المخرج من كل غم
قال ابن الجوزي: ضاق بي أمرٌ أوجب غمًا لازمًا دائمًا، وأخذتُ أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل حيلة وبكل وجه، فما رأيت طريقًا للخلاص، فعرضت لي هذه الآية:{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} ،فعلمت أن التقوى سببٌ للمخرج من كل غم، فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى فوجدت المخرج .
{ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم}
عن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت فُضيلاً يقول ذات ليلةٍ وهو يقرأ سورة محمد، وهو يبكي ويردد هذا الآية:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم} ،وجعل يقول{ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم}،ويردد: وتبلو أخبارنا، إن بلوت أخبارنا فضحتنا، وهتكت أستارنا! أنك إن بلوت أخبارنا أهلكتنا وعذبتنا! ويبكي .
وما ينفعني عَرضُها ؟!
أخذ أحد الصالحين يبكي لما قرأ قوله تعالى:{وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين} ،فقيل له: لقد أبكتك آية ما مثلها يبكي! إنها جنة عريضة واسعة، فقال: يا ابن أخي؛ وما ينفعني عرضها إن لم يكن لي فيها موضع قدم .
{إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ }
عن الحارث بن سعيد قال: كنا عند مالك بن دينار وعندنا قارئ يقرأ: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} .جعل مالك ينتفض وأهل المجلس يبكون حتى انتهى إلى
هذه الآية:{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه } فجعل مالكٌ – والله- يبكي ويشهق حتى غشي عليه، فحمل بين القوم مغشيا عليه .
اللهم بلَى!
كان جعفر بن حرب يتقلد كبار الأعمال للسلطان، وكانت وظيفته تقارب وظيفة الوزارة، فاجتاز يوما راكبًا في موكبٍ له عظيم فسمع رجلا يقرأ:{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ } ؛ فصاح: اللهم بلى، يكررها، ثم بكى وتاب ورد المظالم التي كانت عليه، وانقطع للعلم والعبادة حتى مات .
{ لاَ تُحْصُوهَا}!
كان الحسن البصري رحمه الله يردد في ليلة قوله تعالى:{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} ، فقيل له في ذلك، فقال: إن فيها لمُعتبرًا، ما نرفع طرفًا ولا نرده إلا وقع على نعمة، وما لا نعلمه من نعم الله أكثر .
اتق الله !!
خرج هارون الرشيد يومًا من مجلس الإمارة فاعترضه يهوديٌ وقال له: اتق الله، فنزل هارون من على دابته وسجد على الأرض، فقال له أتباعه: إنه يهودي، قال هارون: اتق الله!{وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَاد} .
فأين القرآن إذًا ؟
وها هوَ الإمام أحمدُ – عليه رحمة الله- في مجلسه وبين تلاميذه؛ ويأتي سفيه من السفهاء فيسبه ويشتمه ويُقذِعُهُ بالسب والشتم، فيقول له طلابه وتلاميذه: يا أبا عبد الله؛ رُدَّ على هذا السفيه، قال: لا والله؛ فأين القرآن إذًا!؟{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا} .
كان بإمكانه أن يرد عليه وما منع طلابه الانبراء له برد هو ما اعتادوا عليه من علمهم السابق بمنهج الشيخفي عدم مماراة هذا الصنف من الناس امتثالاً لهذه الآية العظيمة!.
{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ}
هذه امرأة لم يرزقها الله ذرية، مرت على ما استطاعت الوصول إليه من الأدوية الطبية والشعبية بلا فائدة، وكان زوجها ذات يوم يتحدث مع إمام المسجد فقال له: لِمَ لا تقرأُ سورة نوح بحضور قلبٍ، وتستغفر ما استطعت من الاستغفار؟
قالت: فجاء زوجي وأخبرني بذلك، ثم قال: ما رأيك أن ننفذ هذه الوصية؟ فرحبت بما قاله، وقرأنا سورة نوح بتدبر، وفيها قوله تعالى:{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} ، وأكثرنا الاستغفار والدعاء بإلحاح، وما هي إلا أشهرٌ حتى بدأت أشعر بأعراض الحمل، وذهبت إلى الطبيبة وكانت النتيجة أني حامل.
{اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ }
أحد الدعاة في مصر يتحدث عن قصة اعتقاله فيقول: لما دخلنا سجن القلعة وكان تحت الأرض؛ أُدخلنا إلى زنازين انفرادية، وكانت أصوات المعَّذبين وأنَّاتُهُم تتعالى حولنا ليلا ونهارًا، وكانت الزنزانة مليئة بالماء فيد شبر ونصف، وكنا في زمهرير الشتاء، فلا مجال للنوم من أصوات التعذيب، ولا من الماء الذي يغمر أرجلنا، فكانت محنة شديدة، وما كان يخفف عنا إلا ذكر الله، وبقية من إيمان أُشربناه في أيام الرخاء النسبي التي سبقت اعتقالنا.وفي ليلة من الليالي وقد اشتدت علىَّ المحنة، وضاقت الزنزانة ضيقًا على ضيقِ؛ رأيت فيما يرى النائم – وهو حلم يقظة – أن قد دخل علىَّ أحد الصالحين الذين أعرفهم، فاستبشرت برؤيته خيرًا، فسلم وسألني هل تحفظ سورة الأعراف، قلت نعم، قال اقرأ:{وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُون (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين (128) قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون } ، فلما قرأتُها – كأنها أنزلت لتوها وكأني لم أقرأها من قبلُ – ثبت الله بها قلبي ، وسكَّن فؤادي، وحلَّت عليَّ رحمات كأنما أنما في بيتي
على فراشي، فعجبت من أثرها، وصرت بعدها أقرؤها على إخواني كلما رأيت من أحدهم ضعفًا أو استسلامًا، والحمد لله الذي أحيانا بعد هذا المحنة وسلَّمنا.