آية (٦٦) : (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ)
* الفرق بين كلمة (بطونه) في آية سورة النحل و (بطونها) في آية سورة المؤمنون :
قال تعالى في سورة المؤمنون (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُون (٢١)) .
قاعدة: المؤنث يؤتى به للدلالة على الكثرة بخلاف المذكر وذلك في مواطن عدة كالضمير واسم الإشارة وغيرها.
- آية النحل تتحدث عن إسقاء اللبن من بطون الأنعام واللبن لا يخرج من جميع الأنعام بل يخرج من قسم من الإناث فجاء بضمير القلة وهو ضمير الذكور.
- آية المؤمنون الكلام فيها على منافع الأنعام من لبن وغيره وهي منافع تعم جميع الأنعام ذكورها وإناثها صغارها وكبارها فجاء بضمير الكثرة وهو ضمير الإناث لعموم الأنعام.
آية (٦٧) : (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)
* ما دلالة قوله تعالى (أفلا يعقلون) وهل يعقل السكران؟
- هذه الآية مكيّة نزلت قبل تحريم الخمر. والسَكَر في اللغة من أشهر معانيها الخمر ، وقد قال تعالى (سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) دلالة على أن ما يتخذه الإنسان من ثمرات النخيل والأعناب يكون إما سَكَراً (وهو ليس بالرزق الحسن) أو الرزق الحسن إشارة إلى أن الخمر ليس من الرزق الحسن مع أنه لم يكن قد نزل تحريمها.
-- لم يقل في الآية لعلكم تشكرون لأنه لم يجعل السَكَر من باب النعم حتى لا يشمل الشكر الخمر.
--- استخدام كلمة (يعقلون) فيه تعريض بالخمر لأنه يزيل العقل فكأن الذي يعقل ينبغي أن ينتهي عنه. والتعريض بالضدّ موجود في اللغة فهذا سكران فهل يعقل؟ هذا للسخرية.
---- الخطاب في الآية لم يأت للمؤمنين وإنما فيما يتخذه الإنسان من ثمرات النخيل والأعناب (السكر والرزق الحسن).
آية (٦٩) : (ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
* سلك بمعنى دخل والقرآن الكريم لم يستعمل سلك أو يسلك في الآخرة في دخول الجنة مطلقاً وإنما استعملها فقط في النار (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) المدثر) ربما - والله أعلم – لأن السلوك هو أيسر "حُفّت الجنة بالمكاره وحفّت النار بالشهوات" فكأن الدخول إليها أيسر لأنها حفت بالشهوات فاستعمل سلك التي هي أيسر، سلك فيها سهولة ويُسر (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً (٦٩) النحل) أي مذللة.
آية (٧٠) : (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ)
* الفرق بين جعل وخلق :
الخلق هو الإيجاد على تقدير توجيه حكمة الله سبحانه وتعالى ، الأصل الإيجاد على تقدير من غير مثال سابق.
الجعل فعل عام يحمل معاني كثيرة منها الصُنع وإيجاد الشيء من الشيء والتبديل والشروع في الشيء (جعل يُنشد قصيدته) يعني شرع وبدأ.
والذي رأيناه أن كلمة خلق وجعل إجتمعتا في القرآن الكريم في أربعة عشر موضعاً، وحيثما إجتمعتا تقدّم الخلق على الجعل – إلا في موضع واحد - يبدأ الكلام ب(خلق) وإذا بنى عليها شيئاً يبني بـ(جعل) لأن الخلق إيجاد والجعل شيء من شيء فهو من الخلق ، وهنا في سورة النحل (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ .. (٧٠)) ثم قال بعدها (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً .. (٧٢)).
آية (٧٥) : (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ)
* ختمت الآية بقوله (هَلْ يَسْتَوُونَ) بالجمع بينما في سورة الزمر (هَلْ يَسْتَوِيَانِ) بالمثنى :
في النحل (وَمَن رَّزَقْنَاهُ) ليست بالضرورة أن تكون مفرد، كلمة (مًن) تكون للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث يبدأ بالمفرد المذكر(لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ (١٠) الحديد) ويأتي فيما بعد بالدلالة (أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا (١٠) الحديد) قال (من أنفق) مفرد ثم قال (أولئك) جمع، هذا هو الأفصح لغةً ، (عَبْدًا مَّمْلُوكًا) يراد به الجنس ليس شخصاً واحداً، عندما جاء بـ (من) قصد الكل فقال (يستوون) بالجمع.
في الزمر ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا (٢٩)) الكلام عن اثنين فقط فقال (لا يستويان) هذا أقل من ذاك، هذا رجل فيه شركاء متشاكسون وذاك عبداً مملوكاً، فهذا أقل وأنسب للتثنية.
