الذوات والهيئات ~
تحتمل الجملة في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ أَنْ تكون بمنزلة عطف البيان مما قبلها، فتكون مفصولة عما قبلها للبيان واستكمال صورتها في النار، ويحتمل أن تكون جملةً لها محل من الإعراب بمنزلة المفرد المرتبط بما قبلها؛ فإن كانت (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) نَعْتًا أو حالا، فإنّ ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ صِفَةٌ ثانية أو حال ثانيةٌ، وذَلِكَ إخبار بما تُعَامَلُ بِهِ فِي الآخِرَةِ، أي: "جُعِلَ لَهَا حَبْلٌ فِي عُنُقِها تَحْمِلُ فِيهِ الحَطَبَ فِي جَهَنَّمَ؛ لِإِسْعَارِ النَّارِ عَلَى زَوْجِها؛ جَزاءً مُماثلًا لِعَمَلِها فِي الدُّنْيا الَّذِي أَغْضَبَ الله تعالى عَلَيْها" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 606).
دلالة الاستعارة في حرف الجر (فِي) :
~ من شدة الاستعلاء امتزج بالعنق فصار له وعاء ~
عبر النظم الكريم بحرف الجر (في) في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾؛ للدلالة على الظرفية المجازية؛ إذ شبه النظم الاستعلاء على الشّيء بالحصول فيه، ثم استعار اللفظ الدال على الظرفية على طريقة التبعية؛ للمبالغة في استعلائه، حَتَّى إِنَّه صارَ داخِلَ عُنُقِها؛ تبشيعًا لمنظرها في النار، وبيانا لكون الحبل الناري صار داخلا في العُنُق دخولًا مُؤْذِيًا ومؤلما.
نكْتَةُ العدول عن (العنق) إلى (الجيد) :
~ مَحَلُّ الجمال صار موضعا لسوء المآل ~
عدل النظم الكريم عن لفظ (العُنق) إلى (الجيد) في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾؛ للتهكم بحالها والإزراء بصورتها؛ إذ العُنقُ يُستعمل في لفظ الحسن والقبح، وأما (الجيد) فإنه يكون للجمال في العنق الذي توضع عليه القلائد، فعدل النظم عن العنق إلى ذكر لفظ يُشعرُ بالجمال تهكما واستخفافًا بها؛ إذ صار محل الجمال مربوطا بحبل من صوف ممسودٍ يؤول إلى نارٍ، فبدلا من وضع القلائد عليه يوضع الحبل لتختنق وتتعذَّبَ به.
نكْتَةُ الإضافة في (جِيدِهَا) :
~ الربط والتخصيص يُفيدان التهكم والتخسيس ~
أضاف النظم الكريم لفظ (الجيد) إلى ضمير الغيبة الراجع إلى (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾؛ لربط جملة الحال أو الوصف أو البيان بها، والغرض من الربط ترشيح الاستعارة في (حَمَّالَةَ الْحَطَبِ) الدالة على تصوير حمل الأوزار بصورةِ حَمْلِ الحَطَب، وأفادت الإضافة تشخيص الجيد وتخصيصه بها؛ ليكون أدعى للتهكم والاستهجان لأفعالها الشنيعة، قال الهرري: "والمعنى: في عُنقها حبلٌ مِمَّا مُسِدَ وقُتِلَ مِنَ الحِبال، وأنَّها تحمل تلك الحُزمة منَ الشَّوْكِ وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون؛ تخسيساً لحالها، وتصويرًا لها بصورة بعض الحطابات من الموَاهِن لتغضَبَ من ذلك" (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 426).
دلالة تقديم شبه الجملة (فِي جِيدِهَا) :
~ التشويق والاهتمام بتقديم بعض مكونات الكلام ~
قدم النظم الكريم الجار والمجرور المتعلق بالخبر المحذوف على المسند إليه في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾؛ للدلالة على الاهتمام بذكر المحل للحبل، والتشويق لسماع ما يكون في جيدها مما يولد المفارقة والاستغراب؛ لأنَّ حملها للحَطَبِ يُنبئ عن كونه حَبْلًا قويًّا ومُحكَمًا، لكنّه إن كان حَمْلًا للأوزار والخطايا فإنَّه لا تعرف طبيعة ذلك الحبل عند العذاب، فشوّق لمعرفته بذكر المسند إليه متأخرًا، كما أنَّ حَمْلَ الأوزار يستدعي الاهتمام بذكر محل ربط حبال ذلك الأمر المحمول، قال ابن عاشور: "وَقُدِّمَ الخَبَرُ مِنْ قَوْلِهِ: فِي جِيدِهَا لِلاهْتِمَامِ بِوَصْفِ تِلْكَ الحَالَةِ الفَظِيعَةِ الَّتِي عُوِّضَتْ فيها بِحَبْلٍ في جيدها، عَنِ العِقْدِ الَّذِي كَانَتْ تُحَلِّي بِهِ جِيدَها فِي الدنيا فتربط بهِ؛ إذ قد كانَتْ هي وزَوْجُهَا مِنْ أَهْلِ الثَّرَاءِ، وَسادَةِ أهْلِ البَطْحاء" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 607).
دلالة التنكير في (حَبْلٌ) :
~ الحبال في النار لا تتعرض للاضمحلال ~
نكر النظم الكريم لفظ (حَبْلٌ) في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾: للدلالة على النوعية؛ إذ الحَبلُ في النار يتعرض للاحتراق والزوال، لكن هذا الحبل نوع خاص لا يفنى ولا يَشْتَعِلُ إِلَّا بعنق من التف حول رقبته.
دلالة الاستعارة التصريحية في (حَبْلٌ) :
~ تعليل وضع الأغلال، بما كانت تقدم عليه من أعمال ~
يحتمل النظم الكريم أن يكون قد استعار الحبل للسلسلة والأغلال في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾؛ أي: سلسلة وأغلال توضع في عنقها لتُجَرَّ بها (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 488)، ثم حذف المشبه وأبقى المشبه به على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية، والغرض من الاستعارة: تقريب الصورة ومحاكاة فعلها الأثيم في شد الأشواك برباط وحبلٍ مُحكم؛ لتضعه في طريق النبي، فيكون عذابها من جنس فعلها، وفيه إشارة إلى تعليل وضع الأغلال بما كانت تقدم عليه من أعمال.
الدلالة الإيحائية للفظ (حَبْلٌ) :
~ تقييد الدواب والمساجين بالحبال لئلا يهربوا من سوء المآل ~
عبر النظم الكريم بلفظ (حَبْلٌ) في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾؛ للدلالة على التحقير والتشنيع؛ إذ الجيد يُحَلَّى بالقلائد والزينة، وأما لفظة (الحبل) فتوحي بالجر والسحب لأنها أداة تقييد الدواب والمساجين كيلا يهربوا، ولِجَرِّهم من مكان إلى آخر، فيكون لفظ (الحبل) إهانة على الجيد (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 607).
دلالة الموقع الإعرابي لـ (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ) :
~ ثبوت الإهانة لدوام الإيذاء والعداوة ~
أوقع النظم الكريم الجملة الاسمية في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ﴾ في موقع يحتمل أوجها متعددة، فيحتمل أن يكون في جيدها خبرًا مقدَّمًا، و(حَبْلٌ) مبتدأ مؤخرًا، والجملة الاسمية دالة على الثبوت والدوام لتلك الصورة المهينة؛ لما صدر منها من عداوة مستمرة، ومحل الجملة حال أو خبر ثانٍ أو عطف بيان.
كما يحتمل أن يكون (فِي جِيدِهَا) خبرًا ثانيًا لـ (وَامْرَأَتُهُ)، وأما (حَبْلٌ) فهو فاعل بالظرف، وفي حال أعربْنَا (وَامْرَأَتُهُ) معطوفةً على الفاعل في (سَيَصْلَى) فَإِنَّ (فِي جِيدِهَا) حال و(حَبْلٌ) فاعل بالظرف أيضًا (السمين الحلبي، الدر المصون: 11/ 146).
دلالة (من)، والغرض منها :
~ بيان الحبل الملفوف بأنه مفتول من الصوف ~
عبر النظم الكريم بحرف الجر (من) في قوله تعالى: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾: للدلالة على البيان والإيضاح؛ والغرض بيان طبيعة ذلك الحبل، وأنه حبل قوي وشديد ومفتول ومحكم.
دلالة التعبير بصيغة (مَسَدٍ) :
~ الحبل الممسود للجيد المؤذي للنبي المحمود ~
عبر النظم الكريم بلفظ (مَسَدٍ) في قوله تعالى: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾: للدلالة به إما على المصدر بمعنى المفعول للمبالغة في الفتل والإحكام، قال الواحدي: "المسد هو الفتل، يقال: مسد الحبل يَمْسُدُهُ، إذا أجاد فتله، ورجلٌ مَمسودٌ، إذا كان مجدول الخلق، وجارية ممسودة إذا كانت حسَنَةَ طيّ الخَلْق" (الواحدي، التفسير البسيط: 24/ 418)، أو للدلالة به على اسم الجنس، قال ابن عاشور: "والمَسَدُ: لِيفٌ مِنْ لِيفِ اليَمَنِ شَدِيدٌ، والحبال الَّتي تُفْتَلُ مِنْهُ تَكُونُ قَوِيَّةً وصُلْبَةً" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 607).
دلالة التنكير في (مَسَدٍ) :
~ المسد لا يحترق بل يُؤكَّدُ وبه تختنق ~
نكر النظم الكريم لفظَ (مَسَدٍ) في قوله تعالى: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ للدلالة على النوعية؛ إذ المَسَد والليف يحتمل النَّارَ فلا يحترق بها، بل يتحوّل إلى حبل من نار تتعذب به تلك المرأة المؤذية للنبي.
دلالة الموقع الإعرابي في (مِّن مَّسَدٍ) :
~ الذل والهوان لمن عادى النبي العدنان ~
أوقع النظم الكريم شبه الجملة (مِّن مَّسَدٍ) في قوله تعالى: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ مَوقِعَ النَّعت (السمين الحلبي، الدر المصون: 11/ 147)؛ والغرضُ مِنَ التَّوصيف بيان حقيقة الحبل والكشف عن ماهيته، وأنه من ليف مفتول أو صوف ممسود، أو حديد ملوي، وكلُّ هذا الكشف والتوضيح يرسم صورة من الذل والهوان.
دلالة الاستعارة التمثيلية فِي (جِيدِهَا حَبْلٌ) :
~ تشبيه الهيئات لتقريب الصور والماهيات ~
يحتمل النظم الكريم في قوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ أن يكون استعارة تمثيلية؛ بأن شبّه هيئة عذابها وصورته في النار بصورة عنتها المنتزعة من حالها في الدنيا وطريقة إيذائها، ثم حذف المشبه وأبقى المشبه به على سبيل الاستعارة التمثيلية والغرض من الاستعارة بيان أنَّ العقوبة من جنس العمل (الزمخشري، الكشاف: 4/ 817).
الفروق المعجمية :
التباب والخسران والهلاك :
~ التباب أخص من الخسران ونتيجة التباب الهلاك ~
التباب: هو الاستمرار في الخسران، وصولا إلى الهلاك.
وأما الخسران: فهو الهلاك أو مجرّد النقصان، فلا يصل إلى الهلاك أحيانًا، فالتباب يشمل معنى الخُسران، مع الاستمرار والتأكيد على الهلاك، في حين أنَّ الخُسران مفهومه أوسع.
وأما الهلاك: فهو الفناء والدمار.
ولذا عبر النظم الكريم بلفظ التباب في قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾؛ لأَنَّ أبا لهب لم يخسر ليعود بعد الخسران كما كان، ولم يهلك في ساعته، بل خَسِرَ واستمر في خسرانه، وصولا إلى الهلاك (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 1/ 332).
موسوعة التفسير البلاغي، المجلد الثامن والستون، من ص 626 إلى ص 656
مجمع القرآن الكريم بالشارقة.
## التعريف العام بالسورة :
~ هذه السورة من قصار سور المفصل ~
* المكي والمدني وعد الآي :
هذه السورة مدنية بالإجماع (ابن عطية، المحرر الوجيز: 5/ 532، والقرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 20/ 229، والسيوطي، الإتقان في علوم القرآن: 1/ 43)، وأما عدد آياتها فيقول فيها الداني: "وهي ثلاث آيات في جميع العدد، ليس فيها اختلاف" (الداني، البيان في عد آي القرآن، ص: 294).
* ترتيب النزول وترتيب المصحف :
هذه السورة هي العاشرة بعد المائة في الترتيب المصحفي الشريف، وهو الترتيب الثابت والمعوّل عليه عند أهل النظر والتحقيق، وجاء ترتيبها المصحفي بعد "سورة الكافرون" وقبل "سورة المسد". وأما ترتيبها في تعداد نزول السور، فهي السورة الأخيرة نزولا، نزلت بعد سورة التوبة (دروزة، التفسير الحديث: 5/ 379، وابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 589، وعبد القادر ابن ملا حويش، بيان المعاني: 6/ 517).
* فضائل السورة :
لم يثبت شيء من الروايات في فضل هذه السورة سوى ما تقدم فيها وفي غيرها من سور المفصل، الذي قال فيه النبي فيما رواه عنه واثلة بن الأسقع: «أعطيتُ مكان التَّوراةِ السَّبع الطوال، وأُعطيت مكان الزبور المئين، وأُعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفُضِّلْتُ بالمُفصَّلِ» (أخرجه أحمد في المسند، برقم: (16982)، والطبراني في المعجم الكبير: 22/ 76، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم: (2415)).
* اسم السورة ومناسبة تسميتها :
~ سورة النصر اشتهرت بهذا الاسم ~
وردت تسميتها بسورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ في صحيح البخاري (ذكره البخاري في صحيحه: 4/ 1900)، وجاءت تسميتها بسورة (الفتح) في سنن الترمذي (ذكره الترمذي في سننه: 5/ 450)، يقول ابن عاشور: "سُميت هذه السورة في كلام السلف سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾، وسميت في المصاحف وفي معظم التفاسير سورة (النصر) لذكر نصر الله فيها، فسميت بالنصر المعهود عهدًا ذكريا. وهي معنونةٌ في (جامع الترمذي) سورة (الفتح)؛ لوقوع هذا اللفظ فيها، فيكون هذا الاسم مشتركًا بينها وبين سورة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ [الفتح: 1]، وعن ابن مسعود أنّها تُسمّى سورة (التوديع)؛ لما فيها من الإيماء إلى وداعه" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 587). وقام البقاعي بالربط بين أسمائها ومقصودها خير ربط، فقال: "ومقصودها: الإعلام بتمام الدين، اللازم عن مدلول اسمها، اللازم عنه موتُ النبي، اللازم عنه العِلْمُ بأنه ما يرد إلى عالم الكون والفساد إلا لإعلاء كلمة الله، وإدحاض كلمة الشيطان، اللازم منه أنه خلاصة الوجود، وأعظم عبد للولي الودود" (البقاعي، مصاعد النظر: 3/ 268-269).
* المحور العام للسورة :
~ محور السورة يقوم على بشرى النبي بالفتح العظيم ~
المحور الذي قامت عليه السّورة هو بشارة النبي والمؤمنين معه بالفتح العظيم الذي سيكون لهم، وهو فتح مكة، وأن الناس مع هذا الفتح سيتوافدون جموعًا وقبائل للدخول في دين الإسلام، وأنه عند ظهور دين الله في الأرض تكون مهمة النبي قد اكتملت، فعندئذ أمَرَتْهُ السورةُ ومَن معه من المؤمنين أن يُكثروا من تنزيه الله تعالى، واستغفاره سبحانه، فهو يقبل توبتهم.
* موضوعات السورة وخصائصها :
~ مدار السورة على البشرى بنصرة الإسلام، وما يتوجب على النبي والمؤمنين بعده ~
يقول ابن عاشور عن أغراضها: "والغرض منها: الوعد بنصر كامل من عند الله أو بفتح مكة، والبشارة بدخول خلائق كثيرة في الإسلام بفتح وبدونه، والإيماء إلى أنه حين يقع ذلك فقد اقترب انتقال رسول الله إلى الآخرة. ووعده بأن الله غفر له مغفرةً تامة لا مؤاخذة عليه بعدها في شيء مما يختلج في نفسه الخوف، أن يكون منه تقصير يقتضيه تحديد القوة الإنسانية الحد الذي لا يفي بما تطلبه همَّتُه الملكية، بحيثُ يكون قد ساوى الحد الملكي الذي وصفه الله تعالى في الملائكة بقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 20]" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 589).
* الخصائص الموضوعية والأسلوبية للسورة :
~ تميزت سورة النصر بخصائص أفردتها عن غيرها من السور ~
أولاً: تميزت السورة الكريمة بميزة شاركتها فيها أسرة مكونة من ست سورٍ أخرى، وهي أنها بدأت بـ (إذا) الظرفية الشرطية، وهي: الواقعة، المنافقون، التكوير، الانفطار، الانشقاق، الزلزلة. والملاحظ أن أغلب هذه السور السبع قد اشتركت في تناول أحداث الساعة وما يكون بين يديها، إلا أن هذه السورة اختصت دون أسرتها من هذه السور بالبشرى بفتح مكة.
ثانيًا: تميّزت هذه السورة بأنها آخر سورة كاملة نزولا في القرآن الكريم، وأنّها السورة الوحيدة التي ألمحت إلى دنو أجل النبي.
ثالثًا: تميزت السورة الكريمة بأنساقها التعبيرية الفريدة التي لم تشاركها فيه سورة أخرى، فكل سبائكها وتراكيبها لم تتكرر في القرآن الكريم.
موسوعة التفسير البلاغي، المجلد الثامن والستون، من ص 590 إلى ص 592 مجمع القرآن الكريم بالشارقة.
[إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) [النصر: 1 - 3]]
## مُناسَبَةُ السُّورَةِ لِما قَبْلَها :
~ دين الله غالب منتصر، ودين الكفر زائل مُصْمَحِل ~
لما اختتم النّظم سورة (الكافرون) بأن لكل دينه المختص به، وأنَّ كلَّ دينٍ مُخالِفٌ للدِّينِ الآخر، فلا يُمكِنُ التَّوافُقُ في العبادة بين الدينين؛ ناسَبَ أنْ يُبَيِّنَ الفرق بينَهُما مِن جهة العُلو والغلبة فذكر أن دين الإسلام الذي هو دين الله غالبٌ مُنتصِرٌ ودين الكُفر زائلٌ مُصْمَحِلٌّ (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 403، والزحيلي، التفسير المنير: 30/ 445، ومجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2038).
## شَرْحُ الْمُفْرَداتِ :
* (نَصْرُ) :
(نصر) أصل صحيح يدل على إتيان خير وإيتائه، ونصر الله المسلمين: أتاهم الظفر على عُدوِّهِم، ونَصَرْتُهُ على عَدُوِّهِ، ونَصَرَتُهُ مِنه نَصْرًا: أَعَنْتُهُ وقَوّيته، والفاعل ناصر ونصير، وجمعه أنصار، والنُّصرة بالضم اسم منه (ابن فارس، مقاييس اللغة: (نصر))، والنَّصْرُ ضِدُّ الخَذْلِ (الفيومي، المصباح المنير: (نصر)). والنصر أيضًا: السيب والعطاء (ابن دريد، الاشتقاق: (نصر))، ومن المجاز: أرض منصورة مغيثة، ونصر الله الأرضَ أغاثها (الزمخشري، أساس البلاغة: (نصر))، والتحقيق: أن الأصل الواحد في المادة: هو إعانة في قبال مُخالِف (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 12/ 136). والمراد بـ نَصْرُ اللَّه في الآية: تأييده وإعانته المسلمين في قبال الكافرين المخالفين.
* (وَالْفَتْحُ) :
(فتح) أصل صحيح يدل على خلاف الإغلاق، يقال: فتحت الباب وغيره فتحًا، والفتح: النصر والإظفار (ابن فارس، مقاييس اللغة: (فتح))، وفتحته فانفتح: فرّجته فانفرج، وباب مفتوح خِلافُ المردود والمقفل، وفتح السلطان البلاد: غلب عليها وتملكها قَهْرًا (الفيومي، المصباح المنير: (فتح))، والفتح: إزالة الإغلاق والإشكال، وذلك ضربان؛ أحدهما: يُدرك بالبصر، والثاني: يُدرك بالبصيرة كفتح الهم، وفتح بين القوم: قَضَى، وفتح دار العدو: دخلها (الراغب، المفردات: (فتح))، (ابن القوطية، الأفعال: (فتح))، والنصر من لوازم الفتح وآثاره، وقد يكون النصر من مقدمات الفتح في مرتبة الإيجاد لا الإبقاء (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 9/ 15). والمراد به في الآية: فتح مكة بالغلبة والقهر والتملك.
* (أَفْوَاجًا) :
(فوج) كلمة تدل على تجمع، من ذلك الفوج: الجماعة من الناس، والجمع أفواج (ابن فارس، مقاييس اللغة: (فوج))، يقال: فاج يفوج فهو فيج، مثل هانَ يَهون فهو هَيْنٌ، ثمّ يخفّفان، فيُقالُ: فيج وهَيْنٌ، والفوج: الجماعة المارة المسرعة (ابن منظور، لسان العرب: (فوج))، (الراغب، المفردات: (فوج))، والتحقيق أن الأصل الواحد في المادة: هو قطيع من شيء يتراءى فيه جريان. وجماعة من النَّاسِ يُسرعون إلى جانب (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن: 9/ 142). والمراد به في الآية: انتشار الإسلام والدخول فيه على شكل جماعات متسارعة.
## المعنى الإجمالي :
~ بعد اكتمال التكليف الأقصى الاستعداد للحوق بالرفيق الأعلى ~
والمعنى: إذا رأيت نصر الله لدين الحق، وانهزام أهل الشِّركِ وخذلانهم، وفتح الله بينك وبين قومك بجعل الغلبة لك عليهم، ورأيتَ النَّاسَ يَدخلون في دينِكَ ويَنضوون تحت لوائك جماعات لا أفرادًا، كما كانَ في بَدْءِ أمرك؛ فَنَزِّهُ رَبَّكَ وَقَدَّسْهُ عَن أَنْ يُهِمِلَ الحَقَّ وَيَدَعَهُ للباطل يتغلب عليه، وعن أَنْ يُخلِفَ وعدَهُ الَّذِي وعدك به؛ فإنه هو القادر الذي لا يغلبه غالب، والحكيم الذي إذا أهمل الكافرين فلَن يُضيع أجر العاملين (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 410)، وقد فهم النَّبِيُّ من هذا أن الأمر قد تم، ولم يبق إلا أن يلحق بالرفيق الأعلى (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 412).
## الإيضاحُ اللُّغَوِيُّ والبلاغي :
* دلالة (إِذَا) والغَرَضُ مِنها :
~ من دلائل النبوة الإخبار بالأمور المستقبلة المتحققة ~
عبر النظم الكريم بلفظ (إذَا) في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ للدلالة على الظرف الاستقبالي المُتضمِّنِ مَعنى الشرط، قال ابن عاشور: يُسْتَعْمَلُ (إِذا) لِلزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ غَالِبًا، ولِذَلِكَ يُضَمَّنُ مَعْنَى الشَّرْطِ غالِبًا، ويَكُونُ الفِعْلُ الَّذِي تُضافُ إِلَيْهِ بصيغة الماضي غالبًا؛ لإفادَةِ التَّحَقُّقِ، وَ(إِذَا) هُنا مُضَمَّنَةٌ الشَّرْطَ لا محالة؛ لوجود (الفاء) في قَوْله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ التَّأْوِيلِ أَنَّ المُرادَ بـ (الفَتْحِ) في الآيَةِ هُوَ فَتْحُ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ فَالفَتْحُ مُسْتَقْبَل ودخولُ النَّاسِ في الدِّينِ أفواجًا مُسْتَقْبَلُ أَيْضًا، وهوَ الأَلْيَقُ باستعمال (إذا) (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 590)، فيكون من قبيل الإخبار بالغيبيات المستقبلية التي تحققت في الواقع، وذلك من دلائل نبوته وصدق رسالته، قال الرّازِيُّ: وَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يَقْتَضِي الاسْتِقْبَالَ إذ لا يُقال فيما وقَعَ: (إذا جاء وإذا وقَعَ)، وإِذا صَحَّ هَذا القَوْلُ صَارَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُعْجِزاتِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَبَرٌ وُجِدَ مُخْبَرُهُ بَعْدَ حِينٍ مُطابقًا لَهُ، والإِخْبارُ عَنِ الغَيْبِ مُعْجِزٌ (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 339).
بقي أن السورة إن نزلت بعد الفتح والنصر - كما في بعض الروايات - تكونُ (إِذَا) للظرف الماضي المحض، فلا تتضمن معنى الشرط، و(الفاء) في ﴿فَسَبِّحْ﴾ حينَئِذٍ عاطفة للترتيب، ومع ذلك قال القونوي: "قيل: إنَّها نزلت بعد فتح مكة؛ فيكون (إِذَا) حينئذ بمعنى (إذ)، فهي متعلقة بمقدر مثل (كملَ الأمر) وليس بمتعلق بقولِهِ: ﴿فَسَبِّحْ﴾ حَتَّى يُقالَ كَيْفَ يَصِح قوله: (فَسَبِّحْ)، وقيل فكلمة (إِذَا) حِينَئِذٍ باعتبار أنَّ بعض ما في حيزها - أعني رؤية دخول الناس أفواجًا - غير منقض بعد؛ فحينئذ يكون (إِذَا) للاستقبال بذلك الاعتبار، فيصح تعلُّقُها بقوله: ﴿فَسَبِّحْ﴾ عَلَى مَا اختاره الأكثرون" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 473).
* نكتة تحديد العامل في (إِذَا) :
~ أثر تقدير العامل على دلالة (الفاء) في النظم الكامل ~
اختلف أهل العربية والتفسير في تحديد عامل (إِذَا) على أقوال متعددة، هي (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 472):
الأول: العاملُ (جَاءَ)، وهو قول مَكَّي، وإليه ذهب أبو حيان (السمين الحلبي، الدر المصون: 11/ 139) ويُضعِفُهُ أَنَّ المضاف إليه لا يعمل في المضاف. وأُجِيبَ: بأنَّ (إذا) ليسَتْ مُضافةً عند المحققين.
الثاني: العاملُ (فَسَبِّحْ)، وإليه ذهب الزمخشري ومتابعوه، وضعفه أبو حيان بأن ما بعد (فاء) الجوابِ لا يَعْمَلُ فيما قبلها، وأجيب بأنَّه: "لا يَمْنَعُ (الفاء) عن العمل عند الأكثرين" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 472)، وبناءً على الوجهين المذكورين يكون النظم خاليا من التوكيد؛ لأنَّ العامل (جَاءَ أَوْ فَسَبِّحْ) قد تسلَّطَ على (إِذَا).
الثالث: العاملُ مَحْذُوفٌ، أي: (اذكر) الحادث الكائن وقت مجيء النَّصر؛ عَلَى أَنَّ (إِذَا) ظرفٌ لا شرطية، و(الفاء) في ﴿فَسَبِّحْ﴾ للترتيب بما قبله.
الرابع: العامل محذوف تقديره (سبح)، فيكونُ ﴿فَسَبِّحْ﴾ تفسيرًا له. ويُضعفهما أنَّ عدم التقدير أولى من التقدير.
والذي يترجح - والله أعلم - أنَّ (إِذَا) ظرفية شرطية، والعامل فيها ﴿فَسَبِّحْ﴾ المذكور، و(الفاء) سببية غير مانعة من تأثير الفعل فيما قبلها، خاصةً أن المعنى دال على الربط بين الظرف وجوابه.
* دلالة فعل (المجيء) مادةً وصيغةً :
~ لم يتحقق الفتح والنصر إلا بالمشقة والعنت والصبر ~
عبر النظم الكريم بفعل (المجيء) ماضيًا في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ للدلالة على تحقق وقوع الفعل المستقبلي؛ لأنَّ (إِذَا) ظرف للمستقبل، فتدخل على الماضي غالبًا؛ لإفادة تحقق الوقوع، بخلاف (إن) الشرطية الدالة على التردد والشك، وليدل بمادته على أنَّ ذلك الأمر الجائي يتحرك بصعوبة ومشقة وجهاد؛ فيحتاج إلى صَبْرٍ وانتظار للفرج؛ ولذا لم يقُلِ النَّظم (أتى)؛ لأنه يدل على السهولة في الإقبال.
* دلالة الاستعارة التصريحية أو المكنية في (جَاءَ نَصْرُ) :
~ النصر والفتح قادمان وجالبان للمنح ~
استعار النظم الكريم (المجيء) في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ بأن شبَّه الحصول والتحقق للفتح والنصر بالمجيء بجامع الحصول (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 590)، ثمَّ اشتق من المجيء الفعل (جَاءَ) على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
ويحتمل أنَّ الاستعارة مكنية (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 414)، بأن شبه الفتح والنصر بذات يصح منها الإقبال والمجيء، ثم حذف المشبه به وأبقى من خواصه ولوازمه الفعل (جَاءَ)، وأسندَهُ إليهما على سبيل الاستعارة التخييلية.
والغرض من الاستعارتين تجسيم المعنويات، والمبالغة في تصوير حصول النصر والفتح، حتّى إنَّهما ليتحركان كالأجسام. قال القونوي معلقًا على كلام البيضاوي (الطيبي، فتوح الغيب: 16/ 613): "للإشعار بأنَّ المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعيَّنة لها فتقرب منها شيئًا فشيئًا ما نصه: فهذا التوجه كالسير في كونه سببًا لوصول المطلوب؛ كأنها سائرة من الأزل إلى وقته المعين، ولما كان التوجه مُشابِهًا للسير، كانَ حصول المقدرات مُشابهًا بالجيئة" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 473، والهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 414)، وعلل الرازي وجه الاستعارة بقوله: "إِنَّ اللَّفْظَ دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّصْرَ كَانَ كَالْمُشْتَاقِ إِلَى مُحَمَّدٍ وذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ النَّصْرَ كَانَ مُستحَقًا لَهُ بِحُكْمِ الوَعْدِ، فَالْمُقْتَضَى كَانَ موجودًا إِلَّا أَنَّ تَخَلَّفَ الأَثَرِ كَانَ لِفُقْدانِ الشَّرْطِ، فَكَانَ كَالتَّقِيلِ الْمُعَلَّقِ؛ فَإِنَّ ثِقَلَهُ يُوجِبُ الهوي، إِلَّا أَنَّ العَلاقَةَ مَانِعَةٌ، فالثقيل يكون كالمشتاق إلى الهوي، فكذا هاهنا النصر كان كالمشتاق إلى محمد" (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 336).
* دلالة التعبير بالجملة الفعلية الشَّرطيَّة فِي (إِذَا جَاءَ نَصْرُ) :
~ الوعد بالبشرى تطمين وتسلية وذكرى ~
عبر النظم الكريم بالجملة الفعلية الشرطية في قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ للدلالة بها على حدوث أمر مستقبلي ينبغي انتظار وقت حصوله؛ فيكون تطمينا للنبي الكريم، وتسليةً له على ما يواجِهُهُ من عَنَتٍ ومشقَّةٍ في تبليغ ما أُنزِلَ إليه، وقيامه بالتكاليف الشرعية.
* نكتة التعبير بلفظ المصدر (نَصْرُ) :
~ المبالغة في الانتصار لكمال الإعانة والإظهار ~
عبر النظم الكريم بلفظ المصدر (نَصْرُ) في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ للدلالة على الإعانة والتأييد والإظهار على الدين كله؛ والغرض من التعبير عنه بالمصدر المبالغة في تحقق النصر، حتى إن حقيقة النصر المصدرية واقعة وحاصلة، وقد نوه القونوي بدقة عبارة البيضاوي في تفسير (النصر) بقوله: "إظهاره إياك على أعدائك"، بما نصه: "من الظهور بمعنى الغلبة، وهذا أبلغ من التفسير بـ (الإعانة) فقط، وأشار به إلى أنَّ النَّصْرِ هُوَ النَّصْرُ المتعدي بـ (على): كقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250]" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 473).
* نوع الإضافة فِي (نَصْرُ اللَّهِ) :
~ الإضافة العهدية أولى من الإضافة الجنسية ~
أضاف النظم الكريم لفظ (نَصْرُ) إلى اسم الجلالة في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ للدلالة بها إما على العهد: "بناءً على أن مفعول (نَصْرُ اللَّهِ) هو الرسول، بقرينة قوله: ﴿فَسَبِّحْ﴾، فيكون المراد بالنصر النصر المذكور في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: 3]، واحتمال كونها للجنس خلاف الظاهر، ولذا مرَّضَه البيضاوي بقوله: "وقيل: المراد جنس نصر الله ... إلخ"، فيكون المفعول المحذوف (المُؤْمِنينَ)، ويُعلَمُ نصره بالأولوية، وهذا أولى من القول بأنَّه يدخل في المؤمنين دخولا أَوَّليًّا"" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 473).
* نكتة إضافة المصدر لفاعله في (نَصْرُ اللَّهِ) :
~ لولا المعونة الإلهية لفشلت المساعي البشرية ~
أضاف النظم الكريم لفظ المصدر (نَصْرُ) إلى فاعله في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ للدلالة على أن الجهد البشري في تحقيق النصر وقتال الأعداء والغلبة والظهور عليهم لم يكن ناجحًا لولا المعونة الإلهية والتيسير الرباني، بخَلْقِ القوة على الفعل والإقدار لهم عليه، وخذلان الكافرين وإفشال مساعيهم (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 406)، ففي إضافة النصر إلى الفاعل الحقيقي تربية سلوكية وغاية عقدية عظيمة.
* الغرض من الإضافة إلى اسم الجلالة :
~ التفخيم والتعظيم من الملك العليم بالنصر العزيز ~
أضاف النظم الكريم لفظ (المصدر) إلى اسم الجلالة في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ للدلالة على التفخيم والتعظيم لذلك النصر العزيز، وأنه ذو طبيعة مختلفة عن صور النصر العادية، فهو نصر تحقق على حين غرة وسرعة في الزمن؛ إذ تحوّل المسلمون من دور المدافع الذَّابّ عن بيضة الإسلام، إلى منتصر غالب فاتح في غضون سنوات معدودات، ففي الإضافة تشريف وإعزاز لذلك النصر، وأنه مؤيَّد بالله، حاصل بقدرته وقوته ورضاه، وبذلك يزداد النبي الكريم غبطةً ورِضًا وسُرورًا بذلك النَّصْرِ المُؤيَّد من الملك العلام، فيزداد إقبالًا على مولاه، مُسارِعًا في تبليغ ما كُلِّفَ به حتّى يتحقق النَّصر والفتح الموعودان. قال ابن عاشور: "إضافَةُ (نَصْرُ) إِلَى (اللهِ) تُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ هَذَا النَّصْرِ، وَأَنَّهُ نَصْرٌ عَزِيزٌ خارِقٌ لِلْعَادَةِ اعْتَنَى الله بإيجادِ أَسْبَابِهِ، وَلَمْ تَجْرٍ عَلَى مُتَعارَفِ تَوَلُّدِ الحَوادِثِ عَنْ أَمْثَالِهَا" (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 336)، (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 590).
* نُكْتَةُ العُدول في الإضافة عن (الرّب) إلى العلم الجليل :
~ قبلية الإيجاد وبعديتُه مُؤثرة في التعبير بربوبيته وألوهيته ~
أضاف النظم الكريم لفظ (نَصْرُ) إلى العلم الجليل (الله) في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ دون الإضافة إلى اللفظ المشتق (الرب)، وفي ذلك يقول الرّازي مُتسائلًا ومجيبًا: "لما ذَكَرَ وَعْدًا مُسْتَقْبَلًا بالنَّصْرِ، قَالَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَذَكَرَ ذَاتَهُ باسم (الله)، ولما ذَكَرَ النَّصْرَ الماضي حينَ قَالَ: ﴿وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ﴾ [العنكبوت: 10] فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ (الرَّبِّ)، فما السَّبَبُ في ذَلِكَ؟ الجواب: لِأَنَّهُ تَعَالَى بَعْدَ وُجودِ الفِعْلِ صَارَ رَبًّا، وَقَبْلَهُ مَا كَانَ رَبًّا لَكِنْ كَانَ إِلَها" (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 337)، فالعلم دال على مجرد الذات، والرَّبُّ دال على الذات بقيام الربوبية في تلك الذات، فيلاحظ قبل الفعل الذات وبعد الفعل الوصف.
* نُكْتَةُ حذف مفعولي (النصر والفتح) :
~ الإيجاز والاختصار من جماليات النظم ذي الأسرار ~
حذف النظم مفعولي (النصر والفتح) في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ لدلالة القرينة عليه، وهو قوله: ﴿فَسَبِّحْ﴾؛ فالمراد: نصر الله إياك وفتحه مكَّةَ لك، والغرض من الحذف الإيجاز والاختصار، ويحتمل أن يكون المفعول (المؤمنين)، وينبني على ذلك كون الإضافة عهديَّةً أو جنسيّةً كما تقدم، وجوز السمين أن يكون المقصود اللزوم في المصدرين بقوله: "ويجوز أن يكون المقصود إذا جاء هذان الفعلان من غير نظر إلى متعلَّقيهما؛ كقوله: ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: 44]" (السمين الحلبي، الدر المصون: 11/ 139).
* دلالة (الواو) في (وَالْفَتْحُ)، والغَرَضُ مِنها :
~ غاية الانتصار الكريم تحقيق الفتح المبين ~
عبر النظم الكريم بـ (الواو) في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ للدلالة على العطف المفيد للجمع والاقتران بين النصر والفتح، والعطف من عطف اللازم على الملزوم، والمسبّب على السبب، ولذا قدَّم النظم النصر على الفتح (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 336، والهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 414)؛ فيلزم من النصر وهو الإعانة والتأييد والإظهار على العدو تحقق الفتح، وهو الامتلاك لبلد العدو بفتح حصونه وأبوابه، قال ابن عاشور: "والنَّصْرُ: الإعانة على العدو، ونَصْرُ الله يَعْقُبُهُ التَّغَلُّبُ عَلَى العَدُوِّ، والفَتْحُ امْتِلاكُ بَلَدِ العَدوِّ وأَرْضِهِ لِأَنَّهُ يَكونُ بفَتْحِ بابِ البَلَدِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: 23]" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 590).
* دلالة التعريف بـ (أل) في (الْفَتْحُ) :
~ الأصل هو العهد وإنجاز الوعد ~
عرف النظم لفظ (الفتح) بـ (أل) في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ للدلالة بها على العَهْدِ المعلوم والمعروف عند المسلمين والعرب من أهل مكة وغيرهم المختص بـ (فتح مكة)؛ فهي الفتح الأعظم الذي بسببه توافد أهل مكة والعرب جميعًا للدخول في دين الله أفواجًا (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 591). ورجحه البيضاوي والقونوي بقوله: "قوله: (فتح مكة)؛ فاللام للعهد أو عوض عن المضاف إليه، وسبب العهدية هو كونه حاضرًا في الذهن، ويَتَرَقَّبُ إليه المؤمنون، ولذلك سمي فتح الفتوح" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 473).
ولو ذهبنا إلى أنَّ (أل) عوَضٌ عن المضاف إليه، فإنَّ الإضافة تكون للعهد، قال السمين: "و(أل) في (الفتح) عِوَضٌ مِنْ الإضافة أي: وفتحه، عند الكوفيين، والعائد محذوف عند البصريين، أي: والفتح منه، للدلالة على ذلك" (السمين الحلبي، الدر المصون: 11/ 139).
* سر التغاير بين الإضافة والتعريف :
~ خالق القوى والقَدر يَنصُرُ نبيه على كل شر مستطر ~
غاير النظم الكريم في التعبير عن (النَّصْرِ والفتح)؛ إذ عَرَّفَ النصر بالإضافة، في حين عرّف الفتح بـ (أل) في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ وعلَّل الرّازي ذلك بقوله: "فَإِنْ قِيلَ: لِمَ ذُكِرَ النَّصْرُ مُضافًا إلى الله تعالى، وذُكِرَ الفَتْحُ بِالأَلف واللام؟ الجواب: الألِفُ واللَّامُ لِلْمَعْهُودِ السَّابِقِ، فَيَنْصَرِفُ إلى فتح مكة" (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 339). والذي يبدو أن إضافة (النصر) إلى اسم الجلالة لما كانت سببًا للفتح أظهر النظم فاعل النصر وهو الله تعالى، فيكون الفتح لازما لذلك النصر المؤيد بإعلاء الله تعالى نبيه على الكافرين، فكانت (اللام) كافيةً للإشارة إلى أن الفتح بإقدار الله، ما دام أنَّ سببه كان بالإقدار الإلهي المحض والعناية الربانية التامة، ويمكن أن تُجعَلَ الإضافة للعموم والتعريف بـ (أل) للخصوص، فيكون النصر الواقع في المعارك سببًا لذلك الفتح، فعرّف العام بالإضافة، وعين الخاص بـ (أل).
* دلالة (الواو) والغرض منها :
~ الجمع والاقتران في الحوادث المستقبلية الزمان ~
عبر النظم الكريم بـ (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾؛ للدلالة بها على العطف المفيد للجمع والاقتران بين المجيء للنصر والفتح والرُّؤيةِ للنَّاس، ولما كان المعطوف عليه مرتبطا بالظرف المتضمن لمعنى الشرط، فإنَّ المعطوف قد تضمَّنَ ذلك أيضًا؛ فيكون الأمر بالتسبيح جوابًا عن كل من المعطوف والمعطوف عليه، والغَرضُ من العطف الجمع بين التحقق المستقبلي للنصر والفتح ورؤية الناس يتوافدون على الدخول في الدِّينِ أفواجًا، وهو من الإخبار بالغيب، الدال على صدق النبوَّة وحقَّيَّةِ الرسالة الإسلامية.
* دلالة فعل (الرُّؤية) مادةً وصيغةً :
~ الرؤية بالعين والمقل أدلُّ من العلم بالعقل والفكر ~
عبر النظم الكريم بفعل (الرُّؤية) ماضيًا في قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾؛ للدلالة بصيغته على تحقق فعل الرؤية تحققا مقطوعًا به، لا على سبيل الفرض والاحتمال، وليدل بمادته إما على الرؤية العلمية؛ فيكون بمعنى العلم والاعتقاد، أي: يتحقق لك العلم اليقيني بدخول الناس في الدين، وإما بمعنى الرُّؤية البصرية، أي: فتُبصِرُ النَّاسَ داخلين في الدين، والذي يتناسب مع تحقق وقوع الفعل وتأكيد الحصول للأمر المستقبلي هو حمل الرُّؤية على الرؤية البصرية؛ فيكون المجيء للنصر والفتح والرؤية أمرًا متحققا محسوسًا به، قال القونوي: "وهذا هو الظاهر؛ لأنَّ الدخول من المبصرات؛ إِذِ الرُّؤية وإن وقعَتْ عَلَى (النَّاسِ) لكنَّ المُراد الدخول، لكونه قيدا له، ومحط الفائدة القيد" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 475، وينظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 592).
* دلالة مرجع ضمير الفاعل في (رأيت) :
~ خطاب النبي الكريم بما يصلح إرشادا لجميع المقتدين ~
عبر النظم الكريم بـ (تاء) الفاعل في قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾؛ للدلالة بها إما على الحقيقة - كما هو الظاهر - بقرينة ﴿فَسَبِّحْ﴾، فيكونُ النَّبِيُّ هو المُخاطَب بذلك، أو على المجاز بأن يُراد به كلُّ مَن يتأتى منه الرُّؤية والإبصار ممَّن حَضَرَ ذلك التَّوافُدَ ورآه، فإنَّ الضمير قد يُطلقُ ويُراد به العموم مجازًا، ويكون ﴿فَسَبِّحْ﴾ حينئذٍ عاما ليس مختصا بالنبي الكريم (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 407)، والذي يتبين أنه عائد إلى النبي، وإرشاد لأُمِّتِهِ مِن بعده.