آية (١٥٢) : (وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
* عبر تعالى عن صون ماله بقوله (وَلاَ تَقْرَبُواْ) ولم يقل لا تأكلوا مال اليتيم أو لا تأخذوا لأن النهي عن القرب منه أبلغ في التحذير من النهي عن الوقوع فيه فمن لم يقترب لم ير ولم يطمع ومن ثم الوقوع في المنهي أبعد.
* في سورة يس قدم النخيل على الأعناب (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) مع أنه عكس الترتيب في سورة عبس (فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩)) وفي سورة الرعد (وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ) :
لاحظ القرآن لم يذكر شجرة العنب مطلقًا، اسمها الكرمة لم يذكرها، ذكر العنب لأن الشجرة ليست فيها فائدة كبيرة فيذكرها بإسم الفاكهة. أما النخل لا يذكر الثمر وإنما يذكر الشجرة لأن الشجرة فيها فوائد كثيرة إضافة إلى الثمر.
في سورة يس (وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)) هو قال جنات، ما هي الجنات أشجار أم ثمر؟ شجر المقصود بالنخيل والأعناب هنا هو الشجر شجر النخيل وشجر الأعناب وليس الثمر لأنه قال (لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ)، إذن هو لم يذكر الفاكهة نفسها وإنما ذكر الأشجار ولا شك أن شجرة النخيل هي أهمّ من شجرة العنب، كلها فائدة ليس فيها شيء يُرمى كل شيء يستفاد منه السَعَف والليف والجذع، كله، شجرة العنب ماذا تفعل؟ لا شيء. فإذن أيّ الأفضل شجرة النخيل أو العنب؟ النخيل.
في سورة عبس تقديم العنب أولى لأنه:
- قال (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) مدار الكلام على الطعام وليس الجنات (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا) هذا كله طعام، ذكر الحَبّ والعنب والقضب والزيتون ثم بدأ بالأشجار إذن الأهمية اختلفت والترتيب اختلف، ذكر الأطعمة أولاً ثم ذكر شجر النخل بعده.
- الأمر الثاني فيما يتعلق بالكثرة قدّم ما هو كثير ذكر الحَبّ هو أكثر شيء ثم ذكر العنب يأتي بعده ثم الزيتون أقل انتشارًا من العنب، ثم النخل أقل، التمر ليس بكثرة العنب ولا الزيتون، إذن من ناحيتين صار التقديم في عبس من ناحية الكثرة ومن ناحية كونه طعام أو غير طعام.
في سورة الرعد ذكر التجاور (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ) ثم قال (وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ) يقصد هنا بالزرع الحشائش، الزرع متقارب جدًا ومتجاور أكثر من أشجار الفاكهة التي ينبغي أن يكون بينها مسافة حتى تأتي بالثمر، فقدم الجنات ثم قال (وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ) جمع صنو يعني فسائل النخل تخرج من نبتة واحدة، من أصل الشجرة، أيّ أقرب المذكورين للتجاور؟ النخيل، فإذًن العنب أبعدها يحتاج إلى مسافات أطول، والزرع مسافة أقل والصنوان من شجرة واحدة أقرب. رتبها هنا وفق ما يتعلق بالتجاور.
آية (٧٩) : (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)
* الفرق بين استخدام لفظتى (مُسَخَّرَاتٍ) و(اللَّهُ) في سورة النحل و لفظتى (صَافَّاتٍ) و(الرَّحْمَنُ) في سورة الملك:
قال تعالى في سورة الملك (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)).
- لفظتى (اللَّهُ) و (الرَّحْمَنُ) :
- كلمة الرحمن لم ترد في سورة النحل كلها (١٢٨ آية) بينما وردت أربع مرات في سورة الملك (٣٠ آية).
- كلمة الله في سورة النحل وردت ٨٤ مرة بينما وردت في الملك ثلاث مرات.
- لم يرد إسناد الفعل سخّر في جميع القرآن إلى الرحمن وإنما ورد (سخرنا، الله سخر) ولهذا حكمة بالتأكيد.
- السياق في سورة المُلك هو في ذكر مظاهر الرحمة (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)) (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ .. (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ .. (٢١)) حتى لمّا حذرهم حذّرهم بما أنعم عليهم من قبل (وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)) ولم يقل فكيف كان عقاب كما جاء في آية سورة الرعد وهذا من مظاهر الرحمة.
- السياق في سورة النحل في التوحيد والنهي عن الشرك (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ .. (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)) حتى ختم آية النحل (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ولفظ (الله) مأخوذ من العبادة فهو الأنسب هنا.
- لفظتى (مُسَخَّرَاتٍ) و (صَافَّاتٍ) :
- قال في سورة النحل (مُسَخَّرَاتٍ) من باب القهر والتذليل وليس من باب الإختيار ولا يناسب الرحمة.
- في سورة الملك جعل اختيار (صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ) من باب ما يفعله الطير ليس فيها تسخير وإعطاء الإختيار من باب الرحمة ثم ذكر حالة الراحة للطير (صَافَّاتٍ) وهذا أيضاً رحمة.