* دلالة التعريف بـ (أل) في (النَّاسَ) :
~ العاقل المستحق لقب الناس مَن أَمِنَ مِن شَرِّ الوسواس ~
عرف النظم الكريم بـ (أل) لفظ (النَّاسَ) في قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾؛ للدلالة بها إما على العَهْدِ الصادق بأقوامٍ معينة كأهل مكة واليمن (الواحدي، التفسير البسيط: 24/ 400)، أو على الاستغراق العرفي الصادق بالكثير من الناس (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 414)، قال ابن عاشور: "والتَّعْرِيفُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ للاسْتِغْراقِ العُرْفي، أي: جَمِيعَ النَّاسِ الَّذِينَ يَخْطُرُونَ بِالبَالِ لِعَدَمِ إرادة معهودينَ مُعيّنين، ولاسْتِحالَةِ دُخولِ كُلِّ إِنْسَانٍ في دين الله بدليل المُشاهَدَةِ، فَالمَعْنَى: (وَرَأَيْتَ نَاسًا كَثيرِينَ أَوْ وَرَأَيْتَ العَرَبَ)" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 593)، والغرض من تسمية الداخلين في الدين (النَّاسَ) الإشارة إلى أنَّهم الأحق بالتسمية من غيرهم؛ فكأنَّهم النَّاسُ العُقَلاء الذين اختاروا الحقَّ مِنهاجًا، ومن لم يكُنْ معَهُم فليس من النَّاسِ أصلًا؛ لعدم الانتفاع بعقله، قال الرازي: "المَقْصُودُ مِنَ الإِنْسانِيَّةِ والعَقْلِ إِنَّمَا هُوَ الدِّينُ والطَّاعَةُ، على ما قالَ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]؛ فَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ وَبَقِيَ عَلَى الكُفْرِ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ" (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 340)، فيكون في الاستغراق العرفي مدح لهم وتهكم وتعريض بغيرهم.
بقي أنَّ (النَّاسَ) مفعول للرؤية العلمية والبصرية؛ فإن أُريد بها العلمية فقد أعلمه الله تعالى بجميع من يؤمِنُ؛ سواءٌ رَآهُ أَوْ لم يَرَه، وإن أريد بها البصرية فإنَّه رأى الجم الغفير من المتوافدين (الواحدي، التفسير البسيط: 24/ 400).
* نُكْتَةُ التعبير بفعل (الدخول) مضارعًا :
~ استحضار الماضي بأسلوب الحال بيان لمهابة ذلك الجَمْعِ والاحتفال ~
عبر النظم الكريم بفعل (الدخول) مضارعا في قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾؛ للدلالة بصيغته على الحصول الاستمراري التجددي؛ إذ أقبلَ النَّاسُ مُتوافدين أفواجًا، يدخلون الإسلام بعضُهم وراء بعض، وللدلالة على استحضار الماضي وكأنه يقع الآن؛ إذ رؤيتهم في الماضي تدل على الدخول الماضي، فالتعبير عنه بالحال للدلالة على استحضار تلك الصورة المهيبة لذلك التوافد الكبير، المنسجم مع النصر والفتح المبين، وليَدُلُّ بمادته على الانضواء تحت راية الإسلام، مع إعلان الإيمان بالله ورسوله.
* دلالة إسناد الفعل إلى ضمير الجَمْع (الواو) :
~ الدخول الجماعي دليل عظمة الفتح الإلهي ~
أسند النظم الكريم فعل (الدخول) إلى ضمير الجمع (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾؛ للدلالة على أَنَّ الدخول بعد مجيء النصر وتحقق الفتح يكون جماعيا، وأما قبل ذلك فإنَّه فردي (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 407).
* دلالة الموقع الإعرابي لجملة (يَدْخُلُونَ) :
~ الدخول في الدين هيئة تليق بالواثقين ~
أوقع النظم الكريمُ الجُملة الفعلية (يَدْخُلُونَ) في قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾ إِمّا في موقع المفعول الثاني؛ بناءً على أنَّ (الرُّؤية) علميَّة تتعدَّى إلى مفعولين، والتقدير: (واعتقدت النَّاسَ داخلينَ) بما سَمِعتَ من أخبار يقينيّةٍ تُنبى عن ذلك (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 592)، أو في موقع الحال؛ بناءً على أنَّ (الرُّؤية) بصرية تتعدى إلى مفعول واحد، والتقدير: (أبصَرتَ الناس حال كونهم داخلين)، فيكون تقييدا للإبصار بتلك الحال، وبيانا لهيئة الناس وتوضيحا لحالهم (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب: 32/ 339).
* دلالة الاستعارة التصريحية التبعية في الجار :
~ تشبيه العلاقة التلبسية بالعلاقة الظرفية ~
عَبَّر النّظم الكريم بحرف الجر (في) في قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾؛ للدلالة على الظرفية المجازية (السمين الحلبي، الدر المصون: 11/ 140)، إذ شبّه الملابسة والالتصاق بالدين بملابسة المظروف للظرف (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 592)، فاستعار الحرف (في) للدلالة على الملابسة؛ مُبالغةً في الدخول في الدين، وإظهارا لشدَّةِ الملابسة الالتصاقية به.
* دلالة الإضافة في (دِينِ اللَّهِ) :
~ الإضافة العهدية دالة على انحصار الديانة في الشريعة الإسلامية ~
أضاف النظم الكريم لفظ (دين) إلى الاسم الجليل (الله) في قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾؛ للدلالة على تعريف الدين وتمييزه عن الأديان الباطلة التي تُسمَّى دِينًا مَجَازًا، وَبَيَانًا لكون الإسلام هو الدين المنتسب إلى الذات الإلهية بالقبول والرضا؛ لأنَّه المشرع والمنزل له، وما عداه اختراع وتحريف وضلال؛ فالإضافة للعهد الصادق بالإسلام، واكتسب المضاف من المضاف إليه تشريفا وتعظيمًا وتفخيما.
* دلالة الاستعارة المكنية في (دين) :
~ الدين وحدة اجتماعية ورابطة متينة قلبية ~
عبر النظم الكريم بلفظ (دِينِ) ظرفًا للداخلين فيه في قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾؛ مع أَنَّ الدِّينَ أَمرٌ معنوي؛ إذ هو جملة من الأحكام والاعتقادات التي تجري في قلوب المؤمنين بها، وكون الناس داخلين فيه يدلُّ على أَنَّ الدِّينَ قد شُبِّهَ بـ (بيت) مثلًا يدخلُهُ النَّاسِ، ثمَّ حُذِفَ الْمُشبَّه به، وأبقي من خواصه ولوازمه الدخول (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 592).
والغرض من الاستعارة: إضفاء الصفة الحسية على الدين وجعله مكانا يحوي الداخلين فيه، ممّا يُضفي عليهم جوا من الانسجام والتعايش، يُميزهم عن الداخلين في غيره أو المشردين في ظلمات الأوهام وجهالات القفار والفيافي.
* دلالة الموقع الإعرابي (أَفْوَاجًا) :
~ مهابة القدوم جديرة بإزاحة الهموم ~
عبر النظم الكريم بلفظ (أَفْوَاجًا) في قوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾؛ للدلالة على الحال المبينة لهيئة الداخلين بأنَّهم جماعات متوالية ومتوافدة؛ احترازًا عن الدخول الفردي الأحادي (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 407)، وتُسمى الحال يكون صاحبها واقعا في جملة حال سابقة الحال المتداخلة؛ فيُفيد تقييد المقيد؛ إذ الدخول قيد للرؤية والأفواج قيد للداخلين من الناس، فتكون الرؤية مقيدة بالداخلين على هيئة الأفواج مما يُرجعُ كونَ الرُّؤية بصرية، وأفاد الحال دلالة القدوم بهيئة مهيبة في النفوس، دالة على عظمة النصر، مع تحقق الإنجاز للتكليف النبوي بالتبليغ والدعوة إلى الله تعالى.
* سر التعبير بصيغة الجَمْع (أَفْوَاجًا) :
~ جمع الجماعة لإضفاء الحركة المتتابعة ~
عبر النظم الكريم بصيغة الجمع (أَفْوَاجًا) في قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾؛ للدلالة على الجماعات المتتابعة؛ إذ الفوج يُطلق على الجماعة الكثيرة (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 593)، فيكون جمعه دالا على التتابع لتلك الأفواج المتكاثرة على مد البصر، قال القونوي معلقًا على عبارة البيضاوي: "جماعات كثيفةً ما نصه: "أي كثيرةً، وإطلاق (الكثيفة) عليها استعارة للمبالغة، وللإشارة إلى أنَّ كلَّ جماعة من تلك الجماعات كثيرة كثيفة، فلا ينافي التعبير بـ (أَفْوَاجًا) أي: جماعات متفرقة" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 474)، فهي وإن كانت مُتفرّقةً لكنها متتابعة، وما ذلك إلا أمر خارق للعادة، ناسبه التعبير عنه بالنصر الإلهي العظيم في ﴿جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾.
* سر التعبير بـ (الفاء)، والغرض منها :
~ المسارعة إلى التسبيح تحقق نتائج التكليف ~
عبر النظم الكريم بـ (الفاء) في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ للدلالة على ربط الجواب بالشرط المفيد لتسبب التسبيح عما قبله تسببًا يفيد المسارعة؛ لما فيها من معنى التعقيب السببي بلا مهلة، أي: إذا حصل ما تقدم فانشغل بالتسبيح (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 594).
* دلالة فعل (التسبيح) مادةً وصيغةً :
~ من كان شأنه التسبيح فإن أمره به يدل على الثناء الخاص المليح ~
عبر النظم الكريم بفعل (التسبيح) أمرًا في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ للدلالة بصيغته على الطلب المفيد للوجوب على سبيل المبالغة والتكثير؛ وليَدلُّ بمادته على التنزيه والتبعيد لله تعالى عن سمات النقص والعجز والضعف، ثم اختلف المفسرون في دلالته على (التسبيح) الحقيقي والمجازي على التفصيل الآتي:
أولا: المعنى الحقيقي: قال القونوي: "أي: التسبيح على حقيقته" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 476)، وبين ابن عاشور أنَّ المراد بالتسبيح نوع خاص من التسبيح، فقال: "وإنَّما يَحْتاجُ إلَى تَذْكِيرِهِ بِتَسْبِيحٍ خَاصٍّ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ قَبْلُ فِي تَسْبيحاتِهِ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 594).
ثانيا: المعنى المجازي: وهو يحتمل علاقتين منه على التفصيل الآتي:
علاقة السببية: قال القونوي: "(التسبيح) قد يُستعمل في معنى (التعجب) مجازًا مُرسَلًا؛ لأنَّ مَن رأى شَيْئًا عَجَبًا يقولُ: (سُبحانَ الله) فيكون سببًا" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 475)، وجوزه ابن عاشور بقوله: "وَيَجوزُ أَن يكون التَّسْبِيحُ المَأْمُورُ بِهِ تَسْبِيحَ ابْتِهَاجِ وَتَعَجُّبٍ مِنْ تَيْسِيرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ ما لا يَخْطُرُ بِبالِ أَحَدٍ أَنْ يَتِمَّ لَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ (سُبْحانَ اللَّهِ) وَنَحْوَهُ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّعَجبِ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 594).
ذكر الجزء وإرادة الكلّ: قال القونوي "التسبيح مجاز عن الصلاة لأنَّ التسبيح من أجزائها، هذا بناءً عَلَى أَنَّ مُطلَقَ الجُزء، سواءٌ كَانَ الكل منتفيًا بانتفائه كالسجود، أو لا كالتسبيح" (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 475).
والذي يتجه أنَّ الأمر بالتسبيح بصيغة الفعل دال على إنجاز فعل متعلق بالكعبة، وهو تطهيرها من الأصنام والأوثان، وليس المراد منها التسبيح القلبي أو اللساني أو المعنى التعجبي أو الصَّلاة؛ لأنَّ الكعبة كانت قبل الفتح مليئة بالأصنام والأوثان، ولا يتسنى الطَّواف والصَّلاةُ إليها في تلك الحالة، فأُمِرَ بالتسبيح لله بصيغة الفعل الدال على الحدوث لإنجاز فعل التطهير، فيكون مُسبحًا بالفعل، فهو مجاز استعاري قائم على استعارة التسبيح للتطهير استعارة تصريحية تبعية.
* نكتة التعبير بـ (الباء)، والغرض منها :
~ المعية دالة على التبعية ~
عبر النظم الكريم بـ (الباء) في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ للدلالة على المصاحبة والملابسة، فتكون (الباء) بمعنى (مع)، والتَّقدير: (صاحِبِ التسبيح بالتحميد ومعه)، والأصل في (الباء) بمعنى (مع) أن تدخل على المتبوع، فيقال: (جاء الوزير مع السلطان) ولا يقال: (جاءَ السُّلطان مع الوزير)، فيكون التسبيح تابعا للتحميد، والمعنى: أثن على ربك واحمده بتبعية التسبيح والتنزيه، فالتسبيح وإنْ ذُكِرَ لفظًا قبل التحميد، لكنه تابع له تحققا، قال ابن عاشور: "وَقَرَنَ التَّسْبِيحَ بِالحَمْدِ بـ (باءِ المُصاحَبَةِ) الْمُقْتَضِيَةِ أَنَّ التَّسْبِيحَ لاحِقٌ لِلْحَمْدِ؛ لِأَنَّ بِاءَ المُصاحَبَةِ بِمَعْنَى (مَع)؛ فهيَ مِثْلَ (مَعَ) في أَنَّها تَدْخُلُ عَلَى المَتَّبوع، فَكَانَ حَمْدُ اللَّهِ عَلَى حصولِ النَّصْرِ والفَتْحِ ودخولِ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ شَيْئًا مَفْرُوعًا مِنْهُ، لا يحتاجُ إلَى الأمر بإيقاعه" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 594).
* دلالة موقع الجار والمجرورِ (بِحَمْدِ رَبِّكَ) :
~ المزج بين التسبيح والثناء دال على الشوق والفناء ~
أوقع النظم الكريم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ مَوقع الحال، والتقدير: (فسبح حامِدًا رَبَّكَ)، أو (مُلتبِسًا بحمد ربك) (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 475)، وهو حال مقدّرة؛ أي: سبح حال كونك ناويا الحمد، ومقدرا له الحصول، وفي هذا الامتزاج بين الحمد والتسبيح دلالة على أهمية التنزيه والثناء على الملك المعبود.
* دلالة تقديم التسبيح على التحميد :
~ تقديم التنزيه للتخلية وتأخير التحميد للتحلية ~
قدم النظم الكريم التسبيح على التحميد لفظًا في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ للدلالة على أنَّ التسبيح الذي هو التنزيه تخلية للجناب المقدَّس عن صفات النقص، وأنَّ الحمد الذي هو الثناء بالجميل على الجميل الاختياري هو التحلية للمولى الجليل بنعوت الإكرام والعظمة، والتخلية متقدمة على التحلية.
* نكتة إضافة المصدر اسما فِي (بِحَمْدِ رَبِّكَ) :
~ دوام الحمد وثباته، وتجدد التسبيح وحدوثه ~
أضاف النظم الكريم لفظ (الحمد) مصدرًا إلى (الرَّبِّ) في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ للدلالة على توجيه الحمد للرب تعالى، تمييزا له عن الحمد الموجه للأرباب الباطلة، فهو من إضافة المصدر لمفعوله، وفاعل الحمد مستتر يعود إلى فاعل التسبيح، وحُذِفَ المسبح له من جملة الأمر، ودل عليه لفظ الرّب من إضافة الحمد. وإنَّما عبّر عن التسبيح بالفعل والحمدِ بالمصدر؛ لأنَّ التسبيح فعل يقع على سبيل الحدوث والتجدد في المستقبل، بخلاف الحمد الدال على الدوام والثبات.
* نكتة إضافة المشتق إلى الضميرِ فِي (رَبِّكَ) :
~ تمييز الرب وتعيينه وتمجيد الرسول وتفخيمه ~
أضاف النظم الكريم الاسم المشتق (رب) إلى ضمير المخاطب (الكاف) في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ للدلالة على التعيين والتعريف؛ إذ إضافة النكرة إلى الضمير تكسبها التعين والتميز، والغرض من التعريف تمييز الرّبِّ الحقيقي عن بقية الأرباب الباطلة، كما أفادت الإضافة تشريفا وتعظيمًا لَقَدْرِ النَّبيِّ الكريم، فالمضاف اكتسب التعريف، والمضاف إليه اكتسب التفخيم.
* دلالة ذكر لفظ الاسم الأحسن (الرّب) دون العلم الجليل :
~ معرفة الله وحده تتعارض مع تسمية الأصنام أربابا باطلة ~
عبر النظم الكريم بلفظ (الرّب) دون العلم الجليل (الله) في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، مع أنَّه عبَّرَ بالعلم في الآيتين السابقتين فقالَ: ﴿جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾؛ لأن عنوان الربوبية يتناسق مع طلب التسبيح والتحميد والاستغفار؛ إذ الربوبية تُشعِرُ بالعِلةِ لإيجاد تلك الأحداث، فيكونُ ذِكرُ (الرّب) مشتقا لإفادة التعليل؛ أي: لأنه ربك وتولَّى العناية بك، وحقق لك ما كنت تصبو إلى تحقيقه، فأنجز له التسبيح والتحميد والاستغفار.
وأما عنوان الألوهية واستحقاق العبادة والتعرف إليه بالذات الجليلة التي يدلُّ عليها العلم فيتناسق مع الإخبار بمجيء النصر الإلهي ودخول الناس في دينه؛ فالنصر والدين أمران منسوبان إلى الذات بعنوان الألوهية، كما أفاد التعبير بلفظ (الرب) عن تلك الذات المعبر عنها بالاسم العلم الإشارة إلى أنَّ الله هو الرب الحقيقي، وأما الأرباب المدعوة من دونه فليست أربابًا، ويكون بذلك التقديم للفظ الألوهية على لفظ الربوبية إنكار لمعتقدهم أنَّه الله، ويدعون من دونه أربابًا يُشركون بها الله في العبودية.
* دلالة العدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر :
~ التكريم والعناية بالرسول المستحق للرعاية ~
وضع النظم الكريم الاسم الظاهر (الرّب) بدلًا من ضمير الغيبة في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، وكَانَ الْمُنَاسِبُ مع تقدم ذكر العلم الجليل مرتين أن يقول: (فسبِّحْ بِحَمْدِهِ)؛ لما في صِفَةِ (رَبِّ) وإضافَتِها إِلَى ضَمِيرِ المُخاطَبِ مِنَ الإِيمَاءِ إِلَى أَنَّ مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ النَّصْرِ والفَتْحِ ودخولِ النَّاسِ في الإسلام نِعْمَةً أَنْعَمَ الله بها عَلَيْهِ، إِذ حَصَلَ هَذا الخَيْرُ الجَليلُ بواسِطَتِهِ، فَذَلِكَ تَكْرِيمٌ لَهُ وَعِنايَةٌ به، وهوَ شَأْنُ تَلَطَّفِ الرَّبِّ بِالمَرْبوبِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ السّيادَةُ الْمَرْفَوقَةُ بالرفق والإبلاغ إلى الكمال (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 595).
* دلالة (الواو) والغرض منها :
~ الجَمْعُ بين التسبيح والاستغفار استعداد للارتحال لدار القرار ~
عبر النظم الكريم بـ (الواو) في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾؛ للدلالة على العطف المفيد للجمع والاقتران بين التسبيح والتحميد والاستغفار، وكلها مطلوبة الإنجاز، فالجامع بين المعطوف والمعطوف عليه من التسبيح الممزوج بالحمد عقلي؛ لاتحاد ذات المسند إليه، كما أنَّ التسبيح والتحميد راجعان إلى ملاحظة الرب والخالق، والاستغفار راجع إلى ملاحظة حال المخلوق (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2042)، والجامع بينهما خيالي، كما يقتضي عطفُ الْأَمْرِ بِاسْتِغْفَارِ الله تعالى على الأمر بالتَّسْبِيحِ مَعَ الحَمْدِ أَنَّهُ مِنْ حَيْزِ جَوابِ (إِذَا)، وَأَنَّهُ اسْتِغْفَارٌ يَحْصُلُ مَعَ الحَمْدِ، مِثْلَما قُرِّرَ فِي ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ اسْتِغْفَارٌ خاص؛ لِأَنَّ الْاسْتِغْفَارَ الَّذِي يَعُمُّ طَلَبَ غُفْرانِ التَّقْصِيرِ وَنَحْوَهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِن قَبْلُ، وَهُوَ مِن شَأْنِ النَّبِيءِ (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 595).
* دلالة فعل (الاستغفار) مادةً وصيغةً :
~ استغفار المعصوم عبادة وشكر في العموم ~
عبر النظم الكريم بفعل (الاستغفار) أمرًا في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾؛ للدلالة بصيغته على طَلَبِ الغُفران على سبيل المبالغة والكثرة، وليَدلَّ بمادته على ستر وتغطية، لكن الأمر للرسول - وهو المعصوم عن الذنوب كبيرها وصغيرها - بالاستغفار استدعى تأويله، فقرر الزمخشري أنَّ الأمر "بِالاسْتِغْفَارِ مَعَ التَّسْبِيحِ تَكْمِيلٌ لِلْأَمْرِ بما هوَ قِوامُ أَمْرِ الدِّينِ، مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الطاعة والاحتراسِ مِنَ المَعْصِيَةِ، وليكونَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ مَعَ عِصْمَتِهِ لُطْفًا لِأُمَّتِهِ، وَلِأَنَّ الْاسْتِغْفَارَ مِنَ التَّواضُعِ وَهَضْمِ النَّفْسِ، فَهُوَ عِبَادَةٌ في نَفْسِهِ" (أبو حيان، البحر المحيط: 10/ 564)، كما أنَّ "استغفاره لأنه كان دائمًا في الترقي، إذا ترقى إلى مرتبة استغفر لما قبلها، وقيل: لتعليم أمته (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2041)، و"يُمكن أن يكون استغفاره لما يَعرِفُ من عظيم قَدْرِ الله وعظمته، فيرى أنَّ عبادته وإن كانت أجل من عبادة جميع العابدين، فهي دون ما يليق بهذا الجلال" (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2041). والذي يتبين أنَّ أمره بالاستغفار عن ذنب لو صَدَرَ لاستحق الاستغفار عليه، لكنّه لا يصدرُ ولن يصدر، ولذا كان شكرًا على نعمة عدم الصدور منه.
* دلالة تعليق التسبيح والتحميد والاستغفار على الشرط :
~ تعليق المذكورات بخصوص الشرط دال على اختلاف النمط ~
علق النظم الكريم الأمر بالتسبيح المقترن بالتحميد مع الأمر بالاستغفار على تحقق الشرط من النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجًا في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾؛ للدلالة على أنَّ التسبيح الممزوج بالحمد والاستغفار من نوع خاص مرتبط بما حصل له، من إتمام الأمر واكتمال النعمة ووصول الدعوة إلى هدفها المنشود، فيكون ربط هذه التسبيحات والتحميدات والاستغفارات بإتمام الأمر كناية رمزيةً على قرب ارتحال المصطفى الكريم من دار الدنيا إلى دار الآخرة؛ وذلك لأنه لم يكن ينفك عن التسبيح والتحميد والاستغفار خلال سني حياته الشريفة، فيكون في تخصيص ذلك بحصول الإتمام للأمر دليل على أنه تسبيح خاص، وتحميد خاص، واستغفار خاص، يليق بالارتحال والانتقال.
* دلالة تقديم التسبيح والتحميد على الاستغفار :
~ لنيل الغفران يُقدم التسبيح والثناء على الرحمن ~
قدم النظم الكريم التسبيح المقترن بالتحميد على الاستغفار في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَ رَاجِعُ إِلَى وصف الله تَعَالَى بِالتَّنَزَّهِ عَنِ النَّقْصِ، وَهُوَ يَجْمَعُ صِفاتِ السَّلْبِ، فَالتَّسْبِيحُ مُتَمَحِّضٌ لِجَانِبِ الله تعالى، وَلِأَنَّ الحَمْدَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّه لإنعامه، وهو أداءُ العَبْدِ مَا يَجِبُّ عَلَيْهِ لِشُكْرِ الْمُنْعِمِ؛ فَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ إِثْبَاتَ صِفاتِ الكَمَالِ لِلَّهِ الَّتِي هِيَ مَنْشَأُ إِنْعَامِهِ عَلَى عَبْدِهِ، فَهوَ جَامِعٌ بَيْنَ جَانِبِ الله وحَظِّ العَبْدِ، وأما الاسْتِغْفَارُ فَهُوَ حَظٍّ لِلْعَبْدِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ طَلَبُهُ من الله أَنْ يَعْفَوَ عَمَّا يُؤَاخِذُهُ عَلَيْهِ (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 595)، كما أن في تقديم الأمرِ بالتسبيح والحَمْدِ عَلَى الأَمْرِ بِالاسْتِغْفَارِ تَمْهِيدًا لِإِجَابَةِ اسْتِغْفَارِهِ، عَلَى عَادَةِ العَرَبِ فِي تَقْدِيمِ الثَّنَاءِ قَبْلَ سُؤَالِ الحَاجَةِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ الله لَمْ يَكُنْ يَخْلُو عَنْ تَسْبِيحِ الله، فأريدَ تَسْبِيحُ يُقارِنُ الحَمْدَ على ما أَعْطِيَهُ مِنَ النَّصْرِ والفَتْحِ، ودخولِ الأُمَّةِ في الإسلام (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 594).
* دلالة اللف والنشر المرتب :
~ توالي الإخبار بالنعم يتوافق مع الشكر على المنن ~
عبر النظم الكريم بأسلوب (اللف والنشر المرتب) في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾؛ إِذِ الأمر بالتسبيح الملابس للحمد يدلُّ على وقوعه بعد الحمد مقترنا به، فيكون الحمد مبدوء بهِ ومُتناسقًا مع ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾، والتسبيح الذي - من جملته بطريق الإشارة - إزالة الأوثان من الكعبة متناسق مع (فتح مكة)، والاستغفار منسجم مع رؤية الناس يدخلون في دين الله أفواجًا؛ لأنَّ ذلك المنظر مستحق للعجب في الأصل، وإن كان النَّبِيُّ مَعصُومًا عنه؛ فهو طلب استغفار عن ذنبٍ مُحتمل الصدور من غيره، فيكون شكرًا على نعمة العصمة وعدم مخالطة الذنب لقلبه الشريف.
* نُكْتَةُ الفصل في جملة: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} :
~ تذييل الكلام وتعليل ما يحتاج إلى الإفهام ~
فصل النظم الكريم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ عَمَّا قَبلَه؛ لكونه تذييلا مستأنفا استثنافًا بيانيًّا؛ إذ نشأ من طلب الاستغفار سؤال مفاده: ما عِلَّةٌ ذلك وما سبب طلب الاستغفار؟ فأجاب بأنَّه كان توابا (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 597).
* نكتة التعبير بـ (إنَّ) والغرض منها :
~ توكيد الكلام لإفادة الاهتمام بالأحكام ~
عبر النظم الكريم بـ (إنَّ) في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾؛ للدلالة على تحقيق الخبر وتأكيده؛ اهتماما به وتنويها بشأنه، وللتعليل لطلب الاستغفار (القونوي، حاشية على تفسير البيضاوي: 20/ 478)؛ إذ الجملة الاسمية المصدرة بـ (إنَّ) في أمثال هذا المقام تُفيد التعليل، فتقوم مقام (الفاء) في التسبب (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 597).
* دلالة مرجع الضمير الغائب في (إِنَّهُ) :
~ من كمال التربية التوفيق للتوبة ~
أعاد النظم الكريم ضمير الغائب في الجملة الاسمية من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ إلى لفظ (الرّب)؛ للدلالة على أَنَّ مَن أحسن إليك وربّاك واعتنى بك، فإنَّه يوفقك للتوبة ما دُمْتَ مُسبحًا بحمده، شاكرًا لأنعمه، وذلك هو شأنك الشريف.
* سر التعبير بالفعل الناقص (كَانَ) :
~ دلالة الكون الماضي على الاستمرار مع الإشعار بالقبول ~
عبر النظم الكريم بالفعل الناقص (كَانَ) في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ للدلالة على ثبوت التوبة من الله تعالى والتوفيق لها على سبيل التمكن والاستمرار، وأنَّ ذلك القبول والتوفيق أمر مقطوع بحصوله لتمكنه واستمراره، ولذا قال ابن عاشور: "وَفِعْلُ (كَانَ) هنا مُسْتَعْمَلٌ في لازم مَعْنَى الاتِّصافِ بِالوَصْفِ فِي الزَّمَنِ الماضي، وهو أَنَّ هَذا الوَصْفَ ذاتيٌّ لَهُ لا يَتَخَلَّفُ مَعْمُولُهُ عَنْ عِبَادِهِ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 597).
* نكتة التعبير بصيغة المبالغة (تَوَّابًا) :
~ كثرة التوبة بالنظر إلى أهل الأوبة ~
عبر النظم الكريم بالمشتق (تَوَّابًا) في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾؛ للدلالة بصيغته على كثرة قبول التوبة على عباده. ولا يَرِدُ أن "صفات الله تعالى التي على صيغة المبالغة كلها مجاز؛ لأنَّها موضوعة للمبالغة، ولا مُبالغة فيها؛ لأنَّ المبالغة أنْ يَثْبُتَ للشَّيء أكبر وأكثر مما له، وصفاته تعالى منزّهة عن ذلك، لأن التحقيق أن صيغة المبالغة قسمان: أحدهما: ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل. والثاني: بحسب تعدد المفعولات.
ولا شك أنَّ تعدُّدها لا يوجب للفعل زيادة، إذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة متعدّدين، وعلى هذا القسم تُنَزَّلُ صفاته. قال الزمخشري: "المبالغة في التوبة للدلالة على كثرة من يتوب عليه، أو لأنه بليغ في قبول التوبة بحيثُ يُنزِّلُ صاحبُها مَنزِلَةَ مَن لم يُذْنِبُ قط لسَعَةِ رحمتِهِ وكَرِمِهِ" (الهرري، حدائق الروح والريحان: 32/ 411)، وفسَّرَ ابن عاشور المبالغة بقوله: "فالمعنى: هوَ شَديدُ القَبولِ لِتَوْبَةِ عِبادِهِ، كَثِيرٌ قَبُولُهُ إِيَّاها"، فلم يجعل الشِّدَّةَ في الفعل نفسه، بل في مُتعلَّقِهِ وهو القبول (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 597).
* دلالة المشتق (تَوَّابًا) مادةً :
عبر النظم الكريم بلفظ (تَوَّابًا) المشتق من الفعل (تاب الله عليه)؛ للدلالة على التوفيق للتوبة والهداية لها (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 597).
* دلالة العدول عن (غَفَّارًا) إلى (تَوَّابًا) :
~ التكنية عن الغفران بالتوفيق للتوبة بالبرهان ~
عدل النظم الكريم عن صيغة المبالغة (غفَّارًا)، إلى صيغة المبالغة (تَوَّابًا) في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، مع أَنَّ مُقتضى النظمِ أَنْ يُعبِّر بـ (الغفّار)؛ لأنه المناسب لطلب الاستغفار، وذلك "إيماء إلى أَنَّ أَمْرَهُ بِالاسْتِغْفَارِ إِرْشَادٌ إِلَى مَقام التَّأَدُّبِ مَعَ الله تعالى، فَإِنَّهُ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ بِعِبادِهِ، لَوْلا تَفَضَّلُهُ بِما بَيَّنَ لَهُمْ مِنْ مُرَادِهِ، وَلِأَنَّ وصف (تواب) أشدُّ مُلاءَمةً لإقامة الفاصِلَةِ مَعَ فَاصِلَةِ (أَفْوَاجًا)؛ لِأَنَّ حَرْفَ الجِيمِ وَحَرْفَ البَاءِ كِلَيْهِمَا حَرْفٌ مِنَ الحُروفِ الْمَوْصُوفَةِ بالشِّدَّةِ، بِخِلافِ حَرْفِ الرّاءِ فَهوَ مِنَ الحُروفِ الَّتِي صِفَتُهَا بَيْنَ الشَّدَّةِ والرِّخْوَةِ" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 598)، ولأنَّ من لوازم التوبة والتوفيق لها المغفرة، فعبر بالملزوم كناية عنها، فيكون من قبيل ذِكْرِ الشَّيءِ بدليله؛ فكأَنَّه قال: أغفر لأني كثير التوفيق للتوبة. وعلل بعضُهم العدول بقوله: "للتنبيه على أنَّ الاستغفار إنَّما يَنفَعُ إذا كان مع التوبة؛ لأنَّ المطلوب طلب وقاية شر الذنب الماضي بالدُّعاء والندم عليه، ووقاية شر الذنب المتوقع بالعزم على الإقلاع منه، وهذا هو الذي يمنع الإصرار" (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2042).
* دلالة (التنكير) في صيغة (تَوَّابًا) :
~ تفخيم شأن التوبة تأنيس لطالبي القربى ~
نكر النظم الكريم لفظ الخبر (تَوَّابًا) في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾؛ للدلالة على تفخيم الصفة والمبالغة في عَظَمَتِهَا، فَإِنْ كانت صيغة المبالغة تفيد كثرةً في متعلقات التوبة، فإنَّ التنوين يفيد التعظيم والتفخيم في التوفيق للتوبة والهداية لها، فيَسعَدُ المُخاطَبُ بذلك، ويعلم علمًا يقينيًّا بقبول التوبة وعظيم الهداية لها. قال ابن عاشور: "وَقَدِ اشْتَمَلَتِ الجُمْلَةُ عَلَى أَرْبَعِ مُؤَكِّداتٍ هِيَ: (إِنَّ، وكانَ، وصيغَةُ المُبالَغَةِ فِي التَّوَّابِ، وَتَنْوينُ التَّعْظِيمِ فِيهِ)" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 597).
* نُكْتَةُ حَذْفِ مُتعلّق صيغة المبالغة (تَوَّابًا) :
~ تقدير ما فهم سياق العلم يُساعد على الفهم ~
حذف النظم الكريم متعلّق المشتق (تَوَّابًا) في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، والتقدير: (توّابًا على التائبين)، ولا يقدر بنحو: (على كل أحدٍ)؛ لأنّ "الكَلامَ تَذْييلُ وتَعْلِيلٌ لِلْكَلامِ السَّابِقِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ حَذَفَ مُتَعَلِّقِ (تَوَّابًا) يُقَدَّرُ بِنَحْو: (عَلَى التَّائِبِينَ)، وَهَذَا الْمُقَدَّرُ مُرَادٌ به العموم، وهوَ عُمومٌ مَخصوص بالمَشيئَةِ، وَلَمَا ذَكَرَ دَلِيلَ العُمُومِ عَقِبَ أَمْرِهِ بِالاسْتِغْفارِ، أَفادَ أَنَّهُ إِذا اسْتَغْفَرَهُ غَفَرَ لَهُ: دَلَالَةً تَقْتَضِيهَا مُسْتَتَّبِعاتُ التَّراكيب" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 597).
* دلالة اللف والنشر المرتب :
~ علة التسبيح الربوبية، وعلة الاستغفار التوابية ~
عبر النظم الكريم بأسلوب اللف والنشر المرتب في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾: إِذِ الضمير في (إِنَّهُ) راجع إلى الرَّبِّ الدال على تعليل التسبيح والثناء، و(تَوَّابًا) راجع إلى ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ الدال على تعليل الأمر به.
* دلالة (الكناية أو المجاز المرسل) في الجملة الاسمية :
~ قبول توبة التائبين مستلزم إكرام أعظم الوافدين ~
كنى النظم الكريم بالجملة الاسمية في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ عن الوعد للرسول بِحُسْنِ القَبولِ عِنْدَ الله تَعَالَى حِينما يَقْدُمُ عَلَى العَالَمِ القُدْسِيّ، وهَذا مَعْنَى كِنائي؛ لِأَنَّ مَنْ عُرِفَ بكَثْرَةِ قَبولِ تَوْبَةِ التَّائِبِينَ، شَأْنُهُ أَنْ يُكْرِمَ وَفَادَةَ الوَافِدِينَ، الَّذِينَ سَعَوْا جُهودَهُمْ فِي مَرْضاتِهِ بِمُنْتَهَى الاسْتِطَاعَةِ، أَوْ هُوَ (مَجاز) بعَلاقَةِ اللُّزومِ العُرْفِيِّ؛ لِأَنَّ مُنْتَهَى مَا يَخَافُهُ الْأَحِبَّةُ عِنْدَ اللِّقَاءِ مَرَارَةُ العتاب، فالإخبارُ بِأَنَّهُ تَوَّابٌ اقْتَضَى أَنَّهُ لَا يَخَافُ عِتَابًا (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 597).
## الفُروقُ الْمُعْجَمِيَّةُ :
* النَّصْرُ والفَتْح :
~ مِن لَوَازِمِ النَّصْرِ الفتح ~
(النصر): الإغاثة والإظهار على العدو، ومنه نَصَرَ الغيثُ الأرض إذا أغاثها وأعانها على إخراج نباتها. و(الفتح): فتح البلد، والفصل بينك وبين الأعداء (مجمع البحوث، التفسير الوسيط: 10/ 2040).
فالعلاقة بين النصر والفتح علاقة تلازم؛ إذ يَلزَمُ من تحقق النصر والغلبة على الأعداء فتح بلادهم والتمكن من أوطانهم.
موسوعة التفسير البلاغي، المجلد 68، من ص 593 إلى ص 619
مجمع القرآن الكريم بالشارقة.
التعريف العام بالسورة :
~ سورة الكافرون ثار نقاش طويل حول مكيتها أو مدنيتها ~
المكي والمدني وعد الآي :
سورة الكافرون ثار نقاش طويل حول مكيّتها أو مدنيتها، فَذَكَرَ ابنُ عطية مكيتها إجماعًا (ابن عطية، المحرر الوجيز: 5/ 531)، وأما القرطبي فقد قدم القول بمكيتها على غيره، فقال: "وَهِيَ مَكَّيَّةٌ فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ. وَمَدَنِيَّةٌ في أَحَدٍ قَوْلَي ابْنِ عَبّاسٍ وقتادة والضّحاك" (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 20/ 224). وارتضى السيوطي مكيتها (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن: 1/ 42). والحقيقة أن موضوعها وأسلوبها يشهدان المكيتها.
وأما عدد آياتها فيقول فيها الداني: "وهي ست آيات في جميع العدد، ليس فيها اختلاف" (الداني، البيان في عد آي القرآن: ص 293).
ترتيب النزول وترتيب المصحف :
~ الترتيب المصحفي بين سورتي الكوثر والنصر ~
~ هذه السورة من قصار سور المفصل ~
هذه السورة هي التاسعة بعد المائة في الترتيب المصحفي الشريف، وهو الترتيب الثابت والمعوّل عليه عند أهل النظر والتحقيق، وقد جاءت بعد سورة الكوثر وقبل سورة النصر. وأما ترتيبها النزولي فعُدّتِ الثَّامنة عشرة، نزلت بعد سورة الماعون وقبل سورة الفيل (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 580، ودروزة، التفسير الحديث: 252، وعبد القادر ابن ملا حويش، بيان المعاني: 1/ 174).
فضائل السورة :
لم يثبت شيء من الروايات في فضل هذه السورة سوى ما تقدم فيها وفي غيرها من سور المفصل، الذي قال فيه النبي فيما رواه عنه واثلة بن الأسقع: «أُعطيت مكانَ التَّوراةِ السَّبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفَضَّلْتُ بالمُفصَّلِ» (أخرجه أحمد في المسند، برقم: 16982، والطبراني في المعجم الكبير: 22/ 76، والبيهقي في شعب الإيمان، برقم: 2415).
اسم السورة ومناسبة تسميتها :
~ سورة الكافرون اشتهرت بهذا الاسم ~
وردت تسميتها بسورة قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ في صحيح البخاري (ذكره البخاري في صحيحه: 4/ 1900)، يقول ابن عاشور: عُنونت هذه السورة في المصاحف التي بأيدينا قديمها وحديثها، وفي معظم التفاسير (سورة الكافرون) بإضافة (سورة) إلى (الكافرون)، وبثبوت واو الرفع في (الكافرون) على حكاية لفظ القرآن الواقع في أولها.
ووقع في بعض التفاسير (سورة الكافرين) بياء الخفض في لفظ (الكافرين) بإضافة (سورة) إليه، أن المراد: سورة ذكر الكافرين، أو نداء الكافرين.
وتُسمَّى هي وسورة قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (الإخلاص: 1) الْمُقَشْقِشَتَين؛ لأنهما تُقَشْقِشان من الشرك، أي: تُبَرّئان منه، يقال: قشقش: إذا أزال المرض. وتسمّى أيضًا "سورة الإخلاص"، فيكون هذان الاسمان مشتركين بينها وبين سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1].
وقيل: إنها تسمّى "سورة العبادة"، وتُسمّى "سورة الدين" (ابن عاشور، التحرير والتنوير: 30/ 579).
وقد قام البقاعي بالربط بين أسمائها ومقصودها، فقال: ومقصودها: إثبات مقصود الكوثر، بالدليل الشهودي، على أن منزلها كامل العلم، شامل القدرة؛ لأنه المنفرد بالوحدانية. فلذلك لا يقاوي من كان معه .... وهذا المراد بكل من أسمائها (البقاعي، مصاعد النظر: 3/ 260، نظم الدرر: 22/ 300).
أما (الكافرون): فمن وجهين؛ ناظر إلى إثبات، وناظر إلى نفي؛ أما المثبت: فمن حيث إنّه إشارة إلى تأمل جميع السورة، من إطلاق البعض على الكل، أما النافي: فمن جهة أنهم إنما كفروا بإنكار ما هو مقصودها؛ إما صريحًا كالوحدانية وتمام القدرة، وإما لزوما، وهو العلم، فإنه يلزم من نقص القدرة نقصه.
وأما الإخلاص: فلأن من اعتقد ذلك كان مؤمنا مخلصًا بريئًا من كل شرك، وكل كفر. وأما المُقَشْقِشَة: فلأنها أبرأت من كل نفاق وكفر (البقاعي، مصاعد النظر: 3/ 260-261).
المحور العام للسورة :
~ محور السورة يقوم على إعلان المفاصلة مع المشركين ~
~ مدار السورة إعلان البراءة من عبادة الكافرين ~
المحور الذي قامت عليه السورة هو إعلان البراءة من المشركين ومن معبوداتهم التي يعبدونها؛ وذلك من خلال التأكيد على عدم استجابة المؤمنين لما دعاهم إليه الكافرون ثم بيان إصرار الكافرين على عدم الاستجابة لدين الله والتوجه إليه بالعبادة، وفي آخر السورة: بيان المفاصلة النهائية بين دين المؤمنين ودين الكافرين.
موضوعات السورة وخصائصها :
يقول الزحيلي عن أغراضها: "هذه السورة المكية: سورة البراءة من عمل المشركين والإخلاص في العمل الله تعالى، وضعت الحَدَّ الفاصل النهائي بين الإيمان والكفر، وبين أهل الإيمان وعبدة الأوثان، فحينما طلب المشركون المهادنة من رسول الله ، وأن يعبد الهتهم سَنَةً، ويعبدوا إلهَهُ سَنةً، نزلت السورة تقطع أطماع الكفار الرخيصة، وتفصل النزاع بين فريقي: المؤمنين والكافرين إلى الأبد" (الزحيلي، التفسير المنير: 30/ 437).
الخصائص الموضوعية للسورة :
~ تميزت "سورة الكافرون" بخصائص أفردتها عن غيرها من السور ~
تميزت السورة الكريمة بجملة من الخصائص الموضوعية والأسلوبية، منها:
أولاً: براعة الاستهلال، حيث لم يُشاركها في مطلعها بفعل الأمر قل سوى سورة الجن والإخلاص والمعوذتين، وقد اشتركت جميعها بالدعوة إلى التوحيد، وبضرورة الالتجاء إلى الله دون سواه، وبتحقيق المفاصلة بين دعوة الحق ودعوة الباطل، واشتركت كذلك بتحقيق الالتجاء إلى الله ، والاستعاذة به من شرور خَلقه.
ثانيا: تعانق خاتمتها مع مقدمتها ، فلو وضعت الآية الأولى بجانب الأخيرة لظهر مقصود السورة الَّذي قامت عليه، قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ... لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.
الخصائص الأسلوبية للسورة :
~ تميزت سورة الكافرون بأساليب تعبيرية أفردتها عن غيرها من السور ~
أولاً: تكرار قوله: ﴿وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ مرتين، وهذا التكرار له أغراضه البلاغية التي جاء من أجلها.
ثانيا: كُرّرت بعض الألفاظ فيها تكرارًا ظاهرًا، فقد وردت لفظة العبادة ثمان مرّات بصيغ مختلفة، وتكرر فيها الاسم الموصول (ما) أربع مرات، وكذلك حرف النفي (لا) أربع مرات، ولفظة (الدين) مرتين.
ثالثا: الأنساق التعبيرية الفريدة التي لم تُشاركها فيه سورة أخرى، فكل سبائكها وتراكيبها لم تتكرر في القرآن الكريم.
موسوعة التفسير البلاغي، المجلد 68، من ص 558 إلى ص 561
مجمع القرآن الكريم بالشارقة